Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:88–91
11:88Page 231
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨
He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن رَبِّي ومالِكٌ أُمُورِي ورَزَقَنِي مِنهُ مِن لَدُنْهِ سُبْحانَهُ رِزْقًا حَسَنًا هو النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والجَوابُ عَلَيْهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ، والكَلامُ المُصَنَّفُ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ إنِّي لَمْ أزَلْ مُرْشِدًا لَكم حَلِيمًا فِيما بَيْنَكم لَكِنْ ما جِئْتُ بِهِ لَيْسَ غَيْرَ الإرْشادِ والنَّصِيحَةِ لَكُمُ، انْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ وأنْتُمْ ألِبّاءٌ إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي وأنا مُرْشِدُكم والنّاصِحُ لَكم أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ مَعْنى الإرْشادِ وأدْرَجَ مَعِيَّ الحِلْمِ فِيما سَيَأْتِي مِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَذا قَرَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.
واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ كَوْنِهِ باقِيًا عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ مَقامَ الِاسْتِهْزاءِ آبٍ عَنْهُ، وذَكَرَ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ المُرادَ بِالبَيِّنَةِ والرِّزْقِ الحَسَنِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ، وأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما مَعَ كَوْنِهِما بَيِّنَةَ رِزْقٍ حَسَنٍ كَيْفَ لا وذَلِكَ مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأُمَّتِهِ، وأنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ عَلى
صفحة 119
مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المُتَضَمِّنَةِ زَعْمَ عَدَمِ اسْتِنادِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ إلى سَنَدٍ ثُمَّ قالَ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ، أيْ أتَقُولُونَ والمَعْنى أنَّكم عَدَدْتُمْ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي مِن قَبِيلِ ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ وجَعَلْتُمُوهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، واسْتَهْزَأْتُمْ بِي وبِأفْعالِي وقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ مِن جِهَةِ رَبِّي ومالِكِ أُمُورِي ثابِتًا عَلى النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ لِلْكَمالِ ولا مَطْمَحَ لِطامِحٍ ورَزَقَنِي لِذَلِكَ رِزْقًا حَسَنًا أتَقُولُونَ في شَأْنِي وشَأْنِ أفْعالِي ما تَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ولا شَرَّ وراءَهُ ! وادَّعى أنَّ هَذا هو الجَوابُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ ويُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.
وفَسَّرَ القاضِي الرِّزْقَ الحَسَنَ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ الحَلالِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ في تَحْصِيلِهِ، وقُدِّرَ جَوابُ الشَّرْطِ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم ما قَدَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.
وزَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ ذَيْنَكَ التَّقْدِيرَيْنِ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ، وأنَّهُما إنَّما يُناسِبانِ إنْ حُمِلَ كَلامُهم عَلى الحَقِيقَةِ وأُرِيدَ بِالصَّلاةِ الدِّينَ حَسْبَما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وعَطاءٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ذَلِكَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ فَقَطْ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ورَزَقَنِي مالًا حَلالًا أسْتَغْنِي بِهِ عَنِ العالَمِينَ أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ أوْ أُوافِقَكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، انْتَهى.
وأقُولُ: لا يَخْفى أنَّ المُناسِبَ لِلْمَقامِ حَمْلُ الرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ الخالِي عَنِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ، وتَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ نَحْوَ ما قَدَّرَهُ القاضِي لَيْسَ في الكَلامِ ما يَأْبى عَنْهُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ والصَّلاةِ عَلى الدِّينِ، بَلْ يَتَأتّى تَقْدِيرُ ذَلِكَ ولَوْ كانَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والصَّلاةُ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى لَمّا قالُوا في ظِلالِ الضَّلالِ وقالُوا ما قالُوا في حَقِّ نَبِيِّهِمْ وما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الأفْعالِ لَمْ يَكُنْ لَهم مَقْصُودٌ إلّا تَرْكَ الدَّعْوَةِ وتَرْكَهم وما يَفْعَلُونَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيحًا لِرَدِّ قَوْلِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِرَمْيِهِ وحاشاهُ بِالوَسْوَسَةِ والجُنُونِ والسَّفَهِ والغِوايَةِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْتَحِقُّ جَوابًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ وتَعَرَّضَ لِجَوابِهِمْ عَمّا قَصَدُوهُ بِكَلامِهِمْ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ فِيهِ قَطْعُ أطْماعِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَعَ الإشارَةِ إلى رَدِّ ما تَضَمَّنَتْهُ مَقالَتُهُمُ الشَّنْعاءُ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: يا قَوْمِ إنَّكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ وضَمَّنْتُمُوها ما هو ظاهِرُ البُطْلانِ لِقَصْدِ أنْ أتْرُكَكم وشَأْنَكم مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ونَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومُسْتَثْنِيًّا بِما رَزَقَنِي مِنِ المالِ الحَلالِ عَنْكم وعَنْ غَيْرِكم أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ وحْيَهُ وأُوافِقَ هَواكُمْ؟ لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنِّي أصْلًا فَإذَنْ لا فائِدَةَ لَكم في هَذا الكَلامِ الشَّنِيعِ ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في هَذا الجَوابِ إشارَةً إلى وصْفِهِمْ بِنَحْوِ ما وصَفُوهُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طَلَبَكم مِنِّي تَرْكَ الدَّعْوَةِ ومُوافَقَةَ الهَوى مَعَ أنِّي مَأْمُورٌ بِدَعْوَتِكم وغَنِيٌّ عَنْكم مِمّا لا يَصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ ولا يَرْتَكِبُهُ إلّا سَفِيهٌ غاوٍ وكَأنَّ التَّعَرُّضَ لِذِكْرِ الرِّزْقِ مَعَ الكَوْنِ عَلى بَيِّنَةٍ لِلْإشارَةِ إلى وُجُودِ المُقْتَضى وارْتِفاعِ ما يُظَنُّ مانِعًا، ولا يَخْفى ما في إخْراجِ الجَوابِ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الحُسْنِ فَتَأمَّلْ.
بَقِيَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ النُّحاةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ أعْنِي أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ إلَخْ أنْ تُقَدَّرَ
صفحة 120
الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي -لِأرَأيْتُمُ- المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى أخْبَرُونِي المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وجَوابُ الشَّرْطِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي فَأخْبِرُونِي هَلْ يَسَعُ لِي إلَخْ.. فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ، وما أُرِيدُ بِنَهْيِي إيّاكم عَمّا أنْهاكم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ أقْصِدُهُ بَعْدَما تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ فَأسْتَبِدُّ بِهِ دُونَكم كَما هو شَأْنُ بَعْضِ النّاسِ في المَنعِ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ.
قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ ما ذَكَرُوهُ أنَّ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ -لِأُرِيدُ- أيْ وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكُمْ، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى خَلَفَ نَحْوُ جاوَزَ وجازَ، ويَكُونُ المَعْنى وما أُرِيدُ أنْ أكُونَ خَلَفًا مِنكم و(إلى) مُتَعَلِّقَةٌ بِأُخالِفَ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ مَعْطُوفٌ عَلى المَذْكُورِ، أيْ وأمِيلُ إلى إلَخْ... ويَجُوزُ أنْ يَبْقى (أُخالِفُ) عَلى ظاهِرِهِ مِنَ المُخالَفَةِ ويَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ –لِأُرِيدَ- ويُقَدَّرُ مائِلًا إلى كَما تَقَدَّمَ أوْ يَكُونُ (أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ و(إلى ما) مُتَعَلِّقًا -بِأُرِيدُ- أيْ وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، وقالَ الزَّجّاجُ في مَعْنى ذَلِكَ: أيْ ما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ ﴿إنْ أُرِيدُ﴾ أيْ ما أُرِيدُ بِما أقُولُ لَكم ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ أيْ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِالنَّصِيحَةِ والمَوْعِظَةِ ما اسْتَطَعْتُ أيْ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي ذَلِكَ وتَمَكُّنِّي مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا، فَما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.
وجَوَّزَ فِيها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ أيِ المِقْدارِ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ أوْ إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، وهي إمّا بَدَلُ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الإصْلاحِ ما يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ، وعَلَيْهِ وعَلى الأوَّلِ يُقَدَّرُ ضَمِيرٌ أيْ مِنهُ لِأنَّهُ في مِثْلِ ذَلِكَ لا بُدَّ مِنهُ وجَوَّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِلْمَصْدَرِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ:
ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ يُخالُ الفِرارَ يُراخِي الأجَلَ
أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكُمُ الأبْلَغُ الأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ لِأنَّ في احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ إضْمارًا وفَواتَ المُبالَغَةِ، وفي الِاحْتِمالِ الأخِيرِ إعْمالُ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ في المَفْعُولِ بِهِ، وفِيهِ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ويَقِلُّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فَواتُها وزِيادَةُ إضْمارِ مَفْعُولِ اسْتَطَعْتُ ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ أيْ ما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِتَحْقِيقِ ما أتَوَخّاهُ مِن إصْلاحِكم إلّا بِاللَّهِ أيْ بِتَأْيِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعُونَتِهِ.
واخْتارَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ وما تَوْفِيقِي لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ في كُلِّ ما آتِي وأذَرُ إلّا بِهِدايَتِهِ تَعالى ومَعُونَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وما كَلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ تَوْفِيقِي لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مِن صِيَغِ العُمُومِ ويُؤَوَّلُ إلى هَذا ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى ما جِنْسُ تَوْفِيقِي؛ لِأنَّ انْحِصارَ الجِنْسِ يَقْتَضِي انْحِصارَ أفْرادِهِ، لَكِنْ عَلى الأوَّلِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ وعَلى الثّانِي بِطَرِيقِ المَنطُوقِ، وتَقْدِيرُ المُضافِ بَعْدَ الباءِ مِمّا التَزَمَهُ كَثِيرٌ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: دَفْعُ الِاسْتِشْكالِ بِأنَّ فاعِلَ التَّوْفِيقِ هو اللَّهُ تَعالى وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ بِالباءِ لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى الآلَةِ فَلا يَحْسُنُ ضَرْبِي بِزَيْدٍ وإنَّما يُقالُ: مِن زَيْدٍ فالِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ بِناءً عَلى هَذا وما تَوْفِيقِي إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ
صفحة 121
ووَجْهُ الدَّفْعِ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ ظاهِرٌ لِأنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ عَلى الفاعِلِ حِينَئِذٍ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِما أنَّ التَّوْفِيقَ وهو كَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ مُوافِقًا لِما يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى ويَرْضاهُ لا يَكُونُ إلّا بِدَلالَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، ومُجَرَّدُ الدَّلالَةِ لا يُجْدِي بِدُونِ المَعُونَةِ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في ذَلِكَ أوْ في جَمِيعِ أُمُورِي لا عَلى غَيْرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ القادِرُ المُتَمَكِّنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ عاجِزٌ في حَدِّ ذاتِهِ بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكِتابُ وعايَنَهُ أُولُو البَصائِرِ والألْبابِ وإلَيْهِ المَصِيرُ.
أيْ أرْجِعُ فِيما أنا بِصَدَدِهِ أوْ أقْبَلُ بِشَرٍّ اسْتَشْرى في مَجامِعِ أُمُورِي لا إلى غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وكَأنَّ إيثارَ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيها عَلى الماضِي الأنْسَبُ لِلتَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ كَما في التَّوَكُّلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ولا يَخْفى ما في جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ خَطِيبٍ إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ لِأجْوِبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثَةِ يَعْنِي يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إلَخْ.. وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلَخْ.. وإنْ أُرِيدُ إلَخْ.. عَلى هَذا النَّسَقِ شَأْنٌ وهو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِيهِ ويَذَرُهُ ثَلاثَةَ حُقُوقٍ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الجَوابَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِن شُكْرِ نِعْمَتِهِ والِاجْتِهادِ في خِدْمَتِهِ، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّانِيَ مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حَقِّ نَفْسِهِ مِن كَفِّها عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَهِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وثالِثُها حَقُّ النّاسِ فَإنَّ الجَوابَ الثّالِثَ مُتَضَمِّنٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حَقَّ الغَيْرِ إصْلاحُهُ وإرْشادُهُ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ قَوْلَهُ: إنْ أُرِيدُ إلَخْ.. عَلى ما قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا ومُقَرِّرًا لَهُ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الِاسْتِئْثارَ بِما نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْإصْلاحِ ولا يُنافِي هَذا كَوْنَهُ مُتَضَمِّنًا لِجَوابٍ آخَرَ، وكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ إلَخْ.. إزاحَةٌ لِما عَسى أنْ يُوهِمَهُ إسْنادُ الِاسْتِطاعَةِ إلَيْهِ بِإرادَتِهِ مِنِ اسْتِبْدادِهِ بِذَلِكَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفِيهِ مَعَ ما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ قَدِ اشْتَمَلَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُراعاةِ لُطْفِ المُراجَعَةِ ورِفْقِ الِاسْتِنْزالِ والمُحافَظَةِ عَلى حُسْنِ المُجاراةِ والمُحاوَرَةِ وتَمْهِيدِ مَعاقِدِ الحَقِّ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِن جانِبِهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ في أُمُورِهِمْ وحَسْمِ أطْماعِ الكُفّارِ وإظْهارِ الفَراغِ عَنْهم وعَدَمِ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ، قِيلَ: وفِيهِ أيْضًا تَهْدِيدُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْجَزاءِ وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ يُكَنّى بِهِ عَنِ الجَزاءِ وهو وإنْ كانَ هُنا مَخْصُوصًا بِهِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ لَكِنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وفِيهِ مَعَ خَفاءِ وجْهِ الإشارَةِ أنَّ الإنابَةَ إنَّما هي الرُّجُوعُ الِاخْتِيارِيُّ بِالفِعْلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا الرُّجُوعُ الِاضْطِرارِيُّ لِلْجَزاءِ وما يَعُمُّهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في قَوْلِهِ: ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) إشارَةً أيْضًا إلى تَهْدِيدِهِمْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الكافِي المُعِينُ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا بِالجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ
11:89Page 232
وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩
And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.
﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم شِقاقِي أيْ مُعاداتِي وأصْلُها أنَّ أحَدَ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ في عُدْوَةٍ وشِقٍّ والآخَرُ في آخَرَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ وعَنِ الحَسَنِ: ضِرارِي، وعَنْ بَعْضٍ: فِراقِي، والكُلُّ مُتَقارِبٌ وهو فاعِلُ ( يَجْرِمَنَّكم ) والكافُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَدْ جاءَ تَعَدِّي جَرَمَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما جاءَ تَعَدِّيها لِواحِدٍ، وهي مِثْلُ كَسَبَ في ذَلِكَ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ:
ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
وإضافَةُ شِقاقِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم شِقاقُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم
صفحة 122
مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ الغَرَقِ أوْ قَوْمَ هُودٍ مِنَ الرِّيحِ أوْ قَوْمَ صالِحٍ مِنَ الرَّجْفَةِ والصَّيْحَةِ، ونَهْيُ الشِّقاقِ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِهِمْ، وهو أبْلَغُ مِن تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ إذا نُهِيَ وهو لا يَعْقِلُ عُلِمَ نَهْيُ المُشاقِّينَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (يُجْرِمَنَّكُمْ) بِضَمِّ الياءِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وهو حِينَئِذٍ مِن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ أيْ كاسِبًا، والهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ مِن جَرَمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ في النَّقْلِ كَذَلِكَ كَسَبَ المالَ فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ أكْسَبَهُ المالَ، والقِراءَتانِ سَواءٌ في المَعْنى إلّا أنَّ المَشْهُورَةَ جارِيَةٌ عَلى ما هو الأكْثَرُ اسْتِعْمالًا في كَلامِ الفُصَحاءِ مِنَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ (مِثْلَ) بِالفَتْحِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وخَرَّجَهُ جَمْعٌ عَلى أنَّ (مِثْلُ) فاعِلٌ أيْضًا إلّا أنَّهُ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقَدْ جَوَّزَ فِيهِ وكَذا في غَيْرَ مَعَ ما وأنِ المُخَفَّفَةِ والمُشَدِّدَةِ ذَلِكَ كالظُّرُوفِ المُضافَةِ لِلْمَبْنِيِّ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ:
ولَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالٍ
وبَعْضٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والفُتْحَةُ إعْرابٌ أيْ إصابَةٌ مِثْلُ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ وفاعِلُ يُصِيبُكم ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى العَذابِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ زَمانًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أوْ مَكانًا كَما رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّكم إنْ لَمْ تَعْتَبِرُوا بِمَن قَبْلُ لِقِدَمِ عَهْدٍ أوْ بُعْدِ مَكانٍ فاعْتَبِرُوا بِهَؤُلاءِ فَإنَّهم بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنكم وكَأنَّهُ إنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّحْذِيرِ بِهِمْ واكْتَفى بِذِكْرِ قُرْبِهِمْ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما أصابَهم لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مَنظُومًا في سِمْطِ ما ذَكَرَ مِن دَواعِي الأُمَمِ المَرْقُومَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالبُعْدِ البُعْدُ المَعْنَوِيُّ أيْ لَيْسُوا بِبَعِيدٍ مِنكم في الكُفْرِ والمَساوِي فاحْذَرُوا أنْ يَحِلَّ بِكم ما أحَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ فَقالَ: فَإنْ تَكُونُوا قَوْمَ لُوطٍ بِعَيْنِهِمْ فَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، وإفْرَدُ بَعِيدٍ وتَذْكِيرُهُ مَعَ كَوْنِ المُخْبَرِ عَنْهُ وهو قَوْمٌ اسْمَ جَمْعٍ ومُؤَنَّثًا لَفْظًا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَدَلَّ لَهُ بِتَصْغِيرِهِ عَلى قَوِيمَةٍ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: بِبَعِيدَةٍ مُوافَقَةً لِلَّفْظِ وبِبُعَداءَ مُوافَقَةً لِلْمَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ وما إهْلاكُهم أوْ وما هم بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ وما هم في زَمانٍ بَعِيدٍ أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَوِي في بَعِيدٍ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصادِرِ كالنَّهِيقِ والصَّهِيلِ.
وفِي الكَشْفِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ أنَّ القَوْمَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ لِأنَّ أسْماءَ الجُمُوعِ الَّتِي لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها إذا كانَتْ لِلْآدَمِيِّينَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ مِثْلَ رَهْطٍ ونَفَرٍ وقَوْمٍ، وإذا صُغِّرَتْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الهاءُ، وقُلْتُ: قُوَيْمٌ ورُهَيْطٌ ونُفَيْرٌ، ويَدْخُلُ الهاءُ فِيما يَكُونُ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ مِثْلَ الإبِلِ والغَنَمِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ لازِمٌ وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وعَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ
11:90Page 232
وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠
And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."
هَذا، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أنْذَرَهم سُوءَ عاقِبَةِ صَنِيعِهِمْ عَقَّبَهُ طَمَعًا في ارْوِعائِهِمْ عَمّا هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ فَيَرْحَمُ مَن يَطْلُبُ مِنهُ المَغْفِرَةَ ﴿ودُودٌ).﴾ أيْ كَثِيرُ الوِدِّ والمَحَبَّةِ فَيُحِبُّ مَن يَتُوبُ ويَرْجِعُ إلَيْهِ، والمَشْهُورُ جَعْلُ الوَدُودِ مَجازًا بِاعْتِبارِ الغايَةِ أيْ مُبالِغٌ في فِعْلِ ما يَفْعَلُ البَلِيغُ المَوَدَّةُ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ اللُّطْفِ والإحْسانِ
صفحة 123
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ إمْكانَ المَعْنى الأصْلِيِّ، والدّاعِي لِارْتِكابِ المَجازِ أوِ الكِنايَةِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ المَوَدَّةَ بِمَعْنى المَيْلِ القَلْبِيِّ وهو مِمّا لا يَصِحُّ وصْفُهُ تَعالى بِهِ، والسَّلَفِيُّ يَقُولُ: المَوَدَّةُ فِينا المَيْلُ المَذْكُورُ وفِيهِ سُبْحانَهُ وراءَ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقِيلَ: مَعْنى ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ وتَفْسِيرُهُ هُنا بِما تَقَدَّمَ أوْلى والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ السّابِقِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الأكْثَرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن نَحْوِ التَّوْزِيعِ، فَقالَ: عَظِيمُ الرَّحْمَةِ لِلتّائِبِينَ مُبالَغٌ في اللُّطْفِ والإحْسانِ بِهِمْ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ.
11:91Page 232
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١
They said, "O Shuʿayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ أيْ ما نَفْهَمُ ذَلِكَ كَأنَّهم جَعَلُوا كَلامَهُ المُشْتَمِلَ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ والمَواعِظِ وأنْواعِ العُلُومِ والمَعارِفِ إذْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ ولَمْ يَجِدُوا إلى مُحاوَرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبِيلًا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيطِ والهَذَيانِ الَّذِي لا يُفْهَمُ مَعْناهُ ولا يُدْرَكُ فَحْواهُ، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يَعْبَأُ بِهِ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مُغايَرَةٍ لِلْأوَّلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ إلى سَماعِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَزِيدِ نَفْرَتِهِمْ عَنْهُ أوْ لِغَباوَتِهِمْ وقُصُورِ عُقُولِهِمْ، قِيلَ: وقَوْلُهم كَثِيرًا لِلْفِرارِ عَلى المُكابَرَةِ ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الكُلُّ وإنْ ورَدَ في اللُّغَةِ لِأنَّ مِمّا تَقُولُ يَأْبى ذَلِكَ، كَما أنَّ كَثِيرًا مِنهم يَأْبى حَمْلَ كَلامِهِمْ هَذا عَلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم إنَّما لَمْ يَفْقَهُوا كَثِيرًا مِمّا يَقُولُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ألْثَغَ، وأظُنُّ أنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِذَلِكَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَلى أنَّ ظاهِرَ ما جاءَ مِن وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ يَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا﴾ أيْ فِيما بَيْنَنا ﴿ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ ولا قُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ والإيقاعِ والدَّفْعِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وسُفْيانِ الثَّوْرِيِّ وأبِي صالِحٍ تَفْسِيرُ الضَّعِيفِ بِالأعْمى وهي لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ، وذَلِكَ كَما يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ ضَرِيرًا، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ البَعْضُ، وإطْلاقُ البَصِيرِ عَلَيْهِ كَما هو شائِعٌ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ تَلْمِيحًا، وضَعَّفَ هَذا التَّفْسِيرَ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِمْ: فِينا بَصِيرٌ لَغْوٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ أعْمى يَكُونُ أعْمى فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ وإرادَةٌ لازِمَةٌ وهي الضَّعْفُ بَيْنَ مَن يَنْصُرُهُ ويُعادِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: جَوَّزَ بَعْضُ أصْحابِنا العَمى عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَكِنْ لا يَحْسُنُ الحَمْلُ عَلَيْهِ هُنا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُصَحَّحَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ فِيهِمْ أعْمى وما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أمْرًا عارِضًا وذَهَبَ.
والأخْبارُ المَرْوِيَّةُ عَمَّنْ ذَكَرْنا في شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ نَقِفْ عَلى تَصْحِيحٍ لَها سِوى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَإنَّ الحاكِمَ صَحَّحَ بَعْضَ طُرُقِهِ لَكِنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ كَتَضْعِيفِ ابْنِ الجَوْزِيِّ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما قِيلَ في يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «بَكى شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حُبِّ اللَّهِ تَعالى حَتّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَصَرَهُ وأوْحى إلَيْهِ: يا شُعَيْبُ ما هَذا البُكاءُ أشَوْقًا إلى الجَنَّةِ أمْ خَوْفًا مِنَ النّارِ، فَقالَ: لا ولَكِنِ اعْتَقَدْتُ حُبَّكَ بِقَلْبِي فَإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ فَلا أُبالِي ما الَّذِي تَصْنَعُ بِي، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا شُعَيْبُ إنْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقًّا فَهَنِيئًا لَكَ لِقائِي، يا شُعَيْبُ لِذَلِكَ أخَدَمْتُكَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ كِلِيمِي». وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِنْباءُ الأعْمى لِكَوْنِهِ صِفَةً مُنْفَرِدَةً لِعَدَمِ الِاحْتِرازِ مَعَهُ عَنِ النَّجاساتِ، ولِأنَّهُ يُخِلُّ بِالقَضاءِ والشَّهادَةِ، فَإخْلالُهُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ أوْلى
صفحة 124
وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاحْتِرازِ مَعَهُ عَنِ النَّجاساتِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ نُشاهِدُهُ مِنَ العُمْيانِ أكْثَرُ احْتِرازًا عَنْها مِن غَيْرِهِ، وبِأنَّ القاضِيَ والشّاهِدَ يَحْتاجانِ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُدَّعِي والمُدَّعى عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ لا يَحْتاجُ لِتَمْيِيزِ مَن يَدْعُوهُ مَعَ أنَّهُ مَعْصُومٌ فَلا يُخْطِئُ كَغَيْرِهِ كَذا قِيلَ فَلْيُنْظَرْ، ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾ أيْ جَماعَتُكَ، قالَ الرّاغِبُ: هم ما دُونَ العَشَرَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى السَّبْعَةِ، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ: إلى الأرْبَعِينَ، ولا يَقَعُ فِيما قِيلَ كالعُصْبَةِ والنَّفَرِ إلّا عَلى الرِّجالِ، ومِثْلُهُ الرّاهِطُ وجَمْعُهُ أرْهُطٌ وجَمْعُ الجَمْعِ أراهِطُ، وأصْلُهُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الرُّمّانِيِّ الشَّدُّ، ومِنهُ الرَّهِيطُ لِشِدَّةِ الأكْلِ والرّاهِطاءُ لِجُحْرِ اليَرْبُوعِ لِأنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ ويُخَبَّئُ فِيهِ ولَدَهُ، والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم لَوْلا مُراعاةُ جانِبِ رَهْطِكَ ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ أيْ لَقَتَلْناكَ بِرَمْيِ الأحْجارِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نِكايَةِ القَتْلِ كَأنَّهم قالُوا: لَقَتَلْناكَ بِأصْعَبِ وجْهٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادُوا لَسَبَبْناكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا، ولَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ المُرادُ لَوْلا مُمانَعَةُ رَهْطِكَ ومُدافَعَتُهُمْ، لِأنَّ مُمانَعَةَ الرَّهْطِ وهم عَدَدٌ نَزْرٌ لِأُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِمّا لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ، ومَعْنى ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ما أنْتَ بِمُكَرَمٍ مُحْتَرَمٍ حَتّى نَمْتَنِعَ مِن رَجْمِكَ، وإنَّما نَكُفُّ عَنْكَ لِلْمُحافَظَةِ عَلى حُرْمَةِ رَهْطِكَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى دِينِنا ولَمْ يَخْتارُوكَ عَلَيْنا، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ -بِعَزِيزٍ- وجازَ لِكَوْنِ المَعْمُولِ ظَرْفًا، والباءُ مَزِيدَةٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وهو خَبَرُ -أنْتَ- وقَدْ صَرَّحَ السَّكاكِيُّ في المِفْتاحِ أنَّهُ قَصَدَ بِتَقْدِيمِ هَذا الضَّمِيرِ الَّذِي هو فاعِلٌ مَعْنَوِيٌّ وإنْ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ فِعْلًا بَلْ صِفَةً مُشَبَّهَةً وإيلائِهِ النَّفْيَ الحَصْرَ والِاخْتِصاصَ، أيِ اخْتِصاصَ النَّفْيِ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ العِزَّةِ مَقْصُورٌ عَلَيْكَ لا يَتَجاوَزُكَ إلى رَهْطِكَ لا بِمَعْنى نَفْيِ الِاخْتِصاصِ بِمَعْنى لَسْتَ مُنْفَرِدًا بِالعِزَّةِ، وهو ظاهِرٌ، قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، قالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ: إنَّهُ قَصَدَ فِيهِ نَفْيَ العِزَّةِ عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وإثْباتَها لِرَهْطِهِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لِلْعِزَّةِ بِهِمْ ويَلْزَمُهُ تَخْصِيصُ عَدَمِها بِهِ إلّا أنَّ المُتَبادِرَ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ هو القَصْدُ إلى الأوَّلِ، واسْتَدَلَّ السَّكاكِيُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ لِلِاخْتِصاصِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَوابِ هَذا الكَلامِ ما حُكِيَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences