Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:3–4
10:3Page 208
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?
﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِإظْهارِ بُطْلانِ تَعَجُّبِهِمُ المَذْكُورِ وما تَبِعَهُ مِن تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ غَبَّ الإشارَةِ إلَيْهِ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وحَقَّقَ فِيهِ حَقِّيَّةَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ وصِحَّةُ ما أنْكَرُوهُ بِالتَّنْبِيهِ الإجْمالِيِّ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُئُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وأحْوالِ التَّكْوِينِ والتَّدْبِيرِ ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ غَيْرُ ما آيَةٍ في الكِتابِ الكَرِيمِ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى ما هو الظّاهِرُ أيْ أنَّ رَبَّكم ومالِكَ أمْرِكِمُ الَّذِي تَعْجَبُونَ مِن أنْ يُرْسِلَ إلَيْكم رَجُلًا مِنكم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وتَعُدُّونَ ما أوْحى إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ سِحْرًا هو ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ أوْقاتٍ فالمُرادُ مِنَ اليَوْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو مُطْلَقُ الوَقْتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ تِلْكَ الأيّامَ مِن أيّامِ الآخِرَةِ الَّتِي يَوْمٌ مِنها كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وقِيلَ: هي مِقْدارُ سِتَّةِ أيّامٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ بِخَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ في مِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ ولِأنَّهُ تَعْرِيفٌ لَنا بِما نَعْرِفُهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِاليَوْمِ اليَوْمُ المَعْرُوفُ لِأنَّهُ كَما قِيلَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ وهو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ حِينَ لا أرْضَ ولا سَماءَ واليَوْمَ بِهَذا المَعْنى يُسَمّى النَّهارَ المُفْرَدَ ويُطْلَقُ اليَوْمُ أيْضًا عَلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ ومِقْدارُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ مُمْكِنُ الإرادَةِ هُنا أيْضًا وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأكابِرِ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّماواتِ ما عَدا المُحَدَّدَ وأنَّ اليَوْمَ هُنا عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةِ دَوْرَةٍ تامَّةٍ لَهُ ولا يَخْفى أنَّ اليَوْمَ اللُّغَوِيَّ يَتَناوَلُ هَذا أيْضًا إلّا أنَّ إرادَتَهُ كَإرادَةِ مِقْدارِ مَجْمُوعِ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ ولَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ النَّقْلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِهِ يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ مُتَحَرِّكًا بِالحَرَكَةِ الوَضْعِيَّةِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى النَّقْلِ أيْضًا وكَذا يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ خارِجًا عَنِ السَّماواتِ المَخْلُوقَةِ في الأيّامِ السِّتِّ لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ إذِ الآياتُ والأخْبارُ شاهِدَةٌ بِالخُرُوجِ كَما لا يَخْفى وفي خَلْقِها مُدْرَجًا مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إبْداعِها في طَرْفَةِ عَيْنٍ اعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى التَّأنِّي في الأحْوالِ والأطْوارِ وفِيهِ أيْضًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ وأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَسْتَدْعِيهِ عَلّامُ الغُيُوبِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ودَقَّتْ حِكْمَتُهُ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِن خَلْقِ مَوادِّ السَّماواتِ وصُوَرِها ورَبْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وخَلْقِ مادَّةِ الأرْضِ وصُورَتِها ورَبْطِ إحْداهُما بِالأُخْرى وقْتًا فَلِذا صارَتِ الأوْقاتُ سِتًّا وفِيهِ تَأمُّلٌ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الدُّخانِ تَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ عَلى وجْهٍ يَنْكَشِفُ بِهِ الغُبارُ عَنْ بَصائِرِ النّاظِرِينَ
وإيثارُ جَمْعِ السَّماواتِ لِما هو المَشْهُورُ مِنَ الإيذانِ بِأنَّها أجْرامٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّباعِ مُتَبايِنَةُ الآثارِ والأحْكامِ وتَقْدِيمُها عَلى الأرْضِ إمّا لِأنَّها أعْظَمُ مِنها خَلْقًا أوْ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ جارِيَةٌ مَجْرى القابِلِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلَيْها في آيَةِ طه لِكَوْنِها أقْرَبَ إلى الحِسِّ وأظْهَرَ عِنْدَهُ وسَيَأْتِي أيْضًا تَحْقِيقُهُ هُناكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ وكَفُّ الكَيْفِ مَشْلُولَةٌ وقِيلَ: الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ مَجازٌ عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ مُتَفَرِّعٌ عَنِ الكِنايَةِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ القُعُودُ عَلى السَّرِيرِ يُقالُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ ويُرادُ مِنهُ مُلْكٌ وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِواءَ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ وأرْجَعُوهُ إلى صِفَةِ القُدْرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ التَّشابُهِ ولِلنّاسِ فِيهِ مَذاهِبُ
صفحة 65
وما أشَرْنا إلَيْهِ هو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ سَلَفِ الأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وقَدْ صَرَّحَ بَعْضٌ أنَّ الِاسْتِواءَ صِفَةٌ غَيْرُ الثَّمانِيَةِ لا يَعْلَمُ ما هي إلّا مَن هي لَهُ والعَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإدْراكِ إدْراكٌ واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ الخَلَفِ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُلْكُ والسُّلْطانُ وذَكَرَهُ لِبَيانِ جَلالَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ عَظَمَةِ شَأْنِهِ وسِعَةِ قُدْرَتِهِ بِما مَرَّ مِن خَلْقِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حِكْمَةِ اسْتِوائِهِ جَلَّ وعَلا عَلى العَرْشِ وتَقْرِيرِ عَظَمَتِهِ والتَّدْبِيرُ في اللُّغَةِ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَحْمُودِ والمُرادُ بِهِ هُنا التَّقْدِيرُ الجارِي عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والوَجْهِ الأتَمِّ الأكْمَلِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى يَقْضِي الأمْرَ والمُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ الكائِناتِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها حَتّى العَرْشُ فَألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ أيْ يُقَدِّرُ أمْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى الوَجْهِ الفائِقِ والنَّمَطِ اللّائِقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ وتَسْتَدْعِيهِ الحِكْمَةُ ويَدْخُلُ فِيما ذُكِرَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ دُخُولًا ظاهِرًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى يُدَبِّرُ ذَلِكَ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ويُهَيِّئُ أسْبابَهُ بِسَبَبِ تَحْرِيكِ العَرْشِ وهو فَلَكُ الأفْلاكِ عِنْدَهم وبِحَرَكَتِهِ يُحَرَّكُ غَيْرُهُ مِنَ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ وغَيْرِها لِقُوَّةِ نَفْسِهِ وقِيلَ: لِأنَّ الكُلَّ في جَوْفِهِ فَيَلْزَمُ مِن حَرَكَتِهِ حَرَكَتُهُ لُزُومُ حَرَكَةِ المَظْرُوفِ لِحَرَكَةِ الظَّرْفِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الظَّرْفَ مَكانٌ طَبِيعِيٌّ لِلْمَظْرُوفِ وإلّا فَفِيهِ نَظَرٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الزَّعْمِ عَلى ما فِيهِ مِمّا لا يَقْبَلُهُ المُحْدَثُونَ وسَلَفُ الأُمَّةِ إذْ لا يَشْهَدُ لَهُ الكِتابُ ولا السُّنَّةُ وحِينَئِذٍ فَلا يُفْتى بِهِ وإنْ حَكَمَ القاضِي، وجُوِّزَ في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبَ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿اسْتَوى﴾ وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ وعَلى كُلِّ حالٍ فَإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّدْبِيرِ واسْتِمْرارِهِ مِنهُ تَعالى وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ تَعالى في التَّدْبِيرِ والتَّقْدِيرِ ونَفْيٍ لِلشَّفاعَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِ الشَّفِيعِ بِمِنِ الِاسْتِغْراقِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشَّفاعَةِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: التَّقْدِيرُ ما مِن شَفاعَةٍ لِشَفِيعٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ تَقْرِيرٍ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أيْ ما مِن شَفِيعٍ يَشْفَعُ لِأحَدٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ تَعالى المَبْنِيِّ عَلى الحِكْمَةِ الباهِرَةِ وذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ الشَّفِيعِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ والمَشْفُوعِ لَهُ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالشَّفاعَةِ وذَهَبَ القاضِي إلى أنَّ فِيهِ رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ تامٍّ لِأنَّهم لَمّا ادَّعَوْا شَفاعَتَها فَقَدْ يَدَّعُونَ الإذْنَ لَها فَكَيْفَ يَتِمُّ هَذا الرَّدُّ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّهم لا يُؤْذَنُ لَهم وما قِيلَ: إنَّها دَعْوى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ واحْتِمالُها غَيْرُ مُجْدٍ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا أنْ يُقالَ: مُرادُهُ أنَّ الأصْنامَ لا تُدْرِكُ ولا تَنْطِقُ فَكَوْنُها لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يُؤْذَنَ لَها بَدِيهِيٌّ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والمُبالَغَةِ في التَّذْكِيرِ ولِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ والإشارَةُ إلى الذّاتِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِاسْتِحْقاقِ ما أُخْبِرَ بِهِ عَنْهُ وهو اللَّهُ ورَبُّكم فَإنَّهُما خَبَرانِ لِذَلِكم وحَيْثُ كانَ وجْهُ ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهُ ما ذُكِرَ مِمّا لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ اقْتَضى انْحِصارَهُ فِيهِ وأفادَ أنْ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ نَعْتًا لِاسْمِ الإشارَةِ و(رَبُّكُمْ) خَبَرُهُ وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ و(رَبُّكُمْ) بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولا يَخْلُو الكَلامُ مِن إفادَةِ الِانْحِصارِ وإذا فُرِّعَ الأمْرُ المَذْكُورُ عَلى ذَلِكَ أفادَ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ
صفحة 66
سُبْحانَهُ وحْدَهُ أيْ فاعْبُدُوهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِن مَلَكٍ أوْ نَبِيٍّ فَضْلًا عَنْ جَمادٍ لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولَيْسَ الدّاعِي لِهَذا الحَمْلِ أنَّ أصْلَ العِبادَةِ ثابِتٌ لَهم فَيُحْمَلُ الأمْرُ بِها عَلى ذَلِكَ لِيُفِيدَ لِما قِيلَ: مِن أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ ولا عِبادَةَ مَعَ الشِّرْكِ (أفَلا يَتَذَكَّرُونَ ) أيْ أتَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ كَما فُصِّلَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ذَلِكَ حَتّى تَقِفُوا عَلى فَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَتَرْتَدِعُوا عَنْهُ وتَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ وإيثارُ (تَذَكَّرُونَ) عَلى تَفَكَّرُونَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ الأمْرِ وأنَّهُ كالمَعْلُومِ الَّذِي لا يَفْتَقِرُ إلى فِكْرٍ تامٍّ ونَظَرٍ كامِلٍ بَلْ إلى مُجَرَّدِ التِفاتِ وإخْطارٍ بِالبالِ
10:4Page 208
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤
To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العِبادَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ و﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لا اسْمُ مَكانٍ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ و﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِكَوْنِهِ فاعِلًا في المَعْنى أيْ إلَيْهِ تَعالى رُجُوعُكم مُجْتَمِعِينَ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بِالبَعْثِ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِأنَّها وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالبَعْثِ وحَيْثُ كانَتْ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الوَعْدِ كانَ ذَلِكَ مِن أفْرادِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِنَفْسِهِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِكَ: لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ عُرْفًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وعَدَ اللَّهُ وعْدًا وأيّا ما كانَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرُّجُوعِ الرُّجُوعُ بِالبَعْثِ لِأنَّ ما بِالمَوْتِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الوَعْدِ كَما أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِاجْتِماعِ فَما وقَعَ في بَعْضِ نُسَخِ القاضِي بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي
وقُرِئَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ ورَفْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأوَّلُ وهو مِن قِسْمِ المُؤَكِّدِ لِغَيْرِهِ لِأنَّ الأوَّلَ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ فَإنَّ الوَعْدَ يَحْتَمِلُ الحَقِّيَّةَ والتَّخَلُّفَ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِوَعَدَ عَلى تَقْدِيرِ - في - وتَشْبِيهُهُ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: أفِي الحَقِّ أنِّي هائِمٌ بِكِ مُغْرَمٌ
والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِما أفادَهُ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فَإنَّ غايَةَ البَدْءِ والإعادَةِ هو الجَزاءُ بِما يَلِيقُ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ (أنَّهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمِثْلِ ما نَصَبَ (وعْدَ) أيْ وعَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ أيْ إعادَتَهُ بَعْدَ بَدْئِهِ ويَكُونُ الوَعْدُ واقِعًا عَلى المَجْمُوعِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الأخِيرِ لِأنَّ البَدْءَ لَيْسَ مَوْعُودًا وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمِثْلِ ما نَصَبَ حَقًّا أيْ حَقَّ بَدْءُ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتُهُ نَظِيرُ قَوْلِ الحَماسِيِّ:
أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ رائِيًا رِفاعَةَ طُولَ الدَّهْرِ إلّا تَوَهُّمًا
وعَنِ المَرْزُوقِيِّ أنَّهُ خَرَّجَهُ عَلى النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو إمّا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ أوْ ظَرْفٌ مُعْتَمَدٌ وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِوَعْدَ اللَّهِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والرَّفْعُ بِحَقًّا عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لَهُ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ العامِلَيْنِ في المَصْدَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ هُما اللَّذانِ يَعْمَلانِ فِيما ذُكِرَ لا فِعْلانِ آخَرانِ مِثْلُهُما وحِينَئِذٍ يَفُوتُ أمْرُ التَّأْكِيدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لِأنَّ فاعِلَ العامِلِ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى ما تَقَدَّمَهُ مِمّا أكَّدَهُ وقُرِئَ (حَقٌّ أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ) وهو كَقَوْلِكَ: حَقٌّ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وقُرِئَ (يُبْدِئُ) مِن أبْدَأ ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ الخَلْقِ نَحْوَ المُكَلَّفِينَ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ والجَماداتِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ يُحْيِي الخَلْقَ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يَجْزِي) أيْ مُتَلَبِّسًا بِالعَدْلِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْزِي أيْ لِيَجْزِيَهم بِقِسْطِهِ ويُوَفِّيَهم
صفحة 67
أُجُورَهم وإنَّما أجْمَلَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَفِي بِهِ الحَصْرُ، ويُرَشِّحُ ذَلِكَ جَعْلَ ذاتِهِ الكَرِيمَةِ هي المُجازِيَةَ أوْ بِقِسْطِهِمْ وعَدْلِهِمْ في أُمُورِهِمْ أوْ بِإيمانِهِمْ؛ ورُجِّحَ هَذا بِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ 4﴾ فَإنَّ مَعْناهُ ويَجْزِي الَّذِينَ كَفَرُوا بِشَرابٍ مِن ماءٍ حارٍّ وقَدِ انْتَهى حَرُّهُ وعَذابٍ ألِيمٍ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ فَيَظْهَرُ التَّقابُلُ بَيْنَ سَبَبَيْ جَزاءِ المُؤْمِنِينَ وجَزاءِ الكافِرِينَ مَعَ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ العَدْلِ بِجَزاءِ المُؤْمِنِينَ بَلْ جَزاءُ الآخِرِينَ أوْلى بِهِ كَما لا يَخْفى وتَكْرِيرُ الإسْنادِ بِجَعْلِ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى مُواظَبَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمُ العِقابَ بِجَعْلِهِ حَقًّا مُقَرَّرًا لَهم والإيذانِ بِأنَّ التَّعْذِيبَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلْإعادَةِ بِناءً عَلى تَعَلُّقٍ لِيَجْزِيَ بِها أوَّلَها ولِلْبَدْءِ بِناءً عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِما عَلى التَّنازُعِ وإنَّما المُنْتَظِمُ في ذَلِكَ السِّلْكِ هو الإثابَةُ فَهي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ والعِقابُ واقِعٌ بِالعَرَضِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences