Al-AlusiYunus · 10:37–39

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:37–39

10:37Page 213

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٧

And it was not [possible] for this Qur’ān to be produced by other than Allāh, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt,1 from the Lord of the worlds.

﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِهِمْ مِنَ القُرْآنِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ مَعَ الأدِلَّةِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ والبُرْهانُ عَلَيْهِ غَبَّ المَنعِ مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَصَّهُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ إلَخْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ (وكانَ) هُنا ناقِصَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الكامِلِينَ (وهَذا) اسْمُها (والقُرْآن) نَعْتٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ (وأنْ يُفْتَرى) بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيِ افْتِراءً خَبَرُ (كانَ) وهو في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ أيْ مُفْتَرًى كَما ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ في قاعِدَةِ أنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرٍ وذَلِكَ المُقَدَّرُ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ

لَعَمْرُكَ ما الفِتْيانُ أنْ تَنْبُتَ اللِّحى

وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنَّ (ما كانَ) بِمَعْنى ما صَحَّ وإنَّ في الكَلامِ لامًا مُقَدَّرَةً لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والأصْلُ ما كانَ هَذا القُرْآنُ لِأنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ (وأنْ يُفْتَرى) خَبَرُ كانَ (ومِن دُونِ اللَّهِ) خَبَرٌ ثانٍ وهو بَيانٌ لِلْأوَّلِ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المَشْحُونُ بِفُنُونِ الهِداياتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلِاتِّباعِ الَّتِي مِن جُمْلَتُها هاتِيكَ الحُجَجُ البَيِّنَةُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ صادِرًا مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ كانَ وقِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ لَكِنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَما قالَهُ في مَحَلِّ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وما ذُكِرَ في حاصِلِ المَعْنى أمْرٌ مَقْبُولٌ كَما لا يَخْفى وجَوَّزَ البَدْرُ

صفحة 117

الدَّمامِينِيُّ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً (وأنْ يُفْتَرى) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن (هَذا القُرْآنِ) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ قَطْعًا لِأنَّ ما وجَدَ القُرْآنَ يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرَ نَفْيَ وُجُودِهِ وأيْضًا لا بُدَّ مِنَ المُلابَسَةِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في بَدَلِ الِاشْتِمالِ فَيَلْزَمُ أنْ يُبْتَنى الكَلامُ عَلى المُلابَسَةِ بَيْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ والِافْتِراءِ وفي التِزامِ كُلِّ ما تَرى وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا أراهُ مُثْبِتًا لِلْحُسْنِ أصْلًا واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى اعْتِبارِ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ اعْتِبارًا لِلْمُبالَغَةِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في زَيْدٌ عَدْلٌ والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ المُبالَغَةَ حِينَئِذٍ راجِعَةٌ إلى النَّفْيِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لا أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى المُبالَغَةِ كَما لا يَخْفى ومِن هُنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ: وما يَصِحُّ وما اسْتَقامَ وكانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في عُلُوِّ أمْرِهِ وإعْجازِهِ مُفْتَرًى رُبَّما يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ إذْ مُجَرَّدُ تَوْسِيطِ - كانَ - لا يُفِيدُ ذَلِكَ والتَّعْبِيرُ بِالمَصْدَرِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ مِنَ النَّظَرِ ثُمَّ إنَّهم فِيما رَأيْنا لَمْ يَعْتَبِرُوا المَصْدَرَ هُنا إلّا نَكِرَةً والمَشْهُورُ اتِّفاقُ النُّحاةِ عَلى أنَّ أنَّ والفِعْلَ المُؤَوَّلَ بِالمَصْدَرِ مَعْرِفَةٌ ولِذَلِكَ لا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ النَّكِرَةِ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في الخاطِرِيّاتِ مِن أنَّهُ يَكُونُ نَكِرَةً وذُكِرَ أنَّهُ عَرَضَهُ عَلى أبِي عَلِيٍّ فارْتَضاهُ واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ أنْ تُخَلِّصَ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ والمُشْرِكُونَ إنَّما زَعَمُوا كَوْنَ القُرْآنِ مُفْتَرًى في الزَّمانِ الماضِي كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَكَيْفَ يَنْبَغِي كَوْنُهُ مُفْتَرًى في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ الفِعْلَ فِيها مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الزَّمانِ وقَدْ نَصَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في الفِعْلِ ابْنُ الحاحِبِ وغَيْرُهُ ونَقَلَهُ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ لِمُغْنِي اللَّبِيبِ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نُكْتَةَ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ مَعَ أنَّهُ المُسْتَعْمَلُ في كَلامِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ مُلاحَظَةِ أحَدِ الأزْمِنَةِ نَحْوَ أعْجَبَنِي قِيامُكَ أنَّ المَجازَ أبْلَغُ مِنَ الحَقِيقَةِ وقِيلَ: لَعَلَّ النُّكْتَةَ في ذَلِكَ اسْتِقامَةُ الحَمْلِ بِدُونِ تَأْوِيلٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمُؤَوَّلِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ شارِحُ اللُّبابِ وغَيْرُهُ ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ مُخالَفَةً لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِن أنَّ أنْ والفِعْلَ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ وهو في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ

قِيلَ: وقَدْ يُجابُ أيْضًا عَنْ أصْلِ الإشْكالِ بِأنَّهُ إنَّما نَفى في الماضِي إمْكانَ تَعَلُّقِ الِافْتِراءِ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وكَوْنَهُ مَحَلًّا لِذَلِكَ فَيَنْتَفِي تَعَلُّقُ الِافْتِراءِ بِهِ بِالفِعْلِ مِن بابٍ أوْلى وفي ذَلِكَ سُلُوكُ طَرِيقِ البُرْهانِ فَيَكُونُ في الكَلامِ مَجازٌ أصْلِيٌّ أوْ تَبَعِيٌّ وقَدْ نَصَّ أبُو البَقاءِ عَلى جَوازِ كَوْنِ الخَبَرِ مَحْذُوفًا وأنَّ التَّقْدِيرَ وما كانَ هَذا القُرْآنُ مُمْكِنًا أنْ يُفْتَرى وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ الآيَةَ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ وهو طَلَبٌ لِلِافْتِراءِ في المُسْتَقْبَلِ وأمّا الجَوابُ عَنْ زَعْمِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ افْتَراهُ وحاشاهُ فَسَيَأْتِي عِنْدَ حِكايَةِ زَعْمِهِمْ ذَلِكَ فَلا إشْكالَ عَلى أنَّ عُمُومَ تَخْلِيصِ أنِ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ في حَيِّزِ المَنعِ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيما عَدا خَبَرَ كانَ المَنفِيَّةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فَإنَّهُ نَزَلَ عَنِ اسْتِغْفارٍ سَبَقَ مِنهم لِلْمُشْرِكِينَ كَما قالَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وقَدْ أطالَ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في ذَيْلِ فَتاوِيهِ فَتَبَصَّرْ

﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الجِنْسُ وعَنى بِالتَّصْدِيقِ بَيانَ الصِّدْقِ وهو مُطابَقَةُ الواقِعِ وإظْهارُهُ وإضافَتُهُ إمّا لِفاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ وتَصْدِيقُ الكُتُبِ لَهُ بِأنَّ ما فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ مُطابِقٌ لِما فِيها وهي مُسَلَّمَةٌ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وما عَداهم إنِ اعْتَرَفَ بِها وإلّا فَلا عِبْرَةَ بِهِ.

صفحة 118

وفِي جَعْلِ الإضافَةِ لِلْمَفْعُولِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الِافْتِراءِ عَنْهُ لِأنَّ ما يَثْبُتُ ويَظْهَرُ بِهِ صِدْقُ غَيْرِهِ فَهو أوْلى بِالصِّدْقِ ووَجْهُ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها أنَّهُ دالٌّ عَلى نُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ الأوَّلِينَ حَسْبَما ذُكِرَ فِيها وهو مُعْجِزٌ دُونَها فَهو الصّالِحُ لِأنْ يَكُونَ حُجَّةً وبُرْهانًا لِغَيْرِهِ لا بِالعَكْسِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أخْبارُ الغُيُوبِ والإضافَةُ لِلْفاعِلِ وتَصْدِيقُها لَهُ مَجِيئُها عَلى وفْقِ ما أخْبَرَ بِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ونَصْبُ التَّصْدِيقِ عَلى العَطْفِ عَلى خَبَرِ - كانَ – أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ مُقَدَّرَةٍ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أُنْزِلَ لِتَصْدِيقِ ذَلِكَ وجَعْلُ العِلَّةِ هُنا ما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ أنْزَلَ الأُمُورَ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِمَقامِ رَدِّ دَعْوى افْتِرائِهِ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُصَدِّقُ تَصْدِيقَ إلَخْ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ إلَخْ وكَذا قَرَأ بِالرَّفْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: (وتَفْصِيلُ الكِتابِ) أيْ ما كُتِبَ وأُثْبِتَ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ والعَطْفُ نَصْبًا أوْ رَفْعًا عَلى (تَصْدِيقُ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلَكِنْ أوْ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ وفُصِّلَ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ وإنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ بَيانِيًّا جَوابًا بِالسُّؤالِ عَنْ حالِ الكِتابِ والأوَّلُ أظْهَرُ والمَعْنى لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَرْتابَ فِيهِ لِوُضُوحِ بُرْهانِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ 37﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِكانَ أوِ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ في سابِقِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصْدِيقَ أوْ بِتَفْصِيلُ أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بهما أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكِتابِ و(لا رَيْبَ فِيهِ) اعْتِراضٌ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ أوِ الحالِ وذْيها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيهِ)

10:38Page 213

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨

Or do they say [about the Prophet (ﷺ)], "He invented it?" Say, "Then bring forth a sūrah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ وهي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أيْ بَلْ يَقُولُونَ وبَلِ انْتِقالِيَّةٌ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ أيْ ما كانَ يَنْبَغِي ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ والمَعْنَيانِ عَلى ما قِيلَ مُتَقارِبانِ، وقِيلَ: إنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ ومُعادِلَها مُقَدَّرٌ أيْ أتُقِرُّونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ افْتَراهُ وقِيلَ: هي اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى الهَمْزَةِ وقِيلَ: عاطِفَةٌ بِمَعْنى الواوِ والصَّحِيحُ الأوَّلُ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الفاسِدَةِ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ طَوِيلَةً كانَتْ أوْ قَصِيرَةً ﴿مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ الِارْتِباطِ وجَزالَةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كانَ ذاكَ افْتِراءً مِنِّي فافْتَرُوا سُورَةً مِثْلَهُ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ وأشَدُّ تَمَرُّنًا واعْتِيادًا في النَّظْمِ والنَّثْرِ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِإتْيانِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ إنْشاؤُهم لَهُ والتَّكَلُّمُ بِهِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ وإيرادُهُ مِن كَلامِ الغَيْرِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذُكِرَ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في العُدُولِ عَنْ قُولُوا سُورَةً مِثْلَهُ مَثَلًا إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَأْتُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِكم أوْ مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ فُصَحاءِ العَرَبِ وبُلَغائِها كامْرِئِ القَيْسِ وزُهَيْرٍ وأضْرابِهِما بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لَهُ في صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ فَحَيْثُ عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ شِدَّةِ تَمَرُّنِكم ولَمْ يُوجَدْ في كَلامِ أُولَئِكَ وهُمُ الَّذِينَ نُصِبَتْ لَهُمُ المَنابِرُ في عُكاظَ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ وبِهِمْ دارَتْ رَحا النَّظْمِ والنَّثْرِ وتَصَرَّمَتْ أيّامُهم في الإنْشاءِ والإنْشادِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ بَلْ هو مِن كَلامِ خالِقِ القُوى والقَدَرِ وقُرِئَ (بِسُورَةِ مِثْلِهِ) عَلى الإضافَةِ أيْ بِسُورَةِ كِتابٍ مِثْلِهِ ﴿وادْعُوا﴾ لِلْمُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ

﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في المُهِمّاتِ والمُلِمّاتِ والمُداراةِ الَّذِينَ

صفحة 119

تَلْجَأُونَ إلَيْهِمْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِادْعُوا كَما قِيلَ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى أنَّ الدُّعاءَ مُبْتَدَأٌ مَن غَيْرِهِ تَعالى لا مُلابَسَةَ لَهُ مَعَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِوَجْهٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ ومِن بَيانِيَّةً أيِ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن خَلْقِهِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ

وفائِدَةُ هَذا القَيْدِ قِيلَ: التَّنْصِيصُ عَلى بَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنُهم في عُدْوَةِ المُضادَّةِ والمُشاقَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إفادَةَ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ لَأجابَهم إلَيْهِ وقَدْ يُقالُ: لا بَأْسَ بِإفادَةِ ذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ المَذْكُورَ مِمّا يُؤَيِّدُ المَقْصُودَ وهو كَوْنُ ما أتى بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بَلْ هو مِنهُ تَعالى والإيهامُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَإنَّ دُعاءَهم إيّاهُ تَعالى بِمَعْنى طَلَبِهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَأْتِيَ بِما كُلِّفُوهُ مُسْتَبَدًّا بِهِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ لِأنَّهُ يُنافِي زَعْمَهُمُ السّابِقَ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 38﴾ في أنِّي افْتَرَيْتُهُ فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِإمْكانِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وهو أيْضًا مُسْتَلْزِمٌ لِقُدْرَتِكم عَلَيْهِ وجَوابُ ﴿إنْ﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحَدّى مَصاقِعَ العَرَبِ بِسُورَةٍ ما مِنهُ فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ وإلّا لَنُقِلَ إلَيْنا لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ وزَعَمَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا فَإنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ في الشَّخْصِ خُصُوصِيَّةٌ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مُمْتازًا بِها عَنْ سائِرِ العَرَبِ فَأتى بِما أتى دُونَهم وقَدْ جاءَ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أنا أفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أنِّي مِن قُرَيْشٍ» . وأُجِيبُ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَ في أقْصى الغاياتِ مِنَ الفَصاحَةِ حَتّى كَأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّتْ قُدْرَتُهُ مَخَّضَ اللِّسانَ العَرَبِيَّ وألْقى زُبْدَتَهُ عَلى لِسانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَما مِن خَطِيبٍ يُقاوِمُهُ إلّا نَكَصَ مُتَفَكِّكَ الرَّجُلِ وما مِن مِصْقَعٍ يُناهِرُهُ إلّا رَجَعَ فارِغَ السِّجِلِّ إلّا أنَّ كَلامَهُ ﷺ لا يُشْبِهُ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وكَلامُ شَخْصٍ واحِدٍ مُتَشابِهٌ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأذْواقِ الواقِفِينَ عَلى كَلامِ البُلَغاءِ قَدِيمًا وحَدِيثًا

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ الزَّعْمَ لِما فِيهِ ظاهِرًا مِن تَسْلِيمِ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْجِزًا لا تُسْتَطاعُ مُعارَضَتُهُ وحِينَئِذٍ العَجْزُ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ يَجْعَلُهُ دائِرًا بَيْنَ كَوْنِهِ كَلامَهُ تَعالى وكَوْنِهِ كَلامَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَثْبُتُ كَوْنُهُ كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا بِضَمِّ امْتِيازِهِ عَلى كَلامِهِ ﷺ والزّاعِمُ لَمْ يَدَّعِ لُزُومَ كَوْنِهِ مِن عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ وأيْضًا يُنافِي هَذا التَّسْلِيمُ ما تَقَدَّمَ في بَيانِ حاصِلِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ حَيْثُ عَلَّلَ بِأنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ إلَخْ ومِن هُنا قِيلَ: الأوْجَهُ في الجَوابِ أنْ يُلْتَزَمَ عَدَمُ إعْجازِ كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أفْصَحَ العَرَبِ ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وأطالَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ وبَعْضٌ أدْرَجَ مَسْألَةَ خَلْقِ الأفْعالِ في البَيْنِ وجَعَلَ مَدارَ الجَوابِ مَذْهَبَ الأشْعَرِيِّ فِيها ولَعَلَّ الأمْرَ غَنِيٌّ عَنِ الإطالَةِ عِنْدَ مَنِ انْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ الغَيْنُ

10:39Page 213

بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ قِيلَ: هو إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إظْهارِ بُطْلانِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ بِالتَّحَدِّي إلى إظْهارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَلامٌ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِكُنْهِ أمْرِهِ والِاطِّلاعِ عَلى شَأْنِهِ الجَلِيلِ فَما عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وعَلَيْهِ مُحَقِّقُو المُفَسِّرِينَ وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ دِينَهم كالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ والجَزاءِ ولَيْسَ بِذاكَ سَواءٌ كانَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما هو المُتَبادَرُ أمْ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُرادُ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ كَما وصَفَ آنِفًا ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ

صفحة 120

يُؤْتى بِسُورَةٍ مِثْلِهِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أوْ نَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ جَهْلِهِمْ بِهِ وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ إلّا بِعُنْوانِ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ وبِأنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ عَدَمِ إحاطَتِهِمْ بِعِلْمِهِ لِما أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ وأصْلُ الكَلامِ بِما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّهُ أبْلَغُ ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى مَعانِيهِ الوَضْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِهِ وسُطُوعِ بُرْهانِهِ فالتَّأْوِيلُ نَوْعٌ مِنَ التَّفْسِيرِ والإتْيانُ مَجازٌ عَنِ المَعْرِفَةِ والوُقُوفِ ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تِلْكَ المَعانِيَ مُتَوَجِّهَةٌ إلى الأذْهانِ مُنْساقَةٌ إلَيْها بِنَفْسِها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّأْوِيلِ وُقُوعُ مَدْلُولِهِ وهو عاقِبَتُهُ وما يَؤُولُ إلَيْهِ وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ فَإتْيانُهُ حِينَئِذٍ مَجازٌ عَنْ تَبَيُّنِهِ وانْكِشافِهِ أيْ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهم إلى الآنَ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الأخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ النَّظْمِ والمَعْنى ومِن جِهَةِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهم فاجَئُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَكَّرُوا في مَعْناهُ أوْ يَنْتَظِرُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ ونَفْيُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِكَلِمَةِ (لَمّا) الدّالَّةِ عَلى تَوَقُّعِ مَنفِيِّها بَعْدَ نَفْيِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ بِكَلِمَةِ (لَمْ) لِتَأْكِيدِ الذَّمِّ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ فَإنَّ الشَّناعَةَ في تَكْذِيبِ الشَّيْءِ قَبْلَ عِلْمِهِ المُتَوَقَّعِ إتْيانُهُ أفْحَشُ مِنها في تَكْذِيبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ مُطْلَقًا

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الإضْرابَ عَنِ التَّكْذِيبِ عِنادًا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ إلَخْ فَإنَّ الإلْزامَ إنَّما يَأْتِي بَعْدَ ظُهُورِ العَجْزِ ومَعْنى هَذا الإضْرابِ ذَمُّهم عَلى التَّقْلِيدِ وتَرْكُ النَّظَرِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنهُ وهو أدْخَلُ في الذَّمِّ مِنَ العِنادِ مِن وجْهٍ وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْلِيدَ اعْتِرافٌ مِن صاحِبِهِ بِالقُصُورِ في الفِطْنَةِ ثُمَّ لا يُعْذَرُ فِيهِ فَلا يَرْتَضِي ذُو عَقْلٍ أنْ يُقَلِّدَ رَجُلًا مِثْلَهُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمٍ عَلَيْهِ بِفِطْنَةٍ وتَجْرِبَةٍ وأمّا العِنادُ فَقَدْ يَحْمَدُهُ بَعْضُ النُّفُوسِ الأبِيَّةِ بَلْ في إشْعارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ

فَعانِدْ مَن تُطِيقُ لَهُ عِنادًا

ولا يَرِدُ أنَّ العِنادَ لَمّا كانَ بَعْدَ العِلْمِ كانَ أدْخَلَ في الذَّمِّ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ أدْخَلَ فِيهِ مِنَ التَّقْلِيدِ بَلْ مِنَ الجَهْلِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ دُونَ اقْتِرانِ التَّقْلِيدِ بِهِ وإنْ سَلِمَ فَهَذا أيْضًا أدْخَلُ مِن وجْهٍ وقَدْ جُعِلَ مَصَبُّ الإنْكارِ عَلى جَمْعِهِمْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ والجَمْعُ عَلى كُلِّ حالٍ أدْخَلُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِواحِدٍ صَحَّ الإضْرابُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ تَحَدِّيَهم وإلْزامَهم فَإنَّهم لا يَسْتَأْهِلُونَ الخِطابَ لِأنَّهم مُقَلِّدُونَ مُتَهافِتُونَ في الأمْرِ لا عَنْ خَبَرٍ وحِجًى وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ الوَجْهُ الأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ أمْ كَذَّبُوا وقالُوا وهو مُفْتَرًى بَعْدَ العِلْمِ بِإعْجازِهِ عِنادًا بَلْ كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمُ العِلْمُ بِوَجْهِ إعْجازِهِ أيْضًا فَهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ في الحالَيْنِ مَذْمُومُونَ بِهِ مَوْسُومُونَ بِرَذِيلَتَيِ التَّقْلِيدِ والعِنادِ جامِعُونَ بَيْنَهُما بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ صَرِيحٌ في تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ العِلْمِ بِوَجْهِ الإعْجازِ ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى امْتِدادِ هَذا التَّكْذِيبِ إلى مَجِيءِ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الإخْبارِ فَإنَّ التَّأْوِيلَ أيْضًا واقِعٌ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ قَدْ زالَ فَلا يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الذَّمُّ بِالتَّكْذِيبِ الأوَّلِ وإمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًّا وهو الواجِبُ لِيَصِحَّ كَوْنُهُ وارِدًا ذَمًّا لَهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو مَنطُوقُ النَّصِّ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّهم كَذَّبُوا عَنْ عِلْمٍ وهَذا لِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَهُ أيْضًا ويَكُونُ الجِهَتانِ مَنظُورَتَيْنِ وأنَّهم مَذْمُومُونَ فِيهِما.

والحاصِلُ أنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ لا مِرْيَةَ فِيهِ أنَّهُ تَكْذِيبٌ بَعْدَ العِلْمِ لِمَكانِ الأمْرِ بَعْدَهُ. لَكِنْ لَما جُعِلَ التَّوَقُّعُ

صفحة 121

المُفادُ بِلَمّا لِعِلْمِ الإعْجازِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى حالِهِمُ الأُولى وهو التَّكْذِيبُ قَبْلَ العِلْمِ فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَتَوَقَّعُ زَوالَهُ بِالعِلْمِ ويَكُونُ مَعْنى المُبالَغَةِ في (لَمّا) الإشْعارِ بِاسْتِغْراقِ الوَقْتِ لِلتَّكْذِيبِ إلى زَمانِ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ الواقِعِ الَّذِي كَذَّبُوا فِيهِ عِنادًا وبَغْيًا

الوَجْهُ الثّانِي حَمْلُ التَّأْوِيلِ عَلى المَعْنى الثّانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ والمَعْنى بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ لِيَعْرِفُوا إعْجازَ نَظْمِهِ وقِيلَ: إتْيانُ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ وهو ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ في الأخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والمَقْصُودُ مِن هَذا ذَمُّهم بِالتَّسارُعِ إلى التَّكْذِيبِ مِنَ الوَجْهَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَ مَعَ الوَجْهَيْنِ عِلْمُ ما يَتَضَمَّنُهُ لَوْ يَدَبِّرُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مُنْتَظَرٌ والثّانِي لَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ فِيهِ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ وأتى بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ دَلِيلًا عَنْ أنَّ هَذا المُنْتَظَرَ كائِنٌ وسَيَظْهَرُ أنَّهم مُبْطِلُونَ فِيهِ أيْضًا كالأوَّلِ ولا نَظَرَ إلى أنَّهم مَذْمُومُونَ حالَتَيِ العِنادِ والتَّقْلِيدِ بَلِ المَقْصُودُ كَمالُ إظْهارِ الإلْزامِ بِأنَّهُ مَفْرُوغٌ عَنْهُ مَعَ أمْثالِهِمْ لِلتَّهافُتِ المَذْكُورِ

الوَجْهُ الثّالِثُ أنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ ذَمٌّ لِطائِفَةٍ كَذَّبُوا عَنْ عِلْمٍ وهَذا ذَمٌّ لِأُخْرى كَذَّبَتْ عَنْ شَكٍّ ولَمّا وُجِدَ فِيما بَيْنَهُمُ القِسْمانِ أُسْنِدَ الكُلُّ إلى الكُلِّ ولَيْسَ بِدْعًا في القُرْآنِ، والغَرَضُ مِنَ الإضْرابِ تَعْمِيمُ التَّكْذِيبِ وإنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى الشّاكِّ التَّوَقُّفَ لا التَّسَرُّعَ إلى التَّكْذِيبِ ومَعْنى التَّوَقُّعِ أنَّهُ سَيَزُولُ شَكُّهم فَسَيَعْلَمُ بَعْضُهم ويَبْقى بَعْضٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنِ التَّفْصِيلِ ناطِقَةٌ بِزَوالِ الشَّكِّ ولا خَفاءَ أنَّ الشّاكَّ يَنْتَظِرُ وكَذَلِكَ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَوَقَّعُ زَوالَ شَكِّهِمْ. انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ ما نَقَلْنا أوَّلًا أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ

وأوْرَدَ عَلى دَعْوى أنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ تَكْذِيبٌ بَعْدَ العِلْمِ أنَّها ناشِئَةٌ مِن عَدَمِ العِلْمِ وما سِيقَ لِإثْباتِها في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ الِالتِزامَ بَعْدَ التَّحَدِّي وذَلِكَ القَوْلُ قَبْلَهُ وكَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِالتَّحَدِّي الوارِدِ في سُورَةِ البَقَرَةِ يَرُدُّهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ

نَعَمْ رُبَّما يُقالُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ القَوْلِ بَعْدَ العِلْمِ بِوُقُوعِ حِكايَتِهِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ بَعْدَ حِكايَةِ الإشارَةِ إلى مَضْمُونِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ ورَدَّهُ بِما سَمِعْتَهُ هُناكَ حَسْبَما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهم نُقِلَ عَنْهم أوَّلًا الإشارَةُ إلى نِسْبَةِ الِافْتِراءِ إلى سَيِّدِ الصّادِقِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نُقِلَ عَنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ حَسْبَما نُقِلَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ الإشارَةِ وقَدْ تَخَلَّلَ رَدُّ ما أشارُوا إلَيْهِ في البَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهم عَقَلُوهُ وعَلِمُوا الحَقَّ لَكِنَّهم لَمْ يُقِرُّوا بِهِ عِنادًا وبَغْيًا فَصَرَّحُوا بِما صَرَّحُوا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم بَعْدَ العِلْمِ ولِتَرَقِّيهِمْ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّصْرِيحِ تَرَقّى في إلْزامِهِمْ فَإنَّ هَذا التَّحَدِّيَ أظْهَرُ في الإلْزامِ مِمّا تَقَدَّمَ كَما هو ظاهِرٌ لَكِنْ لِلْمُناقَشَةِ في هَذا مَجالٌ ويَخْطِرُ بِالبالِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإضْرابُ عَنْ ذَمِّهِمْ بِالتَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ إلى ذَمِّهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا وأنَّ الوُقُوفَ عَلى العِلْمِ بِهِمْ مُتَوَقَّعٌ سَواءٌ كانَ قُرْآنًا أوْ غَيْرَهُ فَما عامَّةٌ لِلْأمْرَيْنِ ويَدْخُلُ القُرْآنُ في العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ ويَنْبَغِي أنَّ تُسَمّى بَلْ هَذِهِ فَصِيحَةً فَإنَّ المَعْنى فَما أجابُوا أوْ ما قَدَرُوا أنْ يَأْتُوا بَلْ كَذَّبُوا إلَخْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ فَعَلُوا التَّكْذِيبَ أوْ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم فِيما أتَوْا بِهِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ 39﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِ التَّكْذِيبِ ظُلْمًا

صفحة 122

وبِعِلْيَتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ وبِدُخُولِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى عَنْهم ما حَكى في زُمْرَتِهِمْ جُرْمًا ووَعِيدًا دُخُولًا أوَّلِيًّا والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَأهْلَكْناهم فانْظُرْ إلَخْ وكَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ كانَ وقَدْ يُتَصَرَّفُ فِيها فَتُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو كَيْفِيَّةٌ ويُخْلَعُ عَنْها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بِالكُلِّيَّةِ وهي هُنا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ وكَذا قَوْلُ البُخارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ كَما قالَ السَّمِينُ ونُقِلَ عَنْهُ أنَّ فِعْلَ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِمَكانِ كَيْفَ لِأنَّهم عامَلُوها في كُلِّ مَوْضِعٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском