Al-AlusiHud · 11:116–119

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:116–119

11:116Page 234

فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦

So why were there not1 among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ تَحْضِيضٌ فِيهِ مَعْنى التَّفَجُّعِ مَجازًا أيْ فَهَلّا

صفحة 161

كانَ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ مِنَ الأقْوامِ المُقْتَرِنَةِ في زَمانٍ واحِدٍ ﴿مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أيْ ذَوُو خَصْلَةٍ باقِيَةٍ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ ذَوُو فَضْلٍ عَلى أنْ يَكُونَ –البَقِيَّةُ- اسْمًا لِلْفَضْلِ والهاءُ لِلنَّقْلِ، وأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ البَقِيَّةِ الَّتِي يَصْطَفِيها المَرْءُ لِنَفْسِهِ ويَدَّخِرُها مِمّا يَنْفَعُهُ، ومِن هُنا يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، وبِذَلِكَ فُسِّرَ بَيْتُ الحَماسَةِ:

إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي (بَقِيَّتُكُمْ) فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوَتٌ

ومِنهُ قَوْلُهُمْ: في الزَّوايا خَبايا، وفي الرِّجالِ بَقايا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى، أيْ فَهَلّا كانَ مِنهم ذَوُو إبْقاءٍ لِأنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها عَمّا يُوجِبُ سُخْطَ اللَّهِ تَعالى وعِقابَهُ، والظّاهِرُ أنَّها عَلى هَذا مَصْدَرٌ، وقِيلَ: اسْمُ مَصْدَرٍ، ويُؤَيِّدُ المَصْدَرِيَّةَ أنَّهُ قُرِئَ (بَقِيَّةٍ) بِزِنَةِ المَرَّةِ وهو مَصْدَرُ بَقاهُ يَبْقِيهِ كَرَّماهُ يَرْمِيهِ بِمَعْنى انْتَظَرَهُ وراقَبَهُ، وفي الحَدِيثِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «بَقِينا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ تَأخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ حَتّى ظَنَّ الظّانُّ أنَّهُ لَيْسَ بِخارِجٍ» الخَبَرَ أرادَ مُعاذٌ انْتَظَرْناهُ، وأمّا الَّذِي مِنَ البَقاءِ ضِدِّ الفَناءِ فَفِعْلُهُ بَقِيَ يَبْقى كَرَضِيَ يَرْضى، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَهَلّا كانَ مِنهم ذَوُو مُراقَبَةٍ لِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ، وقُرِئَ (بَقْيَةٍ) بِتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ مِن بَقِيَ نَحْوَ شَجِيَتْ فَهي شَجْيَةٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ (بُقْيَةٍ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ القافِ ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ الواقِعِ فِيما بَيْنَهم حَسْبَما ذُكِرَ في قِصَصِهِمْ، وفَسَّرَ الفَسادَ في البَحْرِ بِالكُفْرِ وما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المَعاصِي ﴿إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ قَلِيلًا مِنهم أنْجَيْناهم لِكَوْنِهِمْ كانُوا يَنْهُونَ، وقِيلَ أيْ: ولَكِنْ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وسائِرُهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ، و(مِنِ) الأُولى بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ النَّجاةَ إنَّما هي لِلنّاهِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَنعُ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ عَلى ما عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ لِاسْتِلْزامِهِ فَسادَ المَعْنى لِأنَّهُ يَكُونُ تَحْضِيضًا -لِأُولِي البَقِيَّةِ- عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ إلّا لِلْقَلِيلِ مِنَ النّاجِينَ مِنهُمْ، ثُمَّ قالَ: وإنْ قُلْتَ: في تَحْضِيضِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ مَعْنى نَفْيِهِ عَنْهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِنَ القُرُونِ أُولُو بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا ومَعْنًى صَحِيحًا، وكانَ انْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ الأفْصَحَ أنْ يُرْفَعَ عَلى البَدَلِ، والحاصِلُ أنَّ في الكَلامِ اعْتِبارَيْنِ: التَّحْضِيضُ والنَّفْيُ، فَإنِ اعْتُبِرَ التَّحْضِيضُ لا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ المُتَّصِلَ يَسْلُبُ ما لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ عَنِ المُسْتَثْنى أوْ يُثْبِتُ لَهُ ما لَيْسَ لَهُ، والتَّحْضِيضُ مَعْناهُ لِمَ ما نُهُوا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلّا قَلِيلًا فَإنَّهم لا يُقالُ لَهُمْ: لِمَ ما نُهُوا لِفَسادِ المَعْنى؛ لِأنَّ القَلِيلَ ناهُونَ وإنِ اعْتُبِرَ النَّفْيُ كانَ مُتَّصِلًا لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القَلِيلَ النّاجِينَ ناهُونَ، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ القُطْبُ أنَّ صِحَّةَ السَّلْبِ أوِ الإثْباتِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ لازِمٌ في الخَبَرِ، وأمّا في الطَّلَبِ فَيَكُونُ بِحَسَبِ المَعْنى، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: اضْرِبِ القَوْمَ إلّا زَيْدًا فَلَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّهُ لَيْسَ أضْرِبُ بَلْ عَلى أنَّ القَوْمَ مَأْمُورٌ بِضَرْبِهِمْ إلّا زَيْدًا، فَإنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ فَكَذا هُنا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مَحْضُوضُونَ عَلى النَّهْيِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ فَإنَّهم لَيْسُوا مَحْضُوضِينَ عَلَيْهِ لِأنَّهم نَهَوْا، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ قَطْعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وقَدْ يَدْفَعُ ما أوْرَدَهُ بِأنَّ مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ أنَّهم غَيْرُ مَحْضُوضِينَ، وذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِمْ نَهَوْا، أوْ لِكَوْنِهِمْ لا يَحُضُّونَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَوَقُّعِهِ مِنهُمْ، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ احْتِمالَ الفَسادِ إفْسادًا أوِ ادَّعى أنَّهُ هو المَفْهُومُ مِنَ السِّياقِ، ثُمَّ إنَّ المُدَقِّقَ صاحِبُ الكَشْفِ قالَ: إنَّ ظاهِرَ تَقْرِيرِ

صفحة 162

كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِأنَّ ( يَنْهَوْنَ ) خَبَرُ ( كانَ ) جَعَلَ ( مِنَ القُرُونِ ) خَبَرًا آخَرَ أوْ حالًا قُدِّمَتْ لِأنَّ تَحْضِيضَ -أُولِي البَقِيَّةِ- عَلى النَّهْيِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَتّى لَوْ جُعِلَ صِفَةً و( مِنَ القُرُونِ ) خَبَرًا كانَ المَعْنى تَنْدِيمَ أهْلِ القُرُونِ عَلى أنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ ناهُونَ وإذا جُعِلَ خَبَرًا لا يَكُونُ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ ما كانَ مِنَ القُرُونِ أُولُو بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا، بَلْ كانَ مِنهم أُولُو بَقِيَّةٍ ناهِينَ إلّا قَلِيلًا فَإنَّهم نَهَوْا وهو فاسِدٌ، والِانْقِطاعُ عَلى ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا يُفْسِدُ لِما يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ أُولُو بَقِيَّةٍ غَيْرَ ناهِينَ لِأنَّ في التَّحْضِيضِ والتَّنْدِيمِ دَلالَةً عَلى نَفْيِهِ عَنْهُمْ، فالوَجْهُ أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ الخَبَرُ وهو كالتَّمْهِيدِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم ناهُونَ إلّا قَلِيلًا، وفي كَلامِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَتَخَلَّفُ نَفْيُ النّاهِي، وأُولُو البَقِيَّةِ إنَّما عَدَلَ إلى المَنزِلِ مُبالَغَةً لِأنَّ أصْحابَ فَضْلِهِمْ وبَقاياهم إذا حَضَّضُوا عَلى النَّهْيِ ونَدِمُوا عَلى التَّرْكِ فَهم أوْلى بِالتَّحْضِيضِ والتَّنْدِيمِ، وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ الدَّلالَةُ عَلى خُلُوِّهِمْ عَنْ الِاسْمِ لِخُلُوِّهِمْ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّ ذا البَقِيَّةِ لا يَكُونُ إلّا ناهِيًا فَإذا انْتَفى اللّازِمُ انْتَفى المَلْزُومُ وهو مِن بابِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ. وقَوْلُكَ: ما كانَ شُجْعانُهم يَحْمُونَ عَنِ الحَقائِقِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ تُرِيدُ أنْ لا شُجاعَ ولا حِمايَةَ لَكِنْ بالَغْتَ في الذَّمِّ حَتّى خُيِّلْتَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهم شُجاعٌ كانَ كالعَدَمِ، فَهَذا هو الوَجْهُ الكَرِيمُ والمُطابِقُ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، انْتَهى، وهو تَحْقِيقٌ دَقِيقٌ أنِيقٌ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ( كانَ ) تامَّةٌ، و﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ فاعِلُها، وجُمْلَةُ ( يَنْهَوْنَ ) صِفَتُهُ، و( مِنَ القُرُونِ ) حالٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ و( مِن قَبْلِكم ) حالٌ مِنَ ( القُرُونِ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها أيِ الكائِنَةُ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ التَّحْضِيضِ عَلى وُجُودِ أُولَئِكَ فِيهِمْ، وكَذا يَلْزَمُ كَوْنُ المَنفِيِّ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذاكَ بَلِ المَدارُ عَلى النَّهْيِ تَحْضِيضًا ونَفْيًا، والتِزامُ تَوَجُّهِ الأمْرَيْنِ إلَيْهِ لِكَوْنِ الصِّفَةِ قَيْدًا في الكَلامِ؛ والِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ تَوَجُّهٌ نَحْوَ ما ذُكِرَ إلى القَيْدِ كَما قِيلَ زِيادَةُ نَغَمَةٍ في الطَّنْبُورِ مِن غَيْرِ طَرَبٍ، ومِثْلُهُ يُعَدُّ مِنَ النَّصْبِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم تارِكُو النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.

﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ ما أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الثَّرْوَةِ والعَيْشِ الهَنِئِ والشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأصْلُ التَّرَفِ التَّوَسُّعُ في النِّعْمَةِ.

وعَنِ الفَرّاءِ مَعْنى أُتْرِفَ عَوْدُ التُّرْفَةِ وهي النِّعْمَةُ، وقِيلَ: (أُتْرِفُوا) أيْ طَغَوْا مِن أتْرَفَتْهُ النِّعَمُ إذا أطْغَتْهُ، -فَفِي- إمّا سَبَبِيَّةٌ أوْ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا المَعْنى خِلافُ المَشْهُورِ وإنْ صَحَّ هُنا؛ ومَعْنى اتِّباعِ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ بِهِ وتَرْكُ غَيْرِهِ أيِ اهْتَمُّوا بِذَلِكَ ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ مُرْتَكِبِي جَرائِمَ غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ كافِرِينَ مُتَّصِفِينَ بِما هو أعْظَمُ الإجْرامِ، ولِكُلٍّ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ ذَهَبَ بَعْضٌ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) عَلى ما يَعُمُّ تارِكِي النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ والمُباشِرِينَ لَهُ، ثُمَّ قالَ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّحْضِيضِ بِالأوَّلِينَ عَدَمُ دُخُولِ مُباشِرِي الفَسادِ في الظُّلْمِ والإجْرامِ عِبارَةً، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ هَيِّنٌ فَلا تَغْفَلْ، والجُمْلَةُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلْأخْبارِ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) وبَيانِ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ تارِكِي النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ كانُوا ذَوِي جَرائِمَ غَيْرِ ذَلِكَ.

وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لَمْ يَنْهَوْا ( واتَّبَعَ ) إلَخْ.

وقِيلَ: التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ﴾ إلَخْ، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن مُباشِرِي الفَسادِ وتارِكِي النَّهْيِ عَنْهُ، وجُعِلَ الإظْهارُ عَلى هَذا مُقْتَضى الظّاهِرِ، وعَلى الأوَّلِ لِإدْراجِ المُباشِرِينَ مَعَ التّارِكِينَ

صفحة 163

فِي الحُكْمِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلْيَةِ ذَلِكَ لِما حاقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.

وفِي الكَشّافِ ما يَقْضِي ظاهِرُهُ بِأنَّ العَطْفَ عَلى (نَهَوْا) الواقِعِ خَبَرَ لَكِنْ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ خَبَرًا أيْضًا مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ الرّابِطِ، وأُجِيبَ تارَةً بِأنَّهُ في تَأْوِيلِ سائِرِهِمْ أوْ مُقابِلُوهم وأُخْرى بِأنَّ (نَهَوْا) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ اسْتُؤْنِفَتْ بَعْدَ اعْتِبارِ الخَبَرِ فَعُطِفَ عَلَيْها، وفي ذَلِكَ ما فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ عُطِفَ عَلى (اتَّبَعَ الَّذِينَ) إلَخْ مَعَ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ تَفْسِيرِيًّا عَلى مَعْنى ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بِذَلِكَ الاتِّباعِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأنْ يَكُونَ عَلى (أُتْرِفُوا) عَلى مَعْنى اتَّبَعُوا الإتْرافَ وكَوْنُهم مُجْرِمِينَ لِأنَّ تابِعَ الشَّهَواتِ مَغْمُورٌ بِالآثامِ، أوْ أُرِيدَ بِالإجْرامِ إغْفالُهم لِلشُّكْرِ، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِقَوْلِهِ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ ما في ﴿ما أُتْرِفُوا﴾ مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ مِن (فِيهِ) إلَيْهِ، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ (كانُوا) مَصْدَرًا إلّا أنْ يُقالَ: يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى الظُّلْمِ بِدَلالَةِ (ظَلَمُوا) فَتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةِ الجُعْفِيِّ (وأُتْبِعُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ وسُكُونِ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإتْباعِ، قِيلَ: ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيِ أُتْبِعُوا جَزاءَ ما أُتْرِفُوا، و(ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ والواوُ لِلْحالِ، وجَعَلَها بَعْضُهم لِلْعَطْفِ عَلى لَمْ يَنْهَوُا المُقَدَّرَ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ نَجَّيْناهم وقَدْ هَلَكَ سائِرُهُمْ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ لا يَحْسُنُ جَعْلُهُ قَيْدًا لِلْإنْجاءِ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ لِإهْلاكِ السّائِرِ فَيَكُونُ اعْتِراضًا أوْ حالًا مِنَ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا)، والحالُ الأوَّلُ مِن مَفْعُولِ (أنْجَيْنا) المُقَدَّرِ، وجَوَّزَ أنْ يُفَسَّرَ بِذَلِكَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ، وتَقَدُّمُ الإنْجاءِ لِلنّاهِينَ يُناسِبُ أنْ يُبَيِّنَ هَلاكَ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَوْا، والواوُ لِلْحالِ أيْضًا في القَوْلِ الشّائِعِ كَأنَّهُ قِيلَ: (أنْجَيْنا) القَلِيلَ، وقَدِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا جَزاءَهم فَهَلَكُوا، وإذا فُسِّرَتِ المَشْهُورَةُ بِذَلِكَ فَقِيلَ: فاعِلُ -اتَّبَعَ ما أُتْرِفُوا- أوِ الكَلامُ عَلى القَلْبِ فَتَدَبَّرْ.

11:117Page 234

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ بَلِ اسْتَحالَ في الحِكْمَةِ أنْ يُهْلِكَ القُرى الَّتِي أهْلَكَها وبَلَغَتْكَ أنْباؤُها أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ القُرى الظّالِمِ أهْلُها، واللّامُ في مِثْلِ ذَلِكَ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عِنْدَ الكُوفِيَّةِ، وعِنْدَ البَصْرِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَوَجَّهَ إلَيْهِ النَّفْيُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِهِ قِيلَ: هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ ظالِمًا لَها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والإيذانِ بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، والمُرادُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وإلّا فَلا ظُلْمَ مِنهُ تَعالى فِيما يَفْعَلُهُ بِعِبادِهِ كائِنًا ما كانَ لِما عُلِمَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ والعامِلُ فِيهِ عامِلُهُ، ولَكِنْ لا بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ السّابِقَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى تَقْيِيدِ نَفْيِ الإهْلاكِ ظُلْمًا بِحالِ كَوْنِ أهْلِها مُصْلِحِينَ، وفِيهِ مِنَ الفَسادِ عَلى ما قِيلَ ما فِيهِ بَلْ مُطْلَقًا عَنْ ذَلِكَ، وهَذا ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ونَقَلَ الطَّبَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ لا يُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ إشْراكِ أهْلِها وهم مُصْلِحُونَ في أعْمالِهِمْ يَتَعاطَوْنَ الحَقَّ فِيما بَيْنَهم بَلْ لا بُدَّ في إهْلاكِهِمْ مِن أنْ يَضُمُّوا إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا وتَباغِيًا وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ سُبْحانَهُ، ومِن ذَلِكَ قَدَّمَ الفُقَهاءُ -عِنْدَ تَزاحُمِ الحُقُوقِ- حُقُوقَ العِبادِ في الجُمْلَةِ ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، وكَأنَّهُ ذَهَبَ قائِلُهُ إلى ما قِيلَ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الكُفْرِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ والجَوْرِ، ولَعَلَّ وجْهَ ضَعْفِهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّ مَقامَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ الَّتِي أقْبَحُها الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى لا يُلائِمُهُ، فَإنَّ الشِّرْكَ داخِلٌ في الفَسادِ في الأرْضِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولِذَلِكَ كانَ يَنْهى كُلٌّ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُمَّتَهُ عَنْهُ

صفحة 164

ثُمَّ عَنْ سائِرِ المَعاصِي، فالوَجْهُ كَما قالَ: حَمْلُ الظُّلْمِ عَلى مُطْلَقِ الفَسادِ الشّامِلِ لِسائِرِ القَبائِحِ والآثامِ وحَمْلُ الإصْلاحِ عَلى إصْلاحِهِ والإقْلاعُ عَنْهُ بِكَوْنِ البَعْضِ مُتَصَدِّيًا لِلنَّهْيِ، والبَعْضِ الآخَرِ مُتَوَجِّهًا إلى الِاتِّعاظِ غَيْرَ مُصِرٍّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، انْتَهى، لَكِنْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَرِيرٍ قالَ: «”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وأهْلُها يُنْصِفُ بَعْضُهم بَعْضًا“». وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَرائِطِيُّ في مَساوِئِ الأخْلاقِ عَنْ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا، وهو ظاهِرٌ في المَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ ولَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلّا فالأمْرُ مُشْكِلٌ، وجُعِلَ التَّصَدِّي لِلنَّهْيِ مِن بَعْضٍ والِاتِّعاظُ مِن بَعْضٍ آخَرَ مِن إنْصافِ البَعْضِ البَعْضَ كَما تَرى فافْهَمْ.

11:118Page 235

وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ,

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُجْتَمِعِينَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ بِحَيْثُ لا يَقَعُ مِن أحَدٍ مِنهم كُفْرٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ المُرادَ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ.

أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ المُرادَ الِاخْتِلافُ في الحَقِّ والباطِلِ مِنَ العَقائِدِ الَّتِي هي أُصُولُ الدِّينِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ الِاخْتِلافَ في العَقائِدِ والفُرُوعِ وغَيْرِهِما مِن أُمُورِ الدِّينِ لِعَدَمِ ما يَدُلُّ عَلى الخُصُوصِ في النَّظْمِ، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

11:119Page 235

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ مُتَّصِلٌ عَلى الأوَّلِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، وعَلى الثّانِي مُنْقَطِعٌ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُخْتَلِفِينَ كَأئِمَّةِ أهْلِ الحَقِّ، فَإنَّهم أيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِيما سِوى أُصُولِ الدِّينِ مِنَ الفُرُوعِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَوْفِيُّ ومَن تَبِعَهُ.

﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أيِ النّاسَ، والإشارَةُ -كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ- إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن (مُخْتَلِفِينَ) ونَظِيرُهُ: إذا نَهْيُ السَّفِيهِ جَرى إلَيْهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلِاخْتِلافِ خُلِقَ النّاسُ عَلى مَعْنى لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ مِن كَوْنِ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ خَلَقَهُمْ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ لِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِمْ لَيْسَ هَذا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ولِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم لَهُ لَمْ يُعَذِّبْهم عَلى ارْتِكابِ الباطِلِ كَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ورُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ ما يَقْتَضِيهِ، وعِنْدِي أنَّهُ لا ضَيْرَ في الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي ذَكَرُوها لِما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن تَفْسِيرِها في الذّارِياتِ، وما يُرْوى فِيها مِنَ الآثارِ وأنَّ الخَلْقَ مِن تَوابِعِ الإرادَةِ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ في نَفْسِهِ، والتَّعْذِيبُ أوِ الإثابَةُ لَيْسَ إلّا لِأمْرٍ أُفِيضَ عَلى المُعَذَّبِ والمُثابِ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ، ورُبَّما يَرْجِعُ هَذا بِالآخِرَةِ إلى أنَّ التَّعْذِيبَ والإثابَةَ مِن تَوابِعِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي عَلَيْهِ المُعَذَّبُ أوِ المُثابُ في نَفْسِهِ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ المَعْصِيَةَ والطّاعَةَ أمارَتانِ عَلى الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ لا مُقْتَضِيَتانِ لَهُما، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلُهُمْ: ولِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم لَهُ لَمْ يُعَذِّبْهُمْ، ولِما قَرَّرْناهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لا تَخْفى عَلى المُسْتَعِدِّينَ لِإدْراكِ الحَقائِقِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( خَلَقَهم ) لِمَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، والإشارَةُ لِلرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن ( رَحِمَ)، والتَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِها بِأنَّ والفِعْلِ أوْ لِكَوْنِها بِمَعْنى الخَيْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ والإشارَةَ لِلرَّحْمَةِ والِاخْتِلافِ أيْ لِاخْتِلافِ الجَمِيعِ ورَحْمَةِ بَعْضِهِمْ ( خَلَقَهم ) وجاءَتِ الإشارَةُ لِاثْنَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ واللّامُ عَلى هَذا قِيلَ: بِمَعْنًى

صفحة 165

مَجازِيٍّ عامٍّ لِلْمَعْنى الظّاهِرِ والصَّيْرُورَةِ وعَلى ما قَبْلَهُ عَلى مَعْناها، وأظْهَرُ الأقْوالِ في الإشارَةِ والضَّمِيرِ ما قَدَّمْناهُ، والقَوْلانِ الآخَرانِ دُونَهُ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ لِما بَعْدُ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ -وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ إلَخْ، ولِذَلِكَ أيْ لِمَلْءِ جَهَنَّمَ خَلَقَهُمْ- فَبَعِيدٌ جِدًّا مِن تَراكِيبِ كَلامِ العَرَبِ، ومِن هَذا الطَّرْزِ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى شُهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَشْهُودِ وكَذا ما قِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أوْ إلى الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ المَفْهُومَتَيْنِ مِن ذَلِكَ، أوْ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، أوْ إلى النَّهْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾، أوْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ، أوْ إلى العِبادَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَتَعَجَّبُ مِنها.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في مَعْنى الآيَةِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوَحْدَةِ الوَحْدَةُ في الدِّينِ الحَقِّ، ومِن الِاخْتِلافِ الِاخْتِلافُ فِيهِ عَلى مَعْنى المُخالَفَةِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ والمُرادُ -بِمَن رَحِمَ- الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يُخالِفُوا الحَقَّ، والإشارَةُ لِلِاخْتِلافِ بِمَعْنى المُخالَفَةِ، وضَمِيرُ ( خَلَقَهم ) لِلَّذِينِ بَقُوا بَعْدَ الثُّنْيا وهُمُ المُخْتَلِفُونَ المُخالِفُونَ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ عَلى الحَقِّ ودِينِ الإسْلامِ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَلَمْ يَجْعَلْ، ولا يَزالُونَ مُخالِفِينَ لِلْحَقِّ إلّا قَوْمًا هَداهم سُبْحانَهُ بِفَضْلِهِ فَلَمْ يُخالِفُوا الحَقَّ، ولِما ذُكِرَ مِن الِاخْتِلافِ خَلْقُ المُخْتَلِفِينَ المُخالِفِينَ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وإنْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ما يَقْتَضِي بَعْضَهُ.

ومِنَ الغَرِيبِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِن الِاخْتِلافِ الِاخْتِلافُ في الأرْزاقِ والأحْوالِ وتَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المُرادُ أنَّ بَعْضَهم يَخْلُفُ بَعْضًا فَيَكُونُ الآتِي خَلَفًا لِلْماضِي، ومِنهُ ما اخْتَلَفَ الجَدِيدانِ أيْ ما خَلَفَ أحَدُهُما صاحِبَهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلّا أنَّهُ قالَ: يُخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا في الكُفْرِ تَقْلِيدًا، وفي ذَلِكَ ما فِيهِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ مِنَ النّاسِ العُمُومُ ولِيَتَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ ولْيُراجَعْ تَفْسِيرُ ذَلِكَ.

وقالَ الفاضِلُ الجَلْبِيُّ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ النّاسِ حَتّى تُخالِفَ ﴿وما كانَ النّاسُ﴾ إلَخْ.. وفِيهِ نَظَرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ أعْنِي لِذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ -بِخَلَقَ- بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الحَصْرَ المُسْتَفادَ مِنَ التَّقْدِيمِ إذا قُلْنا: إنَّ التَّقْدِيمَ لَهُ إضافِيٌّ والمُضافُ هو إلَيْهِ مُخْتَلِفٌ حَسَبَ اخْتِلافِ الأقْوالِ في تَعْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ، وهو عَلى الأوَّلِ الِاتِّفاقُ، وعَلى ما عَداهُ يَظْهَرُ أيْضًا بِأدْنى التِفاتٍ، هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدِ الإيمانَ مِن كُلٍّ وإنَّ ما أرادَهُ سُبْحانَهُ يَجِبُ وُقُوعُهُ.

وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ مَنشَأ تَشْيِيبِ سُورَةِ هُودٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اشْتِمالُها عَلى أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى الدَّعْوَةِ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَ النّاسَ لِلِاخْتِلافِ وأنَّهُ لا يَشاءُ اجْتِماعَهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ وهو كَما تَرى ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ، وقَدْ تُفَسَّرُ الكَلِمَةُ بِالوَعِيدِ مَجازًا، وقَدْ يُرادُ مِنها الكَلامُ المُلْقى عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى القَسَمِ، ولِذا جِيءَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿لِأمْلَأن جَهَنَّمَ مِن الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ) والجِنَّةُ والجِنُّ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ الهاءَ في الجَنَّةِ لِلْمُبالَغَةِ وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، فالجِنَّةُ جَمْعُهُ، انْتَهى، فَيَكُونُ مِنَ الجُمُوعِ الَّتِي

صفحة 166

يُفَرَّقُ بَيْنَها وبَيْنَ مُفْرَدِها بِالهاءِ كَكَمْءٍ وكَمْأةٍ عَلى ما ذَكَرْناهُ في تَعْلِيقاتِنا عَلى الألْفِيَّةِ، وفي الآيَةِ سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهو أنَّها تَقْتَضِي بِظاهِرِها دُخُولَ جَمِيعِ الفَرِيقَيْنِ في جَهَنَّمَ والمَعْلُومُ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ خِلافُهُ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ القاضِي بِما حاصِلُهُ أنَّ المُرادَ -بِالجِنَّةِ والنّاسِ- إمّا عُصاتُهُما عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ والقَرِينَةُ عَقْلِيَّةٌ لِما عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ أنَّ العَذابَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ وأنَّ الوَعِيدَ لَيْسَ إلّا لَهُمْ، وفي مَعْنى ذَلِكَ ما قِيلَ: المُرادُ -بِالجَنَّةِ والنّاسِ- أتْباعُ إبْلِيسَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الأعْرافِ وص: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ فاللّازِمُ دُخُولُ جَمِيعِ تابِعِيهِ في جَهَنَّمَ ولا مَحْذُورَ فِيهِ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عُصاةٍ مُضافًا إلى الفَرِيقَيْنِ كَما قِيلَ فَأجْمَعِينَ- لِاسْتِغْراقِ الأفْرادِ المُرادَةِ حَسْبَما عَلِمْتُ، وأمّا ما يَتَبادَرُ مِنهُما ويُرادُ مِنَ التَّأْكِيدِ بَيانُ أنَّ مَلْءَ جَهَنَّمَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ، وهَذا لا يَقْتَضِي شُمُولَ أفْرادِ كِلا الفَرِيقَيْنِ ويَكُونُ داخِلُوها مِنهُما مَسْكُوتًا عَنْهُ مَوْكُولًا إلى شَيْءٍ آخَرَ، واعْتَرَضَ الأخِيرُ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى وُقُوعِ (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدًا لِلْمُثَنّى وهو خِلافُ ما صَرَّحُوا بِهِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ لِمُثَنّى حَقِيقِيٍّ لا إذا كانَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهُ جَمْعًا فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْجَمْعِ في الحَقِيقَةِ فَلا وُرُودَ لِما ذُكِرَ.

نَعَمْ يُرَدُّ عَلى الشِّقِّ الأوَّلِ أنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ العُصاةِ في النّارِ والمَعْلُومُ مِنَ النُّصُوصِ خِلافُهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ العُصاةُ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَدْخُلُوها، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي دُخُولَ الكُلِّ بَلْ قَدَّرَ ما يَمْلَأُ جَهَنَّمَ كَما إذا قِيلَ: مَلَأْتُ الكِيسَ مِنَ الدَّراهِمِ لا يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الدَّراهِمِ في الكِيسِ، ورَدَّهُ الجَلالُ الدَّوانِيُّ بِأنَّهُ نَظِيرُ أنْ يُقالَ: مَلَأْتُ الكِيسَ مِن جَمِيعِ الدَّراهِمِ وهو بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الدَّراهِمِ فِيهِ، والسُّؤالُ عَلَيْهِ كَما في الآيَةِ باقٍ بِحالِهِ، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِلَفْظِ ( أجْمَعِينَ ) تَعْمِيمُ الأصْنافِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الأفْرادِ كَما إذا قُلْتَ: مَلَأْتُ الجِرابَ مِن جَمِيعِ أصْنافِ الطَّعامِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأصْنافِ لا أنْ يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ أفْرادِ الطَّعامِ، وكَقَوْلِكَ: امْتَلَأ المَجْلِسُ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النّاسِ فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في المَجْلِسِ جَمِيعُ أفْرادِ النّاسِ، بَلْ أنْ يَكُونَ فِيهِ مِن كُلِّ صِنْفٍ فَرْدٌ وهو ظاهِرٌ، وعَلى هَذا يَظْهَرُ فائِدَةُ لَفْظِ ( أجْمَعِينَ ) إذْ فِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ زَعَمَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ النّارَ، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الصَّدْرِ بِقَوْلِهِ: فِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ فائِدَةَ التَّأْكِيدِ -بِكُلٍّ وأجْمَعِينَ- دَفَعَ تَوَهُّمَ عَدَمِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ الأفْرادِ، وما ذَكَرَهُ مِنَ المِثالَيْنِ فَإنَّما نَشَأ شُمُولُ الأصْنافِ فِيهِ مِن إضافَةِ لَفْظِ الجَمِيعِ إلى الأصْنافِ كَيْفَ ولَوْ قِيلَ: مَلَأْتُ الجِرابَ مِن جَمِيعِ الطَّعامِ بِإسْقاطِ لَفْظِ الأصْنافِ كانَ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما نَحْنُ فِيهِ، وأيْضًا ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ في ذَلِكَ رَدًّا عَلى اليَهُودِ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَها أصْلًا فَتَدَبَّرْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.

وأجابَ بَعْضُهم بِمَنزِعٍ صُوفِيٍّ وهو أنَّ المُرادَ مِنَ ( الجِنَّةِ والنّاسِ ) الَّذِينَ بَقُوا في مَرْتَبَةِ الجِنِّيَّةَ والإنْسِيَّةِ حَيْثُ انْغَمَسُوا في ظُلُماتِ الطَّبِيعَةِ وانْتَكَبُوا في مَقَرِّ الإجْرامِ العُنْصُرِيَّةَ ولَمْ يُرْفَعُوا إلى العالَمِ الأعْلى واطْمَأنُّوا بِالحَياةِ الدُّنْيا ورَضُوا بِها وانْسَلَخُوا عَنْ عالَمِ المُجَرَّداتِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ قِيلَ في حَقِّهِمْ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ إلَخْ فَإنَّهم لا يَسْتَأْهِلُونَ دارَ اللَّهِ تَعالى وقُرْبَهُ، ثُمَّ قالَ: ولِهَذا تَرى اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ يَذُمُّ الإنْسانَ ويَدْعُو عَلَيْهِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском