Al-AlusiYunus · 10:101–106

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:101–106

10:101Page 220

قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١

Say, "Observe what is in the heavens and the earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe.

﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ الكَفَرَةَ الَّذِينَ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ بِالتَّفَكُّرِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما مِن عَجائِبِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ لِيَتَّضِحَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهم مِنَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وكَأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وتَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى لا تُكْرِهُ النّاسَ عَلى الإيمانِ ولَكِنْ اؤْمُرْهم بِما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ عادَةً مِنَ النَّظَرِ لا يَخْلُو عَنِ النَّظَرِ وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أفادَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الإيمانَ بِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مَن يُؤْمِنُ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ وأنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ لا يُؤْمِنُونَ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْمُرَ بِالنَّظَرِ لِئَلّا يَزْهَدَ فِيهِ بَعْدَ تِلْكَ الإفادَةِ وأرى الأوَّلَ أوْلى وجاءَ ضَمُّ لامِ قُلْ وكَسْرُها وهُما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ لِأنَّ الفِعْلَ قَبْلَهُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ لِأنَّ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ وهي مُبْتَدَأٌ و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي والظَّرْفُ صِلَتُهُ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ماذا) كُلُّهُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ خَبَرُهُ أيْ أيُّ شَيْءٍ بَدِيعٍ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن عَجائِبِ صَنْعَتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى وحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ماذا﴾ كُلُّهُ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ وضَعَّفَهُ السَّمِينُ بِأنَّهُ لا يَخْلُو حِينَئِذٍ مِن أنْ يَكُونَ النَّظَرُ قَلْبِيًّا كَما هو الظّاهِرُ فَيُعَدّى بِفي وأنْ يَكُونَ بَصَرِيًّا فَيُعَدّى بِإلى

﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ 101﴾ أيْ ما تَكْفِيهِمْ وما تَنْفَعُهم وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ والمُرادُ بِالآياتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ (والنُّذُرُ) جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ أيِ الرُّسُلُ المُنْذِرُونَ أوْ بِمَعْنى إنْذارٍ أيِ الإنْذاراتِ وجُمِعَ لِإرادَةِ الأنْواعِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (النَّذُرُ) نَفْسُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمُ المَطْبُوعُ عَلى قُلُوبِهِمْ أيْ لا يُؤْمِنُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ و(ما) نافِيَةٌ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (قُلْ) وفي القَلْبِ مِن جَعْلِها حالًا مِن ضَمِيرِ (انْظُرُوا) شَيْءٌ فانْظُرُوا ويَتَعَيَّنُ كَوْنُها اعْتِراضِيَّةً إذا جُعِلَتْ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً وهي حِينَئِذٍ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِلْفِعْلِ بَعْدَها أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ والمَفْعُولُ عَلى هَذا وكَذا عَلى احْتِمالِ النَّفْيِ مَحْذُوفٌ إنْ لَمْ يَنْزِلْ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ ما تُغْنِي شَيْئًا

10:102Page 220

فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ١٠٢

So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَأْمُورُونَ بِالنَّظَرِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ وأشْرافِهِمْ ﴿إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أيْ مِثْلَ وقائِعِهِمْ ونُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ إذْ لا يَسْتَحِقُّونَ غَيْرَ ذَلِكَ وجاءَ اسْتِعْمالُ الأيّامِ في الوَقائِعِ كَقَوْلِهِمْ: أيّامُ العَرَبِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالزَّمانِ عَما وقَعَ فِيهِ كَما يُقالُ: المَغْرِبُ لِلصَّلاةِ الواقِعَةِ فِيهِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُشْرِكُونَ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَوْا جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ والإيماءِ بِأنَّهم سَيَخْلُونَ كَما خَلَوْا ﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا

صفحة 196

لَهم ﴿فانْتَظِرُوا﴾ ذَلِكَ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ 102﴾ إيّاهُ فَمُتَعَلِّقُ الِانْتِظارِ واحِدٌ بِالذّاتِ وهو الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَلِفًا بِالذّاتِ مُتَّحِدًا بِالجِنْسِ أيْ فانْتَظِرُوا إهْلاكِي إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظَرِينَ هَلاكَكُمْ

10:103Page 220

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٣

Then We will save Our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers.1

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ بِالتَّشْدِيدِ وعَنِ الكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى التَّهْدِيدِ ومُبالَغَةً في تَشْدِيدِ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنَجِّي المُرْسَلَ إلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِهِمْ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِتَهْوِيلِ أمْرِها بِاسْتِحْضارِ صُوَرِها وتَأْخِيرِ حِكايَةِ التَّنْجِيَةِ عَنْ حِكايَةِ الإهْلاكِ عَلى عَكْسِ ما جاءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ 103﴾ أيْ نُنْجِيهِمْ إنْجاءً كَذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي كانَ لِمَن قَبْلَهم عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الإنْجاءِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِمَعْنى مِثْلَ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ المُطْلَقِ ويُحْتَمَلُ عِنْدَ بَعْضٍ أنْ يَكُونَ في مَوْقِعِ الحالِ مِنَ الإنْجاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿نُنَجِّي﴾ بِتَأْوِيلِ نَفْعَلُ الإنْجاءَ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ و﴿حَقًّا﴾ نُصِبَ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿كَذَلِكَ﴾ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ وفائِدَتُها الِاهْتِمامُ بِالإنْجاءِ وبَيانُ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وهو المُرادُ بِالحَقِّ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ ومَعْنى كَوْنِ الإنْجاءِ واجِبًا أنَّهُ كالأمْرِ الواجِبِ عَلَيْهِ تَعالى وإلّا فَلا وُجُوبَ حَقِيقَةً عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةٌ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّهُ لا بَأْسَ (1) الجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةً إذا بَقِيَ شَيْءٌ مِن مُتَعَلِّقاتِها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الكافِ الَّتِي هي بِمَعْنى مِثْلَ أوْ مِنَ المَحْذُوفِ الَّذِي نابَتْ عَنْهُ

وقِيلَ: إنَّ ﴿كَذَلِكَ﴾ مَنصُوبٌ - بِنُنْجِي الأوَّلِ - و﴿حَقًّا﴾ مَنصُوبٌ بِالثّانِي وهو خِلافُ الظّاهِرِ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا الجِنْسُ المُتَناوِلُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعُهم وإمّا الأتْباعُ فَقَطْ وإنَّ ما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَدارَ الإنْجاءِ هو الإيمانُ وجِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها مُقَرِّرًا لِمَضْمُونِهِ

10:104Page 220

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٤

Say, [O Muḥammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allāh; but I worship Allāh, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers

﴿قُلْ﴾ لِجَمِيعِ مَن شَكَّ في دِينِكَ وكَفَرَ بِكَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أُوثِرَ الخِطابُ بِاسْمِ الجِنْسِ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَعْمِيمًا لِلتَّبْلِيغِ وإظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما بَلَغَ إلَيْهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ الَّذِي أعْبُدُ اللَّهَ تَعالى بِهِ وأدْعُوكم إلَيْهِ ولَمْ تَعْمَلُوا ما هو ولا صِفَتُهُ حَتّى قُلْتُمُ إنَّهُ صَبَأ

﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ثُمَّ يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِن فُنُونِ العَذابِ وجَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِها جَوابًا بِتَأْوِيلِ الأخْبارِ وإلّا فَلا تَرَتُّبَ لَها عَلى الشَّرْطِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فالمَعْنى إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن ذَلِكَ فَأُخْبِرُكم أنَّهُ تَخْصِيصُ العِبادَةِ بِهِ تَعالى ورَفْضُ عِبادَةٍ ما سِواهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مِمّا تَعْبُدُونَهُ جَهْلًا وقَدْ كَثُرَ جَعْلُ الأخْبارِ بِمَفْهُومِ الجُمْلَةِ جَزاءً نَحْوَ إنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ وعَلى هَذا الطَّرْزِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ اسْتِقْرارَ النِّعْمَةِ لَيْسَ سَبَبًا لِحُصُولِها مِنَ اللَّهِ تَعالى بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ وإنَّما سَبَبٌ لِلْأخْبارِ بِحُصُولِها مِنهُ تَعالى كَما قَرَّرَهُ ابْنُ الحاجِبِ

صفحة 197

وقَدْ يَكُونُ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن صِحَّةِ دِينِي وسَدادِهِ فَأُخْبِرُكم أنَّ خُلاصَتَهُ العِبادَةُ لا لَهُ هَذا شَأْنُهُ دُونَ ما تَعْبُدُونَهُ مِمّا هو بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ الشَّأْنِ فاعْرِضُوا ذَلِكَ عَلى عُقُولِكم وأجِيلُوا فِيهِ أفْكارَكم وانْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ لِتَعْلَمُوا صِحَّتَهُ وحَقِّيَّتَهُ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يُحْتاجُ عَلى هَذا إلى جَعْلِ المُسَبِّبِ الإخْبارُ والإعْلامُ بَلْ يُعْتَبَرُ الجَزاءُ الأمْرَ بِعَرْضِ ما ذُكِرَ عَلى عُقُولِهِمْ والتَّفَكُّرُ فِيهِ والأظْهَرُ اعْتِبارُ كَوْنِ الإخْبارِ جَزاءً كَما في المَعْنى الأوَّلِ والتَّعْبِيرُ عَما هم عَلَيْهِ بِالشَّكِّ مَعَ كَوْنِهِمْ قاطِعِينَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ عُرُوضُهُ لِلْعاقِلِ في هَذا البابِ هو الشَّكُّ في الصِّحَّةِ وأمّا القَطْعُ بِعَدَمِها فَما لا سَبِيلَ إلَيْهِ وقِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهم كانُوا قاطِعِينَ بَلْ كانُوا في شَكٍّ واضْطِرابٍ عِنْدَ رُؤْيَةِ المُعْجِزاتِ وجِيءَ – بِأنَّ - لِلْإشارَةِ إلّا أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِوُجُودِ ما يُزِيلُهُ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ أاثْبُتُ عَلَيْهِ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ ولا تَشُكُّوا في أمْرِي واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ ما قَبْلُ أوْفَقُ بِالمَقامِ وتَقْدِيمُ تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ كَما في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ والإيذانِ بِالمُخالَفَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ وتَخْصِيصُ التَّوَفِّي مِن بَيْنِ سائِرِ صِفاتِ الأفْعالِ بِالذِّكْرِ مُتَعَلِّقًا بِهِمْ لِلتَّخْوِيفِ فَإنَّهُ لا شَيْءَ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ وقِيلَ: المُرادُ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ثُمَّ يُعِيدُكم وفِيهِ إيماءٌ إلى الحَشْرِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ وهو مِن أُمَّهاتِ أُصُولِ الدِّينِ ثُمَّ حُذِفَ الطَّرَفانِ وأُبْقِيَ الوَسَطُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِما فَإنَّهُما قَدْ كَثُرَ اقْتِرانُهُما بِهِ في القُرْآنِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ 104﴾ أيْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ فَوُجُوبُ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى شَرْعِيٌّ كَسائِرِ الواجِباتِ وذَكَرَ المَوْلى صَدْرَ الشَّرِيعَةِ أنَّ لِلشَّرْعِيِّ مَعْنَيَيْنِ ما يَتَوَقَّفُ عَلى الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الإيمانِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ووُجُوبِ تَصْدِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الشَّرْعِ فَهو لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ بِالمَعْنى الأوَّلِ وذَلِكَ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ مَوْقُوفٌ عَلى الإيمانِ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وكَلامِهِ وعَلى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِدَلالَةِ مُعْجِزاتِهِ فَلَوْ تَوَقَّفَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْكامِ عَلى الشَّرْعِ لَزِمَ الدَّوْرَ ولِقائِلٍ أنْ يَمْنَعَ تَوَقُّفَ الشَّرْعِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ ونَحْوِهِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالشَّرْعِ خِطابُ اللَّهِ تَعالى أوْ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَوَقُّفُ التَّصْدِيقِ بِثُبُوتٍ شَرْعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وعَلى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَلالَةِ مُعْجِزاتِهِ لا يَقْتَضِي تَوَقُّفَهُ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ ولا عَلى العِلْمِ بِوُجُوبِهِما غايَتُهُ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى نَفْسِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ وهو غَيْرُ مُفِيدٍ لِتَوَقُّفِهِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ ولا مُنافٍ لِتَوَقُّفِ وُجُوبِ الإيمانِ ونَحْوِهِ عَلى الشَّرْعِ كَما هو المَذْهَبُ عِنْدَهم مِن أنْ لا وُجُوبَ إلّا بِالسَّمْعِ وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيَّ هُنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ أُمِرَ بِالعَقْلِ والوَحْيِ لا يَخْلُو عَنْ نَزْغَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ كَما هو دَأْبُهُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ومَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنّا: إنَّهُ وجَبَ عَلى ذَلِكَ بِالعَقْلِ والسَّمْعِ أرادَ بِالعَقْلِ التّابِعَ لِما سُمِعَ بِالشَّرْعِ فَلا تَبَعِيَّةَ والكَلامُ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ أُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ وحَذْفُهُ مِن أنْ وأنَّ مُطَّرِدٌ وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ ذَلِكَ فالحَذْفُ بَعْدُ أمْرٌ مَسْمُوعٌ عَنِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:

صفحة 198

أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ

وأدْخَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الجُمْلَةَ في الجَزاءِ ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ

10:105Page 220

وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٥

And [commanded], 'Direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allāh;

﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ عَطْفٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى ﴿أنْ أكُونَ﴾ واعْتِراضٌ بِأنَّ (أنْ) في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَصْدَرِيَّةٌ بِلا كَلامٍ لِعَمَلِها النَّصْبَ والَّتِي في جانِبِ المَعْطُوفِ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ لِوُقُوعِ الأمْرِ بَعْدَها وكَذا لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِعَطْفِها عَلى المَصْدَرِيَّةِ ولِأنَّهُ يَلْزَمُ دُخُولُ الباءِ المُقَدَّرَةِ عَلَيْها والمُفَسِّرَةُ لا يَدْخُلُ عَلَيْها ذَلِكَ ودُفِعَ ذَلِكَ بِاخْتِيارِ كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً ووُقُوعُ الأمْرِ بَعْدَها لا يَضُرُّ في ذَلِكَ فَقَدَ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَجُوزُ وصْلُها بِهِ ولا فَرْقَ في صِلَةِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ بَيْنَ الطَّلَبِ والخَبَرِ لِأنَّهُ إنَّما مُنِعَ في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ لِأنَّهُ وُضِعَ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ والجُمَلِ الطَّلَبِيَّةِ لا تَكُونُ صِفَةً والمَقْصُودُ مِن أنَّ هَذِهِ يُذْكَرُ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي تَأوَّلَ بِهِ وهو يَحْصُلُ بِكُلِّ فِعْلٍ وكَوْنُ تَأْوِيلِهِ يُزِيلُ مَعْنى الأمْرِ المَقْصُودُ مِنهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ يُؤَوَّلُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ بِالأمْرِ بِالإقامَةِ إذْ كَما يُؤْخَذُ المَصْدَرُ مِنَ المادَّةِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنَ الصِّيغَةِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ هُنا لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: (أُمِرْتُ) عَلَيْهِ وفي الفَرائِدِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ وتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ هَذا سائِغٌ إعْرابًا إلّا أنَّ في ذَلِكَ العَطْفِ فائِدَةً مَعْنَوِيَّةً وهي أنَّ (وأنْ أقِمْ) إلَخْ كالتَّفْسِيرِ - لِأنْ أكُونَ - إلَخْ عَلى أُسْلُوبِ - أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ - داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ المَأْمُورِ فَلَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ فاتَ غَرَضُ التَّفْسِيرِ وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً مَعْطُوفَةً عَلى مَثَلِها وفِيهِ تَأمُّلٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِلْجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها وقَدَّرَ أبُو حَيّانَ ذَلِكَ وزَعَمَ أنَّ (أنْ) حِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِأنَّ في الفِعْلِ المُقَدَّرِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ يَزُولُ قَلَقُ العَطْفِ ويَكُونُ الخِطابُ في (وجْهِك) في مَحَلِّهِ ورُدَّ بِأنَّ الجُمْلَةَ المُفَسِّرَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها وأمّا صِحَّةُ وُقُوعِ المَصْدَرِيَّةِ فاعِلًا أوْ مَفْعُولًا فَلَيْسَ بِلازِمٍ ولا قَلَقَ في العَطْفِ الَّذِي عَناهُ وأمْرُ الخِطابِ سَهْلٌ لِأنَّهُ لِمُلاحَظَةِ المَحْكِيِّ والأمْرِ المَذْكُورِ مَعَهُ

وإقامَةُ الوَجْهِ لِلدِّينِ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ إلى عِبادَتِهِ تَعالى والإعْراضِ عَمَّنْ سِواهُ فَإنَّ مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرَ اسْتِقْصاءٍ يُقِيمُ وجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ بِحَيْثُ لا يَلْتَفِتُ يَمِينًا ولا شِمالًا إذْ لَوِ التَفَتَ بَطَلَتِ المُقابَلَةُ والظّاهِرُ أنَّ الوَجْهَ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الذّاتُ والمُرادُ اصْرِفْ ذاتَكَ وكُلِّيَّتَكَ لِلدِّينِ واجْتَهِدْ بِأداءِ الفَرائِضِ والِانْتِهاءِ عَنِ القَبائِحِ فاللّامُ صِلَةُ (أقِمْ) وقِيلَ: الوَجْهُ عَلى ظاهِرِهِ وإقامَتُهُ تَوْجِيهُهُ لِلْقِبْلَةِ أيِ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا تَلْتَفِتْ إلى اليَمِينِ أوِ الشِّمالِ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ وهو حالٌ إمّا مِنَ الوَجْهِ أوْ مِنَ الدِّينِ وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً لِأنَّ إقامَةَ الوَجْهِ تَضَمَّنَتِ التَّوَجُّهَ إلى الحَقِّ والإعْراضَ عَنِ الباطِلِ وعَلى الثّانِي قِيلَ تَكُونُ حالًا مُنْتَقِلَةً وفِيهِ نَظَرٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ 105﴾ عَطْفٌ عَلى (أقِمْ) داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لَهُ أيْ لا تَكُونَنَّ مِنهُمُ اعْتِقادًا ولا عَمَلًا

10:106Page 220

وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٦

And do not invoke1 besides Allāh that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"2

﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ما لا يَنْفَعُكَ بِنَفْسِهِ إذا دَعَوْتَهُ بِدَفْعِ مَكْرُوهٍ أوْ جَلْبِ مَحْبُوبٍ ولا يَضُرُّكَ إذا تَرَكْتَهُ بِسَلْبِ المَحْبُوبِ دَفْعًا أوْ رَفْعًا أوْ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ والجُمْلَةُ قِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ قَبْلَها واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَطْفَها عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ فَهي غَيْرُ داخِلَةٍ

صفحة 199

تَحْتَ الأمْرِ لِأنَّ ما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ مُتَّسِقَةٌ لا يُمْكِنُ فَصْلُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ ولا وجْهَ لِإدْراجِ الكُلِّ تَحْتَ الأمْرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ فِعْلُ الإيحاءِ في ﴿وأنْ أقِمْ﴾ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ وصاحِبُ الفَرائِدِ لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ كَما هو الظّاهِرُ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ المَعْطُوفَةِ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى وإدْراجِ جَمِيعِ المُتَّسِقاتِ تَحْتَ الإيحاءِ وقَدْ يُرَجَّحُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِأنَّهُ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ مِنَ العَطْفِ عَلى البَعِيدِ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الإيحاءِ والعَطْفِ كَما قِيلَ والأمْرُ السّابِقُ بِمَعْنى الوَحْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأُوحِيَ إلى أنْ أكُونَ إلَخْ والِانْدِراجُ حِينَئِذٍ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وهو كَما تَرى ولا أظُنُّكَ تَقْبَلُهُ ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ 106﴾ أيْ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ والفِعْلُ كِنايَةٌ عَنِ الدُّعاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، وكَنّى عَنْ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ تَنْوِيهًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَنْبِيهًا عَلى رِفْعَةِ مَكانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ في ضِمْنِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ

والكَلامُ في فائِدَةِ نَحْوِ النَّهْيِ المَذْكُورِ قَدْ مَرَّ آنِفًا وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى ما في النَّهْيِ جُمْلَةُ ﴿فَإنَّكَ﴾ وخَبَرُها أعْنِي ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وتَوَسَّطَتْ ﴿إذًا﴾ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ مَعَ أنَّ رُتْبَتَها بَعْدَ الخَبَرِ رِعايَةٌ لِلْفاصِلَةِ وفي الكَشّافِ أنَّ ﴿إذًا﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ فَجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وهَذِهِ عِبارَةُ النَّحْوِيِّينَ وفُسِّرَتْ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّ المُرادَ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَنْ شَرْطٍ مُحَقِّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ وجَوابٌ عَنْ كَلامٍ مُحَقَّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في جَمْعِ الجَوامِعِ بَعْدَ أنْ بَيْنَ أنَّ إذا الظَّرْفِيَّةَ قَدْ يُحْذَفُ جُزْءُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَتْ هي إلَيْها أوْ كُلُّها فَيُعَوَّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ وتُكْسَرُ لِلسّاكِنَيْنِ لا لِلْإعْرابِ خِلافًا لِلْأخْفَشِ وقَدْ تُفْتَحُ أنَّ شَيْخَهُ الكافِيجِيَّ ألْحَقَ بِها (إذَنْ)ثُمَّ قالَ في شَرْحِهِ هَمْعَ الهَوامِعِ: وقَدْ أشَرْتُ بِقَوْلِي: وألْحَقَ شَيْخُنا بِها في ذَلِكَ (إذَنْ) إلى مَسْألَةٍ غَرِيبَةٍ قَلَّ مَن تَعَرَّضَ لَها وذَلِكَ أنِّي سَمِعْتُ شَيْخَنا عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ لَيْسَتْ(إذَنْ) هَذِهِ الكَلِمَةَ المَعْهُودَةَ وإنَّما هي إذا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُها الَّتِي يُضافُ إلَيْها وعُوِّضَ عَنْها التَّنْوِينُ كَما في يَوْمَئِذٍ وكُنْتُ أسْتَحْسِنُ هَذا جِدًّا وأظُنُّ أنَّ الشَّيْخَ لا سَلَفَ لَهُ في ذَلِكَ حَتّى رَأيْتُ بَعْضَ المُتَأخِّرِينَ جَنَحَ إلى ما جَنَحَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وقَدْ أوْسَعْتُ الكَلامَ في ذَلِكَ في حاشِيَةِ المُغْنِي انْتَهى

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرَها كالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها وما ذَكَرَهُ مِمّا يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتَّبِعُوهُ فَلْيُحْمَلْ ما في الآيَةِ عَلَيْهِ وكانَ كَثِيرًا ما يَخْطِرُ لِي ذَلِكَ إلّا أنِّي لَمْ أكُدْ أُقْدِمُ عَلى إثْباتِهِ حَتّى رَأيْتُهُ لِغَيْرِي مِمَّنْ لا يُنْكِرُ فَضْلَهُ فَأُثْبِتُهُ حامِدًا لِلَّهِ تَعالى

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском