Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:45–49
10:45Page 214
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ٤٥
And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allāh and were not guided.
﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ بِالياءِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ عَلى عاصِمٍ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ و(يَوْمَ) عِنْدَ الأكْثَرِينَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيِ اذْكُرْ لَهم أوْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَجْمَعُهم لِمَوْقِفِ الحِسابِ ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم أُناسٌ لَمْ يَلْبَسُوا إلّا ﴿ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ وتَخْصِيصُها بِالنَّهارِ لِأنَّ ساعاتِهِ أعْرَفُ حالًا مِن ساعاتِ اللَّيْلِ والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (نَحْشُرُهُمْ) أيْ نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ إلّا ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ ظاهِرَهُ عَلى ما قِيلَ وقَدْ صَرَّحَ في شَرْحِ المِفْتاحِ أنَّ التَّشْبِيهَ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ مَعانٍ أُخَرُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فالمُرادُ إما التَّأسُّفُ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِأعْمارِهِمْ أوْ تَمَنِّي أنْ يَطُولَ مُكْثُهم قَبْلَ ذَلِكَ حَتّى لا يُشاهِدُوا ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ فَمَآلُ الجُمْلَةِ في الآخِرَةِ نَحْشُرُهم مُتَأسِّفِينَ أوْ مُتَمَنِّينَ طُولَ مُكْثِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (نَحْشُرُهُمْ) مُشَبَّهِينَ في أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ لِلنّاسِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا ولَمْ يَتَقَلَّبْ في نَعِيمِها إلّا يَسِيرًا فَإنَّ مَن أقامَ بِها دَهْرًا وتَمَتَّعَ بِمَتاعِها لا يَخْلُو عَنْ بَعْضِ آثارِ نِعْمَةٍ وأحْكامِ بَهْجَةٍ مُنافِيَةٍ لِما بِهِمْ مِن رَثاثَةٍ الهَيْئَةِ وسُوءِ الحالِ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم والظّاهِرُ أنَّهُ تَكَلُّفٌ لِإبْقاءِ التَّشْبِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى وأيًّا ما كانَ فَفائِدَةُ التَّشْبِيهِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ والعَجَبُ مِمَّنْ لَمْ يَرَها فَقالَ الظّاهِرُ أنَّ (كَأنَّ) لِلظَّنِّ وادَّعى البَعْضُ أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ اللُّبْثُ في البَرْزَخِ بَيانُ كَمالِ يُسْرِ الحَشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى ولَوْ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وإظْهارِ بُطْلانِ اسْتِبْعادِهِمْ وإنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ أوْ بَيانِ تَمامِ المُوافَقَةِ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في الأشْكالِ والصُّوَرِ فَإنَّ قِلَّةَ اللُّبْثِ في البَرْزَخِ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ ولَعَلَّ مَآلَ الحالِ عَلى هَذا ويَوْمَ نَحْشُرُهم عَلى صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ غَيْرَ مُتَغَيِّرِينَ وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والعائِدُ كَذَلِكَ أيْ
صفحة 128
حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ والأوَّلَ بِأنَّ المُرادَ بِالظَّرْفِ المُضافِ وهو المَوْصُوفُ يَوْمُ القِيامَةِ وهو يَوْمٌ مُعَيَّنٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ يَوْمَ حَشْرِهِ أوْ يَوْمَ حَشْرِنا فَيَكُونُ المَوْصُوفُ مَعْرِفَةً والجُمَلُ نَكِراتٍ ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ وأُجِيبُ بِأنَّ المَنعَ مِن جَوازِ حَذْفِ مِثْلَ ذَلِكَ الرّابِطِ في حَيِّزِ المَنعِ وبِأنَّ الجُمَلَ الَّتِي تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ قَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى مَعْرِفَةٍ فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْها مَعْرِفَةً وقَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى نَكِرَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَكِرَةً ولَعَلَّ أبا عَلِيٍّ يَتَكَلَّفُ لِاعْتِبارِ حَلِّها إلى نَكِرَةٍ ويَكُونُ المَوْصُوفُ هُنا نَكِرَةً عِنْدَهُ فَيَرْتَفِعُ مَحْذُورُ نَعْتِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَ إنَّما يَدْفَعُ البَطَلانَ لا غَيْرُ فالحَقُّ تَرْجِيحُ الحالِيَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا وأنْ يَكُونَ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ التَّشْبِيهِيَّةِ واسْتِدْلالًا عَلَيْها كَما قِيلَ وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ طالَ العَهْدُ لَمْ يَبْقَ التَّعارُفُ لَأنَّ طُولَ العَهْدِ مُنْسٍ مُفْضٍ إلى التَّناكُرِ لَكِنَّ التَّعارُفَ باقٍ فَطُولَ العَهْدِ مُنْتَفٍ وهو مَعْنى ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً﴾ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ
وزَعَمَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مُقَدَّرَةً ولا داعِيَ لِاعْتِبارِ كَوْنِها مُقَدَّرَةً لِأنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ تَأخُّرِ التَّعارُفِ عَنِ الحَشْرِ بِزَمانٍ طَوِيلٍ لِيُحْتاجَ إلَيْهِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ التَّعارُفَ بَيْنَهم يَكُونُ أوَّلَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ لِشِدَّةِ الأهْوالِ المُذْهِلَةِ واعْتِراءِ الأحْوالِ المُعْضِلَةِ المُغَيِّرَةِ لِلصُّوَرِ والأشْكالِ المُبَدِّلَةِ لَها مِن حالٍ إلى حالٍ وعِنْدِي أنْ لا قَطْعَ بِالِانْقِطاعِ فالمَواقِفُ مُخْتَلِفَةٌ والأحْوالُ مُتَفاوِتَةٌ فَقَدْ يَتَعارَفُونَ بَعْدَ التَّناكُرِ في مَوْقِفٍ دُونَ مَوْقِفٍ وحالٍ دُونَ حالٍ وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وزَعَمَ بَعْضُهُمُ المُنافاةَ بَيْنَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ وما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ مِن عَدَمِ التَّعارُفِ لَوْلا اعْتِبارُ الزَّمانَيْنِ
وقِيلَ: لا مُنافاةَ بِناءً عَلى أنَّ المُثْبَتَ تَعارُفُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ والمَنفِيَّ تَعارُفُ تَواصُلٍ وشَفَقَةٍ ولِمانِعٍ أنْ يَمْنَعَ دَلالَةَ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ عَلى نَفْيِ التَّعارُفِ وقُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْيُ نَفْعِ الأنْسابِ وسُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا والتَّعارُفُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ لا يُنافِي ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ فِيها: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ ثُمَّ إنَّ حَمْلَ التَّعارُفِ عَلى مَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّعْرِيفُ أيْ يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ وفِيهِ ما فِيهِ
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ السّابِقُ مُتَعَلِّقًا بِيَتَعارَفُونَ قِيلَ فَيُعْطَفُ عَلى ما سَبَقَ ولا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِلشَّهادَةِ مِنهُ تَعالى عَلى خُسْرانِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِنهُ وهي خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشائِيَّةٌ مَعْنًى وقِيلَ: مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ إنْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ حالًا أيْضًا لِئَلّا يَفْصِلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها أجْنَبِيٌّ والِاسْتِئْنافُ أظْهَرُ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ إضْمارٍ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِعُلِّيَّتِهِ لِما أصابَهم والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقُ الحِسابِ والجَزاءِ وبِالخُسْرانِ الوَضِيعَةُ أيْ قَدْ وُضِعُوا في تِجارَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ واشْتِرائِهِمُ الكُفْرَ بِالإيمانِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأوَّلِ سُوءُ اللِّقاءِ وبِالثّانِي الهَلاكُ والضَّلالُ أيْ قَدْ ضَلُّوا وهَلَكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ 45﴾ أيْ لِطُرُقِ التِّجارَةِ عارِفِينَ بِأحْوالِها وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ إلَخْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ عَلى أنَّها كالتَّأْكِيدِ لَها
10:46Page 214
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ ٤٦
And whether We show you some of what We promise them, [O Muḥammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allāh is a witness concerning what they are doing.
﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾
صفحة 129
أصْلُهُ إنْ نُرِيَنَّكَ و(ما) مَزِيدٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ ومِن ثَمَّتْ أكَّدَ الفِعْلَ بِالنُّونِ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أيْ إمّا نُرِيَنَّكَ بِعَيْنِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ بِأنْ نُعَذِّبَهم في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ والمَعْنى إنَّ عَذابَهم في الآخِرَةِ مُقَرَّرٌ عُذِّبُوا في الدُّنْيا أوْ لا وقِيلَ: هو جَوابُ (نَتَوَفَّيَنَّكَ) كَأنَّهُ قِيلَ: إما نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ إمّا نُرِيَنَّكَ فَذاكَ المُرادُ أوِ المُتَمَنّى أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وقالَ الطِّيبِيُّ: أيْ فَذاكَ حَقٌّ وصَوابٌ أوْ واقِعٌ أوْ ثابِتٌ واخْتارَ الأوَّلَ أبُو حَيّانَ والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ الرُّجُوعَ لا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الإراءَةِ فَيُحْتاجُ إلى التِزامِ كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ اتِّفاقِيَّةَ ناشِئٍ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ المَعْنى المُرادِ والمُرادُ مِن ﴿نَعِدُهُمْ﴾ وعَدْناهم إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ أيْ نَعِدُهم وعْدًا مُتَجَدِّدًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْذارٍ غَبَّ إنْذارٍ
وفِي تَخْصِيصِ البَعْضِ بِالذِّكْرِ قِيلَ رَمْزٌ إلى أنَّ العِدَةَ بِإراءَةِ بَعْضِ المَوْعُودِ وقَدْ أراهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ 46﴾ مِنَ الأفْعالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم والمُرادُ مِنَ الشَّهادَةِ لازِمُها مَجازًا وهو المُعاقَبَةُ والجَزاءُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ اللَّهُ تَعالى مُعاقِبٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنها إقامَتُها وأداؤُها بِإنْطاقِ الجَوارِحِ وإلّا فَشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى كَوْنِهِ رَقِيبًا وحافِظًا أمْرٌ دائِمٌ في الدّارَيْنِ و(ثُمَّ) لا تُناسِبُ ذاكَ والظّاهِرُ أنَّها عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى ظاهِرِها وفي الكَشْفِ وغَيْرِهِ هي عَلى الأوَّلِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وعَلى الثّانِي عَلى الظّاهِرِ وظاهِرَ كَلامِ البَعْضِ اسْتِحْسانُ حَمْلِها عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ مُطْلَقًا ولا أرى لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ بَعْدَ ذَلِكَ الِارْتِكابِ داعِيًا وأنَّ العَطْفَ بِها عَلى الجَزاءِ لا عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِيَّةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ عَلى ذاكَ يَمْنَعُ مِن إرادَةِ التَّعْذِيبِ مِنهُ أوْ إراءَتِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى المَعْطُوفُ بِثُمَّ بَعْدَهُ ومُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ ولَعَلَّ ما اعْتَبَرُوهُ هُناكَ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلرُّجُوعِ بَلْ هو بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدِ التَّهْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ثَمَّ) بِالفَتْحِ أيْ هُنالِكَ
10:47Page 214
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٤٧
And for every nation is a messenger. So when their messenger comes,1 it will be judged between them in justice, and they will not be wronged.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿رَسُولٌ﴾ تُنْسَبُ إلَيْهِ وتُدْعى بِهِ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَشْهَدَ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وحَكَمَ بِنَجاةِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ 47﴾ أصْلًا والجُمْلَةُ قِيلَ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُؤَكِّدَةٌ لَهُ
وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُسْتَمِرًّا عَدَمُ ظُلْمِهِمْ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أوْ لِكُلِّ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ رَسُولٌ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِشَرِيعَةٍ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ فَإذا جاءَ رَسُولُهم فَبَلَّغَهم ودَعاهم فَكَذَّبُوهُ وخالَفُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم أيْ بَيْنَ كُلِّ أُمَّةٍ ورَسُولِها بِالعَدْلِ وحُكِمَ بِنَجاةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ وهَلاكِ المُكَذِّبِينَ والأوَّلُ مِمّا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ والِاسْتِقْبالُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِثْلَ ما احْتِيجَ في التَّفْسِيرِ الثّانِي وقَدْ رُجِّحَ بِقَوْلِهِ تَعالى
10:48Page 214
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 48﴾ بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِالوَعْدِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ المَوْعُودُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما بَعْدُ واسْتَشْكَلَ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْمِلْ أُمَّةً مِنَ
صفحة 130
الأُمَمِ قَطُّ بَلْ بَعَثَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهم رَسُولًا بِأنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ لَيْسَ فِيهِمْ رَسُولٌ كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ وأُجِيبُ بِأنَّ عُمُومَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ حاضِرًا مَعَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنهم لِأنَّ تَقَدُّمَهُ عَلى بَعْضٍ مِنهم لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلى ذَلِكَ البَعْضِ كَما لا يَمْنَعُ تَقَدُّمُ رَسُولِنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إلَيْنا إلى آخِرِ الأبَدِ غايَةُ ما في البابِ أنَّ ما وقَعَ مِن تَخْلِيطِ القَوْمِ في زَمَنِ الفَتْرَةِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إلى ضَعْفِ أثَرِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ انْتَهى وهو كَما تَرى. وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ كُلُّ جَماعَةٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى تَكْلِيفَها حَسْبَما سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ أوْ أرادَ سُبْحانَهُ تَنْفِيذَ كَلِمَتِهِ فِيها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُخَصَّصاتِ الَّتِي لا يَلْغُو مَعَها الحُكْمُ لا كُلُّ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ مُطْلَقًا فَلا إشْكالَ أصْلًا فَتَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المُكَذِّبِينَ اسْتِعْجالٌ لِما وُعِدُوا بِهِ وغَرَضُهم مِنهُ عَلى ما قِيلَ اسْتِبْعادُ المَوْعُودِ وأنَّهُ مِمّا لا يَكُونُ وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ الِاسْتِبْعادُ ابْتِداءً إذِ المَقامُ يَقْتَضِيهِ ولا مانِعَ عَنْهُ والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ ابْتِداءً بِأيْنَ وأنّى ونَحْوِهِما دُونَ مَتى غَيَّرَ مُسْلِمٌ كَيْفَ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ والمَجازُ لا حَجْرَ فِيهِ والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةَ لِذَلِكَ وجَوابُ أنَّ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما تَقَدَّمَهُ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ يَأْتِينا فَلْيَأْتِنا عَجَلَةً
10:49Page 214
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٤٩
Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allāh should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."
ولِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الواسِطَةَ في إتْيانِ ذَلِكَ ومِنهُ نَشَأ الوَعْدُ دُونَ المُؤْمِنِينَ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وتَقْدِيمُ الضَّرِّ لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِلتَّعْمِيمِ إظْهارًا لِكَمالِ العَجْزِ وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِطْرادِيٌّ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالضَّرِّ والأوَّلُ أوْلى وما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْعِ فَلِلْإشْعارِ بِأهَمِّيَّتِهِ والمَقامُ مَقامُهُ والمَعْنى لا أمْلِكُ شَيْئًا مِن شُؤُونِي رَدًّا وإيرادًا مَعَ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا فَكَيْفَ أمْلِكُ شُؤُونِكم حَتّى أتَسَبَّبَ في إتْيانِ عَذابِكُمُ المَوْعُودِ حَسْبَما تُرِيدُونَ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمْعٍ أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كائِنٌ وقِيلَ: مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أمْلِكَهُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ التَّبْرِئِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بَيانَ كَوْنِ المُتَنازَعِ فِيهِ مِمّا لا يَشاءُ أنْ يَمْلِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والمُعْتَزِلَةُ قالُوا بِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِأفْعالِهِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَراحِلَ عَنْ إثْباتِ مُدَّعاهم نَعَمِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ مَن يَرى رَأْيَ السَّلَفِ مِن أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أصْلًا كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً لَكِنَّها غَيْرُ مُؤْثِرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الأشاعِرَةِ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةٌ مُؤَثِّرَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يَشَأْ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ وقالَ: المَعْنى لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضَّرِّ والنَّفْعِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أقْدِرَ عَلَيْهِ مِنهُما فَإنِّي أقْدِرُ عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ المِلْكُ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا وإذا أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ تَعَيَّنَ الِانْقِطاعُ ولا يَخْفى أنَّ الأصْلَ الِاتِّصالُ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ حَيْثُ أمْكَنَ مِن دُونِ تَعَسُّفٍ وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المَفْعُولِ إلّا أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ لَيْسَ المَعْنى عَلى إخْراجِ المُسْتَثْنى مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذا جُعِلَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أنَّهُ كائِنٌ دُونَ أمْلِكُهُ مَثَلًا فَلا تَدافُعَ في كَلامِ مَن حَكَمَ بِالِانْقِطاعِ وقالَ
صفحة 131
فِي بَيانِ المَعْنى أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ كائِنٌ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى النَّفْعِ والضَّرِّ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في كَوْنِ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ المُقْتَضِي لِلِاتِّصالِ لِأنَّ المَدارَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ في الأمْرَيْنِ عَلى الإخْراجِ مِنَ الحُكْمِ وعَدَمِهِ
ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ زَعْمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن فاعِلِ ﴿لا أمْلِكُ﴾ وجَعْلُ المَعْنى لا أمْلِكُ أنا ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ ما يَشاءُ يَفْعَلُهُ بِمَشِيئَتِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ ﴿أجَلٌ﴾ لِعَذابِهِمْ يَحِلُّ بِهِمْ عِنْدَ حُلُولِهِ لا يَتَعَدّى إلى أُمَّةٍ أُخْرى ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ أجَلُ كُلِّ أُمَّةٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإضافَةُ لِإفادَةِ كَمالِ التَّعْيِينِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكُلِّ أُمَّةٍ ووَجْهُ إظْهارِ الأجَلِ مُضافًا لِذَلِكَ بِأنَّهُ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها بِعَيْنِها مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِإضافَتِهِ عُمُوما يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَتْهم آجالُهم بِالجَمْعِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ بِأنْ يَجِيءَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها ويُفَسَّرُ الأجَلُ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمانِ والمَجِيءُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وبِما امْتَدَّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ فَمَجِيئُهُ حِينَئِذٍ عِبارَةٌ عَنِ انْقِضائِهِ إذْ هُناكَ يَتَحَقَّقُ مَجِيئُهُ بِتَمامِهِ أيْ إذا تَمَّ وانْقَضى أجَلُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ ﴿ساعَةً﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ 49﴾ عَلَيْهِ والِاسْتِفْعالُ عِنْدَ جَمْعٍ عَلى أصْلِهِ ونَفْيُ طَلَبِ التَّأخُّرِ والتَّقَدُّمِ أبْلَغُ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ بِمَعْنى التَّفَعُّلِ أيْ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ إما مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ ومَنَعُوا عَطْفَها عَلى (لا يَسْتَأْخِرُونَ) لِئَلّا يَرِدُ أنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ التَّقَدُّمَ بَعْدَ مَجِيءِ الأجَلِ فَلا فائِدَةَ في نَفْيِهِ وأجازَهُ غَيْرُ واحِدٍ والفائِدَةُ عِنْدَهُ في ذَلِكَ المُبالَغَةُ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ لِأنَّهُ لَما نُظِمَ في سِلْكِهِ أشْعَرَ بِأنَّهُ بَلَغَ في الِاسْتِحالَةِ إلى مَرْتَبَتِهِ فَهو مُسْتَحِيلٌ مِثْلُهُ لِلتَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ وإنْ أمْكَنَ في نَفْسِهِ قِيلَ: وهَذا هو السِّرُّ في إيرادِ صِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ أيْ أنَّهُ بَلَغَ في الِاسْتِحالَةِ إلى أنَّهُ لا يَطْلُبُ إذِ المُحالُ لا يُطْلَبُ ودَفَعَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ ﴿جاءَ﴾ بِمَعْنى قارَبَ المَجِيءَ نَحْوَ قَوْلِكَ: إذا جاءَ الشِّتاءُ فَتَأهَّبْ لَهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ عَدَمِ الِاسْتِئْخارِ بِالقُرْبِ والدُّنُوِّ مَزِيدُ فائِدَةٍ وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى جَوابٍ آخَرَ وهو أنْ لا يَتَأخَّرَ ولا يَتَقَدَّمَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ وأجَلٌ مَضْرُوبٌ لا يَتَعَدّاهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ كَقَوْلِ الحَماسِيِّ:
وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَقَدِّمٌ عَنْهُ ولا مُتَأخِّرُ
فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ المَرْزُوقِيُّ حَبَسَنِي الهَوى في مَوْضِعٍ تَسْتَقِرِّينَ فِيهِ فَألْزَمُهُ ولا أُفارِقُهُ وأنا مَعَكِ مُقِيمَةً وظاعِنَةً لا أعْدِلُ عَنْكَ ولا أمِيلُ إلى سِواكِ ووَجْهُ تَقْدِيمِ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ عَلى بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ قَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ الأعْرافِ مَعَ بَسْطِ كَلامِ فِيها ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الجَوابِ ولَمْ تُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَها إيذانًا بِاسْتِقْلالِها فِيهِ. قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ: إنَّ الجَوابَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ﴾ إلَخْ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهم ما أرادُوا بِالسُّؤالِ إلّا اسْتِبْعادَ أنَّ المَوْعُودَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الوَقْتِ تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً فَقِيلَ في الجَوابِ هَذا التَّهَكُّمُ إنَّما يَتِمُّ إذا ادَّعَيْتُ بِأنِّي أنا الجالِبُ لِذَلِكَ المَوْعُودِ: إذا كُنْتُ مُقِرًّا بِأنِّي مِثْلُكم في أنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا كَيْفَ أدَّعِي ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ؟ ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ الصَّحِيحِ ولَمْ يَلْتَفِتْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تَهَكُّمِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلَخْ وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشّافِ إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ
صفحة 132
عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَدٌّ مَحْدُودٌ مِنَ الزَّمانِ إذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَكم لا مَحالَةَ فَلا تَسْتَعْجِلُوا ومِن هُنا يُعْلَمُ سِرُّ إسْقاطِ الفاءِ مِن ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ وزِيادَتِها في ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَلى عَكْسِ آيَةِ الأعْرافِ حَيْثُ أُتِيَ بِها أوَّلًا ولَمْ يُؤْتَ بِها ثانِيًا وذَلِكَ أنَّهُ لَما سِيقَتِ الآيَةُ جَوابًا عَنِ اسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ المَوْعُودَ حَسْبَما عَلِمْتَ آنِفًا اعْتُنِيَ بِأمْرِ الشَّرْطِيَّةِ ولُزُومِها كَمالَ الِاعْتِناءِ فَأْتِيَ بِها غَيْرَ مُتَفَرِّعَةٍ عَلى شَيْءٍ كَأنَّها مِنَ الأُمُورِ الثّابِتَةِ في نَفْسِها الغَيْرِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى غَيْرِها وقَوّى لُزُومَ التّالِي فِيها لِلْمُقَدَّمِ بِزِيادَةِ الفاءِ الَّتِي بِها يُؤْتى لِلرَّبْطِ في أمْثالِ ذَلِكَ ولا كَذَلِكَ آيَةُ الأعْرافِ كَما لا يَخْفى إلّا عَلى الأنْعامِ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ مِنَ الأنْفالِ ولا يَأْباهُ ما مَرَّ في تَقْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ كَما هو ظاهِرٌ لَدى ذَوِي الأفْهامِ وكَذا لا يَأْباهُ ما قِيلَ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن أنَّها بَيانٌ لِما أُبْهِمَ في الِاسْتِثْناءِ وتَقْيِيدُ لَمّا في القَضاءِ السّابِقِ مِنَ الإطْلاقِ المُشْعِرِ بِكَوْنِ المَقْضِيِّ بِهِ أمْرًا مُنْجَزًا غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ مَجِيءِ الرَّسُولِ وتَكْذِيبِ الأُمَّةِ لِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ ما فِيهِ نْكارُ المَدْخَلِيَّةِ في الجَوابِ ولَعَلَّ الغَرَضَ يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِحُصُولِ التَّغايُرِ بَيْنَ مَساقَيِ الآيَتَيْنِ بِهِ أيْضًا وقَدْ يُقالُ: إنَّ إسْقاطَ الفاءِ أوَّلًا لِتَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - لِأجَلٍ - تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجْلٌ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ إذا جاءَ لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ولا يَسْتَقْدِمُونَ عْلَيْهِ البَتَّةَ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ مِثْلَ ما مَرَّ آنِفًا ولَيْسَ بِذاكَ ومِمّا تَضْحَكُ مِنهُ المَوْتى ما قالَهُ بَعْضُ العِظامِيِّينَ بَعْدَ أنْ كادَ يُقْضى عَلَيْهِ فِكْرًا مِن أنَّ السِّرَّ في اخْتِلافِ الآيَتَيْنِ الإشارَةُ مِنهُ تَعالى إلى جَوازِ الأمْرَيْنِ عَرَبِيَّةً ولَمْ يَعْلَمْ عافاهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يَنْزِلْ مُعَلِّما لِلْعَرَبِيَّةِ مُبَيِّنًا لِقَواعِدِها وشارِحًا لِما يَجُوزُ فِيها وما لا يَجُوزُ بَلْ نَزَلَ مُعْجِزًا بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأسْرارِ أقْوامًا كُلٌّ مِنهم في ذَلِكَ الشَّأْنِ -الجُذَيْلُ المُحَكَّكُ والعُذَيْقُ المُرَجَّبُ
وذَكَرَ بَعْضُ مَن أحْيا مَيِّتَ الفَضْلِ عِلْمُهُ وصَفا عَنْ تَخْلِيطِ أبْناءِ العَصْرِ فَهْمُهُ صَفاءُ الدِّينِ عِيسى البَنْدَنِيجِيُّ أنَّ مَساقَ هَذِهِ الآيَةِ لِتَثْبِيتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرْحِ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَما عَسى يَضِيقُ بِهِ بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ولِتَلْقِينِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَدَّ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ فَناسَبَ قَطْعَ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى لِيَسْتَقِلَّ كُلٌّ مِنهُما في إفادَةِ التَّثْبِيتِ والرَّدِّ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فِيها ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في صَدْرِ الشَّرْطِيَّةِ وجِيءَ بِها في الجَوابِ زِيادَةً في ذَلِكَ لِإفادَتِها تَحَقُّقِ ما بَعْدَها عَقِيبَ ما يَقْتَضِيهِ بِلا مُهْلَةٍ وآيَةُ الأعْرافِ سِيقَتْ وعِيدًا لِأهْلِ مَكَّةَ ومِنَ البَيْنِ أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في إشْعارِ أنَّهُ وعِيدٌ وأنَّ ما هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لِأنَّها النَّصُّ في نُزُولِ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ وأنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ دُونَ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَقَطْ فَكانَ المَقامُ مَقامَ رَبْطٍ ووَصْلٍ فَجِيءَ بِالفاءِ لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ وتُؤْذِنَ بِاتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في كَوْنِهِما وعِيدًا ولِمُسامَحَتِهِ سُبْحانَهُ في الوَعِيدِ لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في الجَوابِ انْتَهى.
ولَعَلَّ ما قَدَّمْناهُ لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَنْهُ مِن وجْهٍ وإنْ خالَفَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences