Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:185–188
7:185–186Page 174
أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥
Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?
مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦
Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.
﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَمّا حَضَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ مُفَرِّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ، أعْقَبَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ووُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فُرِّدَ مِنَ المَوْجُوداتِ مَحَلٌّ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ ووَحْدانِيَّتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ (وأنْ) مَعْطُوفٌ عَلى (ما) في قَوْلِهِ: وما خَلَقَ، وُبِّخُوا عَلى انْتِفاءِ نَظَرِهِمْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وهي أعْظَمُ المَصْنُوعاتِ وأدِلَّتِها عَلى عَظَمَةِ الصّانِعِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا عامًّا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ فانْدَرَجَ السَّماواتُ والأرْضُ في ما خَلَقَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخُصُّ أنْفُسَهم، وهو انْتِفاءُ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في أنَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ، فَيُبادِرُهُمُ المَوْتُ عَلى حالَةِ الغَفْلَةِ عَنِ النَّظَرِ في ما ذَكَرَ فَيَئُولُ أمْرُهم إلى الخَسارِ وعَذابِ النّارِ، نَبَّهَهم عَلى الفِكْرِ في اقْتِرابِ الأجَلِ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ، وإلى طَلَبِ الحَقِّ وما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ قَبْلَ مُقانَصَةِ الأجَلِ، وأجَلُهم وقْتُ مَوْتِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاقْتِرابِ الأجَلِ اقْتِرابُ السّاعَةِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها عَسى وما تَعَلَّقَتْ بِهِ، وقَدْ وقَعَ خَبَرُ الجُمْلَةِ غَيْرِ الخَبَرِيَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي مِثْلِ: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] فَـ ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] جُمْلَةُ دُعاءٍ، وهي غَيْرُ خَبَرِيَّةٍ، فَلَوْ كانَتْ أنْ مُشَدَّدَةً لَمْ تَقَعْ عَسى ولا جُمْلَةُ الدُّعاءِ لَها، لا يَجُوزُ: عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا عَسى أنْ يَخْرُجَ، ولا عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا لَعَنَهُ اللَّهُ، وأنْتَ تُرِيدُ الدُّعاءَ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً يَعْنِي أنْ تَكُونَ المَوْضُوعَةُ عَلى حَرْفَيْنِ، وهي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّها تُوصَلُ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ مُطْلَقًا، يَعْنُونَ ماضِيًا ومُضارِعًا وأمْرًا، فَشَرَطُوا فِيهِ التَّصَرُّفَ، وعَسى فِعْلٌ جامِدٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِأنْ، وعَسى هُنا تامَّةٌ، وأنْ يَكُونَ فاعِلٌ بِها، نَحْوَ: قَوْلِكَ عَسى (p-٤٣٣)أنْ تَقُومَ، واسْمُ يَكُونَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أجَلُهُمْ﴾، وقَدِ اقْتَرَبَ الخَبَرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: اسْمُ يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ، في مَوْضِعِ خَبَرِ يَكُونَ، وأجَلُهم فاعِلٌ بِاقْتَرَبَ، وما أجازَهُ الحَوْفِيُّ فِيهِ خِلافٌ، فَإذا قُلْتَ كانَ يَقُومُ زَيْدٌ فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ زَيْدًا هو الِاسْمُ، ويَقُومُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ، ومِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ في ذَلِكَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجَوازُ اخْتِيارُ ابْنِ مالِكٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مُسْتَوْفاةَ التَّقْسِيمِ والدَّلائِلِ في شَرْحِنا لِكِتابِ التَّسْهِيلِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ وما قَبْلَها: تَوْقِيفُهم وتَوْبِيخُهم عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم نَظَرٌ ولا تَدَبُّرٌ في شَيْءٍ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، ولا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ، ثُمَّ قالَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ، أوْ أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم؛ إذْ لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَعَنْ أيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقاتِلُ
والمَعْنى: إذا لَمْ أُقاتِلْ عَنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أُقاتِلُ عَنْ غَيْرِها ؟ ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو الصِّدْقُ المَحْضُ وفِيهِ نَجاتُهم وخَلاصُهم، فَكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ مِن طِباعِهِمُ التَّصْدِيقُ بِما فِيهِ خَلاصُهم، والضَّمِيرُ في بَعْدَهُ لِلْقُرْآنِ، أوِ الرَّسُولِ وقِصَّتِهِ وأمْرِهِ، أوِ الأجَلِ؛ إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجْلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما لَهم لا يُبادِرُونَ إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ الفَوْتِ ؟ ما يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ ؟ وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا ؟
﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ نَفى نَفْيًا عامًّا أنْ يَكُونَ هادٍ لِمَن أضَلَّهُ اللَّهُ، فَتَضَمَّنَ اليَأْسَ مِن إيمانِهِمْ والمَقْتَ بِهِمْ.
﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ والحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (ونَذَرُهم) بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ، وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ قَطْعِ الفِعْلِ، أوْ أضْمَرَ قَبْلَهُ ونَحْنُ، فَيَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وقَرَأ ابْنٌ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ والأخَوانِ وأبُو عَمْرٍو فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ بِالياءِ والجَزْمِ، ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ بِالنُّونِ والجَزْمِ، وخُرِّجَ سُكُونُ الرّاءِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَكَنَ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، كَقِراءَةِ: وما يُشْعِرْكم، ويَنْصُرْكم، فَهو مَرْفُوعٌ، والآخَرُ أنَّهُ مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ: فَلا هادِيَ لَهُ، فَإنَّهُ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، فَصارَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ﴾ [البقرة: ٢٧١]، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَزْمِ في راءِ ونُكَفِّرْ. ومِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أنّى سَلَكْتُ فَإنَّنِي لَكَ كاشِحٌ ∗∗∗ وعَلى انْتِقاصِكَ في الحَياةِ وازْدَدِ
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] الضَّمِيرُ في يَسْألُونَكَ لِقُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ السّاعَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ، قالَ حَسَلُ بْنُ أبِي بَشِيرٍ وشَمْوِيلُ بْنُ (p-٤٣٤)زَيْدانَ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ السّاعَةِ، فَإنّا نَعْرِفُها فَإنْ صَدَقْتَ آمَنّا بِكَ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والقَضاءَ والقَدَرَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المَعادِ، وأيْضًا فَلَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾، وكانَ ذَلِكَ باعِثًا عَلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ أتى بِالسُّؤالِ عَنِ السّاعَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ وقْتَها مَكْتُومٌ عَنِ الخَلْقِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ، مَوْتُ مَن كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا، وبَعْثُ الجَمِيعِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السّاعَةِ واسْمُ القِيامَةِ، والسّاعَةُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: أيّانَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والسُّلَمِيُّ بِكَسْرِها حَيْثُ وقَعَتْ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ، ومُرْساها مَصْدَرٌ، أيْ: مَتى إرْساؤُها، وإثْباتُها: إقْرارُها، والرُّسُوُّ: ثَباتُ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ، وأرْسَيْتُ السَّفِينَةَ، والمَرْسا المَكانُ الَّذِي تَرْسُو فِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُرْساها إرْساؤُها أوْ وقْتُ إرْسائِها، أيْ: إثْباتُها وإقْرارُها، انْتَهى، وتَقْدِيرُهُ أوْ وقْتُ إرْسائِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ أيّانَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الوَقْتِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الوَقْتِ إلّا بِمَجازٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: في أيِّ وقْتٍ وقْتُ إرْسائِها ؟ وأيّانَ مُرْساها مُبْتَدَأٌ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ مُرْساها مُرْتَفِعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، ولا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ، وأيّانَ مُرْساها جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ البَدَلِ مِنَ السّاعَةِ، والبَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، وذَلِكَ العامِلُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها اسْتِفْهامٌ، ولَمّا عَلَّقَ الفِعْلَ وهو يَتَعَدّى بِعْنَ صارَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَهو بَدَلٌ في الجُمْلَةِ عَلى مَوْضِعِ عَنِ السّاعَةِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ المَجْرُورِ نَصْبٌ، ونَظِيرُهُ في البَدَلِ قَوْلُهم: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هو ؟ عَلى أحْسَنِ المَذاهِبِ في تَخْرِيجِ هَذِهِ المَسْألَةِ، أعْنِي: فَيَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ تَكُونُ في مَوْضِعِ البَدَلِ.
7:187Page 174
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧
They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."
﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ . أيِ: اللَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ السّاعَةِ عُمُومًا ثُمَّ خُصِّصَ بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِها، جاءَ الجَوابُ عُمُومًا عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، ثُمَّ خُصِّصَتْ مِن حَيْثُ الوَقْتُ، فَقِيلَ: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، وعِلْمُ السّاعَةِ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْها مِنَ الغَيْبِ أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، والمَعْنى لا يُظْهِرُها ويَكْشِفُها لِوَقْتِها الَّذِي قُدِّرَ أنْ تَكُونَ فِيهِ إلّا هو، قالُوا: وحِكْمَةُ إخْفائِها أنَّهم يَكُونُونَ دائِمًا عَلى حَذَرٍ، فَإخْفاؤُها أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، كَما أخْفى الأجَلَ الخاصَّ وهو وقْتُ المَوْتِ لِذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، أيْ لا تَزالُ خَفِيَّةً ولا يُظْهِرُ أمْرَها ويَكْشِفُ خَفاءَ عِلْمِها إلّا هو وحْدَهُ إذا جاءَ بِها في وقْتِها بَغْتَةً، لا يُجَلِّيها بِالخَبَرِ عَنْها قَبْلَ مَجِيئِها أحَدٌ مِن خَلْقِهِ لِاسْتِمْرارِ الخَفاءِ بِها عَلى غَيْرِهِ إلى وقْتِ وُقُوعِها. انْتَهى، وهو كَلامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ وعُجْمَةٌ.
﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ أنْفُسِها، لِتَفَطُّرِ السَّماواتِ وتَبَدُّلِ الأرْضِ ونَسْفِ الجِبالِ، وقالَ الحَسَنُ: ثَقُلَتْ لِهَيْبَتِها والفَزَعِ مِنها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقالَ (p-٤٣٥)السُّدِّيُّ: مَعْنى ثَقُلَتْ خَفِيَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمْ يَعْلَمْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ مَتى تَكُونُ، وما خَفِيَ أمْرُهُ ثَقُلَ عَلى النُّفُوسِ، انْتَهى، ويُعَبَّرُ بِالثِّقَلِ عَنِ الشِّدَّةِ والصُّعُوبَةِ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، أيْ شَدِيدًا صَعْبًا، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَلى، تَقُولُ: ثَقُلَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ثَقِيـــلٌ عَلَـــى الأعْــــداءِ
فَإمّا أنْ يُدَّعى أنَّ في بِمَعْنى عَلى، كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أيْ: ويُضَمَّنُ ثَقُلَتْ مَعْنى يَتَعَدّى بِفي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: كُلٌّ مِن أهْلِها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ أهَمَّهُ شَأْنُ السّاعَةِ، ووَدَّ أنْ يَتَجَلّى لَهُ عِلْمُها وشَقَّ عَلَيْهِ خَفاؤُها وثَقُلَ عَلَيْهِ أوْ ثَقُلَتْ فِيهِما؛ لِأنَّ أهْلَهُما يَتَوَقَّعُونَها ويَخافُونَ شَدائِدَها وأهْوالَها؛ ولِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ لا يُطِيقُها ويَقُومُ لَها، فَهي ثَقِيلَةٌ فِيهِما.
﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ مِنكم وعَدَمِ شُعُورٍ بِمَجِيئِها، وهَذا خِطابٌ عامٌّ لِكُلِّ النّاسِ، وفي الحَدِيثِ: إنَّ السّاعَةَ لَتَهْجُمُ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يَسُومُ سائِمَتَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ.
﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤالِهِمْ، أيْ مُحِبٌّ لَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: كَأنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤالُهم عَنْها، وعَنْهُ أيْضًا: كَأنَّكَ مُجْتَهِدٌ في السُّؤالِ مُبالِغٌ في الإقْبالِ عَلى ما تُسْألُ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّكَ طالِبٌ عِلْمَها، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِالسُّؤالِ عَنْها والِاشْتِغالِ بِها حَتّى حَصَلْتَ عَلَيْها، أيْ تُحِبُّهُ وتُؤْثِرُهُ، أوْ بِمَعْنى أنَّكَ تَكْرَهُ السُّؤالَ لِأنَّها مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ ولَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ مُحْتَفٍ ومُحْتَفِلٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، وحَقِيقَتُهُ كَأنَّكَ بَلِيغٌ في السُّؤالِ عَنْها؛ لِأنَّ مَن بالَغَ في السُّؤالِ عَنِ الشَّيْءِ والتَّنْقِيرِ عَنْهُ اسْتَحْكَمَ عِلْمُهُ فِيهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ مَعْناهُ المُبالَغَةُ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، واحْتِفاءُ النَّعْلِ اسْتِئْصالُهُ، وأحْفى في المَسْألَةِ ألْحَفَ، وحَفِيَ بِفُلانٍ وتَحَفّى بِهِ بالَغَ في البِرِّ بِهِ، انْتَهى، وعَنْها إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيَسْألُونَكَ، أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْها، وتَكُونُ صِلَةُ حَفِيٌّ مَحْذُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، أيْ: مُعْتَنٍ بِشَأْنِها حَتّى عَلِمْتَ حَقِيقَتَها ووَقْتَ مَجِيئِها، أوْ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ أوَمُعْتَنٍ بِأمْرِهِمْ فَتُجِيبُهم عَنْها لِزَعْمِهِمْ أنَّ عِلْمَها عِنْدَكَ، وحَفِيٌّ لا يَتَعَدّى بِعْنَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فَعَدّاهُ بِالباءِ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿حَفِيٌّ﴾ عَلى جِهَةِ التَّضْمِينِ؛ لِأنَّ مَن كانَ حَفِيًّا بِشَيْءٍ أدْرَكَهُ وكَشَفَ عَنْهُ، فالتَّقْدِيرُ: كَأنَّكَ كاشِفٌ بِحَفاوَتِكَ عَنْها، وإمّا أنْ تَكُونَ عَنْ بِمَعْنى الباءِ كَما تَكُونُ الباءُ بِمَعْنى عَنْ في قَوْلِهِ:
؎فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي
أيْ عَنِ النِّساءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، بِالباءِ مَكانَ عَنْ، أيْ: عالِمٌ بِها بَلِيغٌ في العِلْمِ بِها.
﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ عِلْمُ مَجِيئِها في عِلْمِ اللَّهِ، وظَرْفِيَّةُ عِنْدَ مَجازِيَّةٌ، كَما تَقُولُ: النَّحْوُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أيْ في عِلْمِهِ، وتَكْرِيرُ السُّؤالِ والجَوابِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِما جاءَ بِهِ مِن زِيادَةِ قَوْلِهِ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، بَلْ يَظُنُّ أكْثَرُهم أنَّهُ مِمّا يَعْلَمُهُ البَشَرُ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُنْكِرُونَ المَعادَ ويَقُولُونَ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] الآيَةَ. وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنِّي أخْبَرْتُكَ أنَّ وقْتَها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ أخْفَيْتُ مَعْرِفَةَ وقْتِها، والأظْهَرُ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ.
7:188Page 175
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨
Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."
﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٣٦)قالَ أهْلُ مَكَّةَ: ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَتَشْتَرِيَ وتَرْبَحَ ؟ وبِالأرْضِ الَّتِي تَجْدُبُ فَتَرْحَلَ عَنْها إلى ما أخْصَبَ ؟ فَنَزَلَتْ؛ وقِيلَ: لَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ المُصْطَلِقِ جاءَتْ رِيحٌ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَتْ بِمَوْتِ رِفاعَةَ، وكانَ فِيهِ غَيْظُ المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: انْظُرُوا أيْنَ ناقَتِي، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: ألا تَعْجَبُونَ مِن هَذا الرَّجُلِ يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ ولا يَعْرِفُ أيْنَ ناقَتُهُ ! فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: كَيْتَ وكَيْتَ وناقَتِي في الشِّعْبِ، وقَدْ تَعَلَّقَ زِمامُها بِشَجَرَةٍ فَرُدُّوها عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ جِدًّا، وهَذا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إظْهارٌ لِلْعُبُودِيَّةِ وانْتِفاءٌ عَنْ ما يَخْتَصُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ القُدْرَةِ وعِلْمِ الغَيْبِ ومُبالَغَةٌ في الِاسْتِسْلامِ، فَلا أمْلِكُ لِنَفْسِي اجْتِلابَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضَرٍّ، فَكَيْفَ أمْلِكُ عِلْمَ الغَيْبِ ؟ كَما قالَ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] وقَدَّمَ هُنا النَّفْعَ عَلى الضَّرِّ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ﴾ [الأعراف: ١٧٨]، فَقَدَّمَ الهِدايَةَ عَلى الضَّلالِ، وبَعْدَهُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فَناسِبَ تَقْدِيمُ النَّفْعِ، وقَدَّمَ الضَّرَّ في يُونُسَ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ لِلَّهِ تَكُونُ خَوْفًا مِن عِقابِهِ أوَّلًا، ثُمَّ طَمَعًا في ثَوابِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، فَإذا تَقَدَّمَ النَّفْعُ فَلِسابِقَةِ لَفْظٍ تَضَمَّنَهُ، وأيْضًا فَفي يُونُسَ مُوافَقَةُ ما قَبْلَها، فَفِيها ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا؛ لِأنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠] وفي يُونُسَ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] )، وتَقَدَّمَهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ١٠٣]، ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، وفي الأنْبِياءِ قالَ: ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]، وتَقَدَّمَهُ قَوْلُ الكُفّارِ لِإبْراهِيمَ في المُحاجَّةِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وفي الفُرْقانِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] وتَقَدَّمَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] ونِعَمٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا النَّوْعُ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ العَظِيمِ وساطِعِ بَراهِينِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَمْكِينِي مِنهُ فَإنِّي أمْلِكُهُ، وذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، انْتَهى، ولا حاجَةَ لِدَعْوى الِانْقِطاعِ مَعَ إمْكانِ الِاتِّصالِ.
* *
﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ: لَكانَتْ حالِي عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ مِنِ اسْتِكْثارِ الخَيْرِ واسْتِغْزارِ المَنافِعِ واجْتِنابِ السُّوءِ والمَضارِّ، حَتّى لا يَمَسَّنِي شَيْءٌ مِنها، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ انْتِفاءُ العِلْمِ عَنِ الغَيْبِ عَلى جِهَةِ عُمُومِ الغَيْبِ، كَما رُوِيَ عَنْهُ لا أعْلَمُ ما وراءَ هَذا الجِدارِ إلّا أنْ يُعْلِمَنِيهِ رَبِّي، بِخِلافِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الكَشْفَ، وأنَّهم بِتَصْفِيَةِ نُفُوسِهِمْ يَحْصُلُ لَها اطِّلاعٌ عَلى المُغَيَّباتِ وإخْبارٌ بِالكَوائِنِ الَّتِي تَحْدُثُ، وما أكْثَرَ ادِّعاءَ النّاسِ لِهَذا الأمْرِ وخُصُوصًا في دِيارِ مِصْرَ، حَتّى إنَّهم لَيَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى رَجُلٍ مُتَضَمِّخٍ بِالنَّجاسَةِ يَظَلُّ دَهْرَهُ لا يُصَلِّي ولا يَسْتَنْجِي مِن نَجاسَتِهِ ويَكْشِفُ عَوْرَتَهُ لِلنّاسِ حِينَ يَبُولُ، وهو عارٍ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقَدْ خَصَّصَ قَوْمٌ هَذا العُمُومَ، فَحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ السَّنَةَ المُجْدِبَةَ لَأعْدَدْتُ لَها مِنَ المُخْصِبَةِ، وقالَ قَوْمٌ: أوْقاتَ النَّصْرِ لَتَوَخَّيْتُها، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أجَلِي لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ؛ وقِيلَ: ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ لَأخْبَرْتُكم حَتّى تُوقِنُوا؛ وقِيلَ: ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الوَحْيِ؛ وقِيلَ: ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنِّي قَبْلَ أنْ يُعَرِّفَنِيهِ لَفَعَلْتُهُ، ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الأقْوالُ وما أشْبَهَها مُثُلًا لا تَخْصِيصاتٍ لِعُمُومِ الغَيْبِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾، فَهو مِن جَوابِ لَوْ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ فَقابَلَ النَّفْعَ بِقَوْلِهِ: لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، وقابَلَ الضَّرَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ولِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى (p-٤٣٧)تَقْدِيرِ عِلْمِ الغَيْبِ كِلاهُما، وهُما اجْتِلابُ النَّفْعِ واجْتِنابُ الضَّرِّ، ولَمْ نُصْحِبْ ما النّافِيَةَ جَوابَ لَوْ؛ لِأنَّ الفَصِيحَ أنْ لا يَصْحَبَهُما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، والظّاهِرُ عُمُومُ الخَبَرِ وعَدَمُ تَعْيِينِ السُّوءِ؛ وقِيلَ: السُّوءُ تَكْذِيبُهم لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ يُدْعى الأمِينَ؛ وقِيلَ: الجَدْبُ؛ وقِيلَ: المَوْتُ؛ وقِيلَ: الغَلَبَةُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ وقِيلَ: الخَسارَةُ في التِّجارَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَقْرُ ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الأقْوالُ خَرَجَتْ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، فَإنَّ الظّاهِرَ في الغَيْبِ - الخَيْرِ والسُّوءِ - عَدَمُ التَّعْيِينِ؛ وقِيلَ: ثُمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ ما مَسَّهُ السُّوءُ، وهو الجُنُونُ الَّذِي رَمَوْهُ بِهِ، وقالَ مُؤَرَّجٌ السُّدُوسِيُّ: السُّوءُ الجُنُونُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَفْكِيكٌ لِنَظْمِ الكَلامِ واقْتِصارٌ عَلى أنْ يَكُونَ جَوابُ لَوْ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ فَقَطْ، وتَقْدِيرُ حُصُولِ عِلْمِ الغَيْبِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأمْرانِ لا أحَدُهُما فَيَكُونَ إذْ ذاكَ جَوابًا قاصِرًا.
﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ أخْبَرَ بِما بُعِثَ بِهِ مِنَ النِّذارَةِ، ومُتَعَلِّقُها المُخَوَّفاتُ، والبِشارَةِ، ومُتَعَلِّقُها المَحْبُوباتُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُهُما بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ مَنفَعَتَهُما مَعًا وجَدْواهُما لا يَحْصُلُ إلّا لَهم، وقالَ تَعالى: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وقِيلَ: مَعْنى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يَطْلُبُ مِنهُمُ الإيمانَ ويُدْعَوْنَ إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ النّاسُ أجْمَعُ؛ وقِيلَ: أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ وتَمَّ الكَلامُ، ومَعْناهُ أنَّهُ نَذِيرٌ لِلْعالَمِ كُلِّهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ بَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَهو وعْدٌ لِمَن حَصُلَ لَهُ الإيمانُ؛ وقِيلَ: حُذِفَ مُتَعَلِّقُ النِّذارَةِ ودَلَّ عَلى حَذْفِهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، والتَّقْدِيرُ: نَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، كَما حُذِفَ المَعْطُوفُ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أيْ: والبَرْدَ وبَدَأ بِالنِّذارَةِ؛ لِأنَّ السّائِلِينَ عَنِ السّاعَةِ كانُوا كُفّارًا، إمّا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ وإمّا اليَهُودُ، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ الوَصْفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ﴾ آكَدُ وأوْلى بِالتَّقْدِيمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences