Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:35–39
11:35Page 225
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥
Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يَعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ بَلْ أيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ أنَّ نُوحًا افْتَرى ما جاءَ بِهِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (قُلْ) يا نُوحُ ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ بِالفَرْضِ البَحْتِ
صفحة 48
﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ أيْ وبالُهُ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى التَّجَوُّزِ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، وفُسِّرَ الإجْرامُ بِكَسْبِ الذَّنْبِ وهو مَصْدَرُ أجْرَمَ، وجاءَ عَلى قِلَّةِ جُرْمٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي
وقُرِئَ (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ كَما قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ جُرْمٍ، واسْتَشْكَلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ الشَّرْطِيَّةَ بِأنَّ الِافْتِراءَ المَفْرُوضَ هُنا ماضٍ والشَّرْطُ يَخْلُصُ لِلِاسْتِقالِ بِإجْماعِ أئِمَّةَ العَرَبِيَّةِ، وأجابَ أنَّ المُرادَ -كَما قالَ ابْنُ السِّراجِ- إنْ ثَبَتَ أنِّي افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، قِيلَ: والأصْلُ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ عُقُوبَةُ افْتِرائِي ولَكِنَّهُ فَرْضٌ مُحالٌ وأنا بَرِيءٌ مِنِ افْتِرائِكم أيْ نِسْبَتِكم إيّايَ إلى الِافْتِراءِ، وعَدَلَ عَنْهُ إدْماجًا لِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، وأنَّ المَسْألَةَ مَعْكُوسَةٌ، وحُمِلَتْ (ما) عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِما في المَوْصُولِيَّةِ مِن تَكَلُّفِ حَذْفِ العائِدِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ﴿إجْرامِي﴾ فِيما قَبْلُ، وما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي شَأْنِهِ هو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أيْ بَلْ أيَقُولُ مُشْرِكُو مَكَّةَ افْتَرى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرَ نُوحٍ قِيلَ: وكَأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ عِنْدَ سُوقِ طَرَفٍ مِنها تَحْقِيقًا لِحَقِيقَتِها وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِها وتَشْوِيقًا لِلسّامِعِينَ إلى اسْتِماعِها لا سِيَّما وقَدْ قَصَّ مِنها طائِفَةً مُتَعَلِّقَةً بِما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المَحاجَّةِ، وبَقِيَتْ طائِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَذابِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ بَعِيدٌ وإنْ وُجِّهَ بِما وُجِّهَ، وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ كَوْنَها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أظْهَرَ وأنْسَبَ مِن كَوْنِها مِن تَتِمَّةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ دَلالَةً عَلى كَمالِ العِنادِ وأنَّ مِثْلَهُ بَعْدَ الإتْيانِ بِالقِصَّةِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ المُعْجِزِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلى افْتِراءٍ فَجاءَ زِيادَةَ إنْكارٍ عَلى إنْكارٍ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أمَعَ هَذا البَيانِ أيْضًا يَقُولُونَ ( افْتَراهُ ) وهو نَظِيرُ اعْتِراضِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ بَيَّنَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، انْتَهى، ولا أُراهُ مُعَوَّلًا عَلَيْهِ.
11:36Page 225
وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.
﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ﴾ إقْناطٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإعْلامٌ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يُتَوَقَّعُ إيمانُهُ. أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَضْرِبُ ثُمَّ يَلُفُّ في لُبَدٍ فَيَلْقى في بَيْتِهِ يَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ ماتَ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَدْعُوهُمْ، واتُّفِقَ أنْ جاءَهُ رَجُلٌ ومَعَهُ ابْنُهُ وهو يَتَوَكَّأُ عَلى عَصًا فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ هَذا الشَّيْخَ لا يَغُرَّنَّكَ، قالَ: يا أبَتِ أمْكِنِّي مِنَ العَصا فَأخَذَ العَصا ثُمَّ قالَ: ضَعْنِي عَلى الأرْضِ فَوَضَعَهُ فَمَشى إلَيْهِ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً في رَأْسِهِ وسالَتِ الدِّماءُ فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ قَدْ تَرى ما يَفْعَلُ بِي عِبادُكَ فَإنْ يَكُ لَكَ في عِبادِكَ حاجَةٌ فاهْدِهِمْ، وإنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَصَبِّرْنِي إلى أنْ تَحْكُمَ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وآيَسَهُ مِن إيمانِ قَوْمِهِ وأخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في أصْلابِ الرِّجالِ ولا في أرْحامِ النِّساءِ مُؤْمِنٌ، وقالَ سُبْحانَهُ: ( يا نُوح إنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ) إلَخْ، والمُرادُ بِمَن آمَنَ قِيلَ: مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الإيمانِ ولِلدَّوامِ حُكْمُ الحُدُوثِ ولِذا لَوْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ هَذا الثَّوْبَ وهو لابِسُهُ فَلَمْ يَنْزَعْهُ في الحالِ حَنِثَ، وقِيلَ: المُرادُ إلّا مَن قَدِ اسْتَعَدَّ لِلْإيمانِ وتُوُقِّعَ مِنهُ ولا يُرادُ ظاهِرُهُ وإلّا كانَ المَعْنى إلّا مَن آمَنَ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ
صفحة 49
يَقْتَضِي أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو يُنافِي تَقْنِيطِهِ مِن إيمانِهِمْ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ ما هو الظّاهِرُ والِاسْتِثْناءُ عَلى حَدِّ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، فَيُفِيدُ الكَلامُ الإقْناطَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأبْلَغِهِ أيْ لَنْ يُحْدِثَ مِن قَوْمِكَ إيمانًا ويُحَصِّلَهُ بَعْدُ إلّا مَن قَدْ أحْدَثَهُ وحَصَّلَهُ قَبْلُ، وذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ لِما فِيهِ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ وإحْداثِ المُحُدِثِ، فَإحْداثُ الإيمانِ وتَحْصِيلُهُ بَعْدُ مِمّا لا يَكُونُ أصْلًا، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ لَوْ قِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وأنَّ المَعْنى لا يُؤْمِنُ أحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ هَؤُلاءِ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ أبُو البَرْهَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وأنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ وعَلى إجْراءِ (أوْحى) مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أجازَ التَّكْلِيفَ بِما لا يُطاقُ.
﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَزِمِ البُؤْسَ ولا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ والإيذاءِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهُمْ
11:37Page 225
وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧
And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."
﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ عَطْفٌ عَلى ( فَلا تَبْتَئِسْ) والأمْرُ قِيلَ: لِلْوُجُوبِ إذْ لا سَبِيلَ إلى صِيانَةِ الرُّوحِ مِنَ الغَرَقِ إلّا بِهِ فَيَجِبُ كَوُجُوبِها وقِيلَ: لِلْإباحَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وألْ في (الفُلْكِ) إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ بِناءً عَلى أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيُهْلِكُهم بِالغَرَقِ ويُنْجِيهِ ومَن مَعَهُ بِشَيْءٍ يَصْنَعُهُ بِأمْرِهِ تَعالى مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ واسْمُهُ كَذا، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ، والأعْيُنُ حَقِيقَةٌ في الجارِحَةِ وهي جارِيَةٌ مَجْرى التَّمْثِيلِ كَأنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أعْيُنًا تَكْلَؤُهُ مِن تَعَدِّي الكَفَرَةِ، ومِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ، والجَمْعُ لِلْمُبالَغَةِ، وقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُ لِإضافَتِهِ عَلى ما قِيلَ: مَعْنى القِلَّةِ وأُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ وحِينَئِذٍ يُقَوِّي أمْرَ المُبالِغَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأعْيُنَ بِمَعْنى الرُّقَباءِ وأنَّ في ذَلِكَ ما هو مِن أبْلَغِ أنْواعِ التَّجْرِيدِ وذَلِكَ أنَّهم يَنْتَزِعُونَ مِن نَفْسِ الشَّيْءِ آخَرَ مِثْلَهُ في صِفَتِهِ مُبالَغَةً بِكَمالِها كَما أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:
أفاتَ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حَكَمٌ عَدْلُ
وقَدْ جُرِّدَ هَهُنا مِن ذاتِ المُهَيْمِنِ جَماعَةُ الرُّقَباءِ وهو سُبْحانَهُ الرَّقِيبُ نَفْسُهُ وقِيلَ: إنَّ مُلابَسَةَ العَيْنِ كِنايَةٌ عَنِ الحِفْظِ ومُلابَسَةُ الأعْيُنِ لِمَكانِ الجَمْعِ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الحِفْظِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ بَسْطُ اليَدِ وبَسْطُ اليَدَيْنِ، فَإنَّ الأوَّلَ كِنايَةٌ عَنِ الجُودِ والثّانِي عَنِ المُبالَغَةِ فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحِفْظَ الكامِلَ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ لِما أنَّ الحِفْظَ مِن لَوازِمِ الجارِحَةِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن أعْيُنِنا مَلائِكَتُنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكَ والجَمْعُ حِينَئِذٍ عَلى حَقِيقَتِهِ لا لِلْمُبالَغَةِ، ويُفْهَمُ مِن صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ هَذا مِنَ المُتَشابِهِ، والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: ما وصَفَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ في كِتابِهِ فَقِراءَتُهُ تَفْسِيرَهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُفَسِّرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ ولا بِالفارِسِيَّةِ، وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَأعْيُنّا بِالإدْغامِ ووَحْيِنا إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها وتَعْلِيمِنا. أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اجْعَلْ رَأْسَها كَرَأْسِ الدِّيكِ وجُؤْجُؤَها كَجُؤْجُؤِ الطَّيْرِ وذَنَبَها كَذَنَبِ الدِّيكِ، واجْعَلْ لَها أبْوابًا في جَنْبِها وشُدَّها بِدُسُرٍ، وأمَرَهُ أنْ يَطْلِيَها بِالقارِ ولَمْ يَكُنْ في الأرْضِ قارٌ فَفَجَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَيْنَ القارِ حَيْثُ يَنْحِتُها يَغْلِي غَلَيانًا حَتّى طَلاها الخَبَرُ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَّمَهُ صَنْعَتَها، وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تُعَلِّمُهُ
صفحة 50
﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ لا تُراجِعُنِي فِيهِمْ ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ فِيما لَوْ قِيلَ: ولا تَدْعُنِي فِيهِمْ، وحَيْثُ كانَ فِيهِ ما يَلُوحُ بِما يَسْتَتْبِعُهُ أكَّدَ التَّعْلِيلَ فَقِيلَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيْ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وقَدْ جَرى بِهِ القَضاءُ وجَفَّ القَلَمُ فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن قَوْمِهِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُرادُ واعِلَّةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ،
11:38Page 226
وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨
And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.
﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ.
وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وأخَذَ أوْ أقْبَلَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ مِن خَشَبِ السّاجِ وقَدْ غَرَسَهُ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى صارَ طُولُهُ أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ والذِّراعُ إلى المَنكِبِ في أرْبَعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ الفَرّاسِيِّ، وقِيلَ: أبْقاهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَكَثَ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبَسُ، وقالَ عَمْرُو بْنُ الحَرْثِ: لَمْ يَغْرِسْهُ بَلْ قَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ مِن خَشَبِ الشِّمْشادِ وقَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ، وقِيلَ: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّها كانَتْ مِنَ الصَّنَوْبَرِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ سامٌ وحامٌ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ أيْضًا أُناسٌ اسْتَأْجَرَهم يَنْحِتُونَ وذُكِرَ أنَّ طُولَها ثَلَثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا وارْتِفاعُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ طُولُها ألْفَ ذِراعٍ ومِائَتَيْ ذِراعٍ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ وصَنَعَ لَها بابًا في وسَطِها وأتَمَّ صُنْعَها عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ في ثَلاثِ سِنِينَ.
وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ في أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ: في سِتِّينَ، وقِيلَ: في مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، واخْتُلِفَ في أنَّهُ في أيِّ مَوْضِعٍ صَنَعَها، فَقِيلَ: في الكُوفَةِ، وقِيلَ: في الهِنْدِ، وقِيلَ: في أرْضِ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: في أرْضِ الشّامِ، وسَفِينَةُ الأخْبارِ في تَحْقِيقِ الحالِ فِيما أرى لا تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ فِيها إذْ هي غَيْرُ سالِمَةٍ عَنْ عَيْبٍ، فالحَرِيُّ بِحالِ مَن لا يَمِيلُ إلى الفُضُولِ أنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَعَ الفُلْكَ حَسْبَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ولا يَخُوضُ في مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها وارْتِفاعِها ومِن أيِّ خَشَبٍ صَنَعَها وبِكم مُدَّةٍ أتَمَّ عَمَلَها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَشْرَحْهُ الكِتابُ ولَمْ تُبَيِّنْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، هَذا في التَّعْبِيرِ بِيَصْنَعُ عَلى ما قِيلَ: مُلاءَمَةً لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا مِن ضَمِيرِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيِ اسْتَهْزَأُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ إمّا لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَها ولا كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمالِها فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وسَخِرُوا مِنهُ، ويَشْهَدُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: اصْنَعِ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ وما الفُلْكُ؟ قالَ: بَيْتٌ مِن خَشَبٍ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ، قالَ: يا رَبِّ: وأيْنَ الماءُ؟ قالَ: إنِّي عَلى ما أشاءُ قَدِيرٌ، وإمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَصْنَعُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الماءِ وكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كانَ نُوحُ قَدْ مَكَثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم حَتّى كانَ آخِرَ زَمانِهِ غَرَسَ شَجَرَةً فَعَظُمَتْ وذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ قَطَعَها ثُمَّ جَعَلَ يَعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَرَوْنَهُ ويَسْألُونَهُ فَيَقُولُ: أعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَسْخَرُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ: تَعْمَلُ سَفِينَةً في البَرِّ، وكَيْفَ تَجْرِي؟ فَيَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ» الحَدِيثَ، والأكْثَرُونَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ إذْ ذاكَ، وقَدْ ذَكَرَ في كُتُبِ
صفحة 51
الأوَّلِيّاتِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن عَمِلَ السَّفِينَةَ، والحَقُّ أنَّهُ لا قَطْعَ بِذَلِكَ، و–كُلَّ- مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ أيْ كُلَّ وقْتِ مُرُورٍ، والعامِلُ فِيهِ جَوابُهُ وهو سَخِرُوا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ: فَما صَنَعَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ مِنهُ هَذا المَبْلَغَ؟ فَقِيلَ: قالَ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا لِهَذا العَمَلِ ومُباشَرَةِ أسْبابِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الإعْراضِ عَنِ اسْتِدْفاعِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ومِن الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي والتَّعَرُّضِ لِأسْبابِ حُلُولِ سُخْطِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها سُخْرِيَّتُكم مِنّا واسْتِهْزاؤُكم بِنا وإطْلاقُ السُّخْرِيَةِ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً وعَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُشاكَلَةِ؛ لِأنَّها لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالِاسْتِجْهالِ وهو مَجازٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلسُّخْرِيَةِ، فَأُطْلِقَتِ السُّخْرِيَةُ وأُرِيدَ سَبَبُها.
وقِيلَ: إنَّها مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما كانَتْ لِجَزائِهِمْ مِن جِنْسِ صَنِيعِهِمْ لَمْ تُقَبَّحْ فَلا حاجَةَ لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ وجَمْعُ الضَّمِيرِ في مِنّا إمّا لِأنَّ سُخْرِيَتَهم مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُخْرِيَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا أوْ لِأنَّهم كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم أيْضًا إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ سُخْرِيَتِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ الجَمِيعُ لِلْمُجازاةِ في قَوْلِهِ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ فَتَكافَأ الكَلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ إمّا في مُجَرَّدِ التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ، وإمّا في التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ حَسْبَما صَدَرَ عَنْ مَلَأٍ بَعْدَ مَلَأٍ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ الظّاهِرُ، ولا ضَرَرَ في ذَلِكَ لِحَدِيثِ الجَزاءِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى جَوازِ مُقابَلَةِ نَحْوِ الجاهِلِ والأحْمَقِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى﴾، ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾، ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ واقِعٌ في الحالِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا عِنْدَ الغَرَقِ وفي الآخِرَةِ عِنْدَ الحَرَقِ. قالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّ المُرادَ مِن نَسْخَرُ مِنكم عَلى هَذا نُجازِيكم عَلى سُخْرِيَتِكم أوْ نَشْمَتُ بِكم عِنْدَ غَرَقِكم وحَرَقِكُمْ، وفِيهِ خَفاءُ هَذا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عامِلُ كُلَّما قالَ وهو الجَوابُ، وجُمْلَةُ سَخِرُوا صِفَةٌ لِمَلَأٍ أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ مُرُورَهم لِلسُّخْرِيَةِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ السُّخْرِيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى المُرُورِ ولا نَوْعًا مِنهُ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ ذَلِكَ مُبْعِدًا لِلْبَدَلِيَّةِ ولَيْسَ بِذَلِكَ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا التَّجْوِيزِ اسْتِمْرارُ هَذا القَوْلِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ظاهِرٌ، وعَلى الإعْرابِ قِيلَ: لا اسْتِمْرارَ وإنَّما أجابَهم بِهِ في بَعْضِ المَرّاتِ، ورَجَّحَ بِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَناهِيهِمْ في إيذائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَحَمُّلِهِ لِأذِيَّتِهِمْ لا مُسارَعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الجَوابِ (كُلَّما) وقَعَ مِنهم ما يُؤْذِيهِ مِنَ الكَلامِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ يَئِسَ مِن إيمانِهِمْ لَمْ يُبالِ بِإغْضابِهِمْ ولِذا هَدَّدَهُمُ التَّهْدِيدَ البَلِيغَ بِقَوْلِهِ:
11:39Page 226
فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩
And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ يَفْضَحُهُ أوْ يُذِلُّهُ أوْ يُهْلِكُهُ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ العَذابِ الغَرَقُ ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حُلُولَ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ و(مَن) عِبارَةٌ عَنْهُمْ، وهي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِلْعِلْمِ وهو بِمَعْنى المَعْرِفَةِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ العِلْمُ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى واحِدٍ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ.
صفحة 52
وقِيلَ: إنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ أوِ المَفْعُولَيْنِ، قِيلَ: ولَمّا كانَ مَدارُ سُخْرِيَتِهِمُ اسْتِجْهالَهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُكابَدَةِ المَشاقِّ الفادِحَةِ لِدَفْعِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ عَلى زَعْمِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في عَمَلِ السَّفِينَةِ، وكانُوا يَعُدُّونَهُ عَذابًا قِيلَ: بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ ( فَسَوْفَ ) إلَخْ يَعْنِي أنَّ ما أُباشِرُهُ لَيْسَ فِيهِ عَذابٌ لاحِقٌ بِي ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مَن يُعَذَّبُ، ولَقَدْ أصابَ العِلْمُ بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ مَحَزَّهُ انْتَهى، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ السُّخْرِيَةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِجْهالِ.
ولَعَلَّهُ يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِها عَلى ظاهِرِها أيْضًا بِأدْنى عِنايَةٍ فافْهَمْ، ووَصْفُ العَذابِ بِالإخْزاءِ لِما في الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ مِن لُحُوقِ الخِزْيِ والعارِ عادَةً والتَّعَرُّضُ لِحُلُولِ العَذابِ المُقِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، وفِيهِ مِنَ المَجازِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُهُ بِالمُؤَجَّلِ وإيرادُ الأوَّلِ بِالإتْيانِ غايَةُ الجَزالَةِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ قُرِئَ يَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences