Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:66–74
7:66–72Page 158
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧
[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨
I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٦٩
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allāh that you might succeed."
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧٠
They said, "Have you come to us that we should worship Allāh alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us,1 if you should be of the truthful."
قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٧١
[Hūd] said, "Already have defilement and anger fallen upon you from your Lord. Do you dispute with me concerning [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has not sent down any authority? Then wait; indeed, I am with you among those who wait."
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٧٢
So We saved him and those with him by mercy from Us. And We eliminated those who denied Our signs, and they were not [at all] believers.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
7:73Page 159
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٣
And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثَمُودُ: اسْمُ القَبِيلَةِ سُمِّيَتْ بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ وهو ثَمُودُ أخُو جَدِيسٍ، وهُما ابْنا جاثِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ وإلى وادِي القُرى. وقِيلَ: سُمِّيَتْ ثَمُودَ لِقِلَّةِ ما بِها مِنَ الثَّمَدِ وهو الماءُ القَلِيلُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎احْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامِ شِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
وكانَتْ ثَمُودُ عَرَبًا في سَعَةٍ مِنَ العَيْشِ فَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ وعَبَدُوا غَيْرَهُ وأفْسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهم صالِحًا نَبِيًّا مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا وأفْضَلِهِمْ حَسَبًا فَدَعاهم إلى اللَّهِ حَتّى شَمِطَ ولا يَتْبَعُهُ مِنهم إلّا القَلِيلُ. قالَهُ وهْبٌ. بَعَثَهُ اللَّهُ حِينَ راهَقَ الحُلُمَ فَلَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ فَأقامُوا مَعَهُ حَتّى ماتُوا فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ والحِجْرِ، وصالِحٌ هو صالِحُ بْنُ آسِفِ بْنِ كاشِحِ بْنِ أرُومَ بْنِ ثَمُودَ بْنِ جاثِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ هَكَذا نَسَبَهُ الشَّرِيفُ النَّسّابَةُ الجَوّانِيُّ وهو المُنْتَهى إلَيْهِ في عِلْمِ النَّسَبِ. ووَقَعَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ بَيْنَ صالِحٍ وآسِفٍ زِيادَةُ أبٍ وهو عُبَيْدٌ، فَقالُوا: صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ آسِفٍ، ونَقْصٌ في الأجْدادِ وتَصْحِيفُ جاثِرٍ بِقَوْلِهِمْ: عابِرٍ، قالَ الشَّرِيفُ الجَوّانِيُّ في المُقَدِّمَةِ الفاضِلِيَّةِ: والعَقِبُ مِن جاثِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وجَدِيسٍ والعَقِبُ مِن ثَمُودَ بْنِ جاثِرٍ - فالَخُ وهَيْلَعُ وتَنُوقُ وأرُومُ مِن ولَدِهِ صالِحٍ النَّبِيِّ ﷺ بْنُ آسِفِ بْنِ كاشِحِ بْنِ أرُومَ بْنِ ثَمُودَ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (وإلى ثَمُودٍ) بِكَسْرِ الدّالِ والتَّنْوِينِ مَصْرُوفًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، جَعَلَهُ اسْمَ الحَيِّ، والجُمْهُورُ مَنَعُوهُ الصَّرْفَ جَعَلُوهُ اسْمَ القَبِيلَةِ، والأُخُوَّةُ هُنا في القَرابَةِ،؛ لِأنَّ نَسَبَهُ ونَسَبَهم راجِعٌ إلى ثَمُودَ بْنِ جاثِرٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ تَوارَدُوا عَلى الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ إذْ كانَ قَوْمُهم عابِدِي أصْنامٍ ومُتَّخِذِي آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ والعَرَبُ، فَفي هَذِهِ القِصَصِ تَوْبِيخُهم وتَهْدِيدُهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ مِنَ العَذابِ وكانَتْ قِصَّةُ نُوحٍ مَشْهُورَةً طَبَّقَتِ الآفاقَ، وقِصَّةُ هُودٍ وصالِحٍ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ بِحَيْثُ ذَكَرَها قُدَماءُ الشُّعَراءِ في الجاهِلِيَّةِ وشَبَّهُوا مُفْسِدِي قَوْمِهِمْ بِمُفْسِدِي قَوْمِ هُودٍ وصالِحٍ، قالَ بَعْضُ قُدَمائِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ:
؎فِينا مَعاشِرُ لَنْ يَبْنُوا لِقَوْمِهِمُ ∗∗∗ وإنْ بَنى قَوْمُهم ما أفْسَدُوا عادُوا
؎أضْحَوْا كَقَيْلِ ابْنِ عَنْزٍ في عَشِيرَتِهِ ∗∗∗ إذْ أُهْلِكَتْ بِالَّذِي سَدّى لَها عادُ
؎أوْ بَعْدَهُ كَقُدارٍ حِينَ تابَعَهُ ∗∗∗ عَلى الغِوايَةِ أقْوامٌ فَقَدْ بادُوا
وقَيْلُ: ابْنُ عَنْزٍ هو مِن قَوْمِ هُودٍ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ خَبَرِهِ عِنْدَ ذِكْرِ إرْسالِ الرِّيحِ عَلى قَوْمِ هُودٍ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقُدارٌ هو ابْنُ سالِفٍ عاقِرُ ناقَةِ صالِحٍ ويَأْتِي خَبَرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: آيَةٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وشاهِدٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ الصِّفَةِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ في القُرْآنِ فَوَلِيَتِ العَوامِلَ كَقَوْلِهِ: حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ وقَوْلِهِ: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، والمَعْنى: الآيَةُ البَيِّنَةُ وبِالآياتِ البَيِّناتِ فَقارَبَ أنْ تَكُونَ كالأبْطَحِ والأبْرَقِ إذْ لا يَكادُ يُصَرَّحُ بِالمَوْصُولِ مَعَها، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ائْتِنا بِما﴾ [الأعراف: ٧٧] تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْكم، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِآيَةٍ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ: مِن آياتِ رَبِّكم.
﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ لَمّا أبْهَمَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ (p-٣٢٨)بَيَّنَ ما الآيَةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ ما البَيِّنَةُ ؟ قالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ وأضافَها إلى اللَّهِ تَشْرِيفًا وتَخْصِيصًا، نَحْوُ: بَيْتُ اللَّهِ ورُوحُ اللَّهِ ولِكَوْنِهِ خَلَقَها بِغَيْرِ واسِطَةِ ذَكَرٍ وأُنْثى، ولِأنَّهُ لا مالِكَ لَها غَيْرُهُ ولِأنَّها حُجَّةٌ عَلى القَوْمِ، ولَمّا أوْدَعَ فِيها مِنَ الآياتِ ذَكَرَها في قِصَّةِ قَوْمِ صالِحٍ و﴿لَكُمْ﴾ بَيانٌ لِمَن هي لَهُ آيَةٌ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِ الإيمانَ وهم ثَمُودُ؛ لِأنَّهم عايَنُوها وسائِرُ النّاسِ أُخْبِرُوا عَنْها كَأنَّهُ قالَ: (لَكم) خُصُوصًا، وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها ها بِما فِيها مِن مَعْنى التَّنْبِيهِ، أوِ اسْمُ الإشارَةِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الإشارَةِ، أوْ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ كَأنَّهُ قِيلَ انْظُرْ إلَيْها في حالِ كَوْنِها آيَةً، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالَ الحَسَنُ هي ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ ولَمْ تَكُنْ تُحْلَبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ إنَّهُ أخَذَ ناقَةً مِن سائِرِ النُّوقِ وجَعَلَ اللَّهُ لَها شِرْبًا يَوْمًا ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها، قِيلَ: وجاءَ بِها مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي آيَةٌ مُقْتَرَحَةٌ لَمّا حَذَّرَهم، وأنْذَرَهم سَألُوهُ آيَةً فَقالَ: أيَّةُ آيَةٍ تُرِيدُونَ قالُوا: تَخْرُجُ مَعَنا إلى عِيدِنا في يَوْمٍ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ السَّنَةِ فَتَدْعُو إلَهَكَ ونَدْعُو آلِهَتَنا فَإنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْناكَ وإنِ اسْتُجِيبَ لَنا اتَّبَعْتَنا قالَ صالِحٌ: نَعَمْ فَخَرَجَ مَعَهم فَدَعَوْا أوْثانَهم وسَألُوها الإجابَةَ فَلَمْ تُجِبْهم، ثُمَّ قالَ سَيِّدُهم جُنْدَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَوّاسٍ وأشارَ إلى صَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ مِن ناحِيَةِ الجَبَلِ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ أخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ ناقَةً مُخْتَرِجَةً جَوْفاءَ وبْراءَ وعَشْراءَ، والمُخْتَرِجَةُ ما شاكَلَتِ البُخْتَ مِنَ الإبِلِ فَأخَذَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَواثِيقَهم لَئِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَتُؤْمِنُنَّ ولَتُصَدِّقُنَّ قالُوا: نَعَمْ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ودَعا رَبَّهُ فَتَمَخَّضَتِ الصَّخْرَةُ تَمَخُّضَ النَّتُوجِ بِوَلَدِها، ثُمَّ تَحَرَّكَتْ فانْصَدَعَتْ عَنْ ناقَةٍ كَما وصَفُوا لا يَعْلَمُ ما بَيْنَ جَنْبَيْها إلّا اللَّهُ عِظَمًا وهم يَنْظُرُونَ، ثُمَّ نَتَجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ فَآمَنَ بِهِ جُنْدَعٌ ورَهْطٌ مِن قَوْمِهِ وأرادَ أشْرافُ ثَمُودَ أنْ يُؤْمِنُوا فَنَهاهم ذُؤابُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ والحُبابُ صاحِبا أوْثانِهِمْ ورَيّانٌ ابْنُ كاهِنِهِمْ وكانُوا مِن أشْرافِ ثَمُودَ، وهَذِهِ النّاقَةُ وسَقْبُها مَشْهُورٌ قِصَّتُهُما عِنْدَ جاهِلِيَّةِ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرُوا السَّقْبَ في أشْعارِهِمْ. قالَ بَعْضُهم يَصِفُ ناسًا قُتِلُوا بِمَعْرَكَةِ حَرْبٍ بِأجْمَعِهِمْ:
؎كَأنَّهُمُ صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهُنَّ دَبِيبُ
؎رَغا فَوْقَهم سَقْبُ السَّماءِ فَداحِصٌ ∗∗∗ بِشَكَّتِهِ لَمْ يُسْتَلَبْ وسَلِيبُ
قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ أرْضَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ النّاقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.
﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ لَمّا أضافَ النّاقَةَ إلى اللَّهِ أضافَ مَحَلَّ رَعْيِها إلى اللَّهِ إذِ الأرْضُ وما أنْبَتَ فِيها مِلْكُهُ تَعالى لا مِلْكُكم ولا إنْباتُكم وفي هَذا الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ النّاقَةَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يُنالُ خَيْرُها مِن غَيْرِ مَشَقَّةِ تَكَلُّفِ عَلَفٍ ولا طُعْمَةٍ، وهو شَأْنُ الإبِلِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «قالَ: فَضالَّةُ الإبِلِ ؟ قالَ ما لَكَ ولَها، مَعَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتّى يَلْقاها رَبُّها» و﴿تَأْكُلْ﴾ جُزِمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ ومَوْضِعُهُ حالٌ، كانَتِ النّاقَةُ مَعَ ولَدِها تَرْعى الشَّجَرَ وتَشْرَبُ الماءَ تَرِدُ غِبًّا فَإذا كانَ يَوْمُها وضَعَتْ رَأْسَها في البِئْرِ فَما تَرْفَعُهُ حَتّى تَشْرَبَ كُلَّ ما فِيها، ثُمَّ تَفْجُجُ فَيَحْلِبُونَ ما شاءُوا حَتّى تَمْتَلِئَ أوانِيهِمْ فَيَشْرَبُونَ ويَدَّخِرُونَ.
﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ نَهاهم عَنْ مَسِّها بِشَيْءٍ مِنَ الأذى، وهَذا تَنْبِيهٌ بِالأدْنى عَلى الأعْلى إذا كانَ قَدْ نَهاهم عَنْ مَسِّها بِسُوءٍ إكْرامًا لِآيَةِ اللَّهِ فَنَهْيُهُ عَنْ نَحْرِها وعَقْرِها ومَنعِها عَنِ الماءِ والكَلَأِ أوْلى وأحْرى، والمَسُّ والأخْذُ هُنا اسْتِعارَةٌ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن مَسَّها بِسُوءٍ، والعَذابُ الألِيمُ هو ما حَلَّ بِهِمْ إذْ عَقَرُوها وما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ.
7:74Page 160
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٧٤
And remember when He made you successors after the ʿAad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allāh and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (p-٣٢٩)ذَكَّرَ صالِحٌ قَوْمَهُ بِما ذَكَّرَ بِهِ هُودٌ قَوْمَهُ فَذَكَرَ أوَّلًا نِعَمًا خاصَّةً، وهي جَعْلُهم خُلَفاءَ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي سَبَقَتْهم، وذَكَرَ هُودٌ لِقَوْمِهِ ما اخْتَصُّوا بِهِ مِن زِيادَةِ البَسْطَةِ في الخَلْقِ وذَكَرَ صالِحٌ لِقَوْمِهِ ما اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ اتِّخاذِ القُصُورِ مِنَ السُّهُولِ ونَحْتِ الجِبالِ بُيُوتًا، ثُمَّ ذَكَرَ أنْعُمًا عامَّةً بِقَوْلِهِما ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾، ومَعْنى ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أنْزَلَكم بِها وأسْكَنَكم إيّاها، والمَباءَةُ: المَنزِلُ في الأرْضِ وهو مِن باءَ، أيْ: رَجَعَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والأرْضُ هُنا الحِجْرُ ما بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، و”تَتَّخِذُونَ“ حالٌ، أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والظّاهِرُ أنَّ بَعْضَ السُّهُولِ اتَّخَذُوهُ قُصُورًا، أيْ: بَنَوْا فِيهِ قُصُورًا، وأنْشَئُوها فِيهِ ولَمْ يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ سُهُولِها بِالقُصُورِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾، أيْ: يَبْنُونَها مِن سُهُولَةِ الأرْضِ بِما يَعْمَلُونَ مِنها الرِّهْصَ واللَّبِنَ والآجُرَّ يَعْنِي أنَّ القُصُورَ الَّتِي بَنَوْها أجْزاؤُها مُتَّخَذَةٌ مِن لِينِ الأرْضِ كالجَيّارِ والآجُرِّ والجَصِّ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] يَعْنِي أنَّ الصُّورَةَ كانَتْ مادَّتُها مِنَ الحُلِيِّ كَما أنَّ القُصُورَ مادَّتُها مِن سُهُولِ الأرْضِ والأجْزاءِ الَّتِي صُنِعَتْ مِنها، وظاهِرُ الِاتِّخاذِ هُنا العَمَلُ فَيَتَعَدّى ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقِيلَ: يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ والمَجْرُورُ هو الثّانِي، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِفَتْحِ الحاءِ، وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ قَرَأ (وتَنْحاتُونَ) بِإشْباعِ الفَتْحَةِ قالَ كَقَوْلِهِ:
؎يَنْباعُ مِن ذَفْرِي غَضُوبٍ جَسْرَةٍ
انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ بِالباءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ ومَن قَرَأ بِالياءِ فَهو التِفاتٌ، وانْتَصَبَ ﴿بُيُوتًا﴾ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ إذْ لَمْ تَكُنِ الجِبالُ وقْتَ النَّحْتِ بُيُوتًا كَقَوْلِكَ إبْرِ لِي هَذِهِ اليَراعَةَ قَلَمًا وخُطَّ لِي هَذا قِباءً، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ مَعْنى وتَتَّخِذُونَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِتَنْحِتُونَ و﴿الجِبالَ﴾ نُصِبَ عَلى إسْقاطِ مِن، أيْ: مِنَ الجِبالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ (تِعْثَوْا) بِكَسْرِ التّاءِ لِقَوْلِهِمْ أنْتَ تِعْلَمُ وهي لُغَةٌ و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُصُورُ لِمَصِيفِهِمْ والبُيُوتُ في الجِبالِ لِمَشْتاهم، وقِيلَ: نَحَتُوا الجِبالَ لِطُولِ أعْمارِهِمْ كانَتِ القُصُورُ تُخَرَّبُ قَبْلَ مَوْتِهِمْ، قالَ وهْبٌ: كانَ الرَّجُلُ يَبْنِي البُنْيانَ فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرَبُ، ثُمَّ يُجَدِّدُهُ فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرَبُ، ثُمَّ يُجَدِّدُهُ فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرَبُ فَأضْجَرَهم ذَلِكَ فاتَّخَذُوا الجِبالَ بُيُوتًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences