Al-AlusiHud · 11:100–106

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:100–106

11:100Page 233

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠

That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَصَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ وبَعْدَهُ بِاعْتِبارِ تَقَضِّيهِ أوْ بِاعْتِبارِ ما قِيلَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ المُهْلِكَةِ بِما جَنَتْهُ أيْدِي أهْلِها فَألْ فِيها لِلْعَهْدِ السّابِقِ تَقْدِيرًا بِذِكْرِ أرْبابِها ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أيْ ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِن أنْباءِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وهَذا هو الخَبَرُ، وجَوَّزَ أيْضًا عَكْسَ ذَلِكَ ﴿مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ أيْ ومِنها حَصِيدٌ، فالعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى كَما لا يَخْفى، وقَدْ شَبَّهَ ما بَقِيَ مِنها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ، وما عَفا وبَطَلَ بِالحَصِيدِ، فالمَعْنى مِنها باقٍ، ومِنها عافٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿قائِمٌ﴾ لَمْ يُخْسَفْ ﴿وحَصِيدٌ﴾ قَدْ خُسِفَ، قِيلَ: ﴿وحَصِيدٌ﴾ الزَّرْعُ جاءَ في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الفَناءِ كَما في قَوْلِهِ:

والنّاسُ في قِسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم (كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ)

صفحة 136

وصِيغَةُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَحْصُودٌ كَما قالَ الأخْفَشُ وجَمْعُهُ حَصْدى، وحِصادٌ مِثْلُ مَرْضى ومِراضٌ، وجُمْلَةُ ﴿مِنها قائِمٌ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِلتَّحْرِيضِ عَلى النَّظَرِ في ذَلِكَ والِاعْتِبارِ بِهِ، أوْ بَيانِيًّا كَأنَّهُ سُئِلَ لَمّا ذُكِرَتْ ما حالُها؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقْصِهِ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَها حالًا مِنَ القُرى، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ جَعْلَها حالًا مِن ضَمِيرِ نَقَصَهُ فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِنَ القُرى كَذَلِكَ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أرادَ بِالفَسادِ اللَّفْظِيِّ في الأوَّلِ خُلُوَّ الجُمْلَةِ مِنَ الواوِ والضَّمِيرِ، وفي الثّانِي مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ الصُّوَرِ المَعْهُودَةِ، وبِالفَسادِ المَعْنَوِيِّ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَقْصُوصِ بَلْ هو حالٌ خارِجَةٌ عَنْها ولَيْسَ بِمُرادٍ، ولا يَسُوغُ جَعْلُ ما بَعْدَهُ ابْتِداءَ المَقْصُوصِ، وفِيهِ فَسادٌ لَفْظِيٌّ أيْضًا.

وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ أرادَ بِالفَسادِ الأوَّلِ في الأوَّلِ ما ذَكَرَ، وفي الثّانِي وُقُوعَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ حالًا بِالضَّمِيرِ وحْدَهُ وبِالضَّمِيرِ تَخْصِيصُ كَوْنِها مَقْصُوصَةً بِتِلْكَ الحالَةِ، فَإنَّ المَقْصُوصِيَّةَ ثابِتَةٌ لَها ولِلنَّبَأِ وقْتَ قِيامِ بَعْضِها أيْضًا، وقَدْ أصابَ بَعْضًا وأخْطَأ بَعْضًا، ووَجَّهَ الجَلْبِيُّ الخُلُوَّ عَنِ الواوِ والضَّمِيرِ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الضَّمِيرِ الرَّبْطُ وهو حاصِلٌ لِارْتِباطِ ذَلِكَ بِمُتَعَلِّقِ ذِي الحالِ وهي القُرى، فالمَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالَةِ تُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى بِها، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الِاكْتِفاءَ في الرَّبْطِ بِما ذَكَرَ مَعَ خَفائِهِ مَذْهَبٌ تَفَرَّدَ بِهِ الأخْفَشُ ولَمْ يَذْكُرْهُ في الحالِ وإنَّما ذَكَرَهُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ الحالَ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرَبَ المَثَلَ لِلْحاضِرِينَ مَعَ ما سَمِعْتَ نَفْعًا، والحَقُّ أنَّهُ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ إلّا الذُّهُولَ

11:101Page 233

وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١

And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.

﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرى مُرادًا بِها أهْلُها وقَدْ أُرِيدَ مِنها أوَّلًا حَقِيقَتُها، فَفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ القُرى لِأنَّ هُناكَ مُضافًا مُقَدَّرًا أيْ ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى؛ والضَّمائِرُ مِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ، ومِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ إلَيْهِ، ومَتى وضَحَ الأمْرُ جازَ مِثْلُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: القُرى عَلى ظاهِرِها وإسْنادُ الأنْباءِ إلَيْها مَجازٌ، وضَمِيرُ ( مِنها ) لَها وضَمِيرُ ( ظَلَمْناهم ) لِلْأهْلِ المَفْهُومِ مِنها، وقِيلَ: ( القُرى ) مُجازٌ عَلى أهْلِها، والضَّمِيرانِ راجِعانِ إلَيْها بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، أوْ يُقَدَّرُ المُضافُ والضَّمِيرانِ لَهُ أيْضًا، وعَلى هَذا خَرَجَ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أنَّ مَعْنى ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها باقٍ نَسْلُهُ، ومِنها مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ إيذانٌ بِإهْلاكِ الأهْلِ فَيَكُونُ المَعْنى هُنا وما ظَلَمْناهم بِإهْلاكِنا إيّاهم ﴿ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ اقْتَرَفُوا بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم ولا دَفَعَتْ بَأْسَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ أيْ يَعْبُدُونَها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُوثِرَ صِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمْ لَها ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ –فَما- نافِيَةٌ لا اسْتِفْهامِيَّةٌ -وإنْ جَوَّزَهُ السَّمِينُ- وتَعَلُّقُ عَنْ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدَّفْعِ، و(مِنِ) الأخِيرَةُ صِلَةٌ ومَجْرُورُها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِلدَّفْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ حِينَ مَجِيءِ عَذابِهِ مَنصُوبٌ –بِأغْنَتْ- وهَذا -عَلى ما في البَحْرِ- بِناءً عَلى خِلافِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبِ.

وقُرِئَ -آلِهَتُهُمُ اللّاتِي- و( يَدْعُونَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو وصْفٌ لِلْآلِهَةِ كالَّتِي في المَشْهُورَةِ، وفِيهِ مُطابَقَةٌ

صفحة 137

لِلْمَوْصُوفِ لَيْسَتْ في (الَّتِي) لَكِنْ قِيلَ -كَما في جَمْعِ الجَوامِعِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ- إنَّ الَّتِي في جَمْعٍ غَيْرِ عالِمٍ أكْثَرُ مِنَ اللّاتِي، نَعَمْ إنَّ الآلِهَةَ قَدْ عُومِلَتْ في الآيَةِ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ لِأنَّ عَبَدَتَها نَزَّلُوها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها تَنْفَعُ وتَضُرُّ، فَقِيلَ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ اللّاتِي في تِلْكَ القِراءَةِ واقِعٌ مَوْقِعَ الأُلى أوِ الَّذِينَ، و–التَّتْبِيبُ- عَلى ما في البَحْرِ التَّخْسِيرُ، يُقالُ: تَبَّ خَسِرَ، وتَبَّبَهُ خَسِرَهُ.

وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ التَّبَّ الخُسْرانُ والهَلاكُ، والتَّتْبِيبَ الإهْلاكُ، وفي القامُوسِ التَّبُّ والتَّبَبُ والتِّبابُ والتَّتْبِيبُ النَّقْصُ والخَسارُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِالتَّخْسِيرِ، وكَذا أخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمٍ:

هم جَدَعُوا الأُنُوفَ فَأذْهَبُوها وهم تَرَكُوا بَنِي سَعْدٍ تِبابًا

وحِينَئِذٍ فالمَعْنى فَما زادُوهم غَيْرَ تَخْسِيرٍ أوْ خَسارَةٍ لِنُفُوسِهِمْ حَيْثُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ الدّائِمَ عَلى عِبادَتِهِمْ لَها نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ.

11:102Page 233

وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢

And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ والإهْلاكِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، وهو عَلى ما قالَ السَّمِينُ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، والكافُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً وأنْ تَكُونَ حَرْفِيَّةً، وقَدْ يُجْعَلُ المُشارُ إلَيْهِ الأخْذَ المَذْكُورَ بَعْدُ كَما تَحَقَّقَ قَبْلُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ.

﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ أهْلَها وإنَّما أسْنَدَ إلَيْها لِلْإشْعارِ بِسَرَيانِ أثَرِهِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) عَلى أنَّ أخَذَ رَبُّكَ فِعْلٌ وفاعِلٌ، والظَّرْفُ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ، وكَذَلِكَ عَلى هَذا سادٌّ مَسَدَّ المَصْدَرِ النَّوْعِيِّ ولا مانِعَ مِن تَقَدُّمِهِ عَلى الفِعْلِ، والقُرى مُتَنازَعٌ لِلْمَصْدَرِ والفِعْلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( القُرى ) ولِذا أنَّثَ الضَّمِيرَ و( ظالِمَةٌ ) إلّا أنَّ وصْفَ القُرى بِالظُّلْمِ مَجازٌ وهو في الحَقِيقَةِ صِفَةُ أهْلِها وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المُضافِ المُقَدَّرِ أوَّلًا وتَأْنِيثُهُ مُكْتَسَبٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ تُكَلُّفٌ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ الإشْعارُ بِأنَّ أخْذَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِن إنْذارِ الظّالِمِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِالظُّلْمِ إمّا الكُفْرُ أوْ ما هو أعَمُّ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أخْذًا مِن إطْلاقِهِ أنَّهُ شامِلٌ لِظُلْمِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وغَيْرَهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾ وجِيعٌ ﴿شَدِيدٌ﴾ لا يُرْجى مِنهُ الخَلاصُ وهَذا مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وآخَرُونَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾»

11:103Page 233

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣

Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ أخْذِهِ سُبْحانَهُ لِلْأُمَمِ المُهْلَكَةِ أوْ فِيما قَصَّ مِن أخْبارِهِمْ ﴿لآيَةً﴾ أيْ لَعَلامَةً، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالعِبْرَةِ لِما أنَّها تَلْزَمُها وهو حَسَنٌ؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فَإنَّهُ إذا رَأى ما وقَعَ في الدُّنْيا بِالمُجْرِمِينَ مِنَ العَذابِ الألِيمِ اعْتُبِرَ بِهِ حالُ العَذابِ المَوْعُودِ فَإنَّهُ عَصا مِن عَصِيِّهِ وقَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وانْزَجَرَ بِذَلِكَ عَنِ المَعاصِي الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العَذابُ وأكَبَّ عَلى التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أُقِيمَ (مَن خافَ) إلَخْ مَقامَ مَن صَدَّقَ بِذَلِكَ لِما بَيْنَهُما

صفحة 138

مِنَ اللُّزُومِ ولِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَنْشَأُ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرَ هَذا القَيْدَ لِأنَّ مَن أنْكَرَ الآخِرَةَ وأحالَ فَناءَ هَذا العالَمِ أسْنَدَ الحَوادِثَ إلى أسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ وأوْضاعٍ مَخْصُوصَةٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِذَلِكَ أصْلًا، ولَمْ يَنْزَجِرْ عَنِ الضَّلالَةِ قَطْعًا، وقالَ: إنَّ ما وقَعَ إنَّما وقَعَ لِهاتَيْكِ الأسْبابِ والأوْضاعِ لا لِلْمَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفَتْها الأُمَمُ المُهْلَكَةُ.

وقِيلَ: المُرادُ إنَّ فِيما ذُكِرَ دَلِيلًا عَلى عَذابِ المُجْرِمِينَ في الآخِرَةِ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِإجْرامِهِمْ -وهِيَ دارُ العَمَلِ- فَلَأنْ يُعَذَّبُوا في الآخِرَةِ عَلَيْهِ -وهِيَ دارُ الجَزاءِ- أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكَ بِاللَّهِ ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، وذَلِكَ أحَدُ الشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ فَيَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ فَلا بُدَّ أنْ يَقَعَ لا مَحالَةَ، والتَّقْيِيدُ بِما ذُكِرَ هُنا كالتَّقْيِيدِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وهو كَما تَرى (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الآخِرَةِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أيْ يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ، فالنّاسُ نائِبُ فاعِلِ مَجْمُوعٍ.

وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً و(مَجْمُوعٌ) خَبَرُهُ، وفِيهِ بُعْدٌ إذِ الظّاهِرُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعًا وعَدَلَ عَنِ الفِعْلِ -وكانَ الظّاهِرُ- لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى ثُبُوتِ مَعْنى الجَمْعِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ وأنَّ النّاسَ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ وإيضاحُهُ أنَّ في هَذا دَلالَةً عَلى لُزُومِ الوَصْفِ ولُزُومِ الإسْنادِ، وفي ذَلِكَ عَلى حُدُوثِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالمُخاطَبِينَ واخْتِصاصِهِ بِاليَوْمِ، ولِهَذا اسْتَدْرَكَهُ بِقَوْلِهِ: الجَمْعُ فَأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلى لُزُومِهِ لَهُ وإنَّما الحادِثُ جَمْعُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ دُفْعَةً ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ يَوْمُ القِيامَةِ مَعَ مُلاحَظَةِ عُنْوانِ جُمَعِ النّاسِ لَهُ ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ مَشْهُودٌ فِيهِ فاتَّسَعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ ووَصَلَ الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ:

ويَوْمًا شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا قَلِيلٌ سِوى طَعْنِ الدِّراكِ نَوافِلُهُ

أيْ يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ وإنَّما لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَ اليَوْمِ مَشْهُودًا بَلْ جُعِلَ مَشْهُودًا فِيهِ ولَمْ يُذْكَرِ المَشْهُودُ تَهْوِيلًا وتَعْظِيمًا أنْ يَجْرِيَ عَلى اللِّسانِ وذَهابًا إلى أنْ لا مَجالَ لِالتِفاتِ الذِّهْنِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ: المَشْهُودُ هو الَّذِي كَثُرَ شاهِدُوهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ وطَعامٌ مَحْضُورٌ، ولِأُمِّ قَيْسٍ الضَّبِّيَّةِ:

ومَشْهَدٌ قَدْ كَفَيْتُ النّاطِقِينَ بِهِ ∗∗∗ في مَحْفِلٍ مِن نَواصِي النّاسِ مَشْهُودٍ

واعْتَبَرُوا كَثْرَةَ شاهِدِيهِ نَظَرًا إلى أنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُطْلَقَ اسْمُ المَشْهُودِ عَلى الإطْلاقِ عَلَيْهِ، ولَوْ جُعِلَ اليَوْمُ نَفْسَهُ مَشْهُودًا مِن غَيْرِ هَذا الِاعْتِبارِ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَضُ مِن تَعْظِيمِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ فَإنَّ سائِرَ الأيّامِ كَذَلِكَ لَكِنْ جاءَ الِامْتِيازُ مِن ذَلِكَ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ مِنَ الكَثْرَةِ المَهُولَةِ المُمَيَّزَةِ، وبِما ذَكَرَ يُعْلَمُ سُقُوطُ ما قِيلَ: الشُّهُودُ الحُضُورُ، واجْتِماعُ النّاسِ حُضُورُهم فَمَشْهُودٌ بَعْدَ مَجْمُوعٍ مُكَرَّرٌ

11:104Page 233

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤

And We do not delay it except for a limited term.

﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمَ المَلْحُوظَ بِعُنْوانِ الجَمْعِ والشُّهُودِ، ونَقَلَ الحَوْفِيُّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ –يُؤَخِّرُهُ- بِالياءِ.

﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فالعَدُّ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ، وقَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ التَّناهِي، والأجَلُ عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ لِلشَّيْءِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى نِهايَتِها، ومَنعُ إرادَةِ ذَلِكَ هُنا لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَدِّ

صفحة 139

فِي كَلامِهِمْ بِوَجْهٍ، وجَوَّزَها بَعْضُهم بِناءً عَلى أنَّ الكِنايَةَ لا يُشْتَرَطُ فِيها إمْكانُ المَعْنى الأصْلِيِّ، وتُعْقِّبَ بِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْدِيرُ المُضافِ أسْهَلُ مِنهُ، واللّامُ لِلتَّوْقِيفِ، وفي المَجْمَعِ أنَّها تَدُلُّ عَلى الغَرَضِ وأنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتِ التَّأْخِيرَ ولِذا عَدَلَ عَنْ إلى (إلَيْها) وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى الدَّهْرِيَّةِ والفَلاسِفَةِ الزّاعِمِينَ أنَّهُ لا انْقِضاءَ لِمُدَّةِ الدُّنْيا وهو بَحْثٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ

11:105Page 233

يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥

The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.

﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمُ المُؤَخَّرُ بِانْقِضاءِ أجَلِهِ المَضْرُوبِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَزاءِ أيْضًا، وقِيلَ: لِلَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ اليَوْمِ ما لا يَخْفى، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ -وما يُؤَخِّرُهُ- بِالياءِ، ونِسْبَةُ الإتْيانِ ونَحْوِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أتَتْ في غَيْرِ ما آيَةٍ، واعْتُرِضَ الأوَّلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَصِحُّ لِأنَّ تَعَرُّفَ اليَوْمِ بِالإتْيانِ يَأْبى تَعَرُّفَ الإتْيانِ بِهِ، ولِأنَّ إتْيانَ اليَوْمِ لا يَنْفَكُّ عَنْ يَوْمِ الإتْيانِ فَيَكْفِي الإسْنادُ وتَلْغُو الإضافَةُ، ونَقَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ نَصًّا عَلى عَدَمِ جَوازِهِ كَما لا تَقُولُ: جِئْتُكَ يَوْمَ بُسْرِكَ، وأُجِيبَ أنَّ كُلَّ زَمانٍ لَهُ شَأْنٌ يُعْتَبَرُ تَجَدُّدُهُ كالعِيدِ والنَّيْرُوزِ والسّاعَةِ مَثَلًا، يَجْرِي مَجْرى الزَّمانِيِّ وإنْ كانَ في نَفْسِهِ زَمانًا فَبِاعْتِبارِ تَغايُرِ الجِهَتَيْنِ صَحَّتِ الإضافَةُ والإسْنادُ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَوْمَ يَأْتِي العِيدُ، والعِيدُ في يَوْمِ كَذا، فالأوَّلُ زَمانٌ وضَمِيرُهُ أعْنِي فاعِلَ الفِعْلِ زَمانِي، وإذًا حَسُنَ مِثْلُ قَوْلِهِ:

فَسَقى الغَضى والسّاكِنِيهِ وإنْ هم شَبَوْهُ بَيْنَ جَوانِحِي وضُلُوعِي

فَهَذا أحْسَنُ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، ونافِعٌ (يَأْتِي) بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، ووَصْلًا ووَقْفًا التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَفاكَ كَفُّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما

وقَرَأ الأعْمَشُ -يَوْمَ يَأْتُونَ- بِواوِ الجَمْعِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ أيْ يَوْمَ يَأْتِي النّاسُ، أوْ أهْلُ المَوْقِفِ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أيْ لا تَتَكَلَّمُ بِما يَنْفَعُ ويُنْجِي مِن جَوابٍ أوْ شَفاعَةٍ، وهَذا الفِعْلُ عَلى الأظْهَرِ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ السّابِقِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالِانْتِهاءِ المُضافِ إلى الأجَلِ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ –لِاذْكُرْ- مَحْذُوفًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ، وأجازَ الحَوْفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَها نَعْتًا لِيَوْمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ إضافَتَهُ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا وهو مَمْنُوعٌ، ولَعَلَّ مَن يَدَّعِي ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ الجُمَلَ بِمَنزِلَةِ النَّكِراتِ حَتّى أطْلَقُوا عَلَيْها ذَلِكَ فالإضافَةُ إلَيْها كالإضافَةِ إلَيْها ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ في التَّكَلُّمِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهَذا في مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ في مَوْقِفٍ آخَرَ مِن مَواقِفِهِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ في آخَرَ مِنها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَأْذُونَ فِيهِ الأجْوِبَةُ الحَقَّةُ والمَمْنُوعَ مِنهُ الأعْذارُ الباطِلَةُ، نَعَمْ قَدْ يُؤْذَنُ فِيها

صفحة 140

أيْضًا لِإظْهارِ بُطْلانِهِمْ كَما في قَوْلِ الكَفَرَةِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ونَظائِرِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأعْذارِ وإنَّما هو إسْنادُ الذَّنْبِ إلى كُبَرائِهِمْ وأنَّهم أضَلُّوهم لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وفي الدُّرَرِ والغُرَرِ لِلسَّيِّدِ المُرْتَضى أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ اخْتِلافًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وأجابَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ مُمْتَدٌّ فَيَجُوزُ أنْ يَمْنَعُوا النُّطْقَ في بَعْضِهِ ويُؤْذَنَ لَهم في بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، ويُضَعِّفُ هَذا الجَوابَ أنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِطُولِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآياتُ فِيهِ مُخْتَلِفَةً، وعَلى ما ذَكَرُوهُ يَكُونُ مَعْنى ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ هَذا يَوْمٌ لا يَنْطِقُونَ في بَعْضِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والجَوابُ السَّدِيدُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّما أُرِيدَ نَفْيُ النُّطْقِ المَسْمُوعِ المَقْبُولِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَكُونُ لَهم في مِثْلِهِ إقامَةُ حُجَّةٍ وخَلاصٌ لا نَفِيُ النُّطْقِ مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَعُمُّ ما لَيْسَ لَهُ هَذِهِ الحالَةُ، ويَجْرِي هَذا المَجْرى قَوْلُهُمْ: خَرِسَ فُلانٌ عَنْ حُجَّتِهِ، وحَضَرْنا فُلانًا يُناظِرُ فُلانًا فَلَمْ نَرَهُ قالَ شَيْئًا وإنْ كانَ الَّذِي وصَفَ بِالخَرَسِ والَّذِي نَفى عَنْهُ القَوْلَ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ كَثِيرٍ إلّا أنَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ولَمْ يَتَضَمَّنْ مَنفَعَةً جازَ إطْلاقُ ما حَكَيْناهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ

ويَصِمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ سَمْعِي وما بِي غَيْرُهُ وقْرُ

وعَلى هَذا فَلا اخْتِلافَ لِأنَّ التَّساؤُلَ والتَّلاوُمَ مَثَلًا لا حُجَّةَ فِيهِ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِالِاعْتِذارِ فَكَيْفَ يَعْتَذِرُونَ، ويُحْمَلُ الإذْنُ عَلى الأمْرِ وإنَّما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ لا تَكْلِيفَ فِيها والعِبادُ مُلْجَئُونَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ إلى الِاعْتِرافِ والإقْرارِ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُحْمَلَ ﴿يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ أنَّهُ لا يَسْمَعُ لَهم ولا يَقْبَلُ عُذْرَهُمُ، انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَضْعِيفَهُ لِما أجابَ بِهِ القَوْمُ مِنِ امْتِدادِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوازُ كَوْنِ المَنعِ مِنَ النُّطْقِ في بَعْضٍ مِنهُ والإذْنِ في بَعْضٍ آخَرَ لَيْسَ بِمُرْتَضًى عِنْدَ ذِي الفِكْرِ الرَّضِيِّ لِظُهُورِ صِحَّةِ وُقُوعِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ ظَرْفًا لِلنَّقِيضَيْنِ فِيما إذا لَمْ يَقْتَضِ كُلٌّ مِنهُما أوْ أحَدُهُما جَمِيعَ ذَلِكَ الزَّمانِ، وقَدْ شاعَ دَفْعُ التَّناقُضِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ بِمِثْلِ ما فَعَلُوا ومَرْجِعُهُ إلى القَوْلِ بِاخْتِلافِ الزَّمانِ كَما أنَّ مَرْجِعَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ إلى القَوْلِ بِاخْتِلافِ المَكانِ، واتِّحادُ الزَّمانِ والمَكانِ مِن شُرُوطِ تَناقُضِ القَضِيَّتَيْنِ ولَيْسَ هَذا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأبْعَدَ مِمّا فَعَلَهُ المُرْتَضِي عَلى أنَّ في كَلامِهِ بُعْدَ ما لا يَخْفى.

وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّمِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُرادَ مِن يَوْمَ يَأْتِي حِينَ يَأْتِي، والقَضِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى ذَلِكَ وقْتِيَّةٌ حُكِمَ فِيها بِسَلْبِ المَحْمُولِ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ المَوْضُوعِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وهَذا لا يُنافِي ثُبُوتَ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ ما جاءَ في الآياتِ مِنَ التَّلاوُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو صَرِيحٌ في التَّكَلُّمِ كانَ عَنْ إذْنٍ، وإمّا أنْ يُحْمَلَ التَّكَلُّمُ هُنا عَلى تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والِاسْتِثْناءُ قِيلَ: مِن أعَمِّ الأسْبابِ أيْ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى وهو مُتَّصِلٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا ويُقَدَّرُ ما لا يَتَناوَلُ المُسْتَثْنى أيْ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ بِاقْتِدارٍ مِن عِنْدِها إلّا بِإذْنِهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وقَدْ طَرَقَ سَمْعَكَ ما هو الأصَحُّ فِيهِ، وقُرِئَ كَما في المَصاحِفِ لِابْنِ الأنْبارِ -يَوْمَ يَأْتُونَ لا تَكَلَّمُ دابَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ- ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ

صفحة 141

أهْلِ المَوْقِفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أوِ الجَمِيعُ الَّذِي تَضْمَنُهُ (نَفْسٌ) إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ عَلى ما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، أوِ النّاسُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ ونَقَلَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ وكَأنَّهُ قَصَدَ هَذا القائِلُ بِذَلِكَ تَمْهِيدًا لِتَوْجِيهِ الِاسْتِثْناءِ الآتِي وهو ولِلَّهِ الحَمْدُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿شَقِيٌّ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَعِيدٌ﴾ بِتَقْدِيرِ ومِنهم سَعِيدٌ، وحُذِفَ مِنهم لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، والسَّعادَةُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: مُعاوَنَةُ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ لِلْإنْسانِ عَلى نَيْلِ الخَيْرِ ويُضادُّها الشَّقاوَةُ، وفَسَّرَ في البَحْرِ الشَّقاوَةَ بِنَكَدِ العَيْشِ وسُوئِهِ، ثُمَّ قالَ: والسَّعادَةُ ضِدُّها، وفي القامُوسِ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ، فالشَّقِيُّ، والسَّعِيدُ هُما المُتَّصِفانِ بِما ذُكِرَ، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الأوَّلَ بِمَنِ اسْتَحَقَّ النّارَ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ. والثّانِي بِمَنِ اسْتَحَقَّ الجَنَّةَ بِمُوجِبِ الوَعْدِ، وهَذا هو المُتَعارَفُ بَيْنَ الشَّرْعِيِّينَ، وتَقْدِيمُ الشَّقِيِّ عَلى السَّعِيدِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ

11:106Page 233

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦

As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.1

﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ فِيها ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيَّةِ، والبَصْرِيَّةِ: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ والشَّهِيقُ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ، قالَ رُؤْبَةُ:

حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا أوْ شَهِقَ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ والشَّهِيقُ رَدُّهُ، قالَ الشَّمّاخُ في حِمارِ وحْشٍ:

بَعِيدُ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ

وقالَ الرّاغِبُ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ مِنهُ مِن زَفَرَ فُلانٌ إذا حَمَلَ حَمْلًا بِمَشَقَّةٍ فَتَرَدَّدَ فِيهِ نَفَسُهُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْإماءِ الحامِلاتِ الماءَ: زَوافِرُ، والشَّهِيقُ طُولُ الزَّفِيرِ وهو رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرُ مَدُّهُ وأصْلُهُ مِن جَبَلٍ شاهِقٍ أيْ مُتَناهٍ في الطُّولِ.

وعَنِ السّائِبِ أنَّ الزَّفِيرَ لِلْحَمِيرِ، والشَّهِيقَ لِلْبِغالِ وهو غَرِيبٌ، ويُرادُ بِهِما الدَّلالَةُ عَلى كَرْبِهِمْ وغَمِّهِمْ وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ مَنِ اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ الحَرارَةُ وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ أصْواتِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ نَدامَةً ونَفَسًا عالِيًا وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وقَرَأ الحَسَنُ (شَقُوا) بِضَمِّ الشِّينِ فاسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا لِأنَّهُ يُقالُ شَقاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يُقالُ أشْقاهُ، وجُمْلَةُ ( لَهم فِيها زَفِيرٌ ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ما شَأْنُهم فِيها؟ فَقِيلَ لَهم فِيها كَذا وكَذا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском