Al-AlusiHud · 11:52–58

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:52–58

11:52Page 227

وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلَيْهِ تَعالى بِالطّاعَةِ أوْ تُوبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وأخْلِصُوا التَّوْبَةَ واسْتَقِيمُوا عَلَيْها، وقِيلَ: الِاسْتِغْفارُ كِنايَةٌ عَنِ الإيمانِ لِأنَّهُ مِن رَوادِفِهِ، وحَيْثُ إنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَسْتَدْعِي الكُفْرَ بِغَيْرِهِ لُغَةً قِيلَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِهِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ تَعالى مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( اعْبُدُوا اللَّهَ ) دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ فَلَوْ حُمِلَ ( اسْتَغْفِرُوا ) عَلى ما ذُكِرَ لَمْ يَفْدِ فائِدَةً زائِدَةً سِوى ما عُلِّقَ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ بِالأوَّلِ، والحَمْلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ مَعَ قِلَّةِ الفائِدَةِ مِمّا يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُعْجِزِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ وبِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةُ عَمّا صَدَرَ مِنهم

صفحة 81

غَيْرَ الشِّرْكِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ، وبِالثّانِي التَّوَسُّلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ التَّوَسُّلَ المَذْكُورَ لا يَنْفَكُّ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِهِ فَلا يَكُونُ بَعْدَهُ كَما تُؤْذِنُ بِهِ (ثُمَّ) -وقِيلَ: وقِيلَ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ.

و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ كَما في قَوْلِهِ:

إذا (نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا

﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ كَثِيرَ الدَّرِّ مُتَتابِعَهُ مِن غَيْرِ إضْرارٍ فَمِفْعالٌ لِلْمُبالَغَةِ كَمِعْطارٍ ومِقْدامٍ.

﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيْ عِزًّا مَضْمُومًا إلى عِزِّكم أوْ مَعَ عِزِّكُمْ، ويَرْجِعُ هَذا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ لِأنَّ العِزَّ الدُّنْيَوِيَّ بِذَلِكَ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُ –القُوَّةِ- بِالخِصْبِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ تَفْسِيرُها بِوَلَدِ الوَلَدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها قُوَّةُ الجِسْمِ، ورَغَّبَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعِ وبَساتِينَ وعِماراتٍ، وقِيلَ: حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ ثَلاثَ سِنِينَ فَوَعَدَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ كَثْرَةَ الأمْطارِ وتَضاعُفَ القُوَّةِ بِالتَّناسُلِ، وقِيلَ: القُوَّةُ الأُولى في الإيمانِ، والثّانِيَةُ في الأبْدانِ، أيْ يَزِدْكم قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةِ أبْدانِكم ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإجْرامِ، وقِيلَ: مُجْرِمِينَ بِالتَّوَلِّي وهو تُكَلُّفٌ.

11:53Page 227

قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣

They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وإنَّما قالُوهُ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ أوْ لِشِدَّةِ عَماهم عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ فاعْتَقَدُوا أنَّ ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ وإلّا فَهو وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جاءُوا بِالبَيِّناتِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها، فَفي الخَبَرِ: ”ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ“ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ أيْ بِتارِكِي عِبادَتِها ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكَ المُجَرَّدِ عَنِ البَيِّنَةِ –فَعَنْ- لِلتَّعْلِيلِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ وغَيْرِهِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ ﴿بِتارِكِي).﴾

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ أيْ صادِرِينَ، وهو مِنَ الصَّدْرِ مُقابِلِ الوَرْدِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الماءِ، وقَدْ شاعَ في كَلامِهِمُ اسْتِعْمالُ الصَّدْرِ والوَرْدِ كِنايَةً عَنِ العَمَلِ والتَّصَرُّفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

ما أمَسَّ الزَّمانِ حاجًا إلى مَن يَتَوَلّى الإيرادَ والإصْدارا

أيْ يَتَصَرَّفُ في الأُمُورِ بِصائِبِ رَأْيِهِ، وقَدْ يُكْتَفى بِالصَّدْرِ في ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ لِلْوَرْدِ فَيَقُولُونَ: لا يَصْدِرُ إلّا عَنْ رَأْيِهِ، والمَعْنى هُنا حِينَئِذٍ ما نَحْنُ ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ عامِلِينَ بِقَوْلِكَ، والنَّفْيُ فِيهِ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ آلِهَتَهم ولا يَعْمَلُونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ صادِرِينَ بِمَعْنى مُعْرِضِينَ وهو قَيْدٌ لِلنَّفْيِ، والمَعْنى انْتَفى تَرْكُنا عِبادَةَ آلِهَتِنا مُعْرِضِينَ ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ ويَكُونُ هَذا جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَوَلَّوْا)،﴾ وجَعَلَ بَعْضُهم إرادَةَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْمِينِ لا مِن بابِ تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ بِقَرِينَةِ (عَنْ) وجَعَلَهُ كِنايَةً كَما عَلِمْتَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرٌ في هَذا كَما يَكْشِفُ عَنْهُ كَلامُ الكَشْفِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتَ بِهِ أوْ في كُلِّ ما تَأْتِي وتَذَرُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ وقَدْ بالَغُوا في الإباءِ عَنِ الإجابَةِ فَأنْكَرُوا الدَّلِيلَ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة 82

ثُمَّ قالُوا مُؤَكِّدِينَ لِذَلِكَ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ، ثُمَّ كَرَّرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ زِيادَةِ الباءِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُفِيدِ لِلتَّقْوى دَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يُرْجى مِنهم ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الإقْناطِ ما فِيهِ

11:54–55Page 228

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤

We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh

مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ، وأصْلُهُ مِنِ اعْتَراهُ بِمَعْنى قَصَدَ عُراهُ أيْ مَحَلَّهُ وناحِيَتَهُ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أرادُوا بِهِ -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- الجُنُونَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والتَّنْكِيرُ فِيهِ قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في العُتُوِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ أُصِيبَ بِكَثِيرِ سُوءٍ مُبالَغَةً في خُرُوجِهِ عَنْ قانُونِ العَقْلِ، وذَكَرَ البَعْضُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ آلِهَتِهِمْ وأنَّ البَعْضَ مِنها لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وأصْلُهُ أنْ نَقُولَ قَوْلًا إلّا قَوْلَنا هَذا فَحُذِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ وحُذِفَ القَوْلُ المُسْتَثْنى وأُقِيمَ مَقُولُهُ مَقامَهُ، أوِ (اعْتَراكَ) هو المُسْتَثْنى لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ بَعْدَ (إلّا) ولَيْسَ مِمّا اسْتُثْنِيَ فِيهِ الجُمْلَةُ، ومَعْنى هَذا أنَّهُ أفْسَدَ عَقْلَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها وحَطِّكَ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ وغَرَضُهم مِن هَذا عَلى ما قِيلَ: بَيانُ سَبَبِ ما صَدَرَ عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما ذَكَرُوا مِن عَدَمِ التِفاتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ..

﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالُوا -وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ- يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ أنّا لا نَعْتَقِدُ كَلامَكَ إلّا ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ مِنَ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ فَكَيْفَ نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجَبِهِ؟! ولَقَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ السَّيِّئِ إلى الأسْوَأِ، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ حُجَّةً في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تَصْدِيقَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا حَيْثُ قالُوا ما قالُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، انْتَهى.

ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِالعاطِفِ كالجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَهُما، نَعَمْ تَضْمَنُها لِتَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ فَتَدَبَّرْ.

﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِمّا أنْتُمْ تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرِيكًا ولَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا -فَما مَوْصُولَةٌ و﴿مِن دُونِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ –بِتُشْرِكُونَ- لا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ تُشْرِكُونَ مُجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى في هَذا الحُكْمِ إذْ لا فائِدَةَ في التَّقْيِيدِ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْضًا أيْ مِن إشْراكِكُمْ، وقَدْ جَوَّزَ كِلا الِاحْتِمالَيْنٍ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: أيْ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ أوْ مِمّا تُشْرِكُونَهُ آلِهَةً مِن دُونِهِ، وأمْرُ تَعَلُّقِ الجارِّ فِيهِما واحِدٌ، وتَقْدِيرُ آلِهَةٍ لِإيضاحِ المَعْنى والإشارَةِ إلى أنَّ المَفْعُولَ مُرادٌ لِسَوْقِ الكَلامِ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ صِفَةً لَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ بَيانَهُ حاصِلُهُما بِنَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في بَيانِ حاصِلِ الأوَّلِ، إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا تَعَلَّقَ المَذْكُورُ ولَيْسَ المَعْنى عَلى آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ، ولِلطِّيبِيِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذاكَ، و(إنِّي بَرِيءٌ) مُتَنازَعٌ فِيهِ لِلْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِرْهَمًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا

صفحة 83

وقَدْ أجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا عَنْ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المَبْنِيَّةِ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِ آلِهَتِهِمْ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، ولِما كانَ ما وقَعَ أوَّلًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّها مِن كَوْنِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، إنَّما وقَعَ في ضِمْنِ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِها، وقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعَدُّوهُ مِمّا يُورِثُ شَيْنًا حَتّى زَعَمُوا ما زَعَمُوا، صَرَّحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَقِّ وصَدَعَ بِهِ حَيْثُ أخْبَرَ بِبَراءَتِهِ القَدِيمَةِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ -بِأنْ- وأكَّدَ ذَلِكَ -بِأُشْهِدُ اللَّهَ-، فَإنَّهُ كالقَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ ويَشْهَدُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِهانَةُ والِاسْتِهْزاءُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِخَصْمِهِ إذا لَمْ يُبالِ بِهِ: اشْهَدْ عَلى أنِّي قائِلٌ لَكَ كَذا، وكَأنَّهُ غايَرَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ لِذَلِكَ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ عِنْدَ بَعْضٍ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ قَدَّرَ قَوْلًا، أيْ: وأقُولُ (اشْهَدُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشْهادُ اللَّهِ تَعالى إنْشاءً أيْضًا وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ، وحِينَئِذٍ لا قِيلَ ولا قالَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إشْهادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم حَقِيقَةً إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

وعُدِلَ عَنِ الخَبَرِ فِيهِ تَمْيِيزًا بَيْنَ الخِطابَيْنِ فَهو خَبَرٌ في المَعْنى كَما هو المَشْهُورُ في الأوَّلِ، لَكِنَّ الأوْلى الحَمْلُ عَلى المَجازِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالِاجْتِماعِ والِاحْتِشادِ مَعَ آلِهَتِهِمْ جَمِيعًا دُونَ بَعْضٍ مِنها حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهم ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا﴾ والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَهاهم عَنِ الإنْظارِ والإمْهالِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ مِن كَوْنِ آلِهَتِكم مِمّا يَقْدِرُونَ عَلى إضْرارِ مَن يَنالُ مِنها ويَصُدُّ عَنْ عِبادَتِها ولَوْ بِطَرِيقٍ ضِمْنِيٍّ فَإنِّي بَرِيءٌ مِنها، فَكُونُوا أنْتُمْ مَعَها جَمِيعًا وباشِرُوا كَيْدِي ثُمَّ لا تُمْهِلُونِي ولا تُسامِحُونِي في ذَلِكَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ مِن قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، والخِطابُ لِلْقَوْمِ وآلِهَتِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّهُ لِلْقَوْمِ فَقَطْ، وفِيهِ نَفْيُ قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ضُرِّهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، فَإنَّ الأقْوِياءَ الأشِدّاءَ إذا لَمْ يَقْدِرُوا مَعَ اجْتِماعِهِمْ واحْتِشادِهِمْ عَلى الضُّرِّ كانَ عَدَمُ قُدْرَةِ الجَماداتِ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِن بابٍ أوْلى، وأيّاما كانَ فَذاكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُفْرِدًا بَيْنَ جَمْعِ عُتاةِ جَبابِرَةٍ عِطاشٍ إلى إراقَةِ دَمِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم وحَقَّرَهم وآلِهَتَهم وهَيَّجَهم عَلى ما هَيَّجَهم فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كَلَّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ ثِقَتِهِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ عِنايَتِهِ بِهِ وعِصْمَتِهِ لَهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ بِإظْهارِ التَّوَكُّلِ عَلى مَن كَفاهُ ضُرُّهم في قَوْلِهِ:

11:56Page 228

إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦

Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.

﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ وفِيهِ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ ضُرِّهِمْ بِطْرِيقٍ بُرْهانِيٍّ يَعْنِي أنَّكم وإنْ لَمْ تُبْقُوا في القَوْسِ مَنزِعًا وبَذَلْتُمْ مُضادَّتَيْ مَجْهُودِكم لا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ بِي، فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى واثِقٌ بِكَلاءَتِهِ وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَصْدُرُ عَنْكم شَيْءٌ ولا يُصِيبُنِي أمْرٌ إلّا بِإرادَتِهِ، وجِيءَ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الإنْشاءِ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرْهَنَ عَلى عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى ضُرِّهِ مَعَ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ إلّا هو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يَصْرِفُها كَيْفَ يَشاءُ غَيْرَ مُسْتَعْصِيَةٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والنّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ وتُطْلَقُ عَلى الشَّعَرِ النّابِتِ عَلَيْها، واسْتِعْمالُ الأخْذِ بِالنّاصِيَةِ في القُدْرَةِ والتَّسَلُّطِ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، وفي البَحْرِ أنَّهُ صارَ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ الأسِيرَ المَمْنُونَ عَلَيْهِ عَلامَةً عَلى أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُنْدَرِجٌ في البُرْهانِ وهو تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ لِأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أُمُورِ العِبادِ مُجازٍ لَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ كافٍ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ كَمَن وقَفَ عَلى الجادَّةِ فَحَفِظَها ودَفَعَ ضَرَرَ السّابِلَةِ بِها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ مَصِيرَكم

صفحة 84

إلَيْهِ تَعالى لِلْجَزاءِ وفَصْلِ القَضاءِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وفي الكَشْفِ إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ مِنَ اللَّطائِفِ ما يَبْهَرُكَ تَأمُّلُهُ مِن حُسْنِ التَّعْلِيلِ، وما يُعْطِيهِ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لَمْ يُبالِ بِهَوْلِ ما نالَهُ ثُمَّ التَّدَرُّجُ إلى تَعْكِيسِ التَّخْوِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَيْفَ يُصابُ مَن لَزِمَ سُدَّةَ العُبُودِيَّةِ ويَنْجُو مَن تَوَلّى ما يُعْطِيهِ مِن وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إذا كانَ كَذَلِكَ وتَرْشِيحُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ إلى تَمامِ التَّمْثِيلِ، فَإنَّهُ في الِاقْتِدارِ عَلى المُعْرِضِ أظْهَرُ مِنهُ في الرَّأْفَةِ عَلى المُقْبِلِ خِلافَ الصِّفَةِ الأُولى، وما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ رُبُوبِيَّتِهِ واقْتِدارِهِ تَعالى وتَصْوِيرِ ذُلِّ المَعْبُودِينَ بَيْنَ يَدَيْ قَهْرِهِ أيّامّا كانَ، والخَتْمُ بِما يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ عَلى القَطْعِ كِفايَةُ مَن إيّاهُ تَوَلّى وخِزايَةُ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَوَلّى بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ، وفي قَوْلِهِ: (رَبِّي) مِن غَيْرِ إعادَةِ (ورَبُّكُمْ) كَما في الأوَّلِ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ بَعْدَ اخْتِصارِ المَعْنى عَنِ الحَشْوِ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ اخْتِصاصِهِ بِهِ، وأنَّهُ رَبُّ الكُلِّ اسْتِحْقاقًا ورَبُّهُ دُونَهم تَشْرِيفًا وإرْفاقًا

11:57Page 228

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧

But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَهو مُضارِعٌ حُذِفَ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ لِاقْتِضاءِ أبْلَغْتُكم لَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ ماضِيًا، وفي الكَلامِ التِفاتٌ ولا يَظْهَرُ حُسْنُهُ ولِذا قَدَّرَ غَيْرَهُ مِمَّنْ جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقُلْ أبْلَغْتُكم لَكِنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وعِيسى الثَّقَفِيِّ (تُوَلُّوا) بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، والمُرادُ فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم فَلا يَصْلُحُ لِلشَّرْطِ، وجَوَّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ بِحَمْلِهِ عَلى التَّوَلِّي الواقِعِ بَعْدَما حَجَّهُمْ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِقَوْمِ هُودٍ والخِطابُ مَعَهُمْ، وهو مِن تَمامِ الجُمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فَقُلْ لَهم -قَدْ أبْلَغْتُكُمْ- إلَخْ وهو مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ أيْ إنْ تَتَوَلَّوْا لَمْ أُعاتِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ إنْ تَتَوَلَّوْا فَما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكُمْ، فَإنَّهُ قَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ بِاعْتِبارٍ لازَمَ مَعْناهُ المُسْتَقْبَلَ بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ أيْ فَلا تَفْرِيطَ مِنِّي ولا عُذْرَ لَكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ جَزاءٌ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ لِأنَّهُ كَما يُقْصَدُ تَرَتُّبُ المَعْنى يُقْصَدُ تَرَتُّبُ الإخْبارِ كَما في (وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عَلى ما مَرَّ وكُلُّ ذَلِكَ لِما أنَّ الإبْلاغَ واقِعٌ قَبْلَ تَوَلِّيهِمْ، والجَزاءُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ الشَّرْطِ.

وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ صِحَّةَ وُقُوعِهِ جَوابًا لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضْمَنُ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا آخَرِينَ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ بِناءً عَلى جَوازِ تَصْدِيرِهِ بِالواوِ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: المُرادُ بِهِ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِداخِلَةٍ في الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ جَزاءً بَلْ تَكُونُ جُمْلَةً بِرَأْسِها مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ العِبارَةِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ مُرَتَّبَةً عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عَلى العَدْلِ يَنْتَقِمُ مِنكم ويُهْلِكُكُمْ، وقالَ الجَلْبِيُّ: لا مانِعَ عِنْدِي مِن حَمْلِهِ عَلى الِاسْتِئْنافِ

صفحة 85

البَيانِيِّ جَوابًا عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّوَلِّي وهو الظّاهِرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُفْعَلُ بِهِمْ إذا تَوَلَّوْا؟ فَقِيلَ: (يَسْتَخْلِفُ) إلَخْ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجَوابِ لَكِنْ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ لِأنَّهُ الجَوابُ في الحَقِيقَةِ، والفاءُ رابِطَةٌ لَهُ ودُخُولُ الفاءِ عَلى المُضارِعِ هُنا لِأنَّهُ تابِعٌ يَتَسامَحُ فِيهِ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فَقُلْ: (يَسْتَخْلِفُ) إلَخْ، وقَرَأ حَفْصٌ بِرِوايَةِ هُبَيْرَةَ و(يَسْتَخْلِفْ) بِالجَزْمِ وهو عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ مَعَ الفاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) يَعْذُرُنِي ويُهْلِكُكم (ويَسْتَخْلِفُ) مَكانَكم آخَرِينَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ، وبِجَزْمِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾، وقِيلَ: إنَّ مَن جَزَمَ الأوَّلَ جَزَمَ هَذا لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ وهو الظّاهِرُ، والمَعْنى لا تَضُرُّونَهُ بِهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا ونَصَبَ (شَيْئًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَضُرُّونِ أيْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَفْعُولًا ثانِيًا مُفَسِّرًا لَهُ بِما يَتَعَدّى لَهُما لِمَكانِ الرِّوايَةِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّكم لا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَلِّيَ بَدَلَ الإهْلاكِ أيْ ولا تَضُرُّونَهُ بِتَوَلِّيكم شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكُمْ، فالحِفْظُ كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَفِيظُ بِمَعْنى الحافِظِ بِمَعْنى الحاكِمِ المُسْتَوْلِي، أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كَيْفَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ

11:58Page 228

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨

And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ نَزَلَ عَذابُنا عَلى أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأُمُورِ، قِيلَ: أوِ المَأْمُورُ بِهِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ مُضافًا إلى ضَمِيرِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَنْ نُزُولِهِ بِالمَجِيءِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأوامِرِ، أيْ: ووَرَدَ أمْرُنا بِالعَذابِ، والكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ إنْ أُرِيدَ أمْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ الوُقُوعِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، ولَعَلَّ الِانْتِصارَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذْ ذاكَ فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ وحْدَهُ، ولِذا عَدَّ مُواجَهَتَهُ لِلْجَمِّ الغَفِيرِ مُعْجِزَةً لَهُ ﷺ لَكِنْ لا بُدَّ لِهَذا مِن دَلِيلٍ كَدَعْوى انْفِرادِهِ عَنْهم حِينَ المُقاوَلَةِ؛ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ وزَمانَيْنِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ ما كانَ مِنَ المُقاوَلَةِ إنَّما هو في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ ومَجِيءُ الأمْرِ كانَ بَعْدُ بِكَثِيرٍ وإيمانُ مَن آمَنَ كانَ في البَيْنِ فَتَرْتَفِعُ المُنافاةُ (بِرَحْمَةٍ) عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ (مِنّا) وهي الإيمانُ الَّذِي أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ.

ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -ولِشَمِّ بَعْضِهِمْ مِنهُ رائِحَةَ الِاعْتِزالِ- لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، ولا بَأْسَ بِأنْ تُحْمَلَ الرَّحْمَةُ عَنِ الفَضْلِ فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ لَهُ سُبْحانَهُ تَعْذِيبُ المُطِيعِ كَما أنَّ لَهُ جَلَّ وعَلا إثابَةُ العاصِي، والجارُّ والمَجْرُورُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ –بِنَجَّيْنا- وهو الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا –بِآمَنُوا- أيْ إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذْ وفَّقَهم إلَيْهِ، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الإنْجاءِ عَلى النُّزُولِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن تَعْذِيبِ الكُفّارِ فَيَكُونُ قَدْ صَرَّحَ

صفحة 86

بِالإنْجاءِ اهْتِمامًا، ورَتَّبَ بِاعْتِبارِ الآخَرِ إشارَةً إلى أنَّهُ مَقْصُودٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ -لِما لِمُجَرَّدِ الحِينِ- ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِأجْلِ بَيانِ ما نَجّاهم عَنْهُ وهي الرِّيحُ الَّتِي كانَتْ تَحْمِلُ الظَّعِينَةَ وتَهْدِمُ المَساكِنَ وتَدْخُلُ في أُنُوفِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُهم إرْبًا إرْبًا، أوِ المُرادُ بِهَذا الإنْجاءِ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وبِالأوَّلِ الإنْجاءِ مِن عَذابِ الدُّنْيا، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، وحاصِلُهُ أنَّ الأوَّلَ إخْبارُ بِأنَّ الإيمانَ الَّذِي وُفِّقُوا لَهُ صارَ سَبَبَ إنْجائِهِمْ. والثّانِي بِأنَّ ذَلِكَ الإنْجاءَ كانَ مِن عَذابٍ أيْ عَذابِ دَلالَةٍ عَلى كَمالِ الِامْتِنانِ وتَحْرِيضًا عَلى الإيمانِ ولَيْسَ مِن أُسْلُوبِ -أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ- في شَيْءٍ كَما ظَنَّهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.

وقَدْ أوْرَدَ عَلى الثّانِي أنَّ إنْجاءَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ لَيْسَ في وقْتِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولا مُسَبِّبًا عَنْهُ إلّا أنْ يُجابَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قِيلَ: ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مِن غَيْرِ داعٍ لِأنَّ المُوافِقَ لِلتَّعْبِيرِ بِالماضِي المُفِيدِ لِتَحَقُّقِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ أنْ يَجْعَلَ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ واقِعًا في وقْتِ النُّزُولِ تَجَوُّزًا، أوِ المَعْنى حَكَمْنا بِذَلِكَ وتَبَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم لِأنَّ الدُّنْيا أُنْمُوذَجُ الآخِرَةِ، وأيّا ما كانَ فالمُرادُ بِغِلَظِ العَذابِ تَضاعُفُهُ، وقَدْ يُقالُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في وصْفِ العَذابِ الَّذِي كانَ بِالرِّيحِ: بِالغِلَظِ الَّذِي هو ضِدُّ الرِّقَّةِ الَّتِي هي صِفَةُ الرِّيحِ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وفِيهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ لِحالِهِمْ فَإنَّهم كانُوا غِلاظًا شِدادًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском