Al-AlusiYunus · 10:7–10

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:7–10

10:7Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بَيانٌ لِما آلَ أمْرُ مَن كَفَرَ بِالبَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، وأعْرَضَ عَنِ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ والمُرادُ بِلِقائِهِ تَعالى شَأْنُهُ إمّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِالبَعْثِ أوْ لِقاءِ الحِسابِ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ ما لا يَخْفى

والرَّجاءُ يُطْلَقُ عَلى تَوَقُّعِ الخَيْرِ كالأمَلِ وعَلى الخَوْفِ وتَوَقُّعِ الشَّرِّ وعَلى مُطْلَقِ التَّوَقُّعِ وهو في الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وفي الأخِيرَيْنِ مَجازٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ المَعْنى المَجازِيَّ الأخِيرَ المُنْتَظِمَ لِلْأمَلِ والخَوْفِ فالمَعْنى لا يَتَوَقَّعُونَ الرُّجُوعَ إلَيْنا أوْ لِقاءَ حِسابِنا المُؤَدِّيَ إلى حُسْنِ الثَّوابِ أوْ إلى سُوءِ العِقابِ فَلا يَأْمُلُونَ الأوَّلَ ولا يَخافُونَ الثّانِيَ ويُشِيرُ إلى عَدَمِ أمَلِهِمْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ إيثارِ الأدْنى الخَسِيسِ عَلى الأعْلى النَّفِيسِ وإلى عَدَمِ خَوْفِهِمْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهم سَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا بَراحُ لَهُ آمَنِينَ مِنِ اعْتِراءِ المُزْعِجاتِ غَيْرَ مُخْطِرِينَ بِبالِهِمْ ما يَسُوءُهم مِنَ العَذابِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالرَّجاءِ المَعْنى الأوَّلُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لا يُؤَمِّلُونَ حُسْنَ لِقائِنا بِالبَعْثِ والإحْياءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ ورَضُوا بَدَلًا مِنها ومِمّا فِيها مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ بِالحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ الدَّنِيَّةِ وسَكَنُوا إلَيْها مُكَبِّينَ عَلَيْها قاصِرِينَ مَجامِعَ هِمَمِهِمْ عَلى لَذائِذِها وزَخارِفِها مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْنى الثّانِي والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْضًا أيْ لا يَخافُونَ سُوءَ لِقائِنا الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخافَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَلِمَةَ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا تَأْبى ذَلِكَ فَإنَّها مُنْبِئَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِن تَرْكِ الأعْلى وأخْذِ الأدْنى وقالَ الإمامُ: إنَّ حَمْلَ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ بَعِيدٌ لِأنَّ تَفْسِيرَ الضِّدِّ بِالضِّدِّ غَيْرُ جائِزٍ ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعُ فَقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في اسْتِعْمالِهِمْ وذَكَرَهُ الرّاغِبُ

صفحة 73

والإمامُ المَرْزُوقِيُّ وأنْشَدُوا شاهِدًا لَهُ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ:

إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعُها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبِ عَوامِلَ ووَجَّهَ

ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ يَتَلازَمانِ وأمّا الِاعْتِراضُ عَلى الإمامِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ الضِّدِّ في الضِّدِّ جائِزٌ في الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مَقْصُودَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في غَيْرِ الِاسْتِعارَةِ المَذْكُورَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ دُونَ اسْتِعارَةٍ ثُمَّ إنَّهُ لا يَجُوزُ اعْتِبارُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هُنا لِأنَّ التَّهَكُّمَ غَيْرُ مُرادٍ كَما لا يَخْفى، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَّرْنا في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ الباءَ لِلظَّرْفِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى سَكَنُوا بِسَبَبِ زِينَتِها وزَخارِفِها واخْتِيارُ صِيغَةِ الماضِي في الخَصْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في الأوْلى لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا﴾ المُفَصَّلَةِ في صَحائِفِ الأكْوانِ حَسْبَما أُشِيرَ إلى بَعْضِها أوْ آياتِنا المُنَزَّلَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها المُتَّفِقَةِ مَعَها في الدَّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ ما لا يَرْجُونَهُ مِنَ اللِّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى البَعْثِ وعَلى بُطْلانِ ما رَضُوا بِهِ واطْمَأنُّوا فِيهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿غافِلُونَ 7﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها أصْلًا وإنْ نُبِّهُوا بِما نُبِّهُوا لِانْهِماكِهِمْ بِما يَصُدُّهم عَنْها مِنَ الأحْوالِ المَعْدُودَةِ وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلى هَذِهِ الصِّلَةِ المُؤْذِنَةِ بِدَوامِ غَفْلَتِهِمْ واسْتِمْرارِها والعَطْفُ لِمُغايِرَةِ الوَصْفِ المَذْكُورِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم جامِعُونَ لِهَذا وتِلْكَ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَيِّزٌ مُسْتَقِلٌّ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مَنشَأً لِلذَّمِّ والوَعِيدِ والقَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الذُّهُولِ عَنِ الآياتِ رَأْسًا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ بِحَيْثُ لا يَخْطِرُ بِبالِهِمُ الآخِرَةُ أصْلًا لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِهِ أنَّ كُلًّا مِنهُما غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْوَعِيدِ بِالِاسْتِقْلالِ بَلِ المُوجِبُ لَهُ المَجْمُوعُ وهو كَما تَرى وكَوْنُهُ لِتَغايُرِ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ يُرادَ مِنَ الأوَّلِينَ مَن أنْكَرَ البَعْثَ ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا وبِالآخِرِينَ مَن ألْهاهُ حُبُّ العاجِلِ عَنِ التَّأمُّلِ في الآجِلِ والإعْدادِ لَهُ كَأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ألْهاهم حُبُّ الدُّنْيا والرِّياسَةِ عَنِ الإيمانِ والِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ في هَذا المَقامِ

10:8Page 209

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ ﴿مَأْواهُمُ﴾ أيْ مَسْكَنُهم ومَقَرُّهُمُ الذِّي لا بَراحَ لَهم مِنهُ ﴿النّارُ﴾ لا ما اطْمَأنُّوا بِهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ونَعِيمِها ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ 8﴾ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ المَعْدُودَةِ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَعاصِي أوْ يُكْسِبُهم ذَلِكَ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ الواقِعَةُ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جُوزُوا وجُمْلَةُ (أُولَئِكَ) الخَبَرُ. إنَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ إلَخْ

10:9Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِالآياتِ الَّتِي غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وقَدْ يَخُصُّ المُتَعَلِّقَ بِذَلِكَ نَظَرًا لِلْمَقامِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ في أنْفُسِها اللّائِقَةِ بِالإيمانِ وتَرَكَ ذِكْرَ المَوْصُوفِ لِجَرَيانِ الصِّفَةِ مَجْرى الأسْماءِ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يَهْدِيهِمْ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى مَأْواهم ومَقْصِدِهِمْ وهي الجَنَّةُ وإنَّما تُذْكَرُ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ وما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ومُشاهَدَةِ ما لَحِقَ مِنَ التَّلْوِيحِ والتَّصْرِيحِ.

صفحة 74

والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لَمّا ذُكِرَ الإيمانُ الخاصُّ المَشْفُوعُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ لا المُجَرَّدُ عَنْها ولا ما هو الأعَمُّ ولا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ في ذَلِكَ كَبْشانِ والآيَةُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِن أنَّ الإيمانَ الخالِيَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ يُفْضِي إلى الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ ولا يُخَلَّدُ صاحِبُهُ في النّارِ فَإنَّ مَنطُوقَها أنَّ الإيمانَ المَقْرُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ سَبَبٌ لِلْهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ وأمّا أنْ كَلَّ ما هو سَبَبٌ لَها يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلالَةَ لَها ولا لِغَيْرِها عَلَيْهِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ مُنادٍ بِخِلافِهِ بِناءً عَلى ما أطْبَقُوا عَلَيْهِ مِن تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ ولَئِنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا يَدْخُلُ في الِاهْتِداءِ مَن آمَنَ ولَمْ يَعْمَلْ صالِحًا ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَظْلِمَ بِفِعْلٍ حَرامٍ أوْ بِتَرْكِ واجِبٍ وإلى حَمْلِ الإيمانِ عَلى ما قُلْنا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ المُعْتَبَرَ في الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ هو الإيمانُ المُقَيَّدُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ جَعَلَ فِيها الصِّلَةَ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ثُمَّ قِيلَ: بِإيمانِهِمْ أيْ هَذا المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِزالِ وخُلُودِ غَيْرِ الصّالِحِ في النّارِ ثُمَّ قالَ إنَّهُ لا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ سَبَبَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ مُطْلَقُ الإيمانِ وأمّا أنَّ إضافَتَهُ الى ضَمِيرِ الصّالِحِينَ يَقْتَضِي أخْذَ الصَّلاحِ قَيْدًا في التَّسَبُّبِ فَمَمْنُوعٌ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذَّواتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الصِّفاتِ وأيْضًا فَإنَّ كَوْنَ الصِّلَةِ عِلَّةً لِلْخَبَرِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ فَلا يُعارِضُ السَّبَبَ الصَّرِيحَ المَنطُوقَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ عَنِ المَوْصُولِ يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ نَحْوَ الَّذِي كانَ مَعَنا بِالأمْسِ فَعَلَ كَذا خالٍ عَمّا يَذْكُرُونَهُ في نَحْوِ الَّذِي يُؤْمِنُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وانْتَصَرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ظاهِرٌ في أنَّهُما السَّبَبُ والتَّصْرِيحُ بِسَبَبِيَّةِ الإيمانِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ ذَلِكَ الإيمانُ المَقْرُونُ بِما مَعَهُ لا المُطْلَقُ لَكِنَّهُ ذُكِرَ لِأصالَتِهِ وزِيادَةِ شَرَفِهِ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا اسْتِدْراكُ ذِكْرِهِ ولا اسْتِقْلالُهُ بِالسَّبَبِيَّةِ

وفِيهِ رَدٌّ عَلى القاضِي البَيْضاوِيِّ حَيْثُ ادَّعى أنَّ مَفْهُومَ التَّرْتِيبِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ سَبَبَ الهِدايَةِ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لَكِنَّ مَنطُوقَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى اسْتِقْلالِ الإيمانِ ومَنَعَ في الكَشْفِ أيْضًا كَوْنَ المَنطُوقِ ذَلِكَ وفَرْعِهِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ مِن جَعْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ واقِعَيْنِ في الصِّلَةِ لِيَجْرِيا مَجْرى العِلَّةِ ثُمَّ لَمّا أُعِيدَ الإيمانُ مُضافًا كانَ إشارَةً إلى الإيمانِ المَقْرُونِ لَمّا ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ مَعْهُودٌ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو هَذا والأصْلُ عَدَمُ غَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: ولَوْ سَلِمَ أنَّ المَنطُوقَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لِأنَّ العَمَلَ يُعَدُّ شَرْطًا حِينَئِذٍ جَمْعًا بَيْنَ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ بِقَدْرِ الإمْكانِ فَلَمْ يَلْغِ اقْتِرانَ العَمَلِ ولا دَلالَةَ السَّبَبِيَّةِ وهَذا فائِدَةُ إفْرادِهِ بِالذِّكْرِ ثانِيًا مَعَ ما فِيهِ مِنَ الأصالَةِ وزِيادَةِ الشَّرَفِ ولا مُخالِفَ لَهُ مِنَ الجَماعَةِ لِأنَّ العُصاةَ غَيْرُ مَهْدِيِّينَ وأمّا أنَّ كُلَّ مَن لَيْسَ مُهْتَدِيًا فَهو خالِدٌ في النّارِ فَهو مَمْنُوعٌ غايَةَ المَنعِ انْتَهى (وفِي القَلْبِ) مِن هَذا المَنعِ شَيْءٌ والأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى ما قَدَّمْناهُ في تَقْرِيرِ كَوْنِ الآيَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ والهِدايَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ يُحْتَمَلُ أنْ تُفَسَّرَ بِالدَّلالَةِ المُوصِلَةِ إلى البُغْيَةِ وبِمُجَرَّدِ الدَّلالَةِ والمُخْتارِ الأوَّلِ واخْتارَ الثّانِيَ مَن قالَ: إنَّ المَعْنى يَهْدِيهِمْ طَرِيقَ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ وذَلِكَ إمّا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أوْ عَلى أنَّ إيمانَهم يُظْهِرُ نُورًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يُسَدِّدُهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لِلِاسْتِقامَةِ عَلى سُلُوكِ السَّبِيلِ المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ والهِدايَةِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقِيلَ: المُرادُ يَهْدِيهِمْ إلى إدْراكِ حَقائِقِ الأُمُورِ فَتَنْكَشِفُ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فالِالتِفاتُ في

صفحة 75

قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ لِتَشْرِيفِهِمْ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِمْ مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ فَمَحَلُهُ الرَّفْعُ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَهْدِيِّ إلَيْهِ ما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وإنْ جُعِلَ حالًا مُنْتَظِرَةً لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِهَذا التَّقْدِيرِ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ والزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا فَسَّرَ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ بِيُسَدِّدُهم إلَخْ جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَيانًا لَهُ وتَفْسِيرًا لِأنَّ التَّمَسُّكَ بِسَبَبِ السَّعادَةِ كالوُصُولِ إلَيْها ولا يَخْفى أنَّ سَبِيلَ هَذا البَيانِ سَبِيلُ البَدَلِ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ وحِينَئِذٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ لِأنَّهُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ 9﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ أُخْرى مِن مَفْعُولِ ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ فَتَكُونُ حالًا مُتَرادِفَةً أوْ مِنَ ﴿الأنْهارُ﴾ فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي أوْ بِيَهْدِي والمُرادُ عَلى ما قِيلَ بِالمَهْدِيِّ إلَيْهِ إمّا مَنازِلُهم في الجَنَّةِ أوْ ما يُرِيدُونَهُ فِيها

10:10Page 209

دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"

﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ خَبَرُهُ أيْ دُعاؤُهم هَذا الكَلامَ والدَّعْوى وإنِ اشْتُهِرَتْ بِمَعْنى الِادِّعاءِ لَكِنَّها ورَدَتْ بِما ذَكَرْنا أيْضًا وكَوْنُ الخَبَرِ مِن جِنْسِ الدُّعاءِ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أكْثَرُ دُعائِي ودُعاءِ الأنْبِياءِ قَبْلِي بِعَرَفاتٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ الدُّعاءِ عَلى ذَلِكَ مَجازٌ وهو الَّذِي يَفْهَمُهُ كَلامُ ابْنِ الأثِيرِ حَيْثُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ التَّهْلِيلُ والتَّحْمِيدُ والتَّمْجِيدُ دُعاءً لِأنَّهُ بِمَنزِلَتِهِ في اسْتِيجابِ ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وجَزائِهِ وفي الحَدِيثِ: إذا شَغَلَ عَبْدِي ثَناؤُهُ عَلَيَّ عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ. وجاءَتْ بِمَعْنى العِبادَةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وجُوِّزَ إرادَتُهُ هُنا والمُرادُ نَفْيُ التَّكْلِيفِ أيْ لا عِبادَةَ لَهم غَيْرُ هَذا القَوْلِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِعِبادَةٍ وإنَّما يُلْهِمُونَهُ ويَنْطِقُونَ بِهِ تَلَذُّذًا لا تَكْلِيفًا ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى وقَدْ يُقالُ: يَأْتِي نَظِيرُ هَذا في الآيَةِ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِالدَّعْوى الدُّعاءُ حَقِيقَةً فَيَكُونُ المَعْنى عَلى طَرْزِ ما قَرَّرَ أنَّهُ لا سُؤالَ لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى سِوى ذَلِكَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُؤالٍ فَيُفِيدُ أنَّهُ لا سُؤالَ لَهم أصْلًا

والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الإشارَةُ إلى حُصُولِ جَمِيعِ مَقاصِدِهِمْ بِالفِعْلِ فَلَيْسَ بِهِمْ حاجَةٌ إلى سُؤالِ شَيْءٍ إلّا أنَّ فِيهِ ما فِيهِ ونَصْبُ سُبْحانَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا وهو بِمَعْنى التَّسْبِيحِ وقُدِّرَتِ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً أيْ أنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا لِأنَّها أبْلَغُ والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها كَذَلِكَ و﴿اللَّهُمَّ﴾ بِتَقْدِيرِ يا أللَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النِّداءِ وعَوَّضَ عَنْهُ المِيمَ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَكَ فَتَذَكَّرْ وكانَ القِياسُ تَقْدِيمَ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِأنَّ النِّداءَ يُقَدَّمُ عَلى الدُّعاءِ لَكِنَّهُ اسْتُعْمِلَ في التَّسْبِيحِ كَذَلِكَ قِيلَ: لِأنَّهُ تَنْزِيهٌ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ وفي النِّداءِ رُبَّما يُتَوَهَّمُ تَرْكُ الأدَبِ

﴿وتَحِيَّتُهُمْ﴾ أيْ ما يُحَيُّونَ بِهِ ﴿فِيها سَلامٌ﴾ أيْ سَلامَتُهم مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وهو خَبَرُ (تَحِيَّتُهُمْ) و﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِها، والتَّحِيَّةُ التَّكْرِمَةُ بِالحالِ الجَلِيلَةِ وأصْلُها أحْياكَ اللَّهُ تَعالى حَياةً طَيِّبَةً وإضافَتُها هُنا إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ إمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ أيْ تَحِيَّةُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم ذَلِكَ ويُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ .

صفحة 76

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ إلى الفاعِلِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا آخِرُ ذَلِكَ وقَدْ يَعْتَبِرُ البَعْضُ المُقَدَّرَ مَفْعُولًا فالإضافَةُ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا أُضِيفَ فِيهِ المَصْدَرُ لِفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ مَعًا إذا كانَ المَعْنى يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا ونَظِيرُهُ في الإضافَةِ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ حَيْثُ أُضِيفَ حُكْمٌ إلى ضَمِيرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهُما حاكِمانِ وغَيْرُهُما وهُمُ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ المُخْتَلَفِ فِيهِ حَيْثُ إنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ حَقِيقَةٌ ولِمَفْعُولِهِ مَجازٌ لِأنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ الجَمْعِ إذا كانَ المَجازُ عَقْلِيًّا إنَّما الخِلافُ فِيهِ إذا كانَ لُغَوِيًّا ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ أيْ خاتِمَةُ دُعائِهِمْ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ 10﴾ أيْ أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ فَأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ خَبَرُها وأنَّ ومَعْمُولاها خَبَرٌ آخَرُ ولَيْسَتْ مُفَسَّرَةً لِفَقْدِ شَرْطِها ولا زائِدَةٌ لِأنَّ الزِّيادَةَ خِلافُ الأصْلِ ولا داعِيَ إلَيْها عَلى أنَّهُ قَدْ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ ويَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ ﴿الحَمْدُ﴾ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِما قُلْنا والظّاهِرُ أنَّ تَحَقُّقَ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ لِكَوْنِها اسْمِيَّةً عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ وفي الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ فَلَعَلَّ القَوْمَ لَمّا دَخَلُوا الجَنَّةَ حَصَلَ لَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَحْصُلْ لَهم قَبْلَهُ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ

وقَدْ صَرَّحَ مَوْلانا شِهابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ في الكَلامِ بِتَفاوُتِ أهْلِ الجَنَّةِ في المَعْرِفَةِ فَقالَ: إنَّ عَوامَّ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ يَكُونُونَ في العِلْمِ كالعُلَماءِ في الدُّنْيا والعُلَماءُ فِيها يَكُونُونَ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الدُّنْيا والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَكُونُونَ في ذَلِكَ كَنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَكُونُ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العِلْمِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ الغايَةُ القُصْوى الَّتِي لا تَكُونُ لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَقامَ المَحْمُودَ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنَّهم مَعَ تَفاوُتِهِمْ في المَعْرِفَةِ لا يَزالُونَ يَتَرَقَّبُونَ فِيها عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ، والسَّيْرُ في اللَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُتَناهٍ والوُقُوفُ عَلى الكُنْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وحِينَئِذٍ التَّفاوُتُ في مَعْرِفَةِ الصِّفاتِ وهي كَما قِيلَ إمّا سَلْبِيَّةٌ وتُسَمّى بِصِفاتِ الجَلالِ لِأنَّها يُقالُ فِيها: جَلَّ عَنْ كَذا جَلَّ عْنَ كَذا وإمّا غَيْرُها وتُسَمّى بِصِفاتِ الإكْرامِ وبِذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ فَلا يَزالُونَ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ الَّذِي هو إشارَةٌ إلى نَعْتِهِ بِنُعُوتِ الجَلالِ وبِالتَّحْمِيدِ الَّذِي هو إشارَةٌ إلى وصْفِهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ والدَّوامُ عُرْفِيٌّ وهو أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في وصْفِ أهْلِ الجَنَّةِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «(يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى بُكْرَةً وعَشِيًّا)» يُؤَيِّدُ بِظاهِرِهِ ذَلِكَ والمُرادُ بِالبُكْرَةِ والعَشِيَّةِ كَما قالَ النَّوَوِيُّ قَدْرُهُما وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم يُقَدِّمُونَ نَعْتَهُ تَعالى بِنُعُوتِ الجَلالِ ويَخْتِمُونَ دُعاءَهم بِوَصْفِهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ لِأنَّ الأُولى مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الثّانِيَةِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ والمُخْتارُ عِنْدِي كَوْنُ فاعِلِ التَّحِيَّةِ هو اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهم حِينَ يَشْرَعُونَ بِالدُّعاءِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى ويُنَزِّهُونَهُ فَيُقابَلُونَ بِالسَّلامِ وهو دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ فَإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ تَعالى وإنْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا مانِعَ مِن بَقائِهِ عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنْ يُوَجَّهُ الطَّلَبُ فِيهِ إلى الدَّوامِ لِأنَّ أصْلَ السَّلامَةِ حاصِلٌ لَهم وإنْ قُلْنا: إنَّها تَقْبَلُ الزِّيادَةَ فَلا بُعْدَ في أنْ يُوَجَّهَ إلى طَلَبِها وما ألْطَفَ مُقابَلَةَ التَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ بِالسَّلامَةِ عَنِ المَكْرُوهِ لِقُرْبِها مِن ذَلِكَ مَعْنًى كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ ثُمَّ يَخْتِمُونَ دُعاءَهم بِالحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وهَكَذا لا يَزالُ دَأْبُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ الصَّحِيحِ ولَعَلَّ

صفحة 77

عَدَمَ ذِكْرِ التَّحْمِيدِ فِيهِ اكْتِفاءٌ بِما في الآيَةِ وهَذا ما عِنْدِي فِيها وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ أْهَلَ الجَنَّةِ إذا مَرَّ بِهِمُ الطّائِرُ يَشْتَهُونَهُ قالُوا: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وذَلِكَ دُعاؤُهم بِهِ فَيَأْتِيهِمُ المَلَكُ بِما اشْتَهَوْا فَإذا جاءَ المَلَكُ بِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ فَإذا أكَلُوا قَدْرَ حاجَتِهِمْ قالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وهو ظاهِرٌ في أنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ أيْضًا لَكِنْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّعْوى بِمَعْنى الدُّعاءِ ومَعْنى كَوْنِ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ دُعاءً وطَلَبًا لِما يَشْتَهُونَ حِينَئِذٍ أنَّهُ عَلامَةٌ لِلطَّلَبِ ونَظِيرُ ذَلِكَ تَسْبِيحُ المُصَلِّي إذا نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلامَةٌ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والخَدَمِ في الطَّعامِ فَإذا قالُوها أتَوْهم بِما يَشْتَهُونَ

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ أتاهم ما اشْتَهَوْا مِنَ الجَنَّةِ مِن رَبِّهِمْ ولا بَأْسَ في ذَلِكَ نَعَمْ فَيَكُونُ الحَمْدُ بَعْدَ أكْلِ قَدْرِ حاجَتِهِمْ مَدْلُولُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَفاءٌ

وقالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ: لَعَلَّ المَعْنى أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ وعايَنُوا عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكِبْرِياءَهُ مَجَّدُوهُ ونَعَتُوهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ ثُمَّ حَيّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والفَوْزِ بِأصْنافِ الكَراماتِ أوِ اللَّهِ تَعالى فَحَمِدُوهُ وأثْنَوْا عَلَيْهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ وهو أيْضًا ظاهِرٌ فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ كَما قُلْنا إلّا أنَّهُ تُعُقِّبَ بِأنَّ إضافَةِ (آخِرُ) إلى دَعْواهم يَأْباهُ وكَأنَّ وجْهَ الإباءِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى هَذا آخِرُ الحالِ وبِأنَّ اعْتِبارَ الفَوْزِ بِالكَراماتِ في مَفْهُومِ السَّلامِ غَيْرُ ظاهِرٍ ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَعَلَّهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ عِنْدَما يُعايِنُونَ مِن تَعاجِيبِ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى ونَتائِجِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ تَقْدِيسًا لِمَقامِهِ تَعالى عَنْ شَوائِبِ العَجْزِ والنُّقْصانِ وتَنْزِيهًا لِوَعْدِهِ الكَرِيمِ عَنْ سِماتِ الخُلْفِ ويَكُونُ خاتِمَةُ دُعائِهِمْ أنْ يَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ نَعْتًا لَهُ تَعالى شَأْنُهُ بِصِفاتِ الإكْرامِ إثْرَ نَعْتِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والمَعْنى دُعاؤُهم مُنْحَصِرٌ فِيما ذُكِرَ إذْ لَيْسَ لَهم مَطْلَبٌ مُتَرَقَّبٌ حَتّى يُنَظِّمُوهُ في سِلْكِ الدُّعاءِ ولَعَلَّ تَوْسِيطَ ذِكْرِ تَحِيَّتِهِمْ عِنْدَ الحِكايَةِ بَيْنَ دُعائِهِمْ وخاتِمَتِهِ لِلتَّوَسُّلِ إلى خَتْمِ الحِكايَةِ بِالتَّحْمِيدِ تَبَرُّكًا مَعَ أنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ عَلى الإطْلاقِ انْتَهى وكَأنَّهُ أرادَ بِعَدَمِ كَوْنِ التَّحِيَّةِ أجْنَبِيَّةً عَلى الإطْلاقِ كَوْنَها دُعاءً مَعْنًى وكَلامُهُ نَصٌّ في أنَّ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ مُخالِفٌ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ولا يَخْفى أنَّ تَوْجِيهَ تَوْسِيطِ ذِكْرِ التَّحِيَّةِ بِما ذَكَرَهُ مِمّا لا يَكادُ يَرْتَضِيهِ مُنْصِفٌ عَلى أنَّهُ غَفَلَ هو وسائِرُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ تَوْجِيهِ اسْمِيَّةِ الجُمَلِ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском