Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:81–87
10:81Page 218
فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١
And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allāh will expose its worthlessness. Indeed, Allāh does not amend the work of corrupters.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا مِنَ العِصِيِّ والحِبالِ واسْتَرْهَبُوا النّاسَ وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿قالَ﴾ لَهم ﴿مُوسى﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ وبِما صَنَعُوا ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ (ما) مَوْصُولَةٌ وقَعَتْ مُبْتَدَأً و(السِّحْرُ) خَبَرٌ وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والتَّعْرِيفِ لِإفادَةِ القَصْرِ إفْرادًا أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ لا الَّذِي سَمّاهُ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى سِحْرًا وهو لِلْجِنْسِ ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِتَقَدُّمِ السِّحْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ ورَدَ بِأنَّ شَرْطَ كَوْنِها لِلْعَهْدِ اتِّحادُ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ ذاتًا كَما في ﴿أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ولا اتِّحادَ فِيما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ السِّحَرالمُتَقَدِّمَ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا ما جاءَ بِهِ السَّحَرَةُ ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ اشْتِراطَ الِاتِّحادِ الذّاتِيِّ مُدَّعِيًا أنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ كافٍ فَقَدْ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ مَعَ أنَّ السَّلامَ الواقِعَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ السَّلامِ الواقِعِ عَلى يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ ذاتًا والظّاهِرُ اشْتِراطُ ذَلِكَ وعَدَمُ كِفايَةِ الِاتِّحادِ في الجِنْسِ وإلّا لَصَحَّ في رَأيْتُ رَجُلًا وأكْرَمْتُ الرَّجُلَ إذا كانَ الأوَّلُ زَيْدًا والثّانِي عَمْرًا مَثَلًا أنْ يُقالَ: إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِأنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ ظاهِرٌ ولَمْ نَجِدْ مَن يَقُولُهُ بَلْ لا أظُنُّ أحَدًا تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ وما في الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ بَلِ المُغايِرَةُ بَيْنَ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ أظْهَرُ إذِ الأوَّلُ سِحْرٌ ادِّعائِيٌّ والثّانِي حَقِيقِيٌّ و(السَّلامُ) فِيما قَلَوْا مُتَحِدٌّ، وتَعَدُّدُ مَن وقَعَ عَلَيْهِ لا يَجْعَلُهُ مُتَعَدِّدًا في العُرْفِ والتَّدْقِيقُ الفَلْسَفِيُّ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في مِثْلِ ذَلِكَ.
وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلْعَهْدِ مَعَ دَعْوى اسْتِفادَةِ القَصْرِ مِنهُ مِمّا يَتَنافَيانِ لِأنَّ
صفحة 167
القَصْرَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ نَعَمْ إذا لَمْ يُرِدْ بِالنَّكِرَةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا مُعَيَّنَ ثُمَّ عُرِّفَتْ لا يُنافِي التَّعْرِيفُ الجِنْسِيَّةَ لِأنَّ النَّكِرَةَ تُساوِي تَعْرِيفَ الجِنْسِ فَحِينَئِذٍ لا يُنافِي تَعْرِيفُ العَهْدِ القَصْرَ وإنْ كانَ كَلامُهم يُخالِفُهُ ظاهِرًا فَلْيُحَرَّرِ انْتَهى.
وأقُولُ: دَعْوى الفَرّاءِ العَهْدَ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ولَعَلَّهُ أرادَ الجِنْسَ وإنْ عَبَّرَ بِالعَهْدِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في هَمْعِ الهَوامِعِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عُصْفُورٍ أنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُسَمّى الألِفُ واللّامُ اللَّتانِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ عَهْدِيَّتَيْنِ لِأنَّ الأجْناسَ عِنْدَ العُقَلاءِ مَعْلُومَةٌ مُذْ فَهِمُوها والعَهْدُ تُقَدِّمُ المَعْرِفَةَ. وادَّعى أبُو الحَجّاجِ يُوسُفُ بْنُ مَعْزُوزٍ أنَّ ألْ لا تَكُونُ إلّا عَهْدِيَّةً وتَأوَّلَهُ بِنَحْوِ ما ذَكَرَ إلّا أنَّ ظاهِرَ التَّعْلِيلِ لا يُساعِدُ ذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (سِحْرٌ) بِالتَّنْكِيرِ وأُبَيٌّ (ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا لَكِنْ بِواسِطَةِ التَّعْرِيضِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وجُوِّزَ في (ما) في جَمِيعِ هَذا القِراءاتِ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً و(السِّحْرُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (آلسِّحْرُ) بِقَطْعِ الألِفِ ومَدِّها عَلى الِاسْتِفْهامِ فَما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ عَلى الِابْتِداءِ و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ خَبَرُها و(السِّحْرُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ شَيْءٌ جَسِيمٌ جِئْتُمْ بِهِ أهُوَ السِّحْرُ أوِ السِّحْرُ هُوَ، وقَدْ يُجْعَلُ السِّحْرُ بَدَلًا مِن (ما) كَما تَقُولُ ما عِنْدَكَ أدِينارٌ أمْ دِرْهَمٌ، وقَدْ تُجْعَلُ (ما) نَصْبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بَعْدَها أيْ أيُّ شَيْءٍ أتَيْتُمْ بِهِ و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ مُفَسِّرٌ لَهُ وفي (السِّحْرُ) الوَجْهانِ الأوَّلانِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أيْ أهُوَ السِّحْرُ أوِ السِّحْرُ هو خَبَرُهُ وفِيهِ الإخْبارُ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ لِأنَّ ما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا.
﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيْ مِنَ المُعْجِزَةِ فَلا يَبْقى لَهُ أثَرٌ أصْلًا أوْ سَيَظْهَرُ بُطْلانُهُ وفَسادُهُ لِلنّاسِ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ 81﴾ أيْ جِنْسَهم عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِ السَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُفْسِدِينَ المُخاطَبُونَ فَيَكُونُ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإفْسادِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ والمُرادُ بِعَدَمِ إصْلاحِ ذَلِكَ عَدَمُ إثْباتِهِ أوْ عَدَمُ تَقْوِيَتِهِ بِالتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ لا عَدَمُ جَعْلِ الفاسِدِ صالِحًا لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُثْبِتُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ولا يُدِيمُهُ بَلْ يُزِيلُهُ ويَمْحَقُهُ أوْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُؤَيِّدُهُ بَلْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ ويَجْعَلُهُ مَعْلُومًا.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ إفْسادٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ السِّحْرَ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَحْثًا، والحَقُّ أنَّ مِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ ومِنهُ ما هو تَخَيُّلٌ باطِلٌ ويُسَمّى شَعْبَذَةً وشَعْوَذَةً
10:82Page 218
وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨٢
And Allāh will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."
﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ أيْ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَقامَيْنِ لِإلْقاءِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيْ بِأوامِرِهِ وقَضاياهُ، وعَنِ الحَسَنِ أيْ بِوَعْدِهِ النَّصْرَ لِمَن جاءَ بِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يُخْلِفُ ذَلِكَ، وعَنِ الجِبائِيِّ أيْ بِما يُنْزِلُهُ مُبَيِّنًا لِمَعانِي الآياتِ الَّتِي أتى بِها نَبِيُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقُرِئَ (بِكَلِمَتِهِ) وفُسِّرَتْ بِالأمْرِ واحِدِ الأوامِرِ حَسْبَما فُسِّرَتِ الكَلِماتُ بِالأوامِرِ وأُرِيدَ مِنها الجِنْسُ فَيَتَطابَقُ القِراءَتانِ وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها قَوْلُ كُنْ وأنْ يُرادَ بِها الأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ ويُرادَ بِالكَلِماتِ الأُمُورُ والشُّؤُونُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ 82﴾ ذَلِكَ والمُرادُ بِهِمْ كُلُّ مَنِ اتَّصِفَ بِالإجْرامِ مِنَ السَّحَرَةِ وغَيْرِهِمْ
10:83Page 218
فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣
But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.
﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ فُصِّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أيْ
صفحة 168
﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ إلَخْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ذَلِكَ وإيثارًا لِلْإيجازِ وإيذانًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ مَما لا يَحْتَمِلُ الخُلْفَ أصْلًا ولَعَلَّ عَطْفَهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ بِاعْتِبارِ الإيجابِ الحادِثِ الَّذِي هو أحَدُ مَفْهُومَيْ الحَصْرِ فَإنَّهم قالُوا: مَعْنى ما قامَ إلّا زِيدٌ قامَ زَيْدٌ ولَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ وبَعْضُهم لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ عَطْفَهُ بِالفاءِ عَلى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عَدَمًا مُسْتَمِرًّا مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ وما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِحَسْبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ أيْ فَما آمَنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَبْدَأِ أمْرِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ أيْ إلّا أوْلادُ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ فالمُرادُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الشُّبّانُ لا الأطْفالُ.
و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلِابْتِداءِ والتَّبْعِيضُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّنْوِينِ والضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِفِرْعَوْنَ وبِهِ قالَ جَمْعٌ فالمُؤْمِنُونَ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِنهم زَوْجَتُهُ آسِيَةُ وماشِطَتُهُ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ والخازِنُ وامْرَأتُهُ وفي إطْلاقِ الذَّرِّيَّةِ عَلى هَؤُلاءِ نَوْعُ خَفاءٍ ورَجَّحَ بَعْضُهم إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وبِأنَّ المُناسِبَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ الإضْمارُ فِيما بَعْدُ ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّ المَعْرُوفَ في القَصَصِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في قَهْرِ فِرْعَوْنَ وكانُوا قَدْ بُشِّرُوا بِأنَّ خَلاصَهم عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَكُونُ نَبِيًّا صِفَتُهُ كَذا كَذا، فَلَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّبَعُوهُ ولَمْ يُعْرَفْ أنَّ أحَدًا مِنهم خالَفَهُ فالظّاهِرُ القَوْلُ الثّانِي وما ذُكِرَ مِن أنَّ المُحَدِّثَ عَنْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يُقابِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الكَلامَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُمُ القائِلُونَ إنَّهُ ساحِرٌ ولِأنَّ وعْظَ أهْلِ مَكَّةَ وتَخْوِيفَهُمُ المَسُوقَ لَهُ الآياتُ قاضٍ بِأنَّ المَقْصُودَ هُنا شَرْحُ أحْوالِهِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ لِلْبَحْثِ في هَذا مَجالًا والمَعْرُوفُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا لا يَضُرُّ القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ فَما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أخْفَوْهُ ولَمْ يُظْهِرُوهُ ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ حالٌ مِن ذُرِّيَّةٍ و﴿عَلى﴾ بِمَعْنى مَعَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ كائِنِينَ مَعَ خَوْفٍ عَظِيمٍ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ والجَمْعُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ عَلى ما هو المُعْتادُ في ضَمائِرِ العُظَماءِ ورَدَ بِأنَّ الوارِدَ في كَلامِ العَرَبِ الجَمْعُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَنَحْنُ وضَمِيرِ المُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ وقَوْلِهِ: ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ. ولَمْ يُنْقَلْ في ضَمِيرِ الغائِبِ كَما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ، وأُجِيبُ بِأنَّ الثَّعالِبِيَّ والفارِسِيَّ نَقَلاهُ في الغائِبِ أيْضًا والمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي وبِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَعْظِيمَ فِرْعَوْنَ فَإنْ كانَ عَلى زَعْمِهِ وزَعْمِ قَوْمِهِ فَإنَّما يَحْسُنُ في كَلامٍ ذُكِرَ أنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنْهم ولَيْسَ فَلَيْسَ. ويُجابُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّعْظِيمِ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ المُتَعَدِّدِ، وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ في حَيِّزِ المَنعِ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ عِظَمِ الخَوْفِ المُتَضَمِّنِ زِيادَةَ مَدْحِ المُومِنِينَ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ وارِدٌ عَلى عادَتِهِمْ في مُحاوَراتِهِمْ في مُجَرَّدِ جَمْعِ ضَمِيرِ العُظَماءِ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ التَّعْظِيمُ أصْلًا فَتَأمَّلْهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فِرْعَوْنَ﴾ آلُهُ كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا إنَّما عُرِفَ في القَبِيلَةِ وأبِيها إذْ يُطْلَقُ اسْمُ الأبِ عَلَيْهِمْ وفِرْعَوْنُ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ، عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ إطْلاقَ أبِي نَحْوَ القَبِيلَةِ عَلَيْها لا يَجُوزُ ما لَمْ يُسْمَعْ ويَتَحَقَّقْ جَعْلُهُ عَلَمًا لَها ألا تَراهم لا يَقُولُونَ:
صفحة 169
فُلانٌ مِن هاشِمٍ ولا مِن عَبْدِ المُطَّلِبِ بَلْ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَكَيْفَ يُرادُ مِن فِرْعَوْنَ آلُهُ ولَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ جَعْلُهُ عَلَمًا لَهُمْ، ودَعْوى التَّحَقُّقِ هُنا أوَّلُ المَسْألَةِ فالقَوْلُ بِأنَّ الجَمْعَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ آلُهُ كَرَبِيعَةَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنْ يُرادَ أنَّ فِرْعَوْنَ ونَحْوَهُ مِنَ المُلُوكِ إذا ذُكِرَ خَطَرَ بِالبالِ خَطَرُ أتْباعِهِ مَعَهُ فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ما في الذِّهْنِ، وتَمْثِيلُهُ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ نُطِيرُهُ في الجُمْلَةِ ثُمَّ إنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ مِن فِرْعَوْنَ آلُهُ يَنْبَغِي أنْ يُرادَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ عَلى التَّغْلِيبِ وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ آلَ فِرْعَوْنَ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ وفِيهِ أنَّ الحَذْفَ يَعْتَمِدُ القَرِينَةَ ولا قَرِينَةَ هُنا وضَمِيرُ الجَمْعِ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ كَما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَلا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ قَرِينَةً وأمّا أنَّ المَحْذُوفَ لا يَعُودُ إلَيْهِ ضَمِيرٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ فَلَيْسَ بِذاكَ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّهُ لا يَعُودُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وإنْ أُرِيدَ إذا حُذِفَ لِقَرِينَةٍ فَمَمْنُوعٌ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ في قُوَّةِ المَذْكُورِ وقَدْ كَثُرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وقَرِيبٌ مِن هَذا القِيلِ زَعَمَ أنَّ هُناكَ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا إلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما قِيلَ: إنَّ هَذا الحَذْفَ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلذُّرِّيَّةِ أوْ لِلْقَوْمِ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمُ أوْ عَلى أنْفُسِهِمُ أوْ مِن أشْرافِ القِبْطِ ورُؤَسائِهِمْ حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَهم انْتِصارًا لِفِرْعَوْنَ، ولَعَلَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ رُجُوعُهُ إلى الذُّرِّيَّةِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهم آمَنُوا عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ قَوْمِهِمُ ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ يَبْتَلِيَهم ويُعَذِّبَهُمْ، وأصْلُ الفِتَنِ كَما قالَ الرّاغِبُ: إدْخالُ الذَّهَبِ النّارَ لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِن رَداءَتِهِ واسْتُعْمِلَ في إدْخالِ الإنْسانِ النّارَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ويُسَمّى ما يَحْصُلُ مِنهُ العَذابُ فِتْنَةً ويُسْتَعْمَلُ في الِاخْتِبارِ وبِمَعْنى البَلاءِ والشِّدَّةِ وهو المُرادُ هُنا، و(أنْ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ فِتْنَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ﴿خَوْفٍ﴾ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ كَثُرَ إعْمالُهُ وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والأصْلُ لِأنْ يَفْتِنَهم فَحَذَفَ الجارَّ وهو مِمّا يَطَّرِدُ فِيهِ الحَذْفُ ولا يَضُرُّ في مِثْلِ هَذا عَدَمُ اتِّحادِ فاعِلِ المَصْدَرِ والمَعَلَّلِ بِهِ عَلى أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِ الأئِمَّةِ عَدَمُ اشْتِراطِ ذَلِكَ في جَوازِ النَّصْبِ وإلَيْهِ مالَ الرَّضِيُّ وأيَّدَهُ بِما ذَكَرْناهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ خاصَّةً لِأنَّهُ مَدارُ أمْرِ التَّعْذِيبِ، وفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ في رَأْيٍ حَيْثُ أُرِيدَ مِن فِرْعَوْنَ أوَّلًا آلُهُ وثانِيًا هو وحْدَهُ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ.
﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لَغالِبٌ قاهِرٌ في أرْضِ مِصْرَ، واسْتِعْمالُ العُلُوِّ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ مَجازٌ مَعْرُوفٌ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ 83﴾ أيِ المُتَجاوِزِي الحَدَّ في الظُّلْمِ والفَسادِ بِالقَتْلِ وسَفْكِ الدِّماءِ أوْ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ واسْتَرْقَ أسْباطَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ وفِيهِما مِنَ التَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى
10:84Page 218
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤
And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."
﴿وقالَ مُوسى﴾ لَما رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ صَدَّقْتُمْ بِهِ وبِآياتِهِ ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ أيِ اعْتَمِدُوا لا عَلى أحَدٍ سِواهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكم كُلَّ شَرٍّ وضُرٍّ
صفحة 170
﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 84﴾ أيْ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلْ مِن تَعْلِيقِ شَيْئَيْنِ بِشَرْطَيْنِ لِأنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ التَّوَكُّلِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ وتَقْدِيمِ المُتَعَلِّقِ بِالإيمانِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ وعَلَّقَ نَفْسَ التَّوَكُّلِ ووُجُودِهِ بِالإسْلامِ والإخْلاصِ لِأنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّخْلِيطِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَإنَّ وُجُوبَ الإجابَةِ مُعَلَّقٌ بِالدَّعْوَةِ ونَفْسَ الدَّعْوَةِ مُعَلَّقَةٌ بِالقُدْرَةِ، وحاصِلُهُ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيْكُمُ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فافْعَلُوهُ واتَّصِفُوا بِهِ إنْ كُنْتُمْ مُسْتَسْلِمِينَ لَهُ تَعالى.
وهَذا النَّوْعُ عَلى ما في الكَشْفِ يُفِيدُ مُبالِغَةً في تُرَتِّبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ عَلى نَحْوِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كُنْتِ زَوْجَتِي. وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطَيْنِ المُقْتَضِي لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ في الوُجُودِ حَتّى لَوْ قالَ: إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَأنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ لَمْ تُطَلَّقْ ما لَمْ تَدْخُلْ قَبْلَ الكَلامِ لِأنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ شَرْطٌ لِلْأوَّلِ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ، وقَرَّرَهُ بِأنَّ هَهُنا ثَلاثَةُ أشْياءَ: الإيمانُ والتَّوَكُّلُ والإسْلامُ والمُرادُ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ وبِالتَّوَكُّلِ إسْنادُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وبِالإسْلامِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقَطْعُ الأسْبابِ فَعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ تَعْلِيقِهِ بِالإسْلامِ لِأنَّ الجَزاءَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ وتَفْسِيرٌ لِلْجَزاءِ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ تَعالى وآياتِهِ فَخُصُّوهُ سُبْحانَهُ بِإسْنادِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلَيْهِ وذَلِكَ لا يَتَحَصَّلُ إلّا بَعْدَ أنْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مُسْتَسْلِمِينَ بِأنْفُسِكم لَهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيكم نَصِيبٌ وإلّا فاتْرُكُوا أمْرَ التَّوَكُّلِ.
ويُعْلَمُ مِنهُ أنْ لَيْسَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُومِنِينَ الخَوْضُ في التَّوَكُّلِ بَلْ لِلْآحادِ مِنهم وأنَّ مَقامَ التَّوَكُّلِ دُونَ مَقامِ التَّسْلِيمِ، والأكْثَرُ عَلى الأوَّلِ ولَعَلَّهُ أدَقُّ نَظَرًا
10:85Page 218
فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥
So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people
﴿فَقالُوا﴾ مُجِيبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وبَلْعِ رِيقٍ في ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ويُؤْخَذُ مِن هَذا القَصْرِ والتَّعْبِيرِ بِالماضِي دُونَ نَتَوَكَّلُ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ قِيلَ: ولِذا أُجِيبَ دُعاؤُهم ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ 85﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ وعَذابٍ لَهم بِأنْ تُسَلِّطَهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا أوْ يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا أوْ يُفْتَنُوا بِنا ويَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أُصِيبُوا
10:86Page 218
وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦
And save us by Your mercy from the disbelieving people."
﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ دُعاءٌ بِالإنْجاءِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ بَعْدَ الإنْجاءِ مِن ظُلْمِهِمْ، ولِذا عَبَّرَ عَنْهم بِالكُفْرِ بَعْدَ ما وُصِفُوا بِالظُّلْمِ فَفِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ المَلَأُ الَّذِينَ تَخَوَّفُوا مِنهم ومِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ وإنْ كانَ بَيانًا لِامْتِثالِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ الدّاعِيَ حَقُّهُ أنْ يَبْنِيَ دُعاءَهُ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ أرْجى لِلْإجابَةِ ولا يَتَوَهَّمَنَّ أنَّ التَّوَكُّلَ مُنافٍ لِلدُّعاءِ لِأنَّهُ أحَدُ الأسْبابِ لِلْمَقْصُودِ، والتَّوَكُّلُ قَطْعُ الأسْبابِ لِأنَّ المُرادَ بِذاكَ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ العادِيَّةِ وقِصَرُهُ عَلى مُسَبِّبِها عَزِّ وجَلَّ واعْتِقادُ أنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الشَّخْصَ إذا تَعاطى الأسْبابَ مُعْتِقَدًا ذَلِكَ يُعَدُّ مُتَوَكِّلًا أيْضًا، ومِثْلُ التَّوَكُّلِ في عَدَمِ المُنافاةِ لِلدُّعاءِ عَلى ما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ الِاسْتِسْلامُ نَعَمْ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِسْلامَ مِن صِفاتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن آثارِهِ تَرْكُ الدُّعاءِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ واكْتِفاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِلْمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، ما يُشْعِرُ بِالمُنافاةِ، ومَن عَرَفَ المَقاماتِ وأمْعَنَ النَّظَرَ هانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجَمْعِ
10:87Page 218
وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧
And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ
صفحة 171
تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والتَّبَوُّءُ اتِّخاذُ المُباءَةِ أيِ المَنزِلِ كالتَّوَطُّنِ اتِّخاذُ الوَطَنِ، والجُمْهُورُ عَلى تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ ومِنهم مَن قَرَأ (تَبَوَّيا ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ فَجَعَلَها ياءً وهي مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا والفِعْلُ عَلى ما قِيلَ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ فَيُقالُ: تَبَوَّأ زَيْدٌ كَذا لَكِنْ إذا أُدْخِلَتِ اللّامُ عَلى الفاعِلِ فَقِيلَ: تَبَوَّأ لِزَيْدٍ كَذا تَعَدّى لَمّا كانَ فاعِلًا بِاللّامِ فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وخَرَجَتِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ فَلِقَوْمِكُما أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ و﴿لِقَوْمِكُما﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ البُيُوتِ، واللّامُ عَلى الوَجْهَيْنِ غَيْرُ زائِدَةٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِاثْنَيْنِ واللّامُ زائِدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وفَعَلَ وتَفَعَّلَ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى مِثْلَ عَلَّقْتُها وتَعَلَّقْتُها، والتَّقْدِيرُ بَوِّئا قَوْمَكُما بُيُوتًا يَسْكُنُونَ فِيها أوْ يَرْجِعُونَ إلَيْها لِلْعِبادَةِ. و(مِصْرَ) غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ مُؤَنَّثُ مَعْرِفَةٍ ولَوْ صَرَفْتَهُ لِخِفَّتِهِ كَما صَرَفْتَ هِنْدًا لَكانَ جائِزًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِتَبَوَّآ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿بُيُوتًا﴾ أوْ مِن قَوْمِكُما أوَ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (تَبَوَّآ) وفِيهِ ضَعْفٌ ﴿واجْعَلُوا﴾ أنْتُما وقَوْمُكُما فَفِيهِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى غَيْرِهِ ﴿بُيُوتَكُمْ﴾ تِلْكَ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ ﴿قِبْلَةً﴾ أيْ مُصَلًّى وقِيلَ: مَساجِدُ مُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَ القِبْلَةِ يَعْنِي الكَعْبَةَ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلَيْها، وعَلى التَّفْسِرَيْنِ تَكُونُ القِبْلَةُ مَجازًا فِيما فُسِّرَتْ بِهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أوِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، والِاخْتِلافُ في المُرادِ هُنا ناظِرٌ لِلِاخْتِلافِ في أنَّ تِلْكَ البُيُوتَ المُتَّخَذَةَ هَلْ لِلسُّكْنى أوْ لِلصَّلاةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فالقِبْلَةُ مَجازٌ عَنِ المُصَلّى وإنْ كانَ الثّانِي فَهي مَجازٌ عَنِ المَساجِدِ.
واعْتُرِضَ القَوْلُ بِحَمْلِ القِبْلَةِ عَلى المَساجِدِ المُتَوَجِّهَةِ إلى الكَعْبَةِ بِأنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ والنَّصارى مَطْلِعَ الشَّمْسِ ولَمْ يَشْتَهِرْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ في صَلاتِهِ فالقَوْلُ بِهِ غَرِيبٌ وأغْرَبُ مِنهُ ما قالَهُ العَلائِيُّ: مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَتْ قِبْلَتَهم كُلَّهُمُ الكَعْبَةُ قِيلَ: وجَعْلُ البُيُوتِ مُصَلًّى يُنافِيهِ ما في الحَدِيثِ: جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا. مِن أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في كَنائِسِهِمْ، وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ مَحَلَّهُ إذا لَمْ يُضْطَرُّوا فَإذا اضُطِرُّوا جازَتْ لَهُمُ الصَّلاةُ في بُيُوتِهِمْ كَما رَخَّصَ لَنا صَلاةَ الخَوْفِ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى خَرَّبَ مَساجِدَهم ومَنَعَهم مِنَ الصَّلاةِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ صَلُّوا في بُيُوتِكم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا مُنافاةَ أصْلًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ تَعْيِينُ البُيُوتِ لِلصَّلاةِ وعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلاةِ في غَيْرِها فَيَكُونُ حُكْمُها إذْ ذاكَ حُكْمَ الكَنائِسِ اليَوْمَ وما هو مِنَ الخَصائِصِ صِحَّةُ الصَّلاةِ في أيْ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ وعَدَمُ تَعَيُّنِ مَوْضِعٍ مِنها لِذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى ما يُقالُ: مِن أنَّ اعْتِبارَ جَعْلِ الأرْضَ كُلِّها مَسْجِدًا خُصُوصِيَّةٌ بِالنَّظَرِ إلى ما اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَعَيُّنِ الصَّلاةِ في الكَنائِسِ وعَدَمِ جَوازِها في أيِّ مَكانٍ أرادَهُ المُصَلِّي مِنَ الأرْضِ وما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِقْبالِ اليَهُودِ الصَّخْرَةَ فالمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وأمّا قَبْلَ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ فَكانُوا يَسْتَقْبِلُونَ التّابُوتَ وكانَ يُوضَعُ في قُبَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ الِاسْتِقْبالَ في بَيْتِ المَقْدِسِ كانَ لِلتّابُوتِ أيْضًا وكانُوا يَضَعُونَهُ عَلى الصَّخْرَةِ فَيَكُونُ اسْتِقْبالُهُ اسْتِقْبالَها وأمّا اسْتِقْبالُهم في مِصْرَ فَيَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ لِلْكَعْبَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وما في الحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلى آخِرِ أحْوالِهِمْ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ لِلصَّخْرَةِ حَسْبَما هو اليَوْمَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿قِبْلَةً﴾ مُتَقابِلَةٌ ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيِ اجْعَلُوا بُيُوتَكم يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فِيها قِيلَ: أُمِرُوا بِذَلِكَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ لِئَلّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ فَيُؤْذُونَهم ويَفْتِنُونَهم
صفحة 172
فِي دِينِهِمْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالبُيُوتِ المَساكِنُ أمّا لَوْ أُرِيدَ بِها المَساجِدُ فَلا يَصِحُّ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ التَّوْجِيهَ عَلى ذَلِكَ هو أنَّهم أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لِيَسْتَعِينُوا بِبَرَكَتِها عَلى مَقْصُودِهِمْ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وهي في المَساجِدِ أفْضَلُ فَتَكُونُ أرْجى لِلنَّفْعِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ 87﴾ بِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ وقِيلَ: بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا إجابَةً لِدَعْوَتِهِمْ والجَنَّةِ في العُقْبى وإنَّما ثَنّى الضَّمِيرَ أوَّلًا لِأنَّ التَّبَوُّءَ لِلْقَوْمِ واتِّخاذَ المَعابِدِ مِمّا يَتَوَلّاهُ رُؤَساءُ القَوْمِ بِتَشاوُرٍ، ثُمَّ جَمَعَ ثانِيًا لِأنَّ جَعْلَ البُيُوتِ مَساجِدَ والصَّلاةَ فِيها مِمّا يَفْعَلُهُ كُلُّ أحَدٍ مَعَ أنَّ في إدْخالِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ القَوْمِ في الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ تَرْغِيبًا لَهم في الِامْتِثالِ ثُمَّ وحَّدَ ثالِثًا لِأنَّ بِشارَةَ الأُمَّةِ وظِيفَةُ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ وهي مِنَ الأعْظَمِ أسَرُّ وأوْقَعُ في النَّفْسِ، ووَضَعَ المْؤُمِنِينَ مَوْضِعَ القَوْمِ لِمَدْحِهِمْ بِالإيمانِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَدارُ في التَّبْشِيرِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences