Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:26–29
11:26Page 224
أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦
That you not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."
﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ أيْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ والياءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا- و(لا) ناهِيَةٌ أيْ أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِنَهْيِهِمْ عَنِ الإشْراكِ إلّا أنَّهُ وسَطٌ بَيْنَهُما بَيانُ بَعْضِ أوْصافِهِ لِيَكُونَ أدْخَلَ في القَبُولِ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في صَدْرِ السُّورَةِ لِئَلّا يَكُونَ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، وجَوَّزَ كَوْنَ (أنَّ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَفْعُولًا –لِ مُبِينٌ- أيْ مُبَيِّنًا النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أنَّ) مُفَسِّرَةً مُتَعَلِّقَةً بِأرْسَلْنا أوْ بِنَذِيرٍ أوْ بِمُبِينٍ- أيْ أرْسَلْناهُ بِشَيْءٍ أوْ نَذِيرٌ بِشَيْءٍ، أوْ مُبِينٌ شَيْئًا هو ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ لَكِنْ قِيلَ: الإنْذارُ في هَذا غَيْرُ ظاهِرٍ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فِيما مَرَّ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ فَإنَّ (لا) إلَخْ. بَدَلٌ مِن ( إنِّي لَكم ) إلَخْ.. ويُقَدَّرُ القَوْلُ بَعْدَ (أنْ) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أرْسَلْناهُ بِقَوْلِهِ: ( إنِّي لَكم نَذِيرٌ ) وبِقَوْلِهِ (لا تَعْبُدُوا) فَهو بَدَلُ البَعْضِ أوِ الكُلِّ عَلى المُبالَغَةِ، وادِّعاءُ (أنَّ) الإنْذارَ كُلَّهُ هُوَ، وجازَ أنْ لا يُقَدَّرَ القَوْلُ، فالأظْهَرُ حِينَئِذٍ بَدَلُ الِاشْتِمالِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ كَذَلِكَ مُطْلَقًا إذْ لا عَلاقَةَ بَيْنَهُما بِجُزْئِيَّةٍ أوْ كُلِّيَّةٍ فَقَدْ غَفَلَ عَنْ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ المُعَلَّلَ بِهِ النَّهْيُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ وهو إنْذارٌ خاصٌّ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْضًا لَهُ أوْ كُلًّا عَلى الِادِّعاءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ الطُّوفانِ، ووَصْفُهُ بِالألِيمِ أيِ المُؤْلِمِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ المُؤْلِمَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ نَزَلَ الظَّرْفُ مَنزِلَةَ الفاعِلِ نَفْسِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ فِيهِ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ وقَعَ الفِعْلُ مِنهُ وكَذا وُصِفَ العَذابُ بِذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، ويُمْكِنُ اعْتِبارُهُ هُنا أيْضًا، وجُعِلَ الجَرُّ لِلْجِوارِ ووَجْهُ التَّجَوُّزِ حِينَئِذٍ أنَّهُ جُعِلَ وصْفَ الشَّيْءِ لِقُوَّةِ تَلَبُّسِهِ بِهِ كَأنَّهُ عَيَّنَهُ فَأسْنَدَ إلَيْهِ ما يُسْنَدُ إلى الفاعِلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ نَهارُهُ صائِمٌ وجَدَّ جَدُّهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ وصْفَ العَذابِ بِالإيلامِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ ومِثْلُهُ يُعَدُّ فاعِلًا في اللُّغَةِ، فَيُقالُ: آلَمَهُ العَذابُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ -وكَذا ما في مَعْناها- مِمّا قَصَّ في غَيْرِ آيَةٍ لِما لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّةً واحِدَةً بَلْ كانَ يُكَرِّرُها في مُدَّتِهِ المُتَطاوِلَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ الآياتِ، عُطِفَ عَلى فِعْلِ الإرْسالِ المُقارِنِ لَها أوِ القَوْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَهُ جَوابُهُمُ المُعْتَرِضُ لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
11:27Page 224
فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧
So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion.1 And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."
﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الأشْرافُ مِنهم -وهُوَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيءٌ بِكَذا إذا كانَ قادِرًا عَلَيْهِ لِأنَّهم مُلِئُوا بِكِفايَةِ الأُمُورِ وتَدْبِيرِها، أوْ لِأنَّهم مُتَمالِئُونَ أيْ مُتَظاهِرُونَ مُتَعاوِنُونَ، أوْ لِأنَّهم يَمْلَأُونَ القُلُوبَ جَلالًا، والعُيُونَ جَمالًا، والأكُفَّ نَوالًا، أوْ لِأنَّهم مَمْلُئُونَ بِالآراءِ الصّائِبَةِ والأحْلامِ الرّاجِحَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَلَأِ لازِمًا، ومُتَعَدِّيًا
صفحة 37
ووَصَفَهم بِالكُفْرِ لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا لِأنَّ بَعْضَ أشْرافِهِمْ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ.
﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أرادُوا ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا لَيْسَ فِيكَ مَزِيَّةً تَخُصُّكَ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَرَأيْناهُ لا أنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لا نَراهُ، وكَذا الحالُ في ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ فالفِعْلانِ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ وبَشَرًا واتَّبَعَكَ حالانِ مِنَ المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ قَدْ في الثّانِي أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وهو الظّاهِرُ فَهُما حِينَئِذٍ المَفْعُولُ الثّانِي، وتَعَلُّقُ الرَّأْيِ في الأوَّلِ بِالمِثْلِيَّةِ لا البَشَرِيَّةُ فَقَطْ، ويُفْهَمُ مِنَ الكَشّافِ أنَّ في الآيَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهم أرادُوا التَّعْرِيضَ بِأنَّهم أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ كَأنَّهم قالُوا: هَبْ أنَّكَ مِثْلُنا في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ مِن كَثْرَةِ المالِ والجاهِ فَلِمَ اخْتَصَصْتَ بِالنُّبُوَّةِ مِن دُونِنا؟ والثّانِي أنَّهم أرادُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، وتَعَقَّبَ هَذا بِأنَّ فِيهِ اعْتِزالًا خَفِيًّا، وقَدْ بَيَّنَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ ونُوزِعَ في ذَلِكَ فَفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم (مِثْلُنا) عِلْيَةٌ لِتَحْقِيقِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخِ.. اسْتِدْلالٌ بِأنَّهم ضُعَفاءُ العُقُولِ لا تَمْيِيزَ لَهم فَجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا، وقَوْلُهُمُ الآتِي ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ تَسْجِيلٌ بِأنَّ دَعْوَةَ النُّبُوَّةِ باطِلَةٌ لِإدْخالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والأراذِلِ في سِلْكٍ عَلى أُسْلُوبٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أنْقَصُ البَشَرِ فَضْلًا عَنْ الِارْتِقاءِ، ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ اعْتِزالٌ خَفِيٌّ ولا المَقامَ عَنْهُ أبِيٌّ انْتَهى.
وفِي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ أرادُوا الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهم قالُوا: مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا وأنْتَ بَشَرٌ، وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا فَنَحْنُ أحَقُّ مِنكَ بِالرِّسالَةِ، ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الأُولى قَوْلُهُ في الجَوابِ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ)،﴾ ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الثّانِيَةُ ﴿وما نَرى لَكُمْ)..﴾ إلَخْ. والظّاهِرُ أنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إثْباتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُهم ولَيْسَ فِيهِ مَزِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها النُّبُوَّةُ ووُجُوبُ الإطاعَةِ والاتِّباعُ، ولَعَلَّ قَوْلَهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخْ.. جَوابٌ عَمّا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِثْلَهم حَيْثُ اتَّبَعَهُ مَن وُفِّقَ لِاتِّباعِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُ لَمْ يُمَيِّزْكَ اتِّباعُ مَنِ اتَّبَعَكَ فَيُوجِبُ عَلَيْنا اتِّباعَكَ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ ﴿إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ أيْ أخِسّاؤُنا وأدانِينا، وهو جَمْعُ أرْذَلَ الأغْلَبُ الأقْيَسُ في مِثْلِهِ إذا أُرِيدَ جَمْعُهُ أنْ يَجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ كالأخْسَرُونَ جَمْعُ أخْسَرَ لَكِنَّهُ كُسِرَ هُنا لِأنَّهُ صارَ بِالغَلَبَةِ جارِيًا مَجْرى الِاسْمِ، ولِذا جُعِلَ في القامُوسِ الرَّذْلِ والأرْذَلُ بِمَعْنًى وهو الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، ومَعْنى جَرَيانِهِ مَجْرى الِاسْمِ أنَّهُ لا يَكادُ يُذْكَرُ المَوْصُوفُ مَعَهُ كالأبْطَحِ والأبْرَقِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أرْذَلَ جَمْعِ رَذْلٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أكالِبُ وأكْلُبُ وكَلْبٌ وكَوْنُهُ جَمْعَ رَذْلٍ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: إلّا أراذِلُنا مُبالَغَةً في اسْتِرْذالِهِمْ وكَأنَّهم إنَّما اسْتَرْذَلُوهم لِفَقْرِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ الأشْرَفُ عِنْدَهُمُ الأكْثَرَ مِنها حَظًّا، والأرْذَلُ مَن حُرِمَها، ولَمْ يَفْقَهُوا أنَّ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها لا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ النَّعِيمَ إنَّما هو نَعِيمُ الآخِرَةِ، والأشْرَفُ مَن فازَ بِهِ والأرْذَلُ مَن حُرِمَهُ، ومِثْلُ هَؤُلاءِ في الجَهْلِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ عافانا اللَّهُ سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الخِذْلانِ والحِرْمانِ، وكانَ القَوْمُ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ حاكَّةً وأساكِفَةً وحَجّامِينَ وأرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ ظاهِرَهُ وهو ما يَكُونُ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ، والرَّأْيُ مِن رُؤْيَةِ الفِكْرِ والتَّأمُّلِ، وقِيلَ: مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ البادِي بِمَعْنى الأوَّلِ، وهو عَلى الأوَّلِ مِنَ البُدُوِّ، وعَلى الثّانِي مِنَ البَدْءِ، والياءُ مُبْدَلَةٌ
صفحة 38
مِنَ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَدْ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِها، وانْتِصابُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ –لِاتَّبَعَكَ- عَلى مَعْنى اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ رَأْيِهِمْ أوْ أوَّلِهِ، ولَمْ يَتَأمَّلُوا ولَمْ يَتَثَبَّتُوا ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وغَرَضُهم مِن هَذا المُبالَغَةَ في عَدَمِ اعْتِبارِ ذَلِكَ الاتِّباعِ، وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عِلَّةَ الِاسْتِرْذالِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ في أوَّلِ رَأْيِهِمْ أوْ ظاهِرِهِ ولَيْسُوا مَعَكَ في الباطِنِ.
واسْتُشْكِلَ هَذا التَّعَلُّقُ بِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إلّا إذا كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدًا خَيْرُ مِن عَمْرٍو، و﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في بادِي الرَّأْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ في الظَّرْفِ لِأنَّهُ يُتَّسَعُ فِيهِ ما لا يُتَّسَعُ في غَيْرِهِ، واسْتُشْكِلَ أمْرُ الظَّرْفِيَّةِ بِأنَّ فاعِلًا لَيْسَ بِظَرْفٍ في الأصْلِ، وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّما جازَ في فاعِلٍ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا كَما جازَ في فَعِيلٍ كَقَرِيبٍ ومَلِيءٍ؛ لِإضافَتِهِ إلى الرَّأْيِ وهو كَثِيرًا ما يُضافُ إلى المَصْدَرِ الَّذِي يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ جَهْدَ رَأْيِي أنَّكَ مُنْطَلِقٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتابَعَهُ غَيْرُهُ أنَّ الأصْلَ وقْتُ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ أوْ وقْتُ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ فَحُذِفَ ذَلِكَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ولَعَلَّ تَقْدِيرَ الوَقْتِ لِيَكُونَ نائِبًا عَنِ الظَّرْفِ فَيَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، واعْتِبارُ الحُدُوثِ بِناءً عَلى أنَّ اسْمَ الفاعِلِ لا يَنُوبُ عَنِ الظَّرْفِ ويَنْتَصِبُ، والمَصْدَرُ يَنُوبُ عَنْهُ كَثِيرًا فَأشارُوا بِذِكْرِهِ إلى أنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الحُدُوثِ بِمَعْنَيَيْهِ فَلِذا جازَ فِيهِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّهُ مَحْذُوفٌ إذْ لا داعِيَ لِذَلِكَ في المَعْنى عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، وما ذَكَرُوهُ هُنا مِن أنَّ الصِّفاتِ لا يَنُوبُ مِنها عَنِ الظَّرْفِ إلّا فَعِيلٌ مِنَ الفَوائِدِ الغَرِيبَةِ كَما قالَ الشِّهابُ- لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ بِالمَنعِ لِأنَّ فاعِلًا وقَعَ ظَرْفًا كَثِيرًا كَفَعِيلٍ، وذَلِكَ مِثْلُ خارِجِ الدّارِ، وباطِنِ الأمْرِ وظاهِرِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ –لِنَراكَ- أيْ ما نَراكَ في أوَّلِ رَأْيِنا أوْ فِيما يَظْهَرُ مِنهُ، وقِيلَ: لِأراذِلِنا أيْ أنَّهم أراذِلُ في أوَّلِ النَّظَرِ أوْ ظاهِرِهِ لِأنَّ رَذالَتَهم مَكْشُوفَةٌ لا تَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ.
وقِيلَ: هو نَعْتٌ -لِبَشَرًا- وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في ( اتَّبَعَكَ ) أيْ وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ فِيكَ، وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ -أيْ يا بادِيَ الرَّأْيِ- أيْ ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ عَلى فاعِلٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ والعامِلُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ الظَّرْفِيَّةِ.
﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِمُتَّبِعِيهِ جَمِيعًا عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ أيْ وما نَرى لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ ﴿عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ زِيادَةٍ تُؤَهِّلُكم لِاتِّباعِنا لَكُمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالزِّيادَةِ في الخَلْقِ والخُلُقِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُهُ بِكَثْرَةِ المَلْكِ والمُلْكِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى وكَأنَّ مُرادَهم نَفْيُ رُؤْيَةِ فَضْلٍ بَعْدَ الاتِّباعِ أيْ ما نَرى فِيكَ وفِيهِمْ بَعْدَ الِاتِّباعِ فَضِيلَةً عَلَيْنا لِنَتَّبِعَ وإلّا فَهم قَدْ نَفَوْا أوَّلًا أفْضَلِيَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ﴾ إلَخْ وصَرَّحُوا بِأنَّ مُتَّبِعِيهِ –وحاشاهُمْ- أراذِلُ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ رُؤْيَةِ فَضْلٍ لَهم عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: إنَّ هَذا تَأْكِيدٌ لِما فُهِمَ أوَّلًا، وقِيلَ: الخِطابُ لِأتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَطْ فَيَكُونُ التِفاتًا أيْ ما نَرى لَكم عَلَيْنا شَرَفًا في تِلْكَ التَّبَعِيَّةِ لِنُوافِقَكم فِيها، وحُمِلَ الفَضْلُ عَلى التَّفَضُّلِ والإحْسانِ في احْتِمالَيِ الخِطابِ عَلى أنْ يَكُونَ مُرادُ المَلَأِ مِن جَوابِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعاهم إلى ما دَعاهم إلَيْهِ أنّا لا نَتَّبِعُكَ ولا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لِقَوْلِكَ لِأنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُنا لَيْسَ فِيكَ
صفحة 39
ما يَسْتَدْعِي نُبُوَّتَكَ وكَوْنَكَ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْنا بِذَلِكَ وأتْباعُكَ أراذِلُ اتَّبَعُوكَ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَثَبُّتٍ، فَلا يَدُلُّ اتِّباعُهم عَلى أنَّ فِيكَ ما يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وخَفِيَ عَنّا، وأيْضًا لَسْتَ ذا تَفَضُّلٍ عَلَيْنا لِيَكُونَ تَفَضُّلُكَ داعِيًا لَنا لِمُوافَقَتِكَ كَيْفَما كُنْتَ ولا أتْباعُكَ ذَوُو تَفَضُّلٍ عَلَيْنا لِنُوافِقَهم وإنْ كانُوا أراذِلَ مُراعاةً لِحَقِّ التَّفَضُّلِ، فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يُوافِقُ الرَّذِيلَ لِتَفَضُّلِهِ ولا يُبالِي بِكَوْنِهِ رَذِيلًا لِذَلِكَ مِمّا يَدُورُ في الخُلْدِ إلّا أنَّ في القَلْبِ مِنهُ شَيْئًا ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ جَمِيعًا لِكَوْنِ كَلامِهِمْ واحِدًا ودَعْوَتِكم واحِدَةً أوْ إيّاكَ في دَعْوى النُّبُوَّةِ وإيّاهم في تَصْدِيقِكَ، قِيلَ: واقْتَصَرُوا عَلى الظَّنِّ احْتِرازًا مِنهم عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى المُجازَفَةِ كَما أنَّهم عَبَّرُوا بِما عَبَّرُوا أوَّلًا لِذَلِكَ مَعَ التَّعْرِيضِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِرَأْيِ المُتَّبَعِينَ ومُجاراةً مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الآراءِ عَلى نَهْجِ الإنْصافِ
11:28Page 224
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي، وفِيهِ إيماءٌ إلى رَكاكَةِ رَأْيِهِمُ المَذْكُورِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ وشاهِدٍ يَشْهَدُ لِي بِصِحَّةِ دَعْوايَ ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ هي النُّبُوَّةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ هي البَيِّنَةَ نَفْسَها جِيءَ بِها إيذانًا بِأنَّها مَعَ كَوْنِها بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ، ووَجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أُخْفِيَتْ عَلى هَذا ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها النُّبُوَّةُ. وبِالبَيِّنَةِ البُرْهانِ الدّالِّ عَلى صِحَّتِها، فالإفْرادُ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، أوْ لِكَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْبَيِّنَةِ، والِاكْتِفاءُ بِذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ خَفاءِ البَيِّنَةِ خَفاءَ المُدَّعِي، وجُمْلَةُ﴿وآتانِي رَحْمَةً﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ أوْ لِكَوْنِهِ لِلرَّحْمَةِ، وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ أيْ أخْفَيْتُ الرَّحْمَةَ بَعْدَ إخْفاءِ البَيِّنَةِ وما يَدُلُّ عَلَيْها وحُذِفَ لِلِاخْتِصارِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَعْنى دُونَ تَقْدِيرٍ، أوْ لِتَقْدِيرِ –عُمِّيَتْ- غَيْرِ المَذْكُورِ بَعْدَ لَفْظِ البَيِّنَةِ وحُذِفَ اخْتِصارًا، وفِيهِ تَقْدِيرُ جُمْلَةٍ قَبْلَ الدَّلِيلِ.
وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( فَعَمِيَتْ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو مِنَ العَمى ضِدَّ البَصَرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الخَفاءُ مَجازًا يُقالُ: حُجَّةٌ عَمْياءُ كَما يُقالُ: مُبْصِرَةٌ لِلْواضِحَةِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ شِبْهُ خَفاءِ الدَّلِيلِ بِالعَمى في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَمْنَعُ الوُصُولَ إلى المَقاصِدِ، ثُمَّ فَعَلَ ما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِي لا يَهْتَدِي بِالحُجَّةِ لِخَفائِها عَلَيْهِ بِمَن سَلَكَ مَفازَةً لا يَعْرِفُ طُرُقَها واتَّبَعَ دَلِيلًا أعْمى فِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والأصْلُ فَعَمِيتُمْ عَنْها كَما تَقُولُ العَرَبُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
تَرى الثَّوْرَ فِيها يَدْخُلُ الظِّلَّ رَأْسُهُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القَلْبَ عِنْدَ أصْحابِنا مُطْلَقًا لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ لَيْسَ مِنهُ بَلْ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ، وكَذا الآيَةُ لَيْسَتْ مِنهُ أيْضًا لِأنَّ أخْلَفَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والوَصْفُ مِنهُ كَذَلِكَ ولَكَ أنْ تُضِيفَهُ إلى أيِّهِما شِئْتَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ ما ذُكِرَ مِنَ القَلْبِ لَكانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلى، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا ولا تَقُولُ: عَمِيتُ عَلى كَذا.
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ وثّابٍ –وعَمِيَتْ- بِالواوِ الخَفِيفَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: فَعَمّاها عَلَيْكُمْ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، وظاهِرُ ذَلِكَ مَعَ أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الحَسَنَ والقَبِيحَ مِنهُ تَعالى، ولِذا أوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حِفْظًا لِعَقِيدَتِهِ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أيْ أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها، وهو جَوابُ أرَأيْتُمْ وسادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ
صفحة 40
وفِي البَحْرِ أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ البَيِّنَةُ مُقَدَّرًا وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ( أرَأيْتُمْ ) أيْ ( إنْ كُنْتُ ) إلَخْ.. فَأخْبِرُونِي وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ مَنصُوبانِ وقَدْ قُدِّمَ أعْرَفُهُما -وهُوَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ الأعْرَفُ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ- جازَ في الثّانِي الوَصْلُ والفَصْلُ، فَيَجُوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ أنُلْزِمُكم إيّاها وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ ووافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وقالَ ابْنُ أبِي الرَّبِيعِ: يَجِبُ الوَصْلُ في مِثْلِ ذَلِكَ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ: فَإذا كانَ المَفْعُولانِ اللَّذانِ تَعَدّى إلَيْهِما فِعْلُ الفاعِلِ مُخاطَبًا وغائِبًا فَبَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، فَإنَّ عَلامَةَ الغائِبِ العَلّامَةُ الَّتِي لا يَقَعُ مَوْقِعُها إيّاهُ وذَلِكَ نَحْوَ: أعْطَيْتُكَهُ وقَدْ أعْطاكَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ فَهَذا كَهَذا إذْ بَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، انْتَهى، ولَوْ قُدِّمَ الغائِبُ وجَبَ الِانْفِصالُ عَلى الصَّحِيحِ فَيُقالُ: أنُلْزِمُها إيّاكم.
وأجازَ بَعْضُهم الِاتِّصالَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراهُمُنِي، ولَمْ يَقُلْ: أراهم إيّايَ، وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وجِيءَ بِالواوِ تَتِمَّةً لِمِيمِ الجَمْعِ، وحُكِي عَنْ أبِي عَمْرٍو إسْكانُ المِيمِ الأُولى تَخْفِيفًا، ويَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الفَرّاءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْكانُ حَرَكَةِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ
فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلَ
وقَوْلِهِ:
وناعٍ يُخْبِرُنا بِمَهْلِكِ سَيِّدٍ ∗∗∗ تُقَطَّعُ مِن وجْدٍ عَلَيْهِ الأنامِلُ
وأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ الإسْكانِ فَلَمْ يَضْبِطْهُ عَنْهُ الرّاوِي، وقَدْ رَوى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها وهَذا هو الحَقُّ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: إنَّ الإسْكانَ الصَّرِيحَ لَحْنٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وحُذّاقِ البَصْرِيِّينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ مِن شَطْرِ أنْفُسِنا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ مِن شَطْرِ قُلُوبِنا، أيْ مِن تِلْقائِها وجِهَتِها، وفي البَحْرِ أنَّ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ.
﴿وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ أيْ لا تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ السَّمِينُ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِن أحَدِ المَفْعُولَيْنِ، واخْتِيرَ أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وقُدِّمَ الجارُّ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، ومَحْصُولُ الجَوابِ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ إلّا أنَّها خافِيَةٌ عَلَيْكم غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ لَدَيْكم أيُمْكِنُنا أنْ نُكْرِهَكم عَلى قَبُولِها وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْها غَيْرُ مُتَدَبِّرِينَ فِيها، أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ -كَذا قَرَّرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ- ثُمَّ قالَ: وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِصُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ إظْهارِ اليَأْسِ عَنْ إلْزامِهِمْ والقُعُودِ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ إلَخْ.. لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدُّهم عَنِ الإعْراضِ عَنْها وحَثُّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيها بِصَرْفِ الإنْكارِ المُسْتَفادِ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الإلْزامِ حالَ كَراهَتِهِمْ لا إلى الإلْزامِ مُطْلَقًا، وقالَ مَوْلانا سَعْدِيُّ جَلْبِيُّ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإلْزامِ هُنا الجَبْرُ بِالقَتْلِ ونَحْوُهُ لا الإيجابُ لِأنَّهُ واقِعٌ فَلْيُفْهَمْ.
وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ دَلِيلُ العَقْلِ الَّذِي هو مِلاكُ الفَضْلِ وبِحَسْبِهِ يَمْتازُ أفْرادُ البَشَرِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وبِهِ تُناطُ الكَرامَةُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِاجْتِباءُ لِلرِّسالَةِ وبِالكَوْنِ عَلَيْها التَّمَسُّكُ بِهِ والثَّباتُ عَلَيْهِ وبِخَفائِها عَلى الكَفَرَةِ عَلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ عَدَمَ إدْراكِهِمْ لِكَوْنِهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها وبِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ الَّتِي أنْكَرُوا اخْتِصاصَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ويَكُونُ المَعْنى: إنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ عَهْدَ النُّبُوَّةِ لا يَنالُهُ إلّا مَن لَهُ فَضِيلَةٌ عَلى سائِرِ النّاسِ مُسْتَتْبَعَةٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ دُونَهم أخْبِرُونِي إنِ امْتَزْتُ عَلَيْكم بِزِيادَةِ مَزِيَّةٍ وحِيازَةِ فَضِيلَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي
صفحة 41
بِحَسَبِها نُبُوَّةً مِن عِنْدِهِ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم تِلْكَ البَيِّنَةُ ولَمْ تُصِيبُوها ولَمْ تَنالُوها، ولَمْ تَعْلَمُوا حِيازَتِي لَها وكَوْنِي عَلَيْها إلى الآنِ حَتّى زَعَمْتُمْ أنِّي مِثْلُكم وهي مُتَحَقِّقَةٌ في نَفْسِها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَهُما، والحالُ أنَّكم كارِهُونَ لِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْحَمْلِ عَلى الإقْرارِ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُحاجَّةِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَوابًا عَنْ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي أدْرَجُوها في خِلالِ مَقالِهِمْ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَشَرًا قُصارى أمْرِهِ أنْ يَكُونَ مِثْلَهم مِن غَيْرِ فَضْلٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وقَطْعًا لِشَأْفَةِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ، انْتَهى، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ مَعْنى أنُلْزِمُكُمُوها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَها غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى أنَّ في أمْرِ التَّبَعِيَّةِ نَظَرًا كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِما أتى بِهِ مِنَ الشَّرْطِ مِن بابِ المُجاراةِ وإسْنادِ الإلْزامِ لِضَمِيرِ الجَماعَةِ إمّا لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِاعْتِبارِ مُتَّبِعِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ ذَلِكَ،
11:29Page 225
وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩
And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allāh. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.
﴿ويا قَوْمِ﴾ ناداهم بِذَلِكَ تَلَطُّفًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا لَهم ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيِ التَّبْلِيغِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإنْذارِ، وإفْرادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ، وقِيلَ: لِلدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم عَلى ذَلِكَ ﴿مالا﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ بَعْدَ إيمانِكُمْ، وأجْرًا لِي في مُقابَلَةِ اهْتِدائِكم ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ فَهو سُبْحانَهُ يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ولا بُدَّ حَسَبَ وعْدِهِ الَّذِي لا يُخْلَفُ فالمُرادُ بِالأجْرِ الأجْرُ عَلى التَّبْلِيغِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ الأجْرُ عَلى الطّاعَةِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي التَّعْبِيرِ بِالمالِ أوَّلًا وبِالأجْرِ ثانِيًا ما لا يَخْفى مِن مَزِيَّةِ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما عِنْدَهم ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قِيلَ: هو جَوابٌ عَمّا لَوَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن أنَّهُ لَوِ اتَّبَعَهُ الأشْرافُ لَوافَقُوهم وإنَّ اتِّباعَ الفُقَراءِ مانِعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ كَما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ التِماسًا مِنهم لِطَرْدِهِمْ وتَعْلِيقًا لِإيمانِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ أنَفَةً مِن الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ، انْتَهى، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا لَهُ يا نُوحُ: إنْ أحْبَبْتَ أنْ نَتْبَعَكَ فاطْرُدْ هَؤُلاءِ، وإلّا فَلَنْ نَرْضى أنْ نَكُونَ نَحْنُ وهم في الأمْرِ سَواءً وذَلِكَ كَما قالَ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في فُقَراءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ عَنْكَ ونَحْنُ نَتْبَعُكَ فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَجْلِسَ مَعَهم في مَجْلِسِكَ، فَهو جَوابٌ عَمّا لَمْ يُذْكَرْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ لَكِنَّ فِيهِ نَوْعَ إشارَةٍ إلَيْهِ، وقُرِئَ (بِطارِدٍ) بِالتَّنْوِينِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ، يَعْنِي أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ فَأصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، واسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما شَبَهُهُ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهٌ بِغَيْرِ جِنْسِهِ والآخَرُ شَبَهُهُ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، وإلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، انْتَهى، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ أوْلَوِيَّةَ إلْحاقِهِ بِالأسْماءِ إنَّما يَتِمُّ القَوْلُ بِها إذا كانَتِ الإضافَةُ في الأسْماءِ هي الأصْلَ ولَيْسَ فَلَيْسَ.
﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ مِن طَرْدِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لا أطْرُدُهم ولا أُبْعِدُهم عَنْ مَجْلِسِي لِأنَّهم مِن أهْلِ الزُّلْفى المُقَرَّبُونَ الفائِزُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وانْفِهامُ الفَوْزِ بِمَعُونَةِ المَقامِ وإلّا فَمُلاقاةُ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ لِلْفائِزِ وغَيْرِهِ أوْ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ فَيُخاصِمُونَ طارِدَهم عِنْدَهُ فَيُعاقِبُهُ عَلى ما فَعَلَ -وحَمَلَهُ عَلى أنَّهم مُصَدِّقُونَ في الدُّنْيا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ فَكَيْفَ أطْرُدُهُمْ- خِلافَ الظّاهِرِ عَلى أنَّ هَذا التَّصْدِيقَ مِن تَوابِعِ الإيمانِ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّهم يُلاقُونَهُ تَعالى فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ أمْرِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ في الفِكْرِ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَنْ قُلُوبِهِمْ وأتَعَرَّفَ سِرَّ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، وفِيهِ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ
صفحة 42
مَبْنِيًّا عَلى أنَّ سُؤالَ الطَّرْدِ لِعَدَمِ إخْلاصِهِمْ لا لِاسْتِرْذالِهِمْ، وحالُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى يَأْباهُ الجَزْمُ بِتَرَتُّبِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ، ويَدْخُلُ فِيهِ جَهْلُهم بِمَنزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِما يَتَرَتَّبُ مِنَ المَحْذُورِ عَلى طَرْدِهِمْ وبِرَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في التِماسِ ذَلِكَ وتَوْقِيفِ إيمانِهِمْ عَلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإيثارُ صِيغَةِ الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وعَبَّرَ بِالرُّؤْيَةِ مُوافَقَةً لِتَعْبِيرِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجَهْلُ بِمَعْنى الجِنايَةِ عَلى الغَيْرِ وفِعْلِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ لا بِمَعْنى عَدَمِ العِلْمِ المَذْمُومِ وهو مَعْنًى شائِعٌ كَما في قَوْلِهِ:
ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
أيْ: ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَتَسَفَّهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الخَساسَةِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences