Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:71–73
11:71Page 229
وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١
And his wife was standing, and she smiled.1 Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وهي قائِمَةٌ، فَفِيهِ الإضْمارُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ، وكَأنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ لِلتَّعْوِيلِ عَلى انْفِهامِ المَرْجِعِ مِن سِياقِ الكَلامِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (قالُوا) وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ مِنَ الضَّحِكِ المَعْرُوفِ، والمُرادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ عِنْدَ الكَثِيرِ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ سُرُورًا بِزَوالِ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنِّساءُ لا يَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ كالرِّجالِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِنَّ الفَرَحُ، وقِيلَ: كانَ سُرُورًا بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ، وقِيلَ: بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أرى العَذابَ سَيَنْزِلُ بِقَوْمِهِ، وكانَ لُوطٌ ابْنَ أخِيهِ، وقِيلَ: ابْنُ خالَتِهِ وقِيلَ: كانَ أخا سارَّةَ وقَدْ مَرَّ آنِفًا أنَّها بِنْتُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ وهو في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ، والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةُ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ ذَلِكَ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهُمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدِمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وفي الكَلامِ عَلى ذَلِكَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقِيلَ: (ضَحِكَتْ) مِنَ المُعْجِزِ الَّذِي تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة 98
ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا عَنِ البَعْضِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالضَّحِكِ التَّبَسُّمُ ويُسْتَعْمَلُ في السُّرُورِ المُجَرَّدِ نَحْوَ مُسْفِرَةٍ ضاحِكَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَوْضَةٌ تَضْحَكُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ. وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ (ضَحِكَتْ) بِمَعْنى حاضَتْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وقَوْلُهُمْ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ بِهَذا المَعْنى أيْضًا، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عُبَيْدٍ، والفَرّاءُ مَجِيءُ ضَحِكٍ بِمَعْنى حاضَ، وأثْبَتَ ذَلِكَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَهُ:
(وضَحِكَ) الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
وقَوْلَهُ:
وعَهْدِي بِسَلْمى (ضاحِكًا) في لُبابَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حَقًّا ثَدْيُها أنْ تَحْلُما
وقَوْلَهُ:
إنِّي لَآتِي العُرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ (ضاحِكًا)
والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، نَعَمْ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ يُبْعِدُ الحَمْلَ عَلى ذَلِكَ هُنا قَوْلُها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ إلَخْ.. فَإنَّهُ لَوْ كانَ الحَيْضُ قَبْلَ البِشارَةِ لَما تَعَجَّبَتْ إذْ لا عَجَبَ في حَمْلِ مَن تَحِيضُ، والحَيْضُ في العادَةِ مِعْيارٌ عَلى إمْكانِ الحَمْلِ، ودُفِعَ بِأنَّ الحَيْضَ في غَيْرِ أوانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا، ولِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَظُنَّ أنَّ دَمَها لَيْسَ بِحَيْضٍ بَلِ اسْتِحاضَةٍ فَلِذا تَعَجَّبَتْ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ (فَضَحَكَتْ) بِفَتْحِ الحاءِ، وزَعَمَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وأنَّ (ضَحِكَ) بِالكَسْرِ هو المَعْرُوفُ، ومَصْدَرُهُ ضَحْكًا وضِحْكًا بِسُكُونِ الحاءِ وفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها، وضَحِكًا ضِحِكًا، بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ فَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ مَصادِرُ ضَحِكَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ، ويُفْهَمُ مِن مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ مَصْدَرَ ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَتْ إنَّما هو ضَحْكًا بِفَتْحِ الضّادِ وسُكُونِ الحاءِ، ولَمْ نَرَ هَذا التَّخْصِيصَ في غَيْرِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ فَتْحَ الحاءِ في الماضِي مَخْصُوصٌ بِضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَلَيْهِ فالقِراءَةُ المَذْكُورَةُ تُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ ضَحِكَتْ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِحاضَتْ.
﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ قِيلَ: أيْ عَقَّبْنا سُرُورَها بِسُرُورٍ أتَمَّ مِنهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِنا ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وحَفْصٍ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ، ورَجَعَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، واعْتَرَضَهُ البَعْضُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ ما ذُكِرَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ، ودُفِعَ بِأنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الهِبَةِ قَبْلَ وُجُودِ المَوْهُوبِ بِشارَةُ مَعْنًى، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ ( بِإسْحاقَ ) لِأنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، واعْتَرَضَ أنَّهُ إنَّما يَتَأتّى العَطْفُ عَلى المَحَلِّ إذا جازَ ظُهُورُ المَحَلِّ في فَصِيحِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ولَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا.
وبَشِّرْ لا تَسْقُطُ باؤُهُ مِنَ المُبَشَّرِ بِهِ في الفَصِيحِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العَطْفَ عَلى ( بِإسْحاقَ ) عَلى تَوَهُّمِ نَصْبِهِ لِأنَّهُ في مَعْنى وهَبْنا لَها إسْحاقَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
(مَشائِيمُ) لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبَ إلّا بِبَيْنِ غُرابِها
إلّا أنَّهُ تَوَهَّمَ في هَذا وُجُودَ الباءِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى عَكْسِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ويُقالُ لِمِثْلِ هَذا: عَطْفُ التَّوَهُّمِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ هُنا مِنَ البَشاعَةِ عَلى أنَّ هَذا العَطْفَ شاذٌّ لا يَنْبَغِي التَّخْرِيجُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وبِهَذا اعْتُرِضَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ مِن حَمْلِ كَلامِهِ حَيْثُ قالَ: وقُرِئَ بِالنَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: وهَبْنا لَها إسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: مَشائِيمُ. البَيْتَ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ الظّاهِرُ مِنهُ، وقالَ في الكَشْفِ أرادَ أنَّهُ عَطْفٌ مَعْنَوِيٌّ ومِثْلُهُ شائِعٌ مُسْتَفِيضٌ في العَطْفِ والإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ:
صفحة 99
ولا ناعِبَ.
تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ بُعْدِهِ لَما كانَ واقِعًا فَهَذا أجْدَرُ، والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ أنَّ غَيْرَ المَوْجُودِ في اللَّفْظِ جُعِلَ بِمَنزِلَتِهِ وأُعْمِلَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ مِن عِبارَتِهِ، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لَفْظِ (إسْحاقَ) وفَتْحَتُهُ لِلْجَرِّ لِأنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وعَلى هَذا دُخُولُهُ في البِشارَةِ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ الفَصْلُ بَيْنَ نائِبِ الجارِّ ومَجْرُورِهِ وهو أبْعَدُ مِنهُ بَيْنَ الجارِّ ومَجْرُورِهِ، وفي البَحْرِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما ذُكِرَ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ ومَعْطُوفِهِ المَجْرُورِ، فَلا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فَإنْ جاءَ فَفي شِعْرٍ، فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا فَفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ نَحْوَ قامَ زَيْدٌ واليَوْمَ عَمْرٌو، وضَرَبْتُ زَيْدًا واليَوْمَ عَمْرًا، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والنَّحْوِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ و(يَعْقُوبُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، (ومِن وراءِ) الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ -ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ كائِنٌ أوْ مَوْجُودٌ أوْ مَوْلُودٌ- قالَ النَّحّاسُ: والجُمْلَةُ حالٌ داخِلَةٌ في البِشارَةِ أيْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْقُوبُ.
وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ كَما أجازَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ: إنَّهُ جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ أيْضًا لِاعْتِمادِهِ عَلى ذِي الحالِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ إذا كانَ حالًا لا يَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالواوِ فَلْيُتَدَبَّرْ.
وجَوَّزَ النَّحّاسُ أيْضًا أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ ويَحْدُثُ مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ، وقَدْ مَرَّ ما يُعْلَمُ مِنهُ الجَوابُ، و(وراءَ) هُنا بِمَعْنى خَلْفٍ وبِذَلِكَ فَسَّرَها الرّاغِبُ وغَيْرُهُ هُنا، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُها بِوَلَدِ الوَلَدِ وهو أحَدُ مَعانِيها كَما في الصِّحاحِ، والقامُوسِ، وبِذَلِكَ قالَ الشَّعْبِيُّ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ (يَعْقُوبَ) ولَدُ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصُلْبِهِ لا ولَدَ ولَدِهِ، ولِدَفْعِ ذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ: إنَّ وجْهَ هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُرادَ بِيَعْقُوبَ أوْلادُهُ كَما يُقالُ: هاشِمٌ ويُرادُ أوْلادُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِن ولَدِ ولَدِ إسْحاقَ أوْلادِ يَعْقُوبَ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ البِشارَةُ بِيَعْقُوبَ مِن طَرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: وجْهْ ذَلِكَ أنَّهُ سُمِّيَ ولَدُ إسْحاقَ (وراءَ) بِالنِّسْبَةِ إلَيْها أيْ وراؤُها مِن إسْحاقَ كَأنَّهم بَشَّرُوها بِأنْ تَعِيشَ حَتّى تَرى ولَدَ ولَدِها، أوْ بِأنْ يُولَدَ لِوَلَدِها ولَدٌ، قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، والمَنقُولُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيَّ أظْهَرُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُهُ بِمَعْنى خَلْفٍ إذْ في كِلا الوَجْهَيْنِ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى، والِاسْمانِ يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُما في البِشارَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ وهو الأظْهَرُ.
ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ: ويُحْتَمَلُ أنَّها بُشِّرَتْ بِوَلَدٍ ووَلَدِ ولَدٍ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ ثُمَّ سُمِّيا بَعْدَ الوِلادَةِ، وتَوْجِيهُ البِشارَةِ إلَيْها مَعَ أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ وُجِّهَتْ إلَيْهِ في آيَتَيِ الحِجْرِ والذّارِياتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بُشِّرَ بِهِ يَكُونُ مِنهُما ولِكَوْنِها عَقِيمَةً حَرِيصَةً عَلى الوَلَدِ، وكانَتْ قَدْ تَمَنَّتْهُ حِينَما وُلِدَ لِهاجَرَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ
11:72Page 230
قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢
She said, "Woe to me!1 Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"
﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ ما فَعَلَتْ حِينَ بُشِّرَتْ؟ فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿يا ويْلَتى﴾ مِنَ الوَيْلِ وأصْلُهُ الخِزْيُ، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والمُرادُ هُنا التَّعَجُّبُ وقَدْ كَثُرَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَتَعَجَّبْنَ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، ولِذا أمالَها أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وبِهَذا يَلْغُزُ فَيُقالُ: ما ألِفٌ هي ضَمِيرُ مُفْرَدٍ مُتَكَلِّمٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ، وقِيلَ: إنَّها ألِفُ النُّدْبَةِ ولِذا يُلْحِقُونَها الهاءَ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَتاهُ ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
صفحة 100
﴿وهَذا﴾ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ ﴿بَعْلِي﴾ أيْ زَوْجِي، وأصْلُ البَعْلِ القائِمُ بِالأمْرِ فَأُطْلِقَ عَلى الزَّوْجِ لِأنَّهُ يَقُومُ بِأمْرِ الزَّوْجَةِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو الذَّكَرُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وجَمْعُهُ بُعُولَةٌ نَحْوَ فَحْلٍ وفُحُولَةٍ، ولِما تَصَوَّرُوا مِنَ الرَّجُلِ اسْتِعْلاءً عَلى المَرْأةِ فَجُعِلَ سائِسَها والقائِمَ عَلَيْها؛ وسُمِّيَ بِهِ شِبْهُ كَلِّ مُسْتَعْلٍ عَلى غَيْرِهِ بِهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، ومِن هُنا سَمّى العَرَبُ مَعْبُودَهُمُ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْلًا لِاعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ ﴿شَيْخًا﴾ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، وهو مِن شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ: لِلْأُنْثى شَيْخَةٌ كَما قالَ:
وتَضْحَكُ مِنِّي (شَيْخَةٌ) عَبْشَمِيَّةٌ.
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشِيخانٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والعامِلُ فِيهِ ما في هَذا مِن مَعْنى الإشارَةِ أوِ التَّنْبِيهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُ هَذِهِ الحالِ مِن لَطِيفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ إذْ لا تَجُوزُ إلّا حَيْثُ يُعْرَفُ الخَبَرُ، فَفي قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا لا يُقالُ إلّا لِمَن يَعْرِفُهُ فَيُفِيدُهُ قِيامُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ زَيْدًا عِنْدَ عَدَمِ القِيامِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهُنا بَعْلِتَّيُهُ مَعْرُوفَةٌ، والمَقْصُودُ بَيانُ شَيْخُوخَتِهِ وإلّا لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ بَعْلُها قَبْلَ الشَّيْخُوخَةِ قالَهُ الطِّيبِيُّ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا لَمْ تَكُنِ الحالُ لازِمَةً غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ، أمّا في نَحْوِ هَذا أبُوكَ عَطُوفًا فَلا يَلْزَمُ المَحْذُورُ، والحالُ هَهُنا مُبَيِّنَةٌ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ لِأنَّ العامِلَ فِيها ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ التَّأْوِيلِ يَتَّحِدُ عامِلُ الحالِ وذِيها، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ هَذا يَعْمَلُ عَمَلَ كانَ و(شَيْخًا) خَبَرُهُ وسُمُّوهُ تَقْرِيبًا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ في مُصْحَفِهِ- والأعْمَشُ –شَيْخٌ- بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفي البَحْرِ إنَّ الكَلامَ عَلى هَذا كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، أوْ هو الخَبَرُ، و(بَعْلِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (بَعْلِي) الخَبَرَ، و–شَيْخٌ- تابِعًا لَهُ، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وقَعَتْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أألِدُ) لِتَقْرِيرِ ما فِيهِ مِن الِاسْتِبْعادِ وتَعْلِيلُهُ أيْ أألِدُ وكِلانا عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِذَلِكَ، وإنَّما قَدَّمَتْ بَيانَ حالِها عَلى بَيانِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مُبايَنَةَ حالِها لِما ذُكِرَ مِنَ الوِلادَةِ أكْثَرُ، إذْ رُبَّما يُولَدُ لِلشُّيُوخِ مِنَ الشَّوابِّ أمّا العَجائِزُ داؤُهُنَّ عِقامٌ، ولِأنَّ البِشارَةَ مُتَوَجِّهَةٌ إلَيْها صَرِيحًا، ولِأنَّ العَكْسَ في البَيانِ رُبَّما يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرِ نِسْبَةَ المانِعِ عَنِ الوِلادَةِ إلى جانِبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ المَحْذُورِ، واقْتِصارُها في الِاسْتِبْعادِ عَلى وِلادَتِها مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّافِلَةِ لِأنَّها المُسْتَبْعَدَةُ، وأمّا وِلادَةُ ولَدِها فَلا يَتَعَلَّقُ بِها اسْتِبْعادٌ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ مِن هَرَمَيْنِ مِثْلِنا، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها، والتَّذْكِيرُ لِأنَّ المَصْدَرَ في تَأْوِيلِ (إنَّ) مَعَ الفِعْلِ ولَعَلَّ المَآلَ أنَّ هَذا الفِعْلَ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ مِن سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ في عِبادِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ ومَقْصِدُها كَما قِيلَ: اسْتِعْظامُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها في ضِمْنِ الِاسْتِعْجابِ العادِيِّ لا اسْتِبْعادُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ القُدْرَةِ
11:73Page 230
قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣
They said, "Are you amazed at the decree of Allāh? May the mercy of Allāh and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."
﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ قُدْرَتِهُ وحِكْمَتِهِ، أوْ تَكْوِينِهِ وشَأْنِهِ سُبْحانَهُ، أنْكَرُوا عَلَيْها تَعَجُّبَها لِأنَّها كانَتْ ناشِئَةً في بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ ومَحَلِّ الخَوارِقِ فَكانَ حَقُّها أنْ تَتَوَقَّرَ ولا يَزْدَهِيها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ مِن أمْثالِ هَذِهِ الخَوارِقِ مِن ألْطافِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الخَفِيَّةِ ولَطائِفِ صُنْعِهِ الفائِضَةِ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِإفاضَتِهِ عَلى مَشِيئَتُهُ تَعالى الأزَلِيَّةُ لا سِيَّما أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ هم هم وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى وتُمَجِّدَهُ وتَحْمَدَهُ، وإلى ذَلِكَ أشارُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ المُسْتَتْبَعَةُ كُلَّ خَيْرٍ
صفحة 101
ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِها والإيماءِ إلى عَظَمَتِها ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ خَيْراتُهُ التّامَّةُ المُتَكاثِرَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هِبَةُ الأوْلادِ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنهم وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وقِيلَ: رَحْمَتُهُ تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخَلَّةِ والإمامَةِ.
﴿عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ الِاخْتِصاصِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وبَيْنَهُما فَرْقٌ ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ يُقْصَدُ بِهِ المَدْحُ، أوِ الذَّمُّ لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ ذَلِكَ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: بِنا تَمِيمًا يَكْشِفُ الضَّبابَ.
انْتَهى، وفي الهَمْعِ أنَّ النَّصْبَ في الِاخْتِصاصِ بِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ بِأعْنِي ويَخْتَصُّ بِأيِ الواقِعَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَأنا أفْعَلُ كَذا أيُّها الرَّجُلُ، وكاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، وحُكْمُها في هَذا البابِ -إلّا عِنْدَ السِّيرافِيِّ والأخْفَشِ- حُكْمُها في بابِ النِّداءِ ويَقُومُ مَقامَها في الأكْثَرِ كَما -قالَ سِيبَوَيْهِ- بَنُو نَحْوَ قَوْلِهِ. نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أصْحابُ الجَمَلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
نَحْنُ بَناتُ طارِقٍ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ
ومَعْشَرُ كَقَوْلِهِ:
لَنا مَعْشَرَ الأنْصارِ مَجْدٌ مُؤَثَّلٌ ∗∗∗ بِإرْضائِنا خَيْرَ البَرِيَّةِ أحَمَدا
وفِي الحَدِيثِ: «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وآلْ، وأهْلُ، وأبُو عَمْرٍو لا يَنْصِبُ غَيْرَهُما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَلَّ كَوْنُ ذَلِكَ عَلَمًا كَما في بَيْتِ رُؤْبَةَ السّابِقِ في كَلامِ أبِي حَيّانَ، ولا يَكُونُ اسْمَ إشارَةٍ ولا غَيْرَهُ، ولا نَكِرَةً البَتَّةَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ اسْمِ الِاخْتِصاصِ عَلى الضَّمِيرِ، وقَلَّ وُقُوعُ الِاخْتِصاصِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَسُبْحانَكَ اللَّهَ العَظِيمَ، وبَعْدَ لَفْظِ غائِبٍ في تَأْوِيلِ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ نَحْوَ عَلى المَضارِبِ الوَضْعِيَّةِ أيُّها البائِعُ، فالمَضارِبُ لَفْظُ غَيْبَةٍ لِأنَّهُ ظاهِرٌ لَكِنَّهُ في مَعْنى عَلى أوْ عَلَيْكَ، ومَنَعَ ذَلِكَ الصَّفّارُ البَتَّةَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ شِبْهُ النِّداءِ فَكَما لا يُنادى الغائِبُ فَكَذَلِكَ لا يَكُونُ فِيهِ الِاخْتِصاصُ انْتَهى، مَعَ أدْنى زِيادَةٍ وتَغْيِيرٍ، ومِنهُ يُعْلَمُ بَعْضُ ما في كَلامِ أبِي حَيّانَ وأنَّ حَمْلَ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنِ ارْتِكابِ ما قَلَّ في كَلامِهِمْ، وجَوَّزَ في الكَشّافِ نَصْبَهُ عَلى النِّداءِ، وقَدَّمَهُ عَلى احْتِمالِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، ولَعَلَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى تَرْجِيحِهِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ إنَّ في ذَلِكَ فَواتَ مَعْنى المَدْحِ المُناسِبَ لِلْمَقامِ، والمُرادُ مِنَ البَيْتِ -كَما في البَحْرِ- بَيْتُ السُّكْنى، وأصْلُهُ مَأْوى الإنْسانِ بِاللَّيْلِ، ثُمَّ قَدْ يُقالُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اللَّيْلِ فِيهِ، ويَقَعُ عَلى المُتَّخَذِ مِن حَجَرٍ ومِن مَدَرٍ، ومِن صُوفٍ ووَبَرٍ، وعَبَّرَ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ بِأنَّهُ بَيْتُهُ ويُجْمَعُ عَلى بُيُوتٍ وأبْياتٍ، وجَمْعُ الجَمْعِ أبايِيتٍ وبُيُوتاتٍ، وأبَياواتٍ، ويُصَغَّرُ عَلى بُيَيْتٍ وبُيِيتٍ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: بُوَيْتٍ كَما تَقُولُهُ العامَّةُ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى الجَمْعِ لِيَكُونَ جَوابُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها جَوابًا لِمَن يَخْطُرُ بِبالِهِ مِثْلُ ما خَطَرَ بِبالِها مِن سائِرِ أهْلِ البَيْتِ.
والجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ تَعَجُّبِها فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، واخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: هي دُعائِيَّةٌ ولَيْسَ بِذاكَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى دُخُولِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ السُّنِّيُّونَ، ويُؤَيِّدُهُ ما في سُورَةِ الأحْزابِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الشِّيعَةُ فَقالُوا: لا تَدْخُلُ إلّا إذا كانَتْ قَرِيبَ الزَّوْجِ، ومَن نَسَبَهُ فَإنَّ المُرادَ مِنَ البَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ لا بَيْتُ الطِّينِ والخَشَبِ، ودُخُولُ سارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها هُنا لِأنَّها بِنْتُ عَمِّهِ، وكَأنَّهم حَمَلُوا البَيْتَ عَلى الشَّرَفِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ، وبِهِ فُسِّرَ في قَوْلِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ:
صفحة 102
حَتّى احْتَوى بَيْتُكَ المَهِينُ مِن خُنْدُفٍ عَلْياءَ تَحْتَها النُّطَفُ
ثُمَّ خَصُّوا الشَّرَفَ بِالشَّرَفِ النِّسْبِيِّ وإلّا فالبَيْتُ بِمَعْنى النَّسَبِ مِمّا لَمْ يَشِعْ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعاهم لِذَلِكَ بُغْضُهم لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَرامُوا إخْراجَها مِن حُكْمِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ الزِّيادَةِ في التَّحِيَّةِ عَلى ”السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ“، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: سَلامٌ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ ومَغْفِرَتُهُ فانْتَهَرَهُ ابْنُ عُمَرَ وقالَ: حَسْبُكَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى، وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سائِلًا قامَ عَلى البابِ وهو عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ وصَلَواتُهُ ومَغْفِرَتُهُ، فَقالَ: انْتَهُوا بِالتَّحِيَّةِ إلى ما قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي رِوايَةٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ ومَغْفِرَتُهُ ورِضْوانُهُ فَقالَ: ما هَذا السَّلامُ؟! وغَضِبَ حَتّى احْمَرَّتْ وجَنَتاهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَدَّ لِلسَّلامِ حَدًّا ثُمَّ انْتَهى ونَهى عَمّا وراءَ ذَلِكَ ثُمَّ قَرَأ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾، ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: أيْ تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وفي الكَشّافِ أيْ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الحَمْدَ مِن عِبادِهِ، فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ ( حَمِيدٌ ) هُنا بِمَعْنى حامِدٍ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى ﴿مَجِيدٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الرَّفِيعُ يُقالُ: مَجَدَ كَنَصَرَ وكَرُمَ مَجْدًا ومَجادَةً أيْ كَرُمَ وشَرُفَ؛ وأصْلُهُ مِن مَجَّدَتِ الإبِلُ إذا وقَعَتْ في مَرْعًى كَثِيرٍ واسِعٍ، وقَدْ أمْجَدَها الرّاعِي إذا أوْقَعَها في ذَلِكَ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ إذا أكْثَرْتَ عَلَفَها، وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حَيَّةَ النَّمِيرِيِّ:
تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ (بِماجِدَةٍ) الطَّعامَ ولا الشَّرابَ
أيْ لَيْسَتْ بِكَثِيرِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ، ومِن أمْثالِهِمْ في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخَ والعِفارَ أيِ اسْتَكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ تَحَرّى السِّعَةَ في بَذْلِ الفَضْلِ المُخْتَصِّ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ، والجُمْلَةُ عَلى ما في الكَشْفِ تَذْيِيلٌ حَسَنٌ لِبَيانِ أنَّ مُقْتَضى حالِها أنْ تُحْمَدَ مُسْتَوْجِبَ الحَمْدِ المُحْسِنِ إلَيْها بِما أحْسَنَ وتُمَجِّدُهُ إذْ شَرَّفَها بِما شَرُفَ، وقِيلَ: هي تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences