Al-AlusiHud · 11:7–9

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:7–9, continued

أخْرَجَ أحْمَدُ. والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «قالَ أهْلُ اليَمَنِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنا عَنْ أوَّلِ هَذا الأمْرِ كَيْفَ كانَ؟ قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ وكَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ذِكْرَ كُلِّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» الخَبَرُ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَتِمُّ أمْرُ الشَّهادَةِ بِمُجَرَّدِ ما تَقَدَّمَ بَلْ لا بُدَّ أيْضًا مِن حَمْلِ الكِتابَةِ في الذِّكْرِ عَلى التَّقْدِيرِ، ونَفى أنْ يَكُونَ هُناكَ كِتابَةٌ ومَكْتُوبٌ فِيهِ حَسْبَما يَتَبادَرُ مِنهُما، ويَلْتَزِمُ هَذا في الخَبَرِ الثّانِي أيْضًا، ومَعَ ذَلِكَ يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ زَمَنِ التَّقْدِيرِ مُتَّحِدًا كَزَمَنِ قَيُّومِيَّتِهِ وحَياتِهِ تَبارَكَ وتَعالى مَعَ زَمَنِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ» لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ المَوْهُومِ الفاصِلِ بَيْنَ زَمانِ وُجُودِهِ تَعالى ووُجُودِ صِفاتِهِ وزَمانِ وُجُودِ الخَلْقِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكَيْفَ تُقَدَّرُ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ وضَرْبُها في نَفْسِها وضَرْبُ الحاصِلِ مِن ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ألْفَ ألْفَ مَرَّةٍ أقَلُّ قَلِيلٍ بَلْ لا شَيْءَ يُذْكَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي؛ ويُعارِضُ هَذِهِ

صفحة 10

الشَّهادَةَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ العَقِيلِيِّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وخَلَقَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ» فَإنَّهُ نَصَّ في أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ القَيُّومِيَّةُ مَخْلُوقَةً، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ، وجاءَ حَدِيثُ كَوْنِ الماءِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُمْ، وإباءُ ما ذُكِرَ عَنْ كَوْنِ الماءِ بِمَعْنى صِفَةِ الحَياةِ لَهُ تَعالى ظاهِرٌ، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ فَلَمّا خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قَسَّمَ ذَلِكَ الماءَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفًا تَحْتَ العَرْشِ -وهُوَ البَحْرُ المَسْجُورُ- فَلا تَقْطُرُ مِنهُ قَطْرَةٌ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ فَيَنْزِلَ مِنهُ مِثْلُ الطَّلِّ فَتَنْبُتُ مِنهُ الأجْسامُ، وجَعَلَ النِّصْفَ الآخَرَ تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى، ولَعَلَّ وجْهَ الأمْرِ بِالتَّدَبُّرِ في كَلامِ هَذا الفاضِلِ الإشارَةُ إلى ما ذَكَرْنا.

وبِالجُمْلَةِ لا شَكَّ أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الماءِ ما هو أحَدُ العَناصِرٍ، ومِنَ العَرْشِ الجِسْمُ الَّذِي جاءَ في الأخْبارِ مِن وصْفِهِ ما يَبْهَرُ العُقُولَ، وشَهادَةُ الخَبَرِ السّابِقِ مَعَ كَوْنِها شَهادَةَ نَفْيٍ عارَضَتْها شَهاداتُ إثْباتٍ غَيْرَ نَصٍّ في المَطْلُوبِ كَما عَلِمْتُ، ومِن كَوْنِ العَرْشِ عَلى الماءِ ما يَعُمُّ الشِّقَّيْنِ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ مُماسًّا لَهُ وكَوْنُهُ فَوْقَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما ما يَماسُّهُما، وتَخْصِيصُهُ بِالشَّقِّ الثّانِي مِمّا لا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ ولا يَصْفُو عَنِ القالِ والقِيلِ، وأنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى كَوْنِ الماءِ أوَّلَ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ، ومَن رَجَعَ إلى الأخْبارِ المُعَوَّلِ عَلَيْها رَأى بَعْضَها كَخَبَرِ أبِي رَزِينٍ الَّذِي حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ظاهِرًا في أنَّ الماءَ قَبْلَ العَرْشِ، وقُصارى ما يُقالُ في هَذا المَقامِ: إنَّ الحَقَّ مَعَ شَيْخِ الإسْلامِ وأنَّ نُصْرَةَ القاضِي ٍوَإنْ كانَ ناصِرَ الدِّينِ- نُصْرَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَبِينِ، فَلا تَلْتَفِتُ هَداكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى مَن أطالَ في ذَلِكَ بِلا طائِلٍ، وأتى بِكَلامٍ لا يُشْبِهُ كَلامَ عاقِلٍ، وزَعَمَ أنَّ ذاكَ مِنَ الحِكْمَةِ وهو عَنْها -عِلْمُ اللَّهِ- بِمَراحِلَ، ولَوْلا الوُقُوعُ في العَبَثِ لَنَقَلْناهُ ونَبَّهْنا عَلى ما فِيهِ، وإنْ كانَ حالُ ظاهِرِهِ مُؤْذِنًا بِحالٍ خافِيهِ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّ البَيْضاوِيَّ إنَّما ذَكَرَ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى كَذا وكَذا ولَمْ يَدْعُ أنَّ فِيها دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، فَما يَتَوَجَّهُ مِن الِاعْتِراضاتِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُسْتَدِلِّ دُونَهُ وكَأنَّ مَن وُجِّهَ إلَيْهِ ذَلِكَ ادَّعى ارْتِضاءَهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِدَلِيلِ ما وطَّأهُ لَهُ مِنَ المَقالِ، وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ حَيًّا مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ خَلْقَ العَرْشِ عَلى الماءِ لا وجْهَ لِحُسْنِهِ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ لُطْفٌ بِمُكَلَّفٍ يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، ورَدَّهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ ويَكْتَفِي بِكَوْنِ الإخْبارِ بِهِ نافِعًا لِلْمُكَلَّفِينَ واخْتارَهُ المُرْتَضِي، ومَنشَأُ ذَلِكَ الِاعْتِزالِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِ (خَلَقَ) أيْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ، ورَتَّبَ فِيهِما جَمِيعَ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن مَبادِي وُجُودِكم وأسْبابِ مَعاشِكم وأوْدَعَ في تَضاعِيفِهِما ما تَسْتَدِلُّونَ بِهِ مِن تَعاجِيبِ الصَّنائِعِ والعِبَرِ عَلى مَطالِبِكُمُ الدِّينِيَّةِ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم.

﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَيُجازِيكم حَسَبَ أعْمالِكُمْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أعْلَمُ بِذَلِكَ (لِيَبْلُوَكُمْ) وقِيلَ: التَّقْدِيرُ وخَلَقَكم (لِيَبْلُوَكُمْ) وقِيلَ: في الكَلامِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، وفَعَلَ ذَلِكَ (لِيَبْلُوَكُمْ) والكُلُّ كَما تَرى، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ الِاخْتِبارُ والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ

صفحة 11

والِاسْتِعارَةِ، ولا يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ لِمَن لا يَعْرِفُ عَواقِبَ الأُمُورِ.

وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ العِلْمِ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ العِلْمِ والِاخْتِبارِ، وهو مَحُوجٌ إلى تَكَلُّفِ أنْ يُرادَ لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ الأزَلِيِّ، وإلّا فالعِلْمُ القَدِيمُ الذّاتِيُّ لَيْسَ مُتَفَرِّعًا عَلى غَيْرِهِ، وما تَقَدَّمَ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، وهو مَعَ بَلاغَتِهِ مُصادِفٌ مَحَزَّهُ، والمُرادُ بِالعَمَلِ ما يَشْمَلُ عَمَلَ القَلْبِ وعَمَلَ القالَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في التّارِيخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ (لِيَبْلُوَكُمْ) إلَخْ.. فَقُلْتُ: ما مَعْنى ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُكم عَقْلًا أوْرَعَكم عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى وأعْمَلُكم بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى”». لَكِنْ ذَكَرَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ أنَّ سَنَدَهُ واهٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ مَعْنى ( أحْسَنُ عَمَلًا ) أزْهَدُ في الدُّنْيا، وعَنْ مُقاتِلٍ أتْقى لِلَّهِ تَعالى، وعَنِ الضَّحّاكِ أكْثَرُهم شُكْرًا، ولَعَلَّ أخْذَ العَمَلِ شامِلًا لِلْأمْرَيْنِ أوْلى، وأفْضَلُها ما كانَ عَمَلُ القَلْبِ كَيْفَ لا ومَدارُ العِبادَةِ القالَبِيَّةِ الواجِبَةِ عَلى العِبادِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَحِلُّ القَلْبَ، وقَدْ يُرْفَعُ بِهِ لِلْعَبْدِ في يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ «“تَفَكُّرُ ساعَةٍ يَعْدِلُ عِبادَةَ سَبْعِينَ سَنَةً» واعْتِبارُ خَلْقِ السَّماواتِ في ضِمْنِ المُفَرَّعِ عَلَيْهِ لِما أنَّ في السَّماواتِ مِمّا هو مِن مَبادِي النَّظَرِ وتَهْيِئَةِ أسْبابِ المَعاشِ الأرْضِيَّةِ الَّتِي بِها قَوامُ القالَبِ ما لا يَخْفى، وقَرِيبٌ مِن هَذا أنَّ ذِكْرَ السَّماواتِ وخَلْقَها لِتَكُونَ أمْكِنَةُ الكَواكِبِ والمَلائِكَةِ العامِلِينَ فِيها لِأجْلِ الإنْسانِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ كَوْنَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها لِلِابْتِلاءِ ظاهِرٌ، وأمّا خَلْقُ السَّماواتِ فَذَكَرَ تَتْمِيمًا واسْتِطْرادًا مَعَ أنَّ السَّماواتِ مَقَرُّ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ وقِبْلَةُ الدُّعاءِ ومَهْبِطُ الوَحْيِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهُ دَخْلٌ في الِابْتِلاءِ في الجُمْلَةِ، ولَعَلَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ البَلْوى عَلى المَشْهُورِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ الفِعْلَ هُنا مُعَلَّقًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ، ومَنَعَ في سُورَةِ المُلْكِ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ تَعْلِيقًا مُدَّعِيًا أنَّهُ إنَّما يَكُونُ إذا وقَعَ بَعْدَ الفِعْلِ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا- كَعَلِمْتُ أيَّهُما فَعَلَ كَذا. وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ -وبَيْنَ كَلامَيْهِ في السُّورَتَيْنِ اضْطِرابٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وأجابَ عَنْهُ في الكَشْفِ بِما حاصِلُهُ أنَّ لِلتَّعْلِيقِ مَعْنَيَيْنِ: مُصْطَلَحٌ ويُعَدّى بِعَنْ وهو المَنفِيُّ في تِلْكَ السُّورَةِ، ولُغَوِيٌّ ويُعَدّى بِالباءِ وعَلى، وهو خاصٌّ بِفِعْلِ القَلْبِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالسَّبْعَةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ ولا يَكُونُ إلّا في الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً دُونَ ما فِيهِ لامُ الِابْتِداءِ ونَحْوِهِ، ومَعْنى تَعْلِيقِ الفِعْلِ عَلى ما فِيهِ ذَلِكَ أنْ يَرْتَبِطَ بِهِ مَعْنى وإعْرابًا سَواءٌ كانَ لَفْظًا أوْ مَحَلًّا وهو المُثْبَتُ هَهُنا. وقالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ما هُنا عَلى إضْمارِ العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ فَيَعْلَمُ ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ والتَّعْلِيقُ فِيهِ ظاهِرٌ، وما هُناكَ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى العِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُعَلِّمَكم أيُّكم إلَخْ.. فَيَصِحُّ النَّفْيُ، ولا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُ أنَّ فِيهِ ما يَأْبى ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْلِيقَ لا يَخْتَصُّ بِما كانَ مِنَ الأفْعالِ بِمَعْنى العِلْمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ وابْنُ كِيسانَ، وإنْ وجَّهَهُ أُوَيْسٌ بِما في هَمْعِ الهَوامِعِ، ورَجَّحَهُ الشُّلُوبِينَ، ولا بِالفِعْلِ القَلْبِيِّ مُطْلَقًا بَلْ يَكُونُ فِيهِ وفي غَيْرِهِ مِمّا أُلْحِقَ بِهِ لَكِنْ مَعَ الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً، واقْتَصَرَ بَعْضُهم في المُلْحَقِ عَلى بَصَرٍ. وتَفَكَّرَ. وسَألَ -وزادَ ابْنُ خَرُوفٍ نَظَرَ- ووافَقَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ. وابْنُ مالِكٍ وزادَ الأخِيرُ نَسِيَ كَما في قَوْلِهِ.

ومَن أنْتُمْ إنّا نَسِينا مَن أنْتُمْ.

ونازَعَهُ أبُو حَيّانِ بِأنَّ –مَن- تَحْتَمِلُ المَوْصُولِيَّةَ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ مَن هم أنْتُمْ، وكَذا زادَ أيْضًا ما قارَبَ المَذْكُوراتِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لَها تَعَلُّقٌ بِفِعْلِ القَلْبِ -كَتَرى البَصَرِيَّةِ- في قَوْلِهِ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هُنالِكَ، وكَيَسْتَنْبِئُونَ في قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 12

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ وكَنَبْلُو فِيما نَحْنُ فِيهِ، ونازَعَهُ أبُو حَيّانَ بِأنْ تَرى في الأوَّلِ عِلْمِيَّةٌ، وأيُّكم في الأخِيرِ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها فَبُنِيَتْ وهي بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ بَدَلُ بَعْضٍ، ونَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ ولَمْ أجِدْهُ في بَحْرِهِ، وفي الرَّضِيِّ أنَّ جَمِيعَ أفْعالِ الحَواسِّ تُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ، وفي التَّسْهِيلِ ما يُؤَيِّدُهُ، وأجازَ يُونُسُ تَعْلِيقَ كُلِّ فِعْلٍ غَيْرَ ما ذُكِرَ، وخَرَجَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ﴾ والجُمْهُورُ لَمْ يُوافِقُوهُ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الفِعْلَ القَلْبِيَّ وما جَرى مَجْراهُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ، فالأوَّلُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ سَواءٌ تَعَدّى بِنَفْسِهِ كَعَرَفَ، أوْ بِحَرْفٍ كَتَفَكَّرَ لِأنَّ مَعْمُولَهُ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا، وبِالتَّعْلِيقِ بَطَلَ عَمَلُهُ في المُفْرَدِ الَّذِي هو مُقْتَضاهُ وتَعَلَّقَ بِالجُمْلَةِ، ولا مَعْنى لِلتَّعْلِيقِ إلّا إبْطالُ العَمَلِ لَفْظًا لا مَحَلًّا وإنْ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فَإمّا أنْ يَجُوزَ وُقُوعُ الثّانِي جُمْلَةً كَما في بابِ عَلِمَ أوَّلًا، فَإنْ جازَ عُلِّقَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ نَحْوَ عَلِمْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ لا عَنِ الثّانِي، لِأنَّهُ يَكُونُ جُمْلَةً بِدُونِ تَعْلِيقٍ فَلا وجْهَ لِعَدِّهِ مِنهُ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ أداةِ التَّعْلِيقِ وعَدَمِها، فالتَّعْلِيقُ لا يُبْطِلُ عَمَلَ الفِعْلِ أصْلًا، كَما في عَلِمْتُ زَيْدًا أبُوهُ قائِمٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا لا أبُوهُ قائِمٌ، فَإنَّ عَمَلَهُ في مَحَلِّ الجُمْلَةِ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ وُجُودِ حَرْفِ التَّعْلِيقِ وعَدَمِهِ وإنْ لَمْ يَجُزْ، ووَرَدَ فِيهِ كَلِمَةُ تَعْلِيقٍ كانَ مِنهُ نَحْوَ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ فَإنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا.

والفِعْلُ فِيما نَحْنُ فِيهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامِلًا فِيما بَعْدَهُ وهو المُخْتَبَرُ بِهِ غَيْرُ مُتَضَمِّنٍ عِلْمًا، وفِعْلُ البَلْوى إذا كانَ كَذَلِكَ يَتَعَدّى بِالباءِ إلى المُخْتَبَرِ بِهِ ولا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ﴾ والِاسْتِفْهامُ قَدْ أبْطَلَ مُقْتَضاهُ لَفْظًا وهو التَّعْلِيقُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا مَعْنى العِلْمِ ويَكُونُ العِلْمُ عامِلًا فِيهِ وهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، وحِينَئِذٍ لا تَعْلِيقَ، ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ تَعْلِيقَ الفِعْلِ في الآيَةِ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ فِعْلِ البَلْوى، وعَدَمُ تَعْلِيقِهِ عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ العِلْمِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، انْتَهى، وهو تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وفي الهَمْعِ أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَ المُعَلِّقِ في بابِ عَلِمَ وأخَواتِها في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ فَإنْ كانَ التَّعْلِيقُ بَعْدَ اسْتِيفاءِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وأمّا في غَيْرِ هَذا البابِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِهِ نَحْوَ فَكَّرْتُ أهَذا صَحِيحٌ أمْ لا، وجَعْلَ ابْنُ مالِكٍ مِنهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ وإنْ كانَ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ فَهي في مَوْضِعِهِ نَحْوَ عَرَفْتُ أيُّهم زَيْدٌ، فَإنْ كانَ مَفْعُولُهُ مَذْكُورًا نَحْوَ عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هُوَ، فالجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنهُ عَلى ما اخْتارَهُ السَّيْرافِيُّ. وابْنُ مالِكٍ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ قِصَّةُ زَيْدٍ أوْ أمْرُهُ عِنْدَ ابْنِ عُصْفُورٍ، والتَزَمَ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ جُمْلَةً في المَعْنى، وبَدَلُ اشْتِمالٍ ولا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ عِنْدَ ابْنِ الصّائِغِ، وذَهَبَ المُبَرَّدُ، والأعْلَمُ، وابْنُ خَرُوفٍ. وغَيْرُهم إلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِعَرَفْتُ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عَلِمْتُ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ في الظّاهِرِ لِما تَقَدَّمَ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ القَوْلَ بِأنَّ ما بَعْدَ فِعْلِ البَلْوى مُخْتَبَرٌ بِهِ بِأنَّ المُخْتَبَرَ بِهِ إنَّما هو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْنِ مُخْتَبَرًا عَنْهُ، والمُخْتَبَرُ بِهِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ جُعِلَ مُخْتَبَرًا بِهِ بِاعْتِبارِ تَرَتُّبِهِ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ وقالَ بَعْضُ أرْبابِ التَّحْقِيقِ في دَفْعِ المُخالَفَةِ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ بِجُمْلَتِهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً فَتَكُونُ مُفْرَداتُهُ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْناها الحَقِيقِيِّ مُعْطاةً ما تَسْتَحِقُّهُ، وفِعْلُ البَلْوى يُعَلَّقُ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَكُونُ جُمْلَةً إذْ هو يَتَعَدّى لَهُ بِالباءِ، وحَرْفُ الجَرِّ لا يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ، وجَرى التَّعْلِيقُ فِيهِ بِناءً عَلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِفِعْلِ القُلُوبِ مَعْنًى، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِجَرَيانِهِ في ذَلِكَ وجَعْلِهِ ثَمَّةَ مُسْتَعارًا لِمَعْنى العِلْمِ، والفِعْلُ إذْ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ عَمِلَ عَمَلَهُ وجَرى عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وعَلِمَ لا يُعَلَّقُ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي، فَكَذا

صفحة 13

ما هو بِمَعْناهُ فَيَكُونُ قَدْ سَلَكَ في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ مَسْلَكًا تَفَنُّنًا، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُ ذَلِكَ في كِتابِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْكِسِ الأمْرَ لِأنَّ ما فَعَلَهُ في كُلِّ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيها مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ وخَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يُخْفى أنَّ هَذا قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ وفِيهِ ما فِيهِ.

والإتْيانُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ الدّالَّةِ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالمُخْتَبَرَيْنِ الأحْسَنَيْنِ أعْمالًا مَعَ شُمُولِ الِاخْتِبارِ لِفِرَقِ المُكَلَّفِينَ، وتَتَفاوَتُ أعْمالُ الكُفّارِ مِنهم إلى حَسَنٍ شَرْعِيٍّ وقَبِيحٍ لا إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ كَما في أعْمالِ المُؤْمِنِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى أحاسِنِ المَحاسِنِ، والتَّحْضِيضِ عَلى التَّرَقِّي دائِمًا لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الأصْلَ المَقْصُودَ بِالِاخْتِبارِ ذَلِكَ الفَرِيقُ لِيُجازِيَهم أكْمَلَ الجَزاءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: المَقْصُودُ أنْ يُظْهِرَ أفْضَلِيَّتَكم لِأفْضَلِكم فَإنَّ ذَلِكَ مَفْرُوغٌ عَنْهُ لا يَحِيدُ عَنْهُ ذُو لُبٍّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ وأنْ يَكُونَ مِن بابِ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا، وأيّامّا كانَ فالخِطابُ لَيْسَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ إظْهارَ حالِ غَيْرِهِمْ مَقْصُودٌ أيْضًا لَكِنَّهُ لا بِالذّاتِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .

أيْ مِثْلُهُ في الخَدِيعَةِ والبُطْلانِ، فالتَّرْكِيبُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلْقُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ تَلَوْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ إثْباتُ البَعْثِ لَقالُوا هَذا المَتْلُوُّ سِحْرٌ، والمُرادُ إنْكارُ البَعْثِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ لِأنَّ إنْكارَ البَعْثِ إنْكارٌ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: إنَّ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِهِمْ مَبْعُوثِينَ وإنْ لَمْ يُجِبْ عَنْ كَوْنِهِ بِطْرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ إلّا أنَّهم عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ تَخَلَّصُوا إلى القُرْآنِ لِأنْبائِهِ عَنْهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ وكَوْنِهِ عِلْمًا عِنْدَهم في ذَلِكَ فَعَمَدُوا إلى تَكْذِيبِهِ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا تَمادِيًا مِنهم في العِنادِ وتَفادِيًا عَنْ سَنَنِ الرَّشادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى نَفْسِ البَعْثِ، وتُعَقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ التَّسْمِيَةُ بِالسِّحْرِ، فَإنَّهُ إنَّما يُطْلَقُ عَلى شَيْءٍ مَوْجُودٍ ظاهِرًا لا أصْلَ لَهُ في الحَقِيقَةِ، ونَفْسُ البَعْثِ عِنْدَهم مَعْدُومٌ بَحْتٌ، وفِيهِ بَحْثٌ لِجَوازِ أنَّهم أرادُوا مِنَ السِّحْرِ الأمْرَ الباطِلَ والشَّيْءَ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ لِشُيُوعِهِ فِيما بَيْنَهم بِذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى القائِلِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِالسِّحْرِ لِلْمُبالِغَةِ، والخِطابُ في (إنَّكُمْ) إنْ كانَ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فالمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ لَيَقُولُنَّ الكافِرُونَ مِنهُمْ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ فَذِكْرُ المَوْصُولِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى ذَمِّهِمْ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ، وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها إمّا مِن حَيْثُ أنَّ البَعْثَ مِن تَتِمّاتِ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَما ذُكِرَ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِمُقَدِّمَةٍ فَذَّةٍ مِن مُقَدِّماتِهِ وقَضِيَّةٍ فَرْدَةٍ مِن تَتِمّاتِهِ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ فَضْلًا عَنْ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِما وقَعَ هَذا تَتِمَّةٌ لَهُ، وإمّا مِن حَيْثُ إنَّ البَعْثَ خَلْقٌ جَدِيدٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها ما يَتَرَتَّبُ، ومَعَ ذَلِكَ إنْ أخْبَرْتَهم بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُعِيدُهم تارَةً أُخْرى وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ ما يَعُدُّونَ، فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ.

وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (ولَئِنْ قُلْتُ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلَيْهِ تَعالى أيْ (ولَئِنْ قُلْتُ) ذَلِكَ في كِتابِي المُنَزَّلِ عَلَيْكَ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ، وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ ﴿ولَئِنْ قُلْتَ﴾ مُسْتَدِلًّا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلَخْ.. دَلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعٍ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعُهُ، انْتَهى، وهو لَدى الذَّوْقِ السَّلِيمِ كَماءِ البَحْرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ (أنَّكُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَضْمِينِ (قُلْتَ) مَعْنى ذَكَرْتَ ﴿ولَئِنْ قُلْتَ﴾ ذاكِرًا ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ فَإنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ مَفْعُولٍ لِلذِّكْرِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ القَوْلِ بِمَعْنى الذِّكْرِ مَجازًا، وتَعَقَّبَ بِأنَّ

صفحة 14

الذِّكْرَ والقَوْلَ مُتَرادِفانِ فَلا مَعْنى لِلتَّجَوُّزِ حِينَئِذٍ، ولَمّا كانَ القَوْلُ باقِيًا في التَّضْمِينِ جاءَ الخِطابُ عَلى مُقْتَضاهُ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ أنَّ بِمَعْنى عَلَّ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وجاءَ ائْتِ السُّوقَ عَلَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا وأنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، وهي لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ لَكِنْ لا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فَإنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ البَعْثَ بَلْ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم ولا تَبُتُّوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قاطِعٌ بِالبَعْثِ فَكَيْفَ يَقُولُ لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ، وأيْضًا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ صَرِيحَةٌ في القَطْعِ والبَتِّ، وهَذِهِ صَرِيحَةٌ في خِلافِهِ فَيَتَنافَيانِ، ومِنهم مَن قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ والِاسْتِدْراجِ فَرُبَّما يَنْتَبِهُونَ إذا تَفَكَّرُوا ويَقْطَعُونَ بِالبَعْثِ إذا نَظَرُوا.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ -إلّا ساحِرٌ- والإشارَةُ إلى القائِلِ، ولا مُبالَغَةَ في الإخْبارِ كَما كانَتْ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْقَوْلِ أوْ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما في قَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ

11:8Page 222

وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ أيِ المُتَرَتِّبَ عَلى بَعْثِهِمْ أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَتَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةُ نَفَرٍ أُهْلِكُوا قَبْلَ بَدْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ العَذابُ الشّامِلُ لِلْكَفَرَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ قالَ ناسٌ: إنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ فَتَناهَوْا فَتَناهى القَوْمُ قَلِيلًا ثُمَّ عادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فَقالَ أُناسٌ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ: هَذا أمْرُ اللَّهِ تَعالى قَدْ أتى فَتَناهى القَوْمُ ثُمَّ عادُوا إلى عَكْرِهِمْ عَكْرِ السُّوءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ طائِفَةٍ مِنَ الأيّامِ قَلِيلَةٍ لِأنَّ ما يَحْصُرُهُ العَدُّ قَلِيلٌ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ أيْ: ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى جَماعَةٍ يَتَعارَفُونَ ولا يَكُونُ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ، ونُقِلَ هَذا عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المَعْنى إلى أُمَّةٍ بَعْدَ هَؤُلاءِ نُكَلِّفُهم فَيَعْصُونَ فَتَقْتَضِي الحِكْمَةُ إهْلاكَهم وإقامَةَ القِيامَةِ، ورَوى الإمامِيَّةُ -وهم بَيْتُ الكَذِبِ- عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالأُمَّةِ المَعْدُودَةِ أصْحابُ المَهْدِيِّ في آخِرِ الزَّمانِ، وهم ثَلَثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أهْلِ بَدْرٍ.

﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ مِنَ المَجِيءِ فَكَأنَّهُ يُرِيدُهُ ويَمْنَعُهُ مانِعٌ، وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْجالِ وهو كِنايَةٌ عَنْ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهم لَوْ صَدَّقُوا بِهِ لَمْ يَسْتَعْجِلُوهُ، ولَيْسَ غَرَضُهم الِاعْتِرافَ بِمَجِيئِهِ والِاسْتِفْسارَ عَنْ حابِسِهِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما بَعْدُ.

﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ ذَلِكَ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ أوِ الدُّنْيَوِيُّ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أيْ أنَّهُ لا يَرْفَعُهُ رافِعٌ أبَدًا أوْ لا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ والظّاهِرُ أنَّ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ –بِ مَصْرُوفًا- الواقِعُ خَبَرَ لَيْسَ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِها عَلَيْها كَما يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى اسْمِها بِلا خِلافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقْدِيمِ العامِلِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وإلّا لَزِمَ مَزِيَّةُ الفَرْعِ عَلى أصْلِهِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرَّدُ إلى عَدَمِ الجَوازِ وادَّعَوْا أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ حُجَّةً لِأنَّ القاعِدَةَ المُشارَ إلَيْها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ ألا تَرى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ كَيْفَ تَقَدَّمَ مَعْمُولُ الفِعْلِ مَعَ امْتِناعِ تَقْدِيمِهِ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَلِي أمّا، وجاءَ عَنِ الحِجازِيِّينَ أنَّهم يَقُولُونَ ما اليَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبًا مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ خَبَرِ ما اتِّفاقًا، وأيْضًا المَعْمُولُ فِيها ظَرْفٌ والأمْرُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى

صفحة 15

التَّسامُحِ مَعَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ ألّا يُصْرَفَ عَنْهُمُ العَذابُ أوْ يُلازِمَهم يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا –بِيَخافُونَ- مَحْذُوفًا أيْ ألّا يَخافُونَ يَوْمَ إلَخْ.. وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ لا مُتَعَلِّقٌ –بِمَصْرُوفًا- ولا بِمَحْذُوفٍ، وبُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ لِلْجُمْلَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في بِناءِ الظَّرْفِ المُضافِ لِجُمْلَةٍ صَدْرُها مُضارِعٌ مُعَرَّفٌ خِلافًا بَيْنَ النُّحاةِ، وأنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ –بِمَصْرُوفًا- نَعَمْ عَدَمُ صَلاحِيَةِ الآيَةِ لِلِاحْتِجاجِ بِما لا رَيْبَ فِيهِ، وفي البَحْرِ قَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقْدِيمِ خَبَرٍ لَيْسَ عَلَيْها ولا بِتَقْدِيمِ مَعْمُولِهِ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَنى لَسْتُ أقْدِمُ

﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ وأحاطَ، وأصْلُهُ حَقَّ فَهو -كَزَلَّ وزالَ، وذَمَّ وذامَ- والمُرادُ يَحِيقُ بِهِمْ.

﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ العَذابُ، وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ تَهْوِيلًا لِمَكانِهِ، وإشْعارًا بِعَلِيَّةِ ما ورَدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ لِنُزُولِهِ وإحاطَتِهِ ووَضْعِ الِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ الِاسْتِعْجالِ لِأنَّهُ كانَ اسْتِهْزاءً

11:9Page 222

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ، وأمْنٍ وجِدَّةٍ، وغَيْرِها وأوْصَلْناها إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها، فالإذاقَةُ مَجازٌ عَنْ هَذا الإعْطاءِ ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ سَلَبْنا تِلْكَ الرَّحْمَةَ ﴿مِنهُ﴾ صِلَةُ النَّزْعِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْإشْعارِ بِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِها وحِرْصِهِ عَلَيْهِ ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن عَوْدِ مِثْلِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عاجِلًا أوْ آجِلًا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ صَبْرِهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وثِقَتِهِ بِهِ.

﴿كَفُورٌ﴾ كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، وتَأْخِيرُ هَذا الوَصْفِ عَنْ وصْفِ يَأْسِهِمْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن بابِ الكُفْرانِ لِلنِّعْمَةِ السّالِفَةِ أيْضًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском