Al-AlusiYunus · 10:56–60

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:56–60

10:56Page 215

هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٥٦

He gives life and causes death, and to Him you will be returned.

﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ وهَذا عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ اسْتِدْلالٌ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ في الدُّنْيا فَهو قادِرٌ عَلَيْهِما في العُقْبى لِأنَّ القادِرَ لِذاتِهِ لا تَزُولُ قُدْرَتُهُ والمادَّةُ القابِلَةُ بِالذّاتِ لِلْحَياةِ والمَوْتِ قابِلَةٌ لَهُما أبَدًا ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ القُدْرَةِ اسْتِطْرادِيٌّ لا دَخْلَ لَهُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ كالَّذِي قَبْلَهُ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ 56﴾ في الآخِرَةِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ

10:57Page 215

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧

O mankind, there has come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ التِفاتٌ ورُجُوعٌ إلى

صفحة 139

اسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِهِ واتِّباعِهِ غَبَّ تَحْذِيرِهِمْ مِن غَوائِلِ الضَّلالِ بِما تَلا عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ وإيذانٌ بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِمَصالِحِهِمْ وهَذا وجْهُ الرَّبْطِ بِما تَقَدَّمَ وقالَ أبُو حِبّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّيَ إلَيْها وهو المُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ والأوَّلُ أوْلى ولا يَأْباهُ عُمُومُ الخِطابِ كَما هو الظّاهِرُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ خِلافًا لِمَن جَعَلَهُ خاصًّا بِقُرَيْشٍ والمَوْعِظَةُ كالوَعْظِ والعِظَةُ تَذْكِيرُ ما يُلَيِّنُ القَلْبَ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وقِيلَ: زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ والشِّفاءُ الدَّواءُ ويُجْمَعُ عَلى أشْفِيَةٍ وجَمْعُ الجَمْعِ أشافِيُّ والهُدى مَعْلُومٌ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والرَّحْمَةُ الإحْسانُ أوْ إرادَتُهُ أوْ صِفَةُ غَيْرِهِما لائِقَةٌ بِمَن قامَتْ بِهِ و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْعِظَةٌ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ رَبِّكم و﴿لِما﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ واللّامُ مُقَوِّيَةٌ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لَهُ وكَذا يُقالُ عَلى ما قِيلَ فِيما بَعْدُ والمُرادُ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ والمَنافِعِ كاشِفٌ عَنْ أحْوالِ الأعْمالِ حَسَناتِها وسَيِّئاتِها مُرَغِّبٌ في الأُولى ورادِعٌ عَنِ الأُخْرى ومُبَيِّنٌ لِلْمَعارِفِ الحَقَّةِ المُزِيلَةِ لِأدْواءِ الشُّكُوكِ وسُوءِ مِزاجِ الِاعْتِقادِ وهادٍ إلى طَرِيقِ الحَقِّ واليَقِينِ بِالإرْشادِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ نَجَوْا بِهِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ وتَخَلَّصُوا مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ وارْتَقَوْا إلى دَرَجاتِ الجِنانِ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ مَراتِبَ كَمالٍ مَن تَمَسَّكَ بِالقُرْآنِ فازَ بِها أحَدُها تَهْذِيبُ الظّاهِرِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي وإلْيِهِ الإشارَةُ (بِالمَوْعِظَةِ) بِناءً عَلى أنَّ فِيها الزَّجْرَ عَنِ المَعاصِي وثانِيها تَهْذِيبُ الباطِنِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمَلَكاتِ الرِّدْيَةِ وإلَيْهِ الإشارَةُ (بِشِفاءٍ لِما في الصُّدُورِ) وثالِثُها تَحَلِّي النَّفْسِ بِالعَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلّا بِالهُدى ورابِعُها تَجَلِّي أنْوارِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ وتَخْتَصُّ بِالنُّفُوسِ الكامِلَةِ المُسْتَعِدَّةِ بِما حَصَلَ لَها مِنَ الكَمالِ الظّاهِرِ والباطِنِ لِذَلِكَ وقالَ الإمامُ: المَوْعِظَةُ إشارَةٌ إلى تَطَهُّرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ والشِّفاءُ إلى تَطَهُّرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ والهُدى إلى ظُهُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ والرَّحْمَةُ إلى بُلُوغِ الكَمالِ والإشْراقِ حَتّى يُكْمِلَ غَيْرَهُ ويُفِيضَ عَلَيْهِ وهو النُّبُوَّةُ والخِلافَةُ فَهَذِهِ دَرَجاتٌ لا يُمْكِنُ فِيها تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ كَوْنُ المَذْكُوراتِ أوْصافًا لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا وآلَةً لَها وجُعِلَتْ عَيْنَهُ مُبالَغَةً وبَيْنَها تَلازُمٌ في الجُمْلَةِ والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّفْخِيمِ والهِدايَةُ إنْ أُخِذَتْ بِمَعْنى الدَّلالَةِ مُطْلَقًا فَعامَّةٌ أوْ بِمَعْنى الدَّلالَةِ المَوْصُولَةِ فَخاصَّةٌ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَيْدُ الأمْرَيْنِ ويُؤَيِّدُ تَقْيِيدَ الهُدى بِذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فالقُرْآنُ واعِظٌ بِما فِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي كَيْفَما كانَتِ المُقْتَرَنَ بِالتَّخْوِيفِ فَقَطْ بِناءً عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلْمَوْعِظَةِ وشافٍ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الأدْواءِ المُفْضِيَةِ إلى الهَلاكِ كالجَهْلِ والشَّكِّ والشِّرْكِ والنِّفاقِ وغَيْرِها ومُرْشِدٌ بِبَيانِ ما يَلِيقُ وما لا يَلِيقُ إلى ما فِيهِ النَّجاةُ والفَوْزُ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ أوْ مُوَصِّلٌ إلى ذَلِكَ وسَبَبُ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وامْتَثَلُوا ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ وأمّا إذا ارْتُكِبَ خِلافُ الظّاهِرِ فَيُقالُ غَيْرُ ما قِيلَ أيْضًا مِمّا سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ واسْتُدِلَّ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يَشْفِي مِنَ الأمْراضِ البَدَنِيَّةِ كَما يَشْفِي مِنَ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ:

صفحة 140

إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اقْرَأِ القُرْآنَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَعَ حَلْقِهِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ» . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَسْلَمُ والخَبَرُ الثّانِي لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشّاكِيَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ إرْشادًا لَهُ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَزُولُ بِهِ وجَعُهُ ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ لِقِراءَةِ القُرْآنِ بَرَكَةً قَدْ يَذْهَبُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِها الأمْراضَ والأوْجاعَ وإنَّما نُنْكِرُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ والخَبَرُ الأوَّلُ وإنْ كانَ ظاهِرًا في المَقْصُودِ لَكِنْ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ كَأنْ يُقالَ: لَعَلَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اطَّلَعَ عَلى أنَّ في صَدْرِ الرَّجُلِ مَرَضًا مَعْنَوِيًّا قَلْبِيًّا قَدْ صارَ سَبَبًا لِلْمَرَضِ الحِسِّيَّ البَدَنِيِّ فَأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ لِيَزُولَ عَنْهُ الأوَّلُ فَيَزُولُ الثّانِي ولا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُ بَعْضِ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِبَعْضِ الأمْراضِ القالَبِيَّةِ فَإنّا نَرى أنَّ نَحْوَ الحَسَدِ والحِقْدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ ومِن كَلامِهِمْ لِلَّهِ تَعالى دَرُّ الحَسَدِ ما أعْدَلَهُ بَدَأ بِصاحِبِهِ فَقَتَلَهُ: وهَذا أوْلى مِن إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ

والحَسَنُ البَصْرِيُّ يُنْكِرُ كَوْنَ القُرْآنِ شِفاءً لِلْأمْراضِ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم والحَقُّ ما ذَكَرْنا

10:58Page 215

قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨

Say, "In the bounty of Allāh and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَغْتَنِمُوا ما في القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ أيْ قُلْ لَهم ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لِيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ ثُمَّ قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفِعْلَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِالمَجْرُورِ ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ الفاءَ لِإفادَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ فَصارَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا ثُمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ ثُمَّ حَذَفَ الفِعْلَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفاءُ الأوْلى قِيلَ جَزائِيَّةٌ والثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والأصْلُ أنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا لا بِشَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ زِيدَتِ الفاءُ لِما ذُكِرَ ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ وقِيلَ: إنَّ الأُولى هي الزّائِدَةُ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ فَلْيَفْرَحُوا وبِذَلِكَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ وزِيدَتْ فِيهِ الفاءُ لِلتَّحْسِينِ ولِذَلِكَ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ ونَظِيرُ ذَلِكَ في الِاخْتِلافِ في تَعْيِينِ الزّائِدِ فِيهِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:

لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفَسًا أهْلَكَتْهُ فَإذا هَلَكَتْ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي

ومِن غَرِيبِ العَرَبِيَّةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ وقَدْ أُقِيمَ اسْمُ الإشارَةِ مَقامَ ضَمِيرِ المَعْمُولِ وتَوْحِيدُهُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ كَما هو شائِعٌ فِيهِ ووَجْهُ غَرابَتِهِ أنَّ المَعْرُوفَ في شَرْطِ البابِ اشْتِغالُ العامِلِ بِضَمِيرِ المَعْمُولِ ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ اشْتِغالَهُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلَيْهِ وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ (فَلْيَعْتَنُوا)أيْ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا والقَرِينَةُ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ أنَّ ما يَفْرَحُ بِهِ يَكُونُ مِمّا يُعْتَنى ويُهْتَمُّ بِشَأْنِهِ أوْ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى ما قِيلَ وقالَ الحَلَبِيُّ: الدَّلالَةُ عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ واضِحَةٌ ولَيْسَ شَرْطُ الدَّلالَةِ أنْ تَكُونَ لَفْظِيَّةً فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ ذَلِكَ إضْمارٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وأنْ يُقَدَّرَ جاءَتْكم بَعْدَ ﴿قُلْ﴾ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلُ أيْ قُلْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ وشِفاءٌ وهُدًى ورَحْمَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِجاءَتْكُمُ المَذْكُورُ لِأنَّ ﴿قُلْ﴾ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ وذَلِكَ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ

صفحة 141

الفِعْلِ وهو المَجِيءُ أيْ فَبِمَجِيءِ المَذْكُوراتِ فَلْيَفْرَحُوا وتَكْرِيرُ الباءِ في بِرَحْمَتِهِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها في اسْتِيجابِ الفَرَحِ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ إمّا الجِنْسُ ويَدْخُلُ فِيهِ ما في مَجِيءِ القُرْآنِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وإمّا ما في مَجِيئِهِ مِن ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ القُرْآنُ

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا وجاءَ عَنْ جَمْعٍ جَمٍّ أنَّ الفَضْلَ القُرْآنُ والرَّحْمَةَ الإسْلامُ وهو في مَعْنى الحَدِيثِ المَذْكُورِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الفَضْلَ العِلْمُ والرَّحْمَةَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأخْرَجَ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ تَفْسِيرَ الفَضْلِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرَّحْمَةِ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والمَشْهُورُ وصْفُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ دُونَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ رَحْمَةً جَلِيلَةً رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأرْضاهُ وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الجَنَّةُ والنَّجاةُ مِنَ النّارِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ ما أُرِيدَ بِها أوَّلًا بَلْ هي في غَيْرِ الأُولى كَما لا يَخْفى ورَوى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ (فَلْتَفْرَحُوا) بِتاءِ الخِطابِ ولامِ الأمْرِ عَلى أصْلِ المُخاطَبِ المَتْرُوكِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَ صِيغَةِ الأمْرِ الأمْرُ بِاللّامِ فَحُذِفَتْ مَعَ تاءِ المُضارَعَةِ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِلتَّوَصُّلِ إلى الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ لا عَلى القَوْلِ بِأنَّها صِيغَةٌ أصْلِيَّةٌ وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِنهم أبُو داوُدَ وأحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا وقَرَأ بِها أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما وفي تَعْلِيقاتِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى كَشّافِهِ كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما آثَرَ القِراءَةَ بِالأصْلِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الأمْرِ بِالفَرَحِ وأشَدُّ تَصْرِيحًا بِهِ إيذانًا بِأنَّ الفَرَحَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وبِرَحْمَتِهِ بَلِيغُ التَّوْصِيَةِ بِهِ لِيُطابِقَ التَّقْرِيرَ والتَّكْرِيرَ وتَضْمِينَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِذَلِكَ ونَظِيرِهِ مِمّا انْقَلَبَ فِيهِ ما لَيْسَ بِفَصِيحٍ فَصِيحًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ اللَّغْوِ لِيَكُونَ الغَرَضُ اخْتِصاصَ التَّوْحِيدِ انْتَهى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ ونُقِلَ عَنْ شَرْحِ اللُّبِّ في تَوْجِيهِهِ أنَّهُ لَما كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَبْعُوثًا إلى الحاضِرِ والغائِبِ جُمِعَ بَيْنَ اللّامِ والتّاءِ قِيلَ: وكَأنَّهُ عَنى أنَّ الأمْرَ لَمّا كانَ لِجُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ حاضِرِهِمْ وغائِبِهِمْ غُلِّبَ الحاضِرُونَ في الخِطابِ عَلى الغائِبِينَ وأُتِيَ بِاللّامِ رِعايَةً لِأمْرِ الغائِبِينَ وهي نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ إلّا أنَّهُ أمْرٌ مُحْتَمَلٌ وما نُقِلَ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أوْلى بِالقَبُولِ

وقُرِئَ (فافْرَحُوا) وهي تُؤَيِّدُ القِراءَةَ السّابِقَةَ لِأنَّها أمْرُ المُخاطَبِ عَلى الأصْلِ وقُرِئَ (فَلْيَفْرَحُوا) بِكَسْرِ اللّامِ هو ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ 58﴾ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ وسائِرِ حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها صائِرَةٌ إلى الزَّوالِ مُشْرِفَةٌ عَلَيْهِ وهو راجِعٌ إلى لَفْظِ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ وهو مُفْرَدٌ فُرُوعِيَ لَفْظُهُ وإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ

ويَجُوزُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِما ابْتِداءً بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ كَما فُعِلَ في ذَلِكَ أوْ جَعْلَهُما في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ راجِعًا إلى المَصْدَرِ أعْنِي المَجِيءَ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ و(ما) تَحْتِمَلُ المَوْصُولِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (تَجْمَعُونَ) بِالخِطابِ لِمَن خُوطِبَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ سَواءٌ كانَ عامًّا أوْ خاصًّا بِكُفّارِ قُرَيْشٍ وضَمِيرُ ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ وعَلى قِراءَةِ (فَلْتَفْرَحُوا) (وافْرَحُوا)

صفحة 142

يَكُونُ الخِطابُ عَلى ما قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لَهم عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ أيْضًا التِفاتًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجَمْعَ أنَسَبُ بِغَيْرِهِمْ وإنْ صَحَّ وصْفُهم بِهِ في الجُمْلَةِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمَ القَوْلُ بِما يَسْتَلْزِمُهُ ما دامَ مَندُوحَةٌ عَنْهُ

10:59Page 215

قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩

Say, "Have you seen what Allāh has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allāh permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allāh?"

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ أيْ ما قَدَّرَ لِانْتِفاعِكم مِن ذَلِكَ وإلّا فالرِّزْقُ لَيْسَ كُلُّهُ مُنْزَلًا واسْتِعْمالُ أنَزَلَ في ما ذُكِرَ مَجازٌ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ وجُوِّزَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِأنْ أسَنَدَ الإنْزالَ إلى الرِّزْقِ لِأنَّ سَبَبُهُ كالمَطَرِ مُنْزَلٌ وقِيلَ: إنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً تَخَيُّلِيَّةٌ وهو بَعِيدٌ وجُعِلَ الرِّزْقُ مَجازًا عَنْ سَبَبِهِ أوْ تَقْدِيرِ لَفْظِ سَبَبٍ مِمّا لا يَنْبَغِي و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ أوَّلُ - لِأرَأيْتُمْ - والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أنْزَلَهُ والمَفْعُولُ الثّانِي ما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿أنْزَلَ﴾ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِصَدارَتِهِ وهو مُعَلِّقٌ لِما قَبْلَهُ إنْ قُلْنا بِالتَّعْلِيقِ فِيهِ أيْ أيَّ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن رِزْقٍ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ أيْ فَبَعَضْتُمُوهُ وقَسَّمْتُمُوهُ إلى حَرامٍ وحَلالٍ وقُلْتُمْ هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثُ حَجْرٍ وما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا إلى غَيْرِ ذَلِكَ

﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في جَعْلِ البَعْضِ مِنهُ حَرامًا والبَعْضِ الآخَرِ حَلالًا ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ 59﴾ (أمْ) والهَمْزَةُ مُتَعادِلَتانِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي - لِأرَأيْتُمْ - و(قُلْ) مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ فَلا يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ والعائِدُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ مُقَدَّرٌ والمَعْنى أرَأيْتُمُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم مِن رِزْقٍ فَفَعَلْتُمْ فِيهِ ما فَعَلْتُمْ أيُّ الأمْرَيْنِ كائِنٌ فِيهِ الإذْنُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِجَعْلِهِ قِسْمَيْنِ أمِ الِافْتِراءُ مِنكم وكانَ أصْلُ ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ إلَخْ آللَّهُ أذِنَ أمْ غَيْرُهُ فَعُدِّلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيِّ دَلالَةً عَلى أنَّ الثّابِتَ هو الشِّقُّ الثّانِي وهم نَسَبُوا ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهم مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا عَلى غَيْرِهِ وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ كَما لا يَخْفى ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلِاسْتِخْبارِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ حَقِيقَتَهُ لِيُنافِيَ تَحَقُّقَ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الإذْنِ وثُبُوتِ الِافْتِراءِ بَلْ قُصِدَ بِهِ التَّقْرِيرُ والوَعِيدُ وإلْزامُ الحُجَّةِ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الإذْنِ وتَكُونُ (أمْ) مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلِ الإضْرابِيَّةِ والمَقْصُودُ الإضْرابُ عَنْ ذَلِكَ لِتَقْرِيرِ افْتِرائِهِمْ والجُمْلَةُ عَلى هَذا مَعْمُولَةٌ لِلْقَوْلِ ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِأرَأيْتُمْ وهو قَدِ اكْتَفى بِالجُمْلَةِ الأُولى كَما أشَرْنا إلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مِن جَوَّزَ كَوْنَ (أمْ) مُتَّصِلَةً وكَوْنَها مُنْفَصِلَةً عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الجُمْلَةِ بِفِعْلِ القَوْلِ وأوْجَبَ الِاتِّصالَ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِها بِأرَأيْتُمْ وجَعْلِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً مُخْبِرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ لِلتَّخْصِيصِ عِنْدَ بَعْضٍ ولِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ عِنْدَ آخَرَ والإظْهارُ بَعْدُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُبْحِ افْتِرائِهِمْ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ مُطْلَقًا في رَأْيٍ ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولِلْقَصْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في آخَرَ

واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ ولا دَلِيلَ لَهم فِيها عَلى ما ذَكَرْناهُ لِأنَّ المُقَدَّرَ لِلِانْتِفاعِ هو الحَلالُ فَيَكُونُ المَذْكُورُ هُنا قِسْمًا مِنَ الرِّزْقِ وهو شامِلٌ لِلْحَلالِ والحَرامِ والكَفَرَةُ إنَّما أخْطَأُوا في جَعْلِ بَعْضِ الحَلالِ حَرامًا ومَن جَعَلَ أهْلَ السُّنَّةِ نَظِيرًا لَهم في جَعْلِهِمُ الرِّزْقَ مُطْلَقًا مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ

10:60Page 215

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٦٠

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allāh on the Day of Resurrection?1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ هَوْلِ ما سَيَلْقَوْنَهُ غَيْرَ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِقَطْعِ احْتِمالِ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ التَّرْدِيدِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالِافْتِراءِ وزِيادَةِ الكَذِبِ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لِإظْهارِ

صفحة 143

لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما افْتَعَلُوا وكَوْنُهُ كَذِبًا في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ و﴿ظَنُّ﴾ خَبَرُها هو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ الظَّنِّ لا بِيَفْتَرُونَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مَعْنًى ولا بِمُقَدَّرٍ لِأنَّ التَّقْدِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ أيْ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أنِّي فاعِلٌ بِهِمْ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ ويَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِهِ بِالظَّنِّ قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ (وما ظَنُّ) بِصِيغَةِ الماضِي و(ما) في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الظَّنِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ وأكْثَرُ أحْوالِ القِيامَةِ يُعَبَّرُ عَنْها بِذَلِكَ في القُرْآنِ لِما ذُكِرَ والعَمَلُ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ لا يُمْنَعُ لِتَصْيِيرِهِ الفِعْلَ نَصًّا في الِاسْتِقْبالِ التَّجَوُّزُ المَذْكُورُ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ لِتَحَقُّقِهِ أيْضًا ماضِيًا وقِيلَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ظَنُّهُمُ اليَوْمَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ تَنْزِيلًا لَهُ ولِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ لِمَكانِ وُضُوحِ أمْرِهِ في التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ مَنزِلَةَ المُسْلِمِ عِنْدَهم أيْ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم لِما سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ أيَحْسَبُونَ أنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ افْتِرائِهِمْ أوْ لا يُجازُونَ عَلَيْهِ أوْ يُجازُونَ جَزاءً يَسِيرًا ولِذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ يَفْعَلُونَ كَلّا إنَّهم لَفي أشَدِّ العَذابِ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم أشَدُّ المَعاصِي والآيَةُ السّابِقَةُ قِيلَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: حَيْثُ أقَرُّوا أنَّهُ سُبْحانَهُ الرَّزّاقُ قُلْ لَهم أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَخْ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ إلَخْ وذَلِكَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِما وصَفَهُ وأمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرْغَبَ بِاغْتِنامِ ما فِيهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُخالَفَتِهِمْ لِما جاءَ بِهِ وتَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّ وقِيلَ: إنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ سُوءَ اعْتِقادِهِمْ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ نَعى عَلَيْهِمْ أُصُولَهم بَيَّنَ بُطْلانَ فُرُوعِهِمْ ولَعَلَّ خَيْرَ الثَّلاثَةِ وسَطُها

﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ عَظِيمٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ﴿عَلى النّاسِ﴾ جَمِيعًا حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ ورَحِمَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وبَيَّنَ لَهم ما لا تَسْتَقِلُّ عُقُولُهم بِإدْراكِهِ وأرْشَدَهم إلى ما يُهِمُّهم مِن أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ ورَغَّبَهم ورَهَّبَهم وشَرَحَ لَهُمُ الأحْوالَ وما يَلْقاهُ الحائِدُ عَنِ الرَّشادِ مِنَ الأهْوالِ

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ 60﴾ ذَلِكَ الفَضْلَ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ولَعَلَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском