Al-AlusiHud · 11:42–43

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:42–43

11:42Page 226

وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ جَوَّزَ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، الثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في بِسْمِ اللَّهِ، أيْ جَرَيانُها اسْتَقَرَّ (بِسْمِ اللَّهِ) حالَ كَوْنِها جارِيَةً، الثّالِثُ أنَّهُ حالٌ مِن شَيْءٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْ فَرَكِبُوا فِيها جارِيَةً، والفاءُ المُقَدَّرَةُ لِلْعَطْفِ، و(بِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ -بِتَجْرِي- أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ مُلْتَبِسَةٌ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ولا مَعْنى لِلْحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الحالِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ واحِدُهُ مَوْجَةٌ و﴿كالجِبالِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَوْجٍ أيْ في مَوْجٍ مُرْتَفِعٍ مُتَفاوِتٍ في الِارْتِفاعِ مُتَراكِمٍ، وقِيلَ: إنَّها جَرَتْ بِهِمْ في مَوْجٍ كَذَلِكَ وقَدْ بَقِيَ مِنها فَوْقَ الماءِ سِتَّةُ أذْرُعٍ، واسْتَشْكَلَ هَذا الجَرَيانُ مَعَ ما رُوِيَ أنَّ الماءَ طَبَقٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وأنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ تَجْرِي في داخِلِهِ كالسَّمَكِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الرِّوايَةَ مِمّا لا صِحَّةَ لَها، ويَكادُ العَقْلُ يَأْبى ذَلِكَ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: إنَّ الماءَ عَلا رَأْسَ كُلِّ جَبَلٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا عَلى أنَّهُ لَوْ سَلِمَ صِحَّةُ ما ذُكِرَ فَهَذا الجَرَيانُ كانَ في ابْتِداءِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ يَتَفاقَمَ الخَطْبُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ العَلاقَةُ بَيْنَ السَّفِينَةِ والبَرِّ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ جَرَيانُ ما جَرى بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ مِنَ المُفاوَضَةِ والِاسْتِدْعاءِ إلى السَّفِينَةِ والجَوابِ بِالِاعْتِصامِ بِالجَبَلِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما كانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ والواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ ابْنُها عَلى أنَّ ضَمِيرَ التَّأْنِيثِ لِامْرَأتِهِ، وفي إضافَتِهِ إلَيْها إشْعارٌ بِأنَّهُ رَبِيبُهُ لِأنَّ الإضافَةَ إلى الأُمِّ مَعَ ذِكْرِ الأبِ خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ جَوَّزُوهُ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ نُسِبَ إلَيْها لِكَوْنِهِ كافِرًا مِثْلَها، وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ فارْتِكابُ عَظِيمَةٍ لا يُقادِرُ قَدْرَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ طَهَّرَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمّا هو دُونَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْصِ بِمَراحِلَ فَحاشاهم ثُمَّ حاشاهم أنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِأُصْبُعِ الطَّعْنِ، وإنَّما المُرادُ بِالخِيانَةِ الخِيانَةُ في الدِّينِ، ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى الحَسَنِ ومُجاهِدٍ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ كَذِبٌ صَرِيحٌ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ (ابْنَهَ) بِهاءٍ مَفْتُوحَةٍ دُونَ ألْفٍ اكْتِفاءً بِالألِفِ عَنْها وهو لُغَةٌ -كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

أما تَقُودُ بِها شاةً فَتَأْكُلُها أوْ أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ

قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ حَتّى خَصَّهُ بَعْضُهم بِالضَّرُورَةِ والضَّمِيرُ لِلْأُمِّ أيْضًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ابْنَهْ بِسُكُونِ الهاءِ، وهي عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيُ لُغَةُ أزْدٍ فَإنَّهم يُسَكِّنُونَ هاءَ الكِنايَةِ مِنَ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ونِضْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ. وقِيلَ: إنَّها لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وعَقِيلٍ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَخُصُّ هَذا السُّكُونَ بِالضَّرُورَةِ ويُنْشِدُ:

صفحة 59

وأشْرَبُ الماءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها

وقَرَأ السُّدِّيُّ –ابْناهُ- بِألِفٍ وهاءِ سَكْتٍ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى النُّدْبَةِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ النِّداءِ لا يُحْذَفُ في النُّدْبَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا حِكايَةٌ والَّذِي مَنَعُوهُ في النُّدْبَةِ نَفْسِها لا في حِكايَتِها، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ -أبْناهُ- بِفَتْحِ هَمْزَةِ القَطْعِ الَّتِي لِلنِّداءِ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُنادِي المَندُوبَ بِالهَمْزَةِ، وأنَّ الرِّوايَةَ بِالوَصْلِ فِيها، والنِّداءُ بِالهَمْزَةِ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ، ويَبْعُدُ القَوْلُ بِالنُّدْبَةِ أنَّها لا تُلائِمُ الِاسْتِدْعاءَ إلى السَّفِينَةِ بَعْدُ كَما لا يَخْفى ولَوْ قِيلَ: إنَّ ابْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولُ –نادى- أيْضًا كَما في غَيْرِها مِنَ القِراآتِ، والألِفُ لِلْإشْباعِ والهاءُ السّاكِنَةُ هاءُ الضَّمِيرِ في بَعْضِ اللُّغاتِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَحْذُورٌ مِن جِهَةِ المَعْنى وهو ظاهِرٌ، نَعَمْ يَتَوَقَّفُ القَوْلُ بِذَلِكَ عَلى السَّماعِ في مِثْلِهِ؛ ومَتى ثَبَتَ تَعَيَّنَ عِنْدِي تَخْرِيجُ القِراءَةِ إنْ صَحَّتْ عَلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (ابْنَهُ) بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ نُوحٍ ووَصَلُوا بِالهاءِ واوًا وتَوَصَّلَ في الفَصِيحِ، وتَنْوِينُ (نُوحٍ) مَكْسُورٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ دَفْعًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ وكِيعٌ بِضَمِّهِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الإعْرابِ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُوءٍ لا تُعْرَفُ ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ أيْ مَكانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وإخْوَتِهِ ومَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ، والمُرادُ بَعْدَهُ عَنْهم إمّا حِسًّا أوْ مَعْنًى، وحاصِلُهُ المُخالَفَةُ لَهم في الدِّينِ فَمَعْزِلٌ بِالكَسْرِ اسْمُ مَكانِ العُزْلَةِ، وهي إمّا حَقِيقِيَّةٌ أوْ مَجازِيَّةٌ، وقَدْ يَكُونُ اسْمَ زَمانٍ، وإذا فُتِحَ كانَ مَصْدَرًا، وقِيلَ: المُرادُ -كانَ في مَعْزِلٍ- عَنِ الكُفّارِ قَدِ انْفَرَدَ عَنْهم وظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُرِيدُ مُفارَقَتَهم ولِذَلِكَ دَعاهُ إلى السَّفِينَةِ، وقِيلَ: إنَّما ناداهُ لِأنَّهُ كانَ يُنافِقُهُ فَظَنَّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ كالماتِرِيدِيِّ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ وبُلُوغِ السَّيْلِ الزُّبى يَنْزَجِزُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ ويَقْبَلُ الإيمانَ، وقِيلَ: لَمْ يَجْزِمْ بِدُخُولِهِ في الِاسْتِثْناءِ لِما أنَّهُ كانَ كالمُجْمَلِ فَحَمَلَتْهُ شَفَقَةُ الأُبُوَّةِ عَلى أنْ ناداهُ ( يا بُنَيَّ ) بِفَتْحِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ اجْتِزاءً بِالفَتْحَةِ عَلى الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ يا بُنَيا، وقِيلَ: إنَّها سَقَطَتْ لِالتِقائِها ساكِنَةً مَعَ الرّاءِ السّاكِنَةِ بَعْدَها، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ حَيْثُ لا ساكِنَ بَعْدُ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: فِيهِ ضَعْفٌ عَلى ما حَكاهُ يُونُسُ مِن ضَعْفِ يا أبِ ويا أُمِّ بِحَذْفِ الألِفِ والِاجْتِزاءِ عَنْها بِالفَتْحَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالكَسْرِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِن ياءِ الإضافَةِ وقِيلَ: إنَّها حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في الألِفِ ونِداؤُهُ بِالتَّصْغِيرِ مِن بابِ التَّحَنُّنِ والرَّأْفَةِ وكَثِيرًا ما يُنادِي الوالِدُ ولَدَهُ كَذَلِكَ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ أيْ في السَّفِينَةِ ولِتَعَيُّنِها ولِلْإيذانِ بِضِيقِ المَقامِ حَيْثُ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ مَعَ إغْناءِ المَعِيَّةِ عَنْ ذِكْرِها لَمْ تُذْكَرْ وأطْلَقَ الرُّكُوبَ، وتَخْفِيفُ الباءِ وإدْغامُها في المِيمِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ ووَجْهُ الإدْغامِ التَّقارُبُ في المَخْرَجِ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وهو نَهْيٌ عَنْ مُعايَشَةِ الكَفَرَةِ والدُّخُولِ في غِمارِهِمْ وقَطْعٌ بِأنَّ الدُّخُولَ فِيهِ يُوجِبُ الغَرَقَ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ

11:43Page 226

قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

﴿قالَ سَآوِي﴾ أيْ سَأنْضَمُّ ﴿إلى جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ، وقِيلَ: عَنى طَوْرَ زِيتا ﴿يَعْصِمُنِي﴾ أيْ يَحْفَظُنِي بِارْتِفاعِهِ مِنَ الماءِ فَلا يَصِلُ إلَيَّ. قالَ ذَلِكَ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَسائِرِ المِياهِ في أزْمِنَةِ السُّيُولِ المُعْتادَةِ الَّتِي رُبَّما يُتَّقى مِنها بِالصُّعُودِ إلى مُرْتَفَعٍ وجَهْلًا مِنهُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِإهْلاكِ الكَفَرَةِ فَلا بُدَّ أنْ يُدْرِكَهم ولَوْ كانُوا في قُلَلِ الجِبالِ

صفحة 60

(قالَ) مُبَيِّنًا لَهُ حَقِيقَةَ الحالِ وصارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِكْرِ المُحالِ ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ لِجِنْسِ العاصِمِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِهِ ذاتًا وصِفَةً لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ كَوْنِ الجَبَلِ عاصِمًا وزادَ اليَوْمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الوَقائِعُ وتُلِمُّ فِيها المُلِمّاتُ المُعْتادَةُ الَّتِي رُبَّما يَتَخَلَّصُ مِنها بِالِالتِجاءِ إلى بَعْضِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنِ الماءِ في مَحَلِّ إضْمارِهِ بِأمْرِ اللَّهِ أيْ عَذابِهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا لِابْنِهِ عَلى خَطَئِهِ في تَسْمِيَتِهِ ماءً وتَوَهُّمِهِ أنَّهُ كَسائِرِ المِياهِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ مِنها بِالهَرَبِ إلى بَعْضِ المَهارِبِ المَعْهُودَةِ وتَعْلِيلًا لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُغالَبُ وعَذابَهُ لا يَرُدُّ؛ وتَمْهِيدًا لِحَصْرِ العِصْمَةِ في جَنابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ جارُهُ بِالِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا هو تَعالى، وإنَّما قِيلَ: ( إلّا مِن رَحِم ) تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ جَلَّ شَأْنُهُ وإشْعارًا بِعِلْيَةِ رَحْمَتِهِ بِمُوجِبِ سَبْقِها غَضَبَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِكَمالِ عِنايَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن نَجاةِ ابْنِهِ بِبَيانِ شَأْنِ الدّاهِيَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِ الفارِغَةِ وصَرْفِ عِنانِهِ عَنِ التَّعَلُّلِ بِما لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا وإرْشادِهِ إلى العِياذِ بِالمُعاذِ الحَقِّ عَزَّ حِماهُ ولِذا عَدَلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ: لا يَعْصِمُكَ الجَبَلُ مِنهُ، كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو أحَدُ أوْجُهٍ في الآيَةِ وأقْواها.

والوَجْهُ الثّانِي أنَّ عاصِمًا صِيغَةُ نِسْبَةٍ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المَرْحُومُ أيْ لا ذا عِصْمَةٍ أيْ مَعْصُومٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قُرِئَ ( إلّا مَن رُحِمَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واعْتَرَضَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ فاعِلًا بِمَعْنى النِّسْبَةِ قَلِيلٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ أرادَ قِلَّتَهُ في نَفْسِهِ فَمَمْنُوعٌ وإنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَصْفِ فَلا يَضُرُّ.

والثّالِثُ أنَّ عاصِمًا عَلى ظاهِرِهِ و(مَن رَحِمَ) بِمَعْنى المَرْحُومِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لا مُتَّصِلٌ كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ أيْ لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَعْصُومٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذا المُنْقَطِعِ قَلِيلٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ تُخالِفُ الأُولى لا في النَّفْيِ والإثْباتِ فَقَطْ بَلْ في الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ أيْضًا، والأكْثَرُ فِيهِ مِثْلُ ما جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا، والرّابِعُ أنَّ –عاصِمًا- بِمَعْنى مَعْصُومٍ كَدافِقٍ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ وفاتِنٍ بِمَعْنى مَفْتُونٍ في قَوْلِهِ:

بَطِيءُ القِيامِ رَخِيمُ الكَلا مِ أمْسى فُؤادِي بِهِ (فاتِنًا)

(ومَن رَحِمَ) بِمَعْنى الرّاحِمِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْضًا أيْ لا مَعْصُومَ إلّا الرّاحِمُ عَلى مَعْنى لَكِنَّ الرّاحِمَ يَعْصِمُ مَن أرادَ، والخامِسُ أنَّ الكَلامَ عَلى إضْمارِ المَكانِ والِاسْتِثْناَءُ مُتَّصِلٌ أيْ لا عاصِمَ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ هو السَّفِينَةُ قِيلَ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ فِيهِ مُقابَلَةٌ لِقَوْلِهِ: يَعْصِمُنِي وهو المُرَجَّحُ بَعْدَ الأوَّلِ، والعاصِمُ عَلى هَذا حَقِيقَةٌ لَكِنَّ إسْنادَهُ إلى المَكانِ مَجازِيٌّ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ مَكانِ الِاعْتِصامِ، والمَعْنى لا مَكانَ اعْتِصامٍ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، وادَّعى أنَّهُ أرْجَحُ مِنَ الكُلِّ لِأنَّهُ ورَدَ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ﴾ إلَخْ ولَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، والسّادِسُ ما أبْداهُ صاحِبُ الكَشْفِ عِنْدَهُ وهو أنَّ المَعْنى لا مَعْصُومَ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ويُرادُ بِهِ عِصْمَةُ مَن فِيهِ عَلى الكِنايَةِ، فَإنَّ السَّفِينَةَ إذا عُصِمَتْ عُصِمَ مَن فِيها، والسّابِعُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، والمَعْنى لا عاصِمَ اليَوْمَ أحَدًا أوْ لِأحَدٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ أوْ لِمَن رَحِمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعَدَّهُ بَعْضُهم أقْرَبَها ولا أظُنُّكَ تَعْدِلُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ وجْهًا وهو الَّذِي اخْتارَهُ، والظّاهِرُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: أنَّ خَبَرَ لا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ لا عاصِمَ مَوْجُودٌ والأكْثَرُ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، والتَزَمَ الحَذْفَ فِيهِ بَنُو تَمِيمٍ

صفحة 61

ويَكُونُ اليَوْمَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِهِ فِعْلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ (عاصِمَ) أيْ لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ ومَنَعَ جَوازَ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مَنصُوبًا بِاسْمِ –لا- وأنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِهِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا لِلطَّوْلِ.

وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِلا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْضًا، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو الخَبَرُ و(اليَوْمَ) في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِعاصِمٍ، ورَدَّ أبُو البَقاءِ خَبَرِيَّةَ (اليَوْمَ) بِأنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ وهو لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ، والتَزَمَ كَوْنَهُ مَعْمُولَ ( مِن أمْرِ اللَّهِ ) وكَوْنَ الخَبَرِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ؛ ورَدَّ أبُو حَيّانَ جَوازَ النَّعْتِيَّةِ بِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْجُثَثِ كَما لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْها ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِهِ، فانْقَطَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ المُجاوَبَةِ، قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ فَما اسْتَتَمَّتِ المُراجَعَةُ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ هُنا إلّا إثْباتُ الحَيْلُولَةِ، وأمّا عِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَرَقِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ إلّا بَعْدُ؛ وقالَ الفَرّاءُ: (بَيْنَهُما) أيْ بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والجَبَلِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ إنَّما يَتَفَرَّعُ عَلى حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ لا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَبَلِ، لِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَوْنِهِ عاصِمًا وإنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُلْتَجَأِ إلَيْهِ مَوْجٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّفْرِيعَ لا يُنافِي ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ فَكانَ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أوْ هو بِناءً عَلى ظَنِّهِ أنَّ الماءَ لا يَصِلُ إلَيْهِ، وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَرَقٍ ساءَ الكَفَرَةَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَكَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُقَرَّرُ الوُقُوعِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى البَيانِ، وفي إيرادِ كانَ دُونَ صارَ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ مِنهُمْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском