Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:100–106
9:100–101Page 203
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠
And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١
And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ (p-٩٢)قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مَن صَلّى إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: مَن شَهِدَ بَدْرًا، قالَ: وحُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، بَيْعَةَ الحُدَيْبِيَةِ ما بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ، ومَن فَسَّرَ السّابِقِينَ بِواحِدٍ كَأبِي بَكْرٍ، أوْ عَلِيٍّ، أوْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أوْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، فَقَوْلُهُ بِعِيدٌ مِن لَفْظِ الجَمْعِ، وإنَّما يُناسِبُ ذَلِكَ في أوَّلِ مَن أسْلَمَ. والظّاهِرُ أنَّ السَّبْقَ هو إلى الإسْلامِ والإيمانِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ بِالمَوْتِ أوْ بِالشَّهادَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، سَبَقُوا إلى ثَوابِ اللَّهِ وحُسْنِ جَزائِهِ، و﴿مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾، أيْ: ومِنَ الأنْصارِ، وهم أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ أوَّلًا وكانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، وأهْلُ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانُوا سَبْعِينَ، والَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زُرارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَعَلَّمَهُمُ القُرْآنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ هم جَمِيعُ مَن هاجَرَ إلى أنِ انْقَضَتِ الهِجْرَةُ، لَكانَ قَوْلًا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وتَكُونُ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ.
﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ هم سائِرُ الصَّحابَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا اللَّفْظِ التّابِعُونَ، وسائِرُ الأُمَّةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ الإحْسانِ. وقَدْ لَزِمَ هَذا الِاسْمُ الَّذِي هو التّابِعُونَ مَن رَأى مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّهُمُ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ والنَّصْرِ؛ لِأنَّ في لَفْظِ السّابِقَيْنِ إجْمالًا، ووَصْفُهم بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ يُوجِبُ صَرْفَ ذَلِكَ إلى ما اتَّصَفَ بِهِ وهي الهِجْرَةُ والنُّصْرَةُ، والسَّبْقُ إلى الهِجْرَةِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن حَيْثُ كَوْنِها شاقَّةً عَلى النَّفْسِ ومُخالِفَةً لِلطَّبْعِ، فَمَن أقْدَمَ أوَّلًا صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ فِيها، وكَذَلِكَ السَّبْقُ في النُّصْرَةِ فازُوا بِمَنصِبٍ عَظِيمٍ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضائِلَ الأعْرابِ المُؤْمِنِينَ المُتَصَدِّقِينَ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ؛ بَيَّنَ حالَ هَؤُلاءِ السّابِقِينَ وما أعَدَّ لَهم، وشَتّانَ ما بَيْنَ الإعْدادَيْنِ والثَّناءَيْنِ، هُناكَ قالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهُنا ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، وهُناكَ ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهُنا ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾، وهُناكَ خَتَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وهُنا ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعِيسى الكُوفِيُّ، وسَلامٌ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: (والأنْصارُ) بِرَفْعِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى (والسّابِقُونَ)، فَيَكُونُ الأنْصارُ جَمِيعُهم مُنْدَرِجِينَ في هَذا اللَّفْظِ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي الجَرُّ، يَكُونُونَ قِسْمَيْنِ: سابِقٌ أوَّلُ، وغَيْرُ أوَّلَ. ويَكُونُ المُخْبَرُ عَنْهم بِالرِّضا سابَقُوهم، ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ الضَّمِيرُ في القِراءَتَيْنِ عائِدٌ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّ (السّابِقُونَ) مُبْتَدَأٌ، و(رَضِيَ اللَّهُ) الخَبَرُ، وجَوَّزُوا في الخَبَرِ أنْ يَكُونَ (الأوَّلُونَ)، أيْ: هُمُ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ. وجَوَّزُوا في قَوْلِهِ: (والسّابِقُونَ) أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (مَن يُؤْمِنُ)، أيْ: ومِنهُمُ السّابِقُونَ. وجَوَّزُوا في (والأنْصارِ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وفي قِراءَةِ الرَّفْعِ خَبَرُهُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم)، وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ؛ (والسّابِقُونَ) وجْهُ العَطْفِ، ووَجْهٌ أنْ لا يَكُونَ الخَبَرُ (رَضِيَ اللَّهُ)، وهَذِهِ أعارِيبُ مُتَكَلَّفَةٌ لا تُناسِبُ إعْرابَ القُرْآنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (مِن تَحْتِها) بِإثْباتِ ”مِن“ الجارَّةِ، وهي ثابِتَةٌ في مَصاحِفِ مَكَّةَ. وباقِي السَّبْعَةِ بِإسْقاطِها عَلى ما رُسِمَ في مَصاحِفِهِمْ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَرى: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ بِغَيْرِ واوٍ، صِفَةً لِلْأنْصارِ، حَتّى قالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنَّها بِالواوِ، فَقالَ: ائْتُونِي بِأُبَيٍّ، فَقالَ: تَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ في أوَّلِ الجُمُعَةِ ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] وأوْسَطِ الحَشْرِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] وآخِرِ الأنْفالِ: (والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ) . ورُوِيَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُهُ بِالواوِ، فَقالَ: مَن أقْرَأكَ ؟ فَقالَ: أُبَيٍّ، فَدَعاهُ، فَقالَ: أقْرَأنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ومِن ثَمَّ قالَ عُمَرُ: لَقَدْ كُنْتُ أرانا وقَعْنا وقْعَةً لا يَبْلُغُها أحَدٌ بَعْدَنا.
﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾: (p-٩٣)لَمّا شَرَحَ أحْوالَ مُنافِقِي المَدِينَةِ، ثُمَّ أحْوالَ مُنافِقِي الأعْرابِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ في الأعْرابِ مَن هو مُخْلِصٌ صالِحٌ، ثُمَّ بَيَّنَ رُؤَساءَ المُؤْمِنِينَ مَن هم، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُنافِقِينَ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ، وفي المَدِينَةِ لا تَعْلَمُونَهم، أيْ: لا تَعْلَمُونَ أعْيانَهم، أوْ لا تَعْلَمُونَهم مُنافِقِينَ. ومَعْنى (حَوْلَكم): حَوْلَ بَلْدَتِكم، وهي المَدِينَةُ. والَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ: جُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، ومُزَيْنَةُ، وعُصَيَّةُ، ولَحْيانُ، وغَيْرُهم مِمَّنْ جاوَرَ المَدِينَةَ. (ومِن أهْلِ المَدِينَةِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ”مِن“ في قَوْلِهِ: (ومِمَّنْ)، فَيَكُونُ المَجْرُورانِ يَشْتَرِكانِ في المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (مُنافِقُونَ)، ويَكُونُ (مَرَدُوا) اسْتِئْنافًا، أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم خِرِّيجُونَ في النِّفاقِ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ (مَرَدُوا) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو (مُنافِقُونَ)، لِأجْلِ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالمَعْطُوفِ عَلى (ومِمَّنْ حَوْلَكم)، فَيَصِيرُ نَظِيرَ: في الدّارِ زِيدٌ، وفي القَصْرِ العاقِلُ، وقَدْ أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تابِعًا لِلزَّجّاجِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، ويُقَدَّرُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ هو المُبْتَدَأُ، أيْ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا، أوْ مُنافِقُونَ مَرَدُوا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِهِ: أنا ابْنُ جَلا. انْتَهى. فَإنْ كانَ شِبْهَهُ في مُطْلَقٍ حُذِفَ المَوْصُوفُ، وإنْ كانَ شِبْهَهُ في خُصُوصِيَّتِهِ فَلَيْسَ بِحَسَنٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُوفِ مَعَ ”مِن“ وإقامَةَ صِفَتِهِ مَقامَهُ، وهي في تَقْدِيرِ الِاسْمِ، ولا سِيَّما في التَّفْصِيلِ - مُنْقاسٌ؛ كَقَوْلِهِمْ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ. وأمّا أنا ابْنُ جَلا فَضَرُورَةُ شِعْرٍ كَقَوْلِهِ:
؎يَرْمِي بِكَفَّيْ كانَ مِن أرَمى البَشَرْ
أيْ بِكَفَّيْ رَجُلٍ. وكَذَلِكَ أنا ابْنُ جَلا، تَقْدِيرُهُ: أنا ابْنُ رَجُلٍ جَلا، أيْ: كَشَفَ الأُمُورَ وبَيَّنَها، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ ”مَرَدُوا“ شامِلًا لِلنَّوْعَيْنِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مُخْتَصًّا بِأهْلِ المَدِينَةِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ ”مَرَدُوا“ في قَوْلِهِ: (شَيْطانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ) وقالَ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ: ”مَرَدُوا“ مَرَنُوا وثَبَتُوا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَتَوْا مِن قَوْلِهِمْ تَمَرَّدَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتُوبُوا. (لا تَعْلَمُهم)، أيْ: حَتّى نُعْلِمَكَ بِهِمْ، أوْ لا تَعْلَمُ عَواقِبَ أمْرِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ. أوْ لا تَعْلَمُهم مُنافِقِينَ؛ لِأنَّ النِّفاقَ مُخْتَصٌّ بِالقَلْبِ. وتَقَدَّمَ لَفْظُ مُنافِقِينَ فَدَلَّ عَلى المَحْذُوفِ، فَتَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، قالَهُ الكَرْمانِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُخْفُونَ عَلَيْكَ مَعَ فِطْنَتِكَ وشَهامَتِكَ وصِدْقِ فِراسَتِكَ لِفَرْطِ تَوَقِّيهِمْ ما يُشَكِّكُ في أمْرِهِمْ. وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ قالَ: فَما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عِلْمَ النّاسِ ؟ فُلانٌ في الجَنَّةِ، فُلانٌ في النّارِ، فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عَنْ نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي، أنْتَ لَعَمْرِي بِنَفْسِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأعْمالِ النّاسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تَكَلَّفَهُ الرُّسُلُ. قالَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] وقالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦]، وقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ . انْتَهى. فَلَوْ عاشَ قَتادَةُ إلى هَذا العَصْرِ الَّذِي هو قَرْنُ ثَمانِمِائَةٍ وسَمِعَ ما أحْدَثَ هَؤُلاءِ المَنسُوبُونَ إلى الصُّوفِ مِنَ الدَّعاوى والكَلامِ المُبَهْرَجِ الَّذِي لا يَرْجِعُ إلى كِتابِ اللَّهِ وإلى سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، والتَّجَرِي عَلى الإخْبارِ الكاذِبِ عَنِ المُغَيَّباتِ، لَقَضى مِن ذَلِكَ العَجَبِ. وما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ مِثْلَ ما حَكى قَتادَةُ يَقَعُ في ذَلِكَ الزَّمانِ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّحابَةِ وكَثْرَةِ الخَيْرِ، لَكِنَّ شَياطِينَ الإنْسِ يَبْعُدُ أنْ يَخْلُوَ مِنهم زَمانٌ. (نَحْنُ نَعْلَمُهم) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ؛ لِأنَّهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ في سُوَيْداءِ قُلُوبِهِمْ إبْطانًا، ويُبْرِزُونَ لَكَ ظاهِرًا كَظاهِرِ المُخْلِصِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لا تَشُكُّ مَعَهُ في إيمانِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّهم مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ وضُرُوبِهِ، ولَهم فِيهِ اليَدُ الطُّولى. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (نَحْنُ نَعْلَمُهم) تَهْدِيدٌ، وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ) . والظّاهِرُ إرادَةُ التَّثْنِيَةِ (p-٩٤)ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لا يُرادُ بِها شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى عَلى التَّكْثِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ. كَذَلِكَ يَكُونُ مَعْنى هَذا: سَنُعَذِّبُهم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وإذا كانَتِ التَّثْنِيَةُ مُرادَّةً فَأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّ العَذابَ الثّانِيَ هو عَذابُ القَبْرِ، وأمّا المَرَّةُ الأُولى فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الأشْهَرِ عَنْهُ: هو فَضِيحَتُهم ووَصْمُهم بِالنِّفاقِ. ورُوِيَ في هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةِ بَدْرٍ فَنَدَرَ بِالمُنافِقِينَ وصَرَّحَ، وقالَ: «اخْرُجْ يا فُلانُ مِنَ المَسْجِدِ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ، واخْرُجْ أنْتَ يا فُلانُ» حَتّى أخْرَجَ جَماعَةً مِنهم، فَرَآهم عُمَرُ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ وهو مُقْبِلٌ إلى الجُمُعَةِ فَظَنَّ أنَّ النّاسَ انْتَشَرُوا، وأنَّ الجُمُعَةِ فاتَتْهُ، فاخْتَفى مِنهم حَياءً، ثُمَّ وصَلَ المَسْجِدَ فَرَأى أنَّ الصَّلاةَ لَمْ تُقْضَ وفَهِمَ الأمْرَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِعْلُهُ ﷺ عَلى جِهَةِ التَّأْدِيبِ اجْتِهادًا مِنهُ فِيهِمْ، ولَمْ يَسْلُخْهم ذَلِكَ مِنَ الإسْلامِ، وإنَّما هو كَما يَخْرُجُ العُصاةُ والمُتَّهَمُونَ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِن هَذا. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يَتَكَلَّمُ فِيهِمْ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينٍ، فَهَذا أيْضًا مِنَ العَذابِ. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّهُ نَصٌّ عَلى نِفاقِ مَن أُخْرِجَ بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ مِن بابِ إخْراجِ العُصاةِ، بَلْ هَؤُلاءِ كُفّارٌ عِنْدَهُ وإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ. وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: العَذابُ الأوَّلُ عِلَلٌ وأدْواءٌ أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّهُ سَيُصِيبُهم بِها، ورُوِيَ أنَّهُ أسَرَّ إلى حُذَيْفَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِنهم وقالَ: «سِتَّةٌ مِنهم تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ سِراجٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ تَأْخُذُ في كَتِفِ أحَدِهِمْ حَتّى تُفْضِيَ إلى صَدْرِهِ، وسِتَّةٌ يَمُوتُونَ مَوْتًا» . وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ والجُوعِ. قِيلَ: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يُصِبْهُ هَذا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو هَوانُهم بِإقامَةِ حُدُودِ الشَّرْعِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَراهِيَتِهِمْ فِيهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو هَمُّهم بِظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ. وقِيلَ: ضَرْبُ المَلائِكَةِ وُجُوهَهم وأدْبارَهم عِنْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: الأوَّلُ ما يُؤْخَذُ مِن أمْوالِهِمْ قَهْرًا، والثّانِي الجِهادُ الَّذِي يُؤْمَرُونَ بِهِ قَسْرًا؛ لِأنَّهم يَرَوْنَ ذَلِكَ عَذابًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَرَّتَيْنِ هُما عَذابُ الدُّنْيا بِالأمْوالِ والأوْلادِ، كُلُّ صِنْفٍ عَذابٌ، فَهو مَرَّتانِ، وقَرَأ (فَلا تُعْجِبْكَ) الآيَةَ. وقِيلَ: إحْراقُ مَسْجِدِ الضِّرارِ، والآخَرُ إحْراقُهم بِنارِ جَهَنَّمَ. ولا خِلافَ أنَّ قَوْلَهُ: (إلى عَذابٍ عَظِيمٍ) هو عَذابُ الآخِرَةِ وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: (سَيُعَذِّبُهم) بِالياءِ، وسَكَّنَ عَيّاشُ عَنْ أبِي عَمْرٍو الياءَ.
9:102–106Page 203
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢
And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣
Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤
Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦
And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في عَشَرَةِ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ أوْثَقَ سَبْعَةً مِنهم. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً، مِنهم: كَرْدَمُ، ومِرْداسُ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: سِتَّةٌ، أوْثَقَ ثَلاثَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: كانُوا خَمْسَةً. وقِيلَ: ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ وحْدَهُ. ويَبْعُدُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ (وآخَرُونَ)، لِأنَّهُ جَمْعٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ حِينَ قَدِمَ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتَهُ كُلَّما قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرَآهم مُوَثَّقِينَ، فَسَألَ عَنْهم: فَذَكَرُوا أنَّهم أقْسَمُوا لا يَحُلُّونَ أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأنا أُقْسِمُ ألّا أحُلَّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، رَغِبُوا عَنِّي، وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ، فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ اسْتَشارُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتَضَحَ تابَ ونَدِمَ، ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ في المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أوْ يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ: الإقْرارُ بِالذَّنْبِ. (عَمَلًا صالِحًا) تَوْبَةً ونَدَمًا، (وآخَرَ سَيِّئًا) (p-٩٥)أيْ: تَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ خُرُوجًا إلى الجِهادِ قَبْلُ، وتَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ. أوْ تَوْبَةً وإثْمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ. وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، وهو بِخِلافِ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّ الماءَ خُلِطَ بِاللَّبَنِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَتى خَلَطْتَ شَيْئًا بِشَيْءٍ صَدَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، مِن حَيْثُ مَدْلُولِيَّةُ الخَلْطِ؛ لِأنَّها أمْرٌ نِسْبِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى شاةً بِدِرْهَمٍ.
والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ دَلِيلٌ عَلى التَّوْبَةِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ عَسى لِيَكُونَ المُؤْمِنُ عَلى وجَلٍ، إذْ لَفْظَةُ (عَسى) طَمَعٌ وإشْفاقٌ، فَأُبْرِزَتِ التَّوْبَةُ في صُورَتِهِ، ثُمَّ خُتِمَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ صِفَةُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في ناسٍ مَخْصُوصِينَ فَهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . وفي حَدِيثِ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِن تَخْرِيجِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وتابُوا رَآهُمُ الرَّسُولُ ﷺ حَوْلَ إبْراهِيمَ، وفي ألْوانِهِمْ شَيْءٌ، وأنَّهم خُلِطَتْ ألْوانُهم بَعْدَ اغْتِسالِهِمْ في أنْهُرَ ثَلاثَةٍ، وجَلَسُوا إلى أصْحابِهِمُ البِيضِ الوُجُوهِ.
﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ خَلَطُوا) قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا، فَقالَ: ”ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا“ فَنَزَلَتْ. فَيُرْوى أنَّهُ أخَذَ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ مُراعاةً لِقَوْلِهِ: (خُذْ مِن أمْوالِهِمْ) . والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُتَأوِّلِينَ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ - أنَّها في هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. فَقَوْلُهُ عَلى هَذا (مِن أمْوالِهِمْ) هو لِجَمِيعِ الأمْوالِ والنّاسِ، عامٌّ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في الأمْوالِ، إذْ يَخْرُجُ عَنْهُ الأمْوالُ الَّتِي لا زَكاةَ فِيها كالرَّباعِ والثِّيابِ، وفي المَأْخُوذِ مِنهم كالعَبِيدِ، و(صَدَقَةً) مُطْلَقٌ، فَتَصْدُقُ بِأدْنى شَيْءٍ. وإطْلاقُ ابْنِ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ. وفي قَوْلِهِ: (خُذْ)، دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإمامَ هو الَّذِي يَتَوَلّى أخْذَ الصَّدَقاتِ ويَنْظُرُ فِيها. و(مِن أمْوالِهِمْ): مُتَعَلِّقٌ بِـ (خُذْ) و(تُطَهِّرُهم)، و(تُزَكِّيهِمْ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (خُذْ)، فالفاعِلُ ضَمِيرُ (خُذْ) . وأجازُوا أنْ يَكُونَ (مِن أمْوالِهِمْ) في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَلَمّا تَقَدَّمَ كانَ حالًا، وأجازُوا أنْ يَكُونَ (تُطَهِّرُهم) صِفَةً، وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وأنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (تُطَهِّرُهم) عائِدًا عَلى (صَدَقَةٍ)، ويَبْعُدُ هَذا لِعَطْفِ (وتُزَكِّيهِمْ) فَيَخْتَلِفُ الضَّمِيرانِ، فَأمّا ما حَكى مَكِّيٌّ مِن أنَّ (تُطَهِّرُهم) صِفَةٌ لِلصَّدَقَةِ، و(تُزَكِّيهِمْ) حالٌ مِن فاعِلِ (خُذْ)، فَقَدْ رُدَّ بِأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: صَدَقَةً مُطَهِّرَةً ومُزَكِّيًا بِها، وهَذا فاسِدُ المَعْنى، ولَوْ كانَ بِغَيْرِ واوٍ جازَ. انْتَهى. ويَصِحُّ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والواوُ لِلْحالِ، أيْ: وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ، لَكِنَّ هَذا التَّخْرِيجَ ضَعِيفٌ لِقِلَّةِ نَظِيرِهِ في كَلامِ العَرَبِ. والتَّزْكِيَةُ مُبالَغَةٌ في التَّطَهُّرِ وزِيادَةٌ فِيهِ، أوْ بِمَعْنى الإنْماءِ والبَرَكَةِ في المالِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (تُطَهِّرُهم)، مِن أطْهَرَ، واطَّهَّرَ وطَهَّرَ لِلتَّعْدِيَةِ مَن طَهُرَ. (وصَلِّ عَلَيْهِمْ) أيْ: ادْعُ لَهم، أوِ اسْتَغْفِرْ لَهم، أوْ صَلِّ عَلَيْهِمْ إذا ماتُوا، أقْوالٌ. ومَعْنى (سَكَنٌ): طُمَأْنِينَةٌ لَهم أنَّ اللَّهَ قَبِلَ صَدَقَتَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْ رَحْمَةٌ لَهم، قالَهُ أيْضًا، أوْ قُرْبَةٌ، قالَهُ أيْضًا، أوْ زِيادَةُ وقارٍ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، أوْ أمْنٌ لَهم. قالَ:
؎يا جارَةَ الحَيِّ إنْ لا كُنْتِ لِي سَكَنًا إذْ لَيْسَ بَعْضٌ مِنَ الجِيرانِ أسْكَنَنِي
وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: إنَّما كانَتْ سَكَنًا لَهم؛ لِأنَّ رُوحَهُ ﷺ كانَتْ رُوحًا قَوِيَّةً مُشْرِقَةً صافِيَةً، فَإذا دَعا لَهم وذَكَرَهم بِالخَيْرِ ثارَتْ آثارٌ مِن قُوَّتِهِ الرُّوحانِيَّةِ عَلى (p-٩٦)أرْواحِهِمْ فَأشْرَقَتْ بِهَذا السَّبَبِ أرْواحُهم، وصَفَتْ سَرائِرُهم، وانْقَلَبُوا مِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، ومِنَ الجُسْمانِيَّةِ إلى الرُّوحانِيَّةِ. قالَ الشَّيْخُ جَمالُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، عُرِفَ بِابْنِ النَّقِيبِ، في كِتابِهِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: كَلامُ الرّازِيُّ كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ يُشِيرُ فِيهِ إلى أنَّ قُوى الأنْفُسِ مُؤَثِّرَةٌ فَعّالَةٌ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى طَرِيقَةِ أهْلِ التَّفْسِيرِ. انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ في هَؤُلاءِ المُعْتَرِفِينَ المَأْخُوذِ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ: هم سِوى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (إنَّ صَلاتَكَ) هُنا، وفي هُودٍ (صَلاتَكَ) بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. (واللَّهُ سَمِيعٌ) بِاعْتِرافِهِمْ، (عَلِيمٌ) بِنَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ.
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: قالَ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ: هَؤُلاءِ كانُوا بِالأمْسِ مَعَنا لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجالَسُونَ، فَنَزَلَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ عَنْهُ: (ألَمْ تَعْلَمُوا) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُتَخَلِّفِينَ الَّذِينَ قالُوا: ما هَذِهِ الخاصَّةُ الَّتِي يُخَصُّ بِها هَؤُلاءِ ؟ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وأنْ يَكُونَ خِطابًا عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ لِلْقَوْلِ، ويَكُونُ المُرادُ بِهِ التّائِبِينَ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالياءِ. وهو تَخْصِيصٌ وتَأْكِيدٌ أنَّ اللَّهَ مِن شَأْنِهِ قَبُولُ تَوْبَةِ مَن تابَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أما عَلِمُوا قَبْلَ أنْ يُتابَ عَلَيْهِمْ وتُقْبَلَ صَدَقاتُهم أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ، ويَقْبَلُ الصَّدَقاتِ الخالِصَةَ النِّيَّةِ لِلَّهِ ؟ وقِيلَ: وجْهُ التَّخْصِيصِ بِـ ”هو“ - هو أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ وأخْذَ الصَّدَقاتِ إنَّما هو لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، فاقْصِدُوهُ ووَجِّهُوها إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأخْذُ الصَّدَقاتِ مَعْناهُ قَبُولُها، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَنّى فِيها عَنِ القَبُولِ بِأنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ في يَدِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السّائِلِ، وأنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ، فَيَأْخُذُها اللَّهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى يَأْمُرُ بِها ويَشْرَعُها، كَما تَقُولُ: أخَذَ السُّلْطانُ مِنَ النّاسِ كَذا إذا حَمَلَهم عَلى أدائِهِ. و”عَنْ“ بِمَعْنى ”مِن“، وكَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ بِهَذِهِ وهَذِهِ، تَقُولُ: لا صَدَقَةَ إلّا عَنْ غِنًى ومِن غِنًى، وفَعَلَ ذَلِكَ فُلانٌ مِن أسْرِهِ ونَظَرِهِ، وعَنْ أسْرِهِ ونَظَرِهِ. انْتَهى. وقِيلَ: كَلِمَةُ ”مِن“ وكَلِمَةُ ”عَنْ“ مُتَقارِبَتانِ، إلّا أنَّ ”عَنْ“ تُفِيدُ البُعْدَ. فَإذا قِيلَ: جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الأمِيرِ أفادَ أنَّهُ جَلَسَ في ذَلِكَ الجانِبِ، ولَكِنْ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ البُعْدِ، فَيُفِيدُها أنَّ التّائِبَ يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ قَبُولِ اللَّهِ تَوْبَتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَيَحْصُلُ لَهُ انْكِسارُ العَبْدِ الَّذِي طَرَدَهُ مَوْلاهُ وبُعْدُهُ عَنْ حَضْرَتِهِ. فَلَفَظَةُ ”عَنْ“ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ هَذا المَعْنى لِلتّائِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَوْضُوعِ ”عَنْ“ أنَّها لِلْمُجاوَزَةِ. فَإنْ قُلْتَ: أخَذْتُ العِلْمَ عَنْ زَيْدٍ؛ فَمَعْناهُ أنَّهُ جاوَزَ إلَيْكَ، وإذا قُلْتَ: مِن زَيْدٍ؛ دَلَّ عَلى ابْتِداءِ الغايَةِ، وأنَّهُ ابْتِداءُ أخْذِكَ إيّاهُ مِن زَيْدٍ. و”عَنْ“ أبْلَغُ لِظُهُورِ الِانْتِقالِ مَعَهُ، ولا يَظْهَرُ مَعَ ”مِن“ . وكَأنَّهم لَمّا جاوَزَتْ تَوْبَتُهم عَنْهم إلى اللَّهِ، اتَّصَفَ هو تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ)، فَكُلٌّ مِنهُما مُتَّصِفٌ بِالتَّوْبَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا النِّسْبَةِ. ألا تَرى إلى ما رُوِيَ: «ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ باعًا ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» .
﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ ضَمَّنَها الوَعِيدَ، والمُعْتَذِرُونَ التّائِبُونَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ هُمُ المُخاطَبُونَ. وقِيلَ: هُمُ المُعْتَذِرُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا. وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ. (فَسَيَرى اللَّهُ) إلى آخِرِها - تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِهِ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِلْمُعْتَذِرِينَ الخالِطِينَ التّائِبِينَ، وهو الظّاهِرُ؛ فَقَدْ أُبْرِزُوا بِقَوْلِهِ: (فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم) إبْرازَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قِيلَ لَهم: ﴿لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى﴾ [التوبة: ٩٤] الآيَةَ؛ تَنْقِيصًا مِن حالِهِمْ وتَنْفِيرًا عَمّا وقَعُوا فِيهِ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ، وأنَّهم وإنْ تابُوا لَيْسُوا كالَّذِينَ جاهَدُوا مَعَهُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ لا يَرْغَبُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ.
(p-٩٧)﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ: هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العامِرِيُّ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ المُعْرِضِينَ لِلتَّوْبَةِ مَعَ بِنائِهِمْ مَسْجِدَ الضِّرارِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ نَصّاحٍ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: (مُرْجَوْنَ) و(تُرْجِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ، وهُما لُغَتانِ. (لِأمْرِ اللَّهِ) أيْ: لِحُكْمِهِ، (إمّا يُعَذِّبُهم) إنْ أصَرُّوا ولَمْ يَتُوبُوا، (وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) إنْ تابُوا. وقالَ الحَسَنُ: هم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ أرْجَأهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَضْرَتِهِ. وقالَ الأصَمُّ: يَعْنِي المُنافِقِينَ أرْجَأهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهم بِما عَلِمَ مِنهم، وحَذَّرَهم بِهَذِهِ الآيَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا. و”إمّا“ مَعْناها المَوْضُوعَةُ لَهُ هو أحَدُ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ، فَيَنْجَرُّ مَعَ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ أوْ لِغَيْرِهِ، فَهي هُنا عَلى أصْلِ مَوْضُوعِها، وهو القَدْرُ المُشْتَرَكُ الَّذِي هو مَوْجُودٌ في سائِرِ ما زَعَمُوا أنَّها وُضِعَتْ لَهُ وضْعَ الِاشْتِراكِ. (واللَّهُ عَلِيمٌ) بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، (حَكِيمٌ) فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences