Abu HayyanAl‑A'raf · 7:179–184

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:179–184

7:179Page 174

وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.

﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ خَلَقَ لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الصِّنْفَيْنِ، ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ هو الهادِي وهو المُضِلُّ أعْقَبَهُ بِذِكْرِ مَن خُلِقَ لِلْخُسْرانِ والنّارِ، وذَكَرَ أوْصافَهَمْ فِيما ذَكَرَ، وفي ضِمْنِهِ وعِيدُ الكُفّارِ، والمَعْنى: لِعَذابِ جَهَنَّمَ، واللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ عَلى قَوْلِ مَن أثْبَتَ لَها هَذا المَعْنى، أوْ لَمّا كانَ مَآلُهم إلَيْها جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا عَلى جِهَةِ المَجازِ، فَقَدْ رَدَّ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّها لِلصَّيْرُورَةِ، فَقالَ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم لِجَهَنَّمَ، انْتَهى، وإنَّما ذُهِبَ إلى أنَّها لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَإثْباتُ كَوْنِها لِلْعِلَّةِ يُنافِي قَوْلَهُ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأنْشَدُوا دَلِيلًا عَلى إثْباتِ مَعْنى (p-٤٢٧)الصَّيْرُورَةِ لِلّامِ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎ألا كُلُّ مَوْلُودٍ فَلِلْمَوْتِ يُولَدُ ولَسْتُ أرى حَيًّا لِحَيٍّ يُخَلَّدُ

وقَوْلَ الآخَرِ:

؎فَلِلْمَوْتِ تَغْدُو الوالِداتُ سِخالُها ∗∗∗ كَما لِخَرابِ الدَّهْرِ تُبْنى المَساكِنُ

ودَعْوى القَلْبِ فِيهِ، وإنَّ تَقْدِيرَهُ - ولَقَدْ ذَرَأْنا جَهَنَّمَ لِكَثِيرٍ - غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ عَلى الصَّحِيحِ، ولَفْظَةُ كَثِيرٍ لا تُشْعِرُ بِالأكْثَرِ ولَكِنْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ أنَّ بَعْثَ النّارِ أكْثَرُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن ذُرِّيَّتِكَ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةٍ، وهَؤُلاءِ المَخْلُوقُونَ لِجَهَنَّمَ هُمُ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَتَأتّى مِنهم إيمانٌ البَتَّةَ، وتَفْسِيرُ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم أوْلادُ الزِّنا لَيْسَ بِجَيِّدٍ.

﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ لَمّا كانُوا لا يَتَدَبَّرُونَ شَيْئًا مِنَ الآياتِ، ولا يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ اعْتِبارٍ، ولا يَسْمَعُونَها سَماعَ تَفَكُّرٍ، جُعِلُوا كَأنَّهم فَقَدُوا الفِقْهَ بِالقُلُوبِ، والإبْصارَ بِالعُيُونِ، والسَّماعَ بِالآذانِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ هَذِهِ الإدْراكاتِ عَنْ هَذِهِ الحَواسِّ، وإنَّما المُرادُ نَفْيُ الِانْتِفاعِ بِها فِيما طُلِبَ مِنهم مِنَ الإيمانِ. وقالَ مِسْكِينٌ الدّارِمِيُّ:

؎أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي السِّتْرُ

؎وأصَمُّ عَنْ ما كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ عَمْدًا وما بِالسَّمْعِ لِي وقْرُ

وفَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذا فَقالَ: ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ شَيْئًا مِن أُمُورِ الآخِرَةِ ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الهُدى ﴿لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الحَقَّ، انْتَهى، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَلْبَ آلَةٌ لِلْفِقْهِ والعِلْمِ، كَما أنَّ العَيْنَ آلَةٌ لِلْإبْصارِ، والأُذُنَ آلَةٌ لِلسَّماعِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَهم لِإغْراقِهِمْ في الكُفْرِ وشِدَّةِ شَكائِمِهِمْ فِيهِ وأنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهم إلّا أفْعالُ أهْلِ النّارِ مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في المُوجِباتِ وتَمَكُّنِهِمْ فِيما يُؤَهِّلُهم لِدُخُولِ النّارِ، ومِنهُ كِتابُ عُمَرَ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: بَلَغَنِي أنَّ أهْلَ الشّامِ اتَّخَذُوا لَكَ دَلُوكًا عُجِنَ بِخَمْرٍ، وإنِّي لَأظُنُّكم يا آلَ المُغِيرَةِ ذَرْءَ النّارِ. ويُقالُ لِمَن كانَ غَرِيقًا في بَعْضِ الأُمُورِ: ما خُلِقَ فُلانٌ إلّا لِلنّارِ، والمُرادُ وصْفُ أحْوالِهِمْ في عِظَمِ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ في تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ النَّبِيُّ المَوْعُودُ، وأنَّهم مِن جُمْلَةِ الكَثِيرِ الَّذِينَ لا يَكادُ الإيمانُ يَتَأتّى مِنهم، كَأنَّهم خُلِقُوا لِلنّارِ، انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ في الشَّرْحِ.

﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾، أيْ: في عَدَمِ الفِقْهِ في العَواقِبِ والنَّظَرِ لِلِاعْتِبارِ والسَّماعِ لِلتَّفَكُّرِ، ولا يَهْتَمُّونَ بِغَيْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ.

﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ عَنِ الفِقْهِ والِاعْتِبارِ والتَّدَبُّرِ؛ وقِيلَ: الأنْعامُ تُبْصِرُ مَنافِعَها مِن مَضارِّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ فَيُقْدِمُ عَلى النّارِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أضَلُّ؛ لِأنَّ الأنْعامَ رُكِّبَ في بِنْيَتِها وخِلْقَتِها أنْ لا تُفَكِّرَ في شَيْءٍ، وهَؤُلاءِ هم مُعَدُّونَ لِلْفَهْمِ، وقَدْ خُلِقَتْ لَهم قُوًى يَصْرِفُونَها، وأُعْطُوا طَرَفًا مِنَ النَّظَرِ، فَهم بِغَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ يُلْحِقُونَ أنْفُسَهم بِالأنْعامِ فَهم أضَلُّ عَلى هَذا، انْتَهى؛ وقِيلَ: ﴿هم أضَلُّ﴾؛ لِأنَّهم يَعْصُونَ، والأنْعامُ لا تَعْصِي؛ وقِيلَ: الأنْعامُ تَعْرِفُ رَبَّها وتُسَبِّحُ لَهُ، والكُفّارُ لا يَعْرِفُونَهُ ولا يَدْعُونَهُ، ورُوِيَ: كُلُّ شَيْءٍ أطْوَعُ لِلَّهِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الإنْسانُ وسائِرُ الحَيَوانِ يُشارِكُهُ في قُوى الطَّبِيعَةِ الغادِيَةِ والنّامِيَةِ والمُوَلَّدَةِ، وفي مَنافِعِ الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وفي أحْوالِ التَّخَيُّلِ والتَّفَكُّرِ والتَّذَكُّرِ، وإنَّما يَحْصُلُ الِامْتِيازُ بَيْنَ الإنْسانِ وغَيْرِهِ بِالقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ الَّتِي تَهْدِيهِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ، والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَلَمّا أعْرَضَ الكُفّارُ مِن أغْراضِ أحْوالِ العَقْلِ والفِكْرِ ومَعْرِفَةِ الحَقِّ والعَمَلِ بِالخَيْرِ كانُوا كالأنْعامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾؛ (p-٤٢٨)لِأنَّ الحَيَواناتِ لا قُدْرَةَ لَها عَلى تَحْصِيلِ الفَضائِلِ، والإنْسانُ أُعْطِيَ القُدْرَةَ عَلى تَحْصِيلِها، ومَن أعْرَضَ عَنِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ العَظِيمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِها كانَ أحْسَنَ حالًا مِمَّنْ لَمْ يَكْتَسِبْها مَعَ العَجْزِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ )، انْتَهى.

وقِيلَ: الأنْعامُ تَفِرُّ إلى أرْبابِها، ومَن يَقُومُ بِمَصالِحِها والكافِرُ يَهْرُبُ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي أنْعُمُهُ عَلَيْهِ لا تُحْصى؛ وقِيلَ: الأنْعامُ تَضِلُّ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها مُرْشِدٌ، وقَلَّما تَضِلُّ إذا كانَ مَعَها، وهَؤُلاءِ قَدْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ الكُتُبُ وهم يَزْدادُونَ في الضَّلالِ، انْتَهى.

وأقُولُ هَذا الإضْرابُ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الإبْطالِ لِلْخَبَرِ السّابِقِ مِن تَشْبِيهِهِمْ بِالأنْعامِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جِهَةُ المُبالَغَةِ في الضَّلالِ هي جِهَةُ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وكَلامُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى شَبَّهَهم بِالأنْعامِ فِيما ذَكَرَ، وأنَّهم أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ فِيما وقَعَ التَّشْبِيهُ فِيهِ، وهو لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ جِهَةَ التَّشْبِيهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ المُبالَغَةِ في الضَّلالِ وأنَّ هَذا الإضْرابَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الإبْطالِ بِمَدْلُولِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ إضْرابٌ دالٌّ عَلى الِانْتِقالِ مِن إخْبارٍ إلى إخْبارٍ، فالجُمْلَةُ الأوْلى شَبَّهَهم بِالأنْعامِ في انْتِفاءِ مَنافِعِ الإدْراكاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى امْتِثالِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ أثْبَتَتْ لَهُمُ المُبالَغَةَ في ضَلالِ طَرِيقِهِمُ الَّتِي يَسْلُكُونَها، فالمَوْصُوفُ بِالمُبالَغَةِ في الضَّلالِ طَرِيقُهم، وحُذِفَ التَّمْيِيزُ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ طَرِيقًا مِنهم، ويُبَيِّنُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]، أيْ: في انْتِفاءِ السَّمْعِ لِلتَّدَبُّرِ والعَقْلِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، أيْ: بَلْ سَبِيلُهم أضَلُّ فالمَحْكُومُ عَلَيْهِ أوَّلًا غَيْرُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ آخِرًا، والمَحْكُومُ بِهِ أيْضًا مُخْتَلِفٌ.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيَّنَ تَعالى بِها سَبَبَ كَوْنِهِمْ أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، وهو الغَفْلَةُ. وقالَ عَطاءٌ: عَنْ ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ مِنَ الثَّوابِ ولِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ.

7:180Page 174

وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠

And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.

﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ (p-٤٢٩)مُقاتِلٌ: دَعا رَجُلٌ اللَّهَ تَعالى في صَلاتِهِ ومَرَّةً دَعا الرَّحْمَنَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ألَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا، فَما بالُ هَذا يَدْعُو اثْنَيْنِ ؟ فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ذَرَأ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لِلنّارِ ذَكَرَ نَوْعًا مِنهم وهُمُ: ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ وهم أشَدُّ الكُفّارِ عِتِيًّا أبُو جَهْلٍ وأضْرابُهُ، وأيْضًا لَمّا نَبَّهَ عَلى أنَّ دُخُولَهم جَهَنَّمَ هو لِلْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ والمَخْلَصُ مِنَ العَذابِ هو ذِكْرُ اللَّهِ، أمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلا، والقَلْبُ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها وقَعَ في الحِرْصِ، وانْتَقَلَ مِن رَغْبَةٍ إلى رَغْبَةٍ، ومِن طَلَبٍ إلى طَلَبٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ، وقَدْ وجَدْنا ذَلِكَ بِالذَّوْقِ، حَتّى إنَّ أحَدَهم لَيُصَلِّي الصَّلَواتِ كُلَّها قَضاءً في وقْتٍ واحِدٍ، فَإذا انْفَتَحَ عَلى قَلْبِهِ بابُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى تَخَلَّصَ مِن آفاتِ الغَفْلَةِ وامْتَثَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، واجْتَنَبَ ما نَهى عَنْهُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ؛ لِأنَّها لا تَدُلُّ عَلى مَعانٍ حَسَنَةٍ مِن تَحْمِيدٍ وتَقْدِيسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهى، فالحُسْنى هي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ووَصْفُ الجَمْعِ الَّذِي لا يَعْقِلُ بِما يُوصَفُ بِهِ الواحِدَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، وهو فَصِيحٌ، ولَوْ جاءَ عَلى المُطابَقَةِ لِلْجَمْعِ لَكانَ التَّرْكِيبُ الحَسَنُ عَلى وزْنِ الأُخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يُخْبَرُ عَنْهُ ويُوصَفُ بِجَمْعِ المُؤَنَّثاتِ، وإنْ كانَ المُفْرَدُ مُذَكَّرًا؛ وقِيلَ: الحُسْنى مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأسْماءُ هاهُنا: بِمَعْنى التَّسْمِياتِ إجْماعًا مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، انْتَهى. ولا تَحْرِيرَ فِيما قالَ؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ مَصْدَرٌ، والمُرادُ هُنا الألْفاظُ الَّتِي تُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهي الأوْصافُ الدّالَّةُ عَلى تَغايُرِ الصِّفاتِ لا تَغايُرِ المَوْصُوفِ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ الفَقِيهُ الشُّجاعُ الكَرِيمُ، وكَوْنُ الِاسْمِ الَّذِي أمَرَ تَعالى أنْ يُدْعى بِهِ حَسَنًا هو ما قَرَّرَهُ الشَّرْعُ ونَصَّ عَلَيْهِ في إطْلاقِهِ عَلى اللَّهِ، ومَعْنى: ﴿فادْعُوهُ بِها﴾، أيْ: نادُوهُ بِها، كَقَوْلِكَ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ يا مالِكُ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَسَمُّوهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ، جَعَلَهُ مِن بابِ دَعَوْتُ ابْنِيَ عَبْدَ اللَّهِ، أيْ: سَمَّيْتُهُ بِهَذا الِاسْمِ، واخْتُلِفَ في الِاسْمِ الَّذِي يَقْتَضِي مَدْحًا خالِصًا، ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ شُبْهَةٌ ولا اشْتِراكٌ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَنصُوصًا هَلْ يُطْلَقُ ويُسَمّى اللَّهُ تَعالى بِهِ، فَنَصَّ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ عَلى الجَوازِ، ونَصَّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ عَلى المَنعِ، وبِهِ قالَ الفُقَهاءُ والجُمْهُورُ، وهو الصَّوابُ، واخْتُلِفَ أيْضًا في الأفْعالِ الَّتِي في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] هَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى اسْمُ فاعِلٍ مُقَيَّدٌ بِمُتَعَلِّقِهِ فَيُقالُ اللَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِالكافِرِينَ وماكِرٌ بِالَّذِينَ يَمْكُرُونَ، فَجَوَّزَ ذَلِكَ فِرْقَةٌ، ومَنَعَتْ مِنهُ فِرْقَةٌ، وهو الصَّوابُ، وأمّا إطْلاقُ اسْمِ الفاعِلِ بِغَيْرِ قَيْدِهِ فالإجْماعُ عَلى مَنعِهِ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ النَّصَّ عَلى تِسْعَةٍ وتِسْعِينَ اسْمًا مَسْرُودَةٍ اسْمًا اسْمًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي بَعْضِها شُذُوذٌ، وذَلِكَ الحَدِيثُ لَيْسَ بِالمُتَواتِرِ وإنْ كانَ قَدْ قالَ فِيهِ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن طَرِيقِ حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ، وهو ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، وإنَّما المُتَواتِرُ مِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» . ومَعْنى أحْصاها عَدَّها وحَفِظَها وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإيمانَ بِها والتَّعْظِيمَ لَها والعِبْرَةَ في مَعانِيها، وهَذا حَدِيثُ البُخارِيِّ، انْتَهى.

وتَسْمِيَةُ هَذا الحَدِيثِ مُتَواتِرًا لَيْسَ عَلى اصْطِلاحِ المُحَدِّثِينَ في المُتَواتِرِ، وإنَّما هو خَبَرُ آحادٍ.

وفِي بَعْضِ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ: يا حَنّانُ يا مَنّانُ ولَمْ يَرِدا في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وقَدْ صَنَّفَ العُلَماءُ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى كَأبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ وابْنِ الحَكَمِ بْنِ بُرْجانَ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ وأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولِلَّهِ الأوْصافُ الحُسْنى، وهي الوَصْفُ بِالعَدْلِ والخَيْرِ والإحْسانِ وانْتِفاءِ شِبْهِ الخَلْقِ، وصِفُوهُ بِها: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ في صِفاتِهِ، فَيَصِفُونَهُ بِمَشِيئَةِ القَبائِحِ وخَلْقِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وبِما (p-٤٣٠)يَدْخُلُ في التَّشْبِيهِ كالرُّؤْيَةِ ونَحْوِها؛ وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا مَنسُوخَةً بِالقِتالِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ الوَعِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واتْرُكُوا تَسْمِيَةَ الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ فِيها فَيُسَمُّونَهُ بِغَيْرِ الأسْماءِ الحُسْنى، وذَلِكَ أنْ يُسَمُّوهُ بِما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، كَما سَمِعْنا البَدْوَ بِجَهْلِهِمْ يَقُولُونَ: يا أبا المَكارِمِ يا أبْيَضَ الوَجْهِ يا سَخِيُّ، أوْ أنْ يَأْبَوْا تَسْمِيَتَهُ بِبَعْضِ أسْمائِهِ الحُسْنى، نَحْوَ: أنْ يَقُولُوا: يا اللَّهُ، ولا يَقُولُوا: يا رَحْمَنُ؛ وقِيلَ: مَعْنى الإلْحادِ في أسْمائِهِ: تَسْمِيَتُهم أوْثانَهُمُ اللّاتَ نَظَرًا إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، والعُزّى نَظَرًا إلى العَزِيزِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويُسَمُّونَ اللَّهَ أبًا وأوْثانَهم أرْبابًا، ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى (يُلْحِدُونَ) يُكَذِّبُونَ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْرِكُونَ، وقالَ الخَطّابِيُّ: الغَلَطُ في أسْمائِهِ والزَّيْغُ عَنْها إلْحادٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ: يَلْحَدُونَ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، وكَذا في النَّحْلِ والسَّجْدَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ وعِيسى، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ فِيهِنَّ و﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وانْدَرَجَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإلْحادُ في أسْمائِهِ وسائِرُ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ.

7:181–183Page 174

وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١

And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.

وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣

And I will give them time. Indeed, My plan is firm.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مَن ذَرَأ لِلنّارِ ذَكَرَ مُقابِلَهم، وفي لَفْظَةِ: (ومِمَّنْ) دَلالَةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، وأنَّ المُعْظَمَ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَيْسُوا هُداةً إلى الحَقِّ، ولا عادِلِينَ بِهِ، قِيلَ: هُمُ العُلَماءُ والدُّعاةُ إلى الدِّينِ؛ وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٥٩] الآيَةَ، وعَنْهُ: إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أخْبَرَ فِيها أنَّ مِمَّنْ خَلَقَ أُمَّةً مَوْصُوفُونَ بِكَذا، فَلا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينٍ لا في أشْخاصٍ، ولا في أزْمانٍ، وصَلَحَتْ لِكُلِّ هادٍ بِالحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ مُقابِلَها في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أشْخاصٍ ولا زَمانٍ، وإنَّما هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ لِلنّارِ والمَخْلُوقِ لِلْجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (ومِمَّنْ خَلَقْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .

وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا يَخْلُوَ زَمانٌ ألْبَتَّةَ مِمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، انْتَهى، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما زَعَمَ الجُبّائِيُّ، وما قالَهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُسَرّى عَلى كِتابِ اللَّهِ فَلا يُبْقى مِنهُ حَرْفٌ»، أوْ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ أنْ تَدْرُجَ إلى الشَّيْءِ في خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، ولا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرّاقِيَ والنّازِلَ يَرْقى ويَنْزِلُ مِرْقاةً مِرْقاةً، ومِنهُ دَرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ ماتُوا بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُتابِعُهم بِهِ ولا (p-٤٣١)يُجاهِرُهم، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ بابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، انْتَهى، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، والمَعْنى: سَنَسْتَرِقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سَنَسْتَدِينُهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم ويُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ أنْ يُواتِرَ اللَّهُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، فَكُلَّما جَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ازْدادُوا بَطَرًا وجَدَّدُوا مَعْصِيَةً فَيَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ النِّعَمِ ظانِّينَ أنَّ مُواتَرَةَ النِّعَمِ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ وتَقْرِيبٌ، وإنَّما هي خِذْلانٌ مِنهُ وتَبْعِيدٌ، فَهَذا اسْتِدْراجُ اللَّهِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ - مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قِيلَ: بِالِاسْتِدْراجِ؛ وقِيلَ: بِالهَلاكِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: سَيَسْتَدْرِجُهم، بِالياءِ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ التَّكْذِيبِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، أيْ: سَيَسْتَدْرِجُهم هو، أيِ: التَّكْذِيبُ، قالَ الأعْشى: في الِاسْتِدْراجِ:

؎فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

؎لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهُزَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحِمِ

﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم، فَهو داخِلٌ في الِاسْتِقْبالِ، وهو خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ إلى ضَمِيرِ تَكَلُّمِ المُفْرَدِ، والمَعْنى: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الدَّهْرِ، أيْ: مُدَّةً فِيها طُولٌ، والمُلاوَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها وكَسْرِها، ومِنهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، أيْ: طَوِيلًا، وسَمّى فِعْلَهُ ذَلِكَ بِهِمْ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ أنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ، وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ؛ وقِيلَ: إنَّ عَذابِي وسَمّاهُ كَيْدًا لِنُزُولِهِ بِالعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ القَوِيُّ يُقالُ: مَتُنَ مَتانَةً، وهَذا إخْبارٌ عَنِ المُكَذِّبِينَ عُمُومًا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ؛ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ أنْ أمْهَلَهم مُدَّةً، وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ كَيَدِي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ.

7:184Page 174

أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤

Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَّفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَّباحِ»، وكانُوا يَقُولُونَ: شاعِرٌ مَجْنُونٌ، فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ ما قالُوهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مُحَذِّرٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، والآيَةُ باعِثَةٌ لَهم عَلى التَّفَكُّرِ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وانْتِفاءِ الجِنَّةِ عَنْهُ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ قِيلَ: مَعْناهُ التَّوْبِيخُ؛ وقِيلَ: التَّحْرِيضُ عَلى التَّأمُّلِ، والجِنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦]، والمَعْنى: مِن مَسِّ جِنَّةٍ، أوْ تَخْبِيطِ جِنَّةٍ؛ وقِيلَ: هي هَيْئَةٌ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ أُرِيدَ بِها المَصْدَرُ، أيْ: ما بِصاحِبِهِمْ مِن جُنُونٍ، والظّاهِرُ أنَّ يَتَفَكَّرُوا، مُعَلَّقٌ عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَتفَكَّرُوا بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ التَّفَكُّرَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَأمَّلُوا ويَتَدَبَّرُوا في انْتِفاءِ هَذا الوَصْفِ عَنِ (p-٤٣٢)الرَّسُولِ، فَإنَّهُ مُنْتَفٍ لا مَحالَةَ، ولا يُمْكِنُ لِمَن أنْعَمَ الفِكْرَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ وقِيلَ: ثَمَّ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَعْلَمُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وزَعَمَ أنَّ (تَفَكَّرُوا) لا تُعَلَّقُ؛ لِأنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ، قالَ: ودَلَّ التَّفَكُّرُ عَلى العِلْمِ، وقالَ أصْحابُنا: إذا كانَ فِعْلُ القَلْبِ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ قُدِّرَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، ومَن هم مَن زَعَمَ أنَّهُ يُضَمَّنُ الفِعْلُ الَّذِي تَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى واحِدٍ، أوْ بِحَرْفِ جَرٍّ إلى واحِدٍ مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ، فَعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا حاجَةَ إلى هَذا المُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ؛ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: يَتَفَكَّرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا بِانْتِفاءِ الجَنَّةِ وإثْباتِ النِّذارَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: في ما وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّها باقِيَةٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في قَوْلِهِمْ بِهِ جِنَّةٌ، والثّانِي أنَّها اسْتِفْهامٌ، أيْ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أيَّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِنَ الجُنُونِ مَعَ انْتِظامِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ ؟ وقِيلَ: هي بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في ما بِصاحِبِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ خَرَجَ عَلى زَعْمِهِمُ، انْتَهى، وهي تَخْرِيجاتٌ ضَعِيفَةٌ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْها، وتَفَكَّرَ مِمّا ثَبَتَ في اللِّسانِ تَعْلِيقُهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском