Al-AlusiHud · 11:83–87

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:83–87

11:83Page 231

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣

Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.

﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ عَلَيْها سِيما يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: مُعَلَّمَةٌ بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ بَعْضُها أسْوَدَ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ وبَعْضُها أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ.

وعَنِ الرَّبِيعِ أنَّها كانَتْ مُعَلَّمَةً بِاسْمِ مَن يُرْمى بِها، وكانَ بَعْضُها كَما قِيلَ: مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ وبَعْضُها مِثْلَ مَبارِكِها وبَعْضُها مِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يَمْلِكُها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ولا يَتَصَرَّفُ بِها سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، والظَّرْفُ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُسَوَّمَةٍ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لَهُ والمَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ

صفحة 114

أنَّ المَعْنى أنَّها جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ أنَّها مُعَدَّةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ ألْزَمَ هَذا التَّسْوِيمَ لِلْحِجارَةِ عِنْدَهُ تَعالى إيذانًا بِقُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ فَلْيُفْهَمْ.

﴿وما هِيَ﴾ أيِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ بِما ذُكِرَ ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مِن 4 كُلِّ ظالِمٍ بِبَعِيدٍ.

- فَإنَّهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها وفِيهِ وعِيدٌ لِأهْلِ الظُّلْمِ كافَّةً، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ، وجاءَ في خَبَرٍ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وقالَ فِيهِ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ لَهُ عَلى إسْنادٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعُرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ لِتُخْطِئَهم.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، وظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْعُقُوبَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ و َ(الظّالِمِينَ) مَن يُشْبِهُهم مِنَ النّاسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُرادَهُ بَيانُ حاصِلِ المَعْنى لا مُرَجَّحُ الضَّمِيرِ.

وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (هِيَ) لِلْقُرى الَّتِي جُعِلَ عالِيها سافِلَها والمُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو مَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَرِيبَةً إلَيْهِمْ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، أوْ إجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ أيْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ فَإنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي في غايَةِ البُعْدِ في الأرْضِ إلّا أنَّها هَوَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِهِمْ فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ

11:84Page 231

۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ أيْ أوْلادِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ جُعِلَ اسْمًا بِالغَلَبَةِ لِلْقَبِيلَةِ وكَثِيرًا ما تُسَمّى القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ كَمُضَرَ وتَمِيمٍ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِمَدْيَنَ المَدِينَةُ الَّتِي بَناها مَدْيَنُ فَسُمِّيَتْ بِهِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ أيْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ ﴿أخاهُمْ﴾ نَسِيبَهم ﴿شُعَيْبًا﴾ قَدْ مَرَّ ما قِيلَ في نَسَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ أيْ وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ شُعَيْبًا.

﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أمْرٌ بِالتَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ أكِيدٍ، ولَمّا كانَ مِلاكَ الأمْرِ قَدَّمَهُ عَلى النَّهْيِ عَمّا اعْتادُوهُ مِنَ البَخْسِ المُنافِي لِلْعَدْلِ المُخِلِّ بِحِكْمَةِ التَّعارُضِ وإيصالِ الحُقُوقِ لِأصْحابِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ قِيلَ: أيْ لا تَنْقُصُوا النّاسَ مِنَ المِكْيالِ والمِيزانِ يَعْنِي مِمّا يُكالُ ويُوزَنُ عَلى ذِكْرِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحالِ، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ لا تَنْقُصُوا حَجْمَ المِكْيالِ عَنِ المَعْهُودِ وكَذا الصَّنَجاتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ الكَيْلُ بَدَلُ المِكْيالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ، ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِثَرْوَةٍ واسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقُّها أنْ تُقابَلَ بِغَيْرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِأنْ تَتَفَضَّلُوا عَلى النّاسِ شُكْرًا عَلَيْها، فَإنَّ أجَلَّ شُكْرِ النِّعَمِ الإحْسانُ والتَّفَضُّلُ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى أوْ أراكم بِخَيْرٍ وغِنًى فَلا تُزِيلُوهُ بِما تَأْتُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، وعَلى كُلِّ حالٍ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وعَقَّبَ بِعِلَّةٍ أُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ جَمِيعًا، وفُسِّرَ المُحِيطُ بِما لا يَشِذُّ مِنهُ أحَدٌ مِنهم وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُهْلِكِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 115

﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، وادَّعى أنْ يُصَفُ اليَوْمُ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ لِأنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ يَعْنِي أنَّ اليَوْمَ لِما كانَ زَمانًا مُشْتَمِلًا عَلى الحَوادِثِ الكائِنَةِ فِيهِ عَذابًا أوْ غَيْرَهُ، فَإذا أحاطَ بِالمُعَذَّبِ مُلْتَبِسًا بِعَذابِهِ لِأنَّهُ حادِثَةٌ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ الأمْرُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ اليَوْمُ وهو العَذابُ كَما إذا أحاطَ مُلْتَبِسًا بِنَعِيمِهِ.

والحاصِلُ أنَّ إحاطَةَ اليَوْمِ تَدُلُّ عَلى إحاطَةِ كُلِّ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ، وأمّا إحاطَةُ العَذابِ عَلى قَوْمٍ فَقَدْ يَكُونُ بِأنْ يُصِيبَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم فَرْدًا مِن أفْرادِ العَذابِ، وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلى إحاطَةِ أنْواعِ العَذابِ المُشْتَمِلِ عَلَيْها اليَوْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ، ولا شَكَّ في أبْلَغِيَّةِ هَذا كَذا في الكَشْفِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في بَيانِ الأبْلَغِيَّةِ: إنَّ اليَوْمَ زَمانٌ لِجَمِيعِ الحَوادِثِ فَيَوْمُ العَذابِ زَمانُ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ الواقِعَةِ فِيهِ، فَإذا كانَ مُحِيطًا بِالمُعَذَّبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ أنْواعُ العَذابِ لَهُ وهَذا كَقَوْلِهِ:

إنَّ المُرُوءَةَ والسَّماحَةَ والنَّدى في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ

فَإنَّ وُقُوعَ العَذابِ في اليَوْمِ كَوُجُودِ الأوْصافِ في القُبَّةِ، وجَعْلُ اليَوْمِ مُحِيطًا بِالمُعَذَّبِ كَضَرْبِ القُبَّةِ عَلى المَمْدُوحِ، فَكَما أنَّ هَذا كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِ تِلْكَ الأوْصافِ لَهُ كَذَلِكَ ذاكَ كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِ أنْواعِ العَذابِ لِلْمُعَذَّبِ، وأمّا وصْفُ العَذابِ بِالإحاطَةِ فَفِيهِ اسْتِعارَةُ إحاطَتِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُعَذَّبِ، فَكَما أنَّ المُحِيطَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أجْزاءِ المُحاطِ لا يَفُوتُ العَذابَ شَيْءٌ مِن أجْزاءِ المُعَذَّبِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ تُفِيدُ أنَّ العَذابَ لِكُلِّ المُعَذَّبِ وتِلْكَ الكِنايَةُ تُفِيدُ أنَّ كُلَّ العَذابِ لَهُ، ولا يَخْفى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في الأبْلَغِيَّةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (مُحِيطٍ) نَعْتًا لِعَذابٍ وجُرَّ لِلْجِوارِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِيَوْمٍ جارٍ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ والتَّقْدِيرُ عَذابُ يَوْمٍ مُحِيطٍ عَذابُهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَ الخَيْرَ بِرُخْصِ السِّعْرِ والعَذابَ بِغَلائِهِ.

11:85Page 231

وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أيْ أتِمُّوهُما، وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الِانْتِهاءَ المَطْلُوبَ مِنَ النَّهْيِ السّابِقِ لا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الإتْمامِ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا تَبَعًا، وهَذا مُسَلَّمٌ عَلى المَذاهِبِ جَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ عَيْنَ الأمْرِ بِالضِّدِّ أوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ تَضَمُّنًا أوِ التِزامًا؛ لِأنَّ الخِلافَ في مُقْتَضى اللَّفْظِ لا أنَّ التَّحْرِيمَ أوِ الوُجُوبَ يَنْفَكُّ عَنْ مُقابَلَةِ الضِّدِّ غَيْرُ واحِدَةِ النَّعْيِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ القَبِيحِ وهو النَّقْضُ مُبالَغَةً في الكَفِّ، ثُمَّ الأمْرُ بِالضِّدِّ مُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ وإشْعارًا بِأنَّهُ مَطْلُوبٌ أصالَةً وتَبَعًا مَعَ الإشْعارِ بِتَبَعِيَّةِ الكَفِّ عَكْسًا وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ثُمَّ إدْماجُ أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الإتْمامِ العَدْلُ ولِهَذا قَدْ يَكُونُ الفَضْلُ مُحَرَّمًا كَما في الرِّبَوِيّاتِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وظاهِرُهُ حَمْلُ المِكْيالِ والمِيزانِ عَلى ما يُكالُ ويُوزَنُ وحَمَلَهُما بَعْضُهم في المَوْضِعَيْنِ عَلى الآيَتَيْنِ المَعْرُوفَتَيْنِ وفَسَّرَ القِسْطُ بِما ذَكَرْنا ثُمَّ قالَ: إنَّ الزِّيادَةَ في الكَيْلِ والوَزْنِ وإنْ كانَتْ تَفَضُّلًا مَندُوبًا إلَيْهِ لَكِنَّها في الآلَةِ مَحْظُورَةٌ كالنَّقْصِ، فَلَعَلَّ الزّائِدَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الِاكْتِيالِ والنّاقِصَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الكَيْلِ.

وفائِدَةُ الأمْرِ بِتَسْوِيَةِ الآلَتَيْنِ وتَعْدِيلِهِما بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما المُبالَغَةُ في الحَمْلِ عَلى الإيفاءِ والمَنعِ والبَخْسِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِيهِمْ مُجَرَّدُ الكَفِّ عَنِ النَّقْصِ والبَخْسِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إصْلاحُ ما أفْسَدُوهُ وجَعَلُوهُ مِعْيارًا

صفحة 116

لِظُلْمِهِمْ وقانُونًا لِعُدْوانِهِمْ وفِيهِ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المُتَبادَرِ مِنهُ، فَإنَّ الحَمْلَ عَلى المَعْنى الآخَرِ مَجازٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وادَّعى الفاضِلُ الجَلْبِيُّ أنَّ هَذا الأمْرَ بَعْدَ النَّهْيِ السّابِقِ لَيْسَ مِن بابِ التَّكْرارِ في شَيْءٍ فَقالَ: إنَّ النَّهْيَ قَدْ كانَ عَنْ نَقْصِ حَجْمِ المِكْيالِ وصَنَجاتِ المِيزانِ، والأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ حَقَّهُما بِأنْ لا يَنْقُصَ في الكَيْلِ والوَزْنِ، وهَذا الأمْرُ بَعْدَ مُساواةِ المِكْيالِ والمِيزانِ لِلْمَعْهُودِ فَلا تَكْرارَ كَيْفَ ولَوْ كانَ تَكْرِيرًا لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ الواوِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ انْتَهى.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ حَمْلَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وقَدْ تَكَرَّرا في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنَّ في التَّكْرارِ مِنَ الفَوائِدِ ما جَعَلَهُ أقْوى مِنَ التَّأْسِيسِ فَلا يَنْبَغِي الهَرَبُ مِنهُ، وأمّا العَطْفُ فَلِأنَّ اخْتِلافَ المَقاصِدِ في ذَيْنَكِ المُتَعاطِفَيْنِ جَعَلَهُما كالمُتَغايِرَيْنِ فَحَسُنَ لِذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ أهْلُ المَعانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ انْتَهى.

وفِي وُرُودِ ما تَعَقَّبُ بِهِ أوَّلًا تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّهُ يَشْمَلُ الجَوْدَةَ والرَّداءَةَ وغَيْرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ أيْضًا، فَهو تَذْيِيلٌ وتَتْمِيمٌ لِما تَقَدَّمَ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .

فَإنَّ العُثْيَ يَعُمُّ تَنْقِيضَ الحُقُوقِ وغَيْرَهُ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الفَسادِ وفِعْلُهُ مِن بابِ رَمى وسَعى ورَضِيَ وجاءَ واوِيًّا ويائِيًّا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ بَخْسِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِعْيارِ، والأمْرُ بِإيفائِهِ أيْ لا تَنْقُصُوا النّاسَ بِسَبَبِ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ وعَدَمِ اعْتِدالِهِما أشْياءَهُمُ الَّتِي يَشْتَرُونَها بِهِما، والتَّصْرِيحُ بِهَذا النَّهْيِ بَعْدَ ما عَلِمَ في نَفْسِ النَّهْيِ الأمْرَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ والتَّرْغِيبِ في إيفاءِ الحُقُوقِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ والزَّجْرِ عَنْ نَقْصِها، وإلى كُلٍّ مِن الِاحْتِمالَيْنِ ذَهَبَ بَعْضٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما عَلِمْتَ مِن الِاخْتِلافِ السّابِقِ في تَفْسِيرِ ما سَبَقَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَخْسِ المَكْسُ كَأخْذِ العُشُورِ عَلى نَحْوِ ما يُفْعَلُ اليَوْمَ، العُثْيُ السَّرِقَةُ وقَطْعُ الطَّرِيقِ والغارَةُ و( مُفْسِدِينَ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَعْثَوْا ) وفائِدَةُ ذَلِكَ إخْراجُ ما يُقْصَدُ بِهِ الإصْلاحُ كَما فَعَلَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَتْلِ الغُلامِ وخَرْقِ السَّفِينَةِ فَهو حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، وقِيلَ: لَيْسَ الفائِدَةُ الإخْراجَ المَذْكُورَ، فَإنَّ المَعْنى لا تَعْثَوْا في الأرْضِ بِتَنْقِيصِ الحُقُوقِ مَثَلًا مُفْسِدِينَ مَصالِحَ دِينِكم وأمْرَ آخِرَتِكُمْ، ومَآلُ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: إلى تَعْلِيلِ النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ فَإنَّهُ مُفْسِدٌ لِدِينِكم وآخِرَتِكم.

11:86Page 231

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦

What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما أبْقاهُ سُبْحانَهُ مِنَ الحَلالِ بَعْدَ الإيفاءِ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَجْمَعُونَ بِالبَخْسِ، فَإنَّ ذَلِكَ هَباءٌ مَنثُورٌ بَلْ هو مَحْضٌ وإنْ زَعَمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا إذْ مَعَ الكُفْرِ لا خَيْرَ في شَيْءٍ أصْلًا، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِي في مَقالَتِي لَكُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ فَسَّرَ البَقِيَّةَ بِالرِّزْقِ.

وقالَ الرَّبِيعُ هي وصِيَّتُهُ تَعالى، وقالَ مُقاتِلٌ: ثَوابُهُ في الآخِرَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: مُراقَبَتُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَتادَةُ: ذَخِيرَتُهُ، وقالَ الحَسَنُ: فَرائِضُهُ سُبْحانَهُ.

وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ كُلَّ هَذا لا يُعْطِيهِ لَفْظَ الآيَةِ، وإنَّما مَعْناهُ الإبْقاءُ وهو مَأْخُوذٌ مِمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى إبْقاءُ اللَّهِ تَعالى النَّعِيمَ عَلَيْكم خَيْرٌ لَكم مِمّا يَحْصُلُ مِنَ النَّقْصِ بِالتَّطْفِيفِ وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ وهو الصَّحِيحُ وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ (بَقِيَةُ)

صفحة 117

بِتَخْفِيفِ الياءِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ حَقَّ وصْفِ فِعْلِ اللّازِمِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فاعِلٍ نَحْوَ شَجِيَتِ المَرْأةُ فَهي شَجِيَةٌ فَإذا شُدِّدَتِ الياءُ كانَ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ (تَقِيَّةُ اللَّهِ) بِالتّاءِ والمُرادُ تَقْواهُ سُبْحانَهُ ومُراقَبَتُهُ الصّارِفَةُ عَنِ المَعاصِي ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُكم مِنَ القَبائِحِ أوْ أحْفَظُ عَلَيْكم أعْمالَكم وأُجازِيكم بِها، وإنَّما أنا ناصِحٌ مُبَلِّغٌ وقَدْ أُعْذِرْتُ إذْ أنْذَرْتُ ولَمْ آلُ جُهْدًا، أوْ ما أنا بِحافِظٍ عَلَيْكم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا سُوءَ صَنِيعِكم.

11:87Page 231

قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧

They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأصْنامِ أجابُوا بِذَلِكَ أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ المُتَضَمِّنَ لِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وغَرَضُهم مِنهُ إنْكارُ الوَحْيِ الآمِرِ لَكِنَّهم بالَغُوا في ذَلِكَ إلى حَيْثُ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ مِنَ العَقْلِ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وعَلى هَذا بَنَوُا اسْتِفْهامَهم وأخْرَجُوا كَلامَهم وقالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أصَلاتُكَ﴾ الَّتِي هي مِن نَتائِجِ الوَسْوَسَةِ وأفاعِيلِ المَجانِينِ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ ما اسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ آباؤُنا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مِنَ الأوْثانِ والتَّماثِيلِ، وإنَّما جَعَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا مَعَ أنَّ الصّادِرَ عَنْهُ إنَّما هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهم مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بَلْ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وأنَّهُ كانَ يُعْلِمُهم بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُهم إسْنادَ الأمْرِ إلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْكامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، بَلْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الأحْنَفِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً وكانُوا إذا رَأوْهُ يُصَلِّي يَتَغامَزُونَ ويَتَضاحَكُونَ فَكانَتْ هي مِن بَيْنِ شَعائِرِ الدِّينِ ضُحْكَةً لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ الصَّلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ، وهَذا الإسْنادُ حَقِيقِيٌّ لا مَجازِيٌّ، غايَةَ ما في البابِ أنَّهم قَصَدُوا الحَقِيقَةَ تَهَكُّمًا، واخْتِيارُ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ بِحَسَبِ الزَّمانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ نَتْرُكَ﴾ عَلى تَقْدِيرٍ بِتَكْلِيفِ أنْ نَتْرُكَ فَحُذِفَ المُضافُ وهو تَكْلِيفٌ فَدَخَلَ الجارُّ عَلى (أنْ) ثُمَّ حُذِفَ وحَذْفُهُ قَبْلَها مُطَّرِدٌ وعُرْفُ التَّخاطُبِ في مِثْلِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أنَّ الشَّخْصَ لا يُكَلَّفُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ أصْلًا، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والمَعْنى أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بِما لَيْسَ في وُسْعِكَ وعُهْدَتِكَ مِن أفاعِيلِ غَيْرِكَ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِرَكاكَةِ رَأْيِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءُ بِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وتُعَقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ دُخُولُ الهَمْزَةِ عَلى دُونِ الأمْرِ ويَسْتَدْعِي أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يُوهِمُهُ وأنّى ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (أصَلَواتُكَ) بِالجَمْعِ وأمْرُ الجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ أجابُوا بِهِ أمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيفاءِ الحُقُوقِ ونَهْيَهُ عَنِ البَخْسِ والنَّقْصِ، وهو عَطْفٌ عَلى (ما) و(أوْ) بِمَعْنى الواوِ أيْ وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَنا ما نَشاءُ في أمْوالِنا مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أنْ نَتْرُكَ لِاسْتِحالَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ تَأْمُرُكَ بِفِعْلِنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، وهم مَنهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ لا مَأْمُورُونَ بِهِ، وحَمْلُ (ما) عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: كانُوا يَقْرِضُونَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ ويُجْرُونَها مَعَ الصَّحِيحَةِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وأدْخَلَ بَعْضُهم ذَلِكَ الفِعْلَ في العُثْيِ في الأرْضِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا عَنْهُ، ولا مانِعَ مِنِ انْدِراجِهِ في عُمُومِ (ما)، وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالتّاءِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الخِطابِ، فالعَطْفُ عَلى مَفْعُولِ

صفحة 118

تَأْمُرُكَ أيْ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ أيْ مِن إيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مِنَ الزَّكاةِ، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُهم بِها كَما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، قِيلَ: وفي الآيَةِ عَلى هَذا مَعَ حَمْلِ الصَّلاةِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلاةٌ وزَكاةٌ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ ما تَشاءُ عَلى الزَّكاةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَلْ هو خِلافٌ ظاهِرُ السُّوقِ وحَمْلُ الصَّلاةِ عَلى ذَلِكَ وإنْ كانَ ظاهِرًا إلّا أنَّهُ رَوى ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الأعْمَشِ تَفْسِيرَها بِالقِراءَةِ، ونُقِلَ عَنْ غَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالدُّعاءِ الَّذِي هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ لَها.

وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ تَفْسِيرُها بِالدِّينِ لِأنَّها مِن أجَلِّ أُمُورِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنها الصَّلاةُ بِالمَعْنى الآخَرِ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أكْثَرِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلاةٌ، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الأُمُورِ المُكَلَّفِ بِها أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ لَيْسَ نَصًّا في الغَرَضِ كَما لا يَخْفى هَذا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى القِراءَةِ عَلى (ما) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ التَّرْكُ عَلى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ولا يُتْرَكُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ بِالنُّونِ في الأوَّلِ والتّاءِ في الثّانِي والعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ تَأْمُرُكَ والمَعْنى ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، فالمُرادُ بِهِما ضِدُّ مَعْناهُما، وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ والمُبَرِّدُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونُوا وصَفُوهُ بِذَلِكَ بِناءً عَلى الزَّعْمِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنِ اسْتِبْعادِ ما ذَكَرُوهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ تُكَلِّفُنا بِما تُكَلِّفُنا مَعَ أنَّكَ أنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ بِزَعْمِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا باقِيًا عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَهم بِالحِلْمِ والرُّشْدِ وكانَ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ مانِعًا مِن صُدُورِ ما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ تَهَكُّمٌ أيْضًا، ورُجِّحَ الأخِيرُ بِأنَّهُ يَكُونُ الكَلامُ عَلَيْهِ نَظِيرَ ما مَرَّ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ لَهُ: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ وتَعْقِيبُهُ بِمِثْلِ ما عُقِّبَ بِهِ ذَلِكَ حَسْبَما تَضَمَّنَهُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском