Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ikhlas 112:2–4
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقِيلَ: ﴿الصَّمَدُ﴾ نَعْتٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. و«الصَّمَدُ» قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ النّاسُ في حَوائِجِهِمْ وأُمُورِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ ويَصْمُدُ إلَيْهِ؛ أيْ: يَقْصِدُهُ كُلُّ شَيْءٍ وأنْشَدُوا:
لَقَدْ بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقَوْلَهُ:
عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها خُزِيتَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ، والشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعَظِيمُ
صفحة 274
الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عَظَمَتِهِ، والحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِلْمِهِ، والعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عِلْمِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ، وهو الَّذِي قَدْ كَمُلَ في أنْواعِ الشَّرَفِ والسُّؤْدُدِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: هو المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ، المُحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وعَنِ الرَّبِيعِ هو الَّذِي لا تَعْتَرِيهِ الآفاتُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: هو الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، وعَنْ قَتادَةَ: هو الباقِي بَعْدَ خَلْقِهِ ونَحْوُهُ قَوْلُ مَعْمَرٍ: هو الدّائِمُ، وقَوْلُ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ: هو الَّذِي لا يَبْلى ولا يَفْنى، وعَنْهُ أيْضًا: هو الَّذِي يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ ما يَشاءُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا رادَّ لِقَضائِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا قَدْ رَفَعَهُ قالَ: ««الصَّمَدُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ»». ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ومِنهُ قَوْلُهُ:
شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا
وعَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أحْشاءٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ: هو الَّذِي لا يَطْعَمُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وعَنْ طائِفَةٍ مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أنَّهُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ كَأنَّهم جَعَلُوا ما بَعْدَهُ تَفْسِيرَ إلَهٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَفْسِيرًا بِالسَّيِّدِ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ الخَلْقُ في الحَوائِجِ والمَطالِبِ، وتَفْسِيرُهُ بِالَّذِي لا جَوْفَ لَهُ وما عَداهُما إمّا راجِعٌ إلَيْهِما أوْ هو مِمّا لا تُساعِدُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، وجُعِلَ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَيِّدًا أنَّهُ مَبْدَأُ الكُلِّ، وفي مَعْناهُ تَفْسِيرُهُ بِالغَنِيِّ المُطْلَقِ المُحْتاجِ إلَيْهِ ما سِواهُ. وقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادًا فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ تَعالى بِمَجْمُوعِ السَّلْبِ والإيجابِ وهو ظاهِرٌ في جَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في كِلا مَعْنَيَيْهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ، والَّذِي اخْتارَهُ تَفْسِيرُهُ بِالسَّيِّدِ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ الخَلْقُ وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ بِمَعْنى قَصَدَ فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ، وإطْلاقُ الصَّمَدِ بِمَعْنى السَّيِّدِ عَلَيْهِ تَعالى مِمّا لا خِلافَ فِيهِ وإنْ كانَ في إطْلاقِ السَّيِّدِ نَفْسِهِ خِلافٌ والصَّحِيحُ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في الحَدِيثِ: ««السَّيِّدُ اللَّهُ»».
وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَعالى مُضافًا فَلا يُقالُ سَيِّدُ المَلائِكَةِ والنّاسِ مَثَلًا، وقَصْدُ الخَلْقِ إيّاهُ تَعالى بِالحَوائِجِ أعَمُّ مِنَ القَصْدِ الإرادِيِّ والقَصْدِ الطَّبِيعِيِّ والقَصْدِ بِحَسْبِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ الثّابِتِ لِجَمِيعِ الماهِيّاتِ إذْ هي كُلُّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى المَبْدَأِ تَعالى في طَلَبِ كِمالاتِها مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَعْرِيفِهِ دُونَ أحَدٍ قِيلَ: لِعِلْمِهِمْ بِصَمَدِيَّتِهِ تَعالى دُونَ أحَدِيَّتِهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ؛ لِأنَّ عِلْمَ المُخاطَبِ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ لا يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنْ لا يُلْقى إلَيْهِ إلّا بَعْدَ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ لِأنَّ إفادَةَ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا المَقامِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْرِيفَ لِإفادَةِ الحَصْرِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الرَّجُلُ. ولا حاجَةَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِناءً عَلى أنَّ مَفْهُومَ أحَدٍ المُنَزَّهِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ مُطْلَقًا إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ مَعَ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ أحَدِيَّتَهُ تَعالى ولا يَعْتَرِفُونَ بِها. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الخَبَرَ إذا كانَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِ لا يُخْبَرُ بِهِ إلّا بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ أوْ إفادَتِهِ لازِمَ فائِدَةِ الخَبَرِ أوْ إذا قُصِدَ الحَصْرُ؛ وهو يُنافِي ما تَقَرَّرَ في المَعانِي مِن أنَّ كَوْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْلُومَيْنِ لا يُنافِي كَوْنَ الكَلامِ مُفِيدًا لِلسّامِعِ فائِدَةً مَجْهُولَةً؛ لِأنَّ ما يَسْتَفِيدُهُ السّامِعُ مِنَ الكَلامِ هو انْتِسابُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، وكَوْنُهُ هو هو فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ هُنا: إنَّهم يَعْرِفُونَهُ تَعالى بِوَجْهٍ ما ويَعْرِفُونَ مَعْنى المَقْصُودِ سَواءٌ كانَ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْ غَيْرَهُ عِنْدَهُمْ، ولَكِنْ لا يَعْرِفُونَ أنَّهُ هو سَواءٌ كانَ بِمَعْنى الفَرْدِ الكامِلِ أوِ الجِنْسِ فَعَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم. وقِيلَ: إنَّ «أحَدٌ» في غَيْرِ النَّفْيِ والعَدَدُ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَعْرِيفِهِ بِخِلافِ الصَّمَدِ؛ فَإنَّهُ جاءَ في كَلامِهِمْ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: كَما في البَيْتَيْنِ السّابِقَيْنِ فَلِذا عُرِفَ. وتَكْرارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ الإتْيانِ بِالضَّمِيرِ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالصَّمَدِيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ وذَلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الدَّوانِيُّ مَأْخُوذٌ مِن إفادَةِ تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ الحَصْرَ، فَإذا قُلْتَ: السُّلْطانُ العادِلُ، أشْعَرَ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ
صفحة 275
بِالعَدْلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّلْطَنَةَ، وقِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيقَ الصَّمَدِ بِاللَّهِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ وإذا كانَتِ الصَّمَدِيَّةُ نَتِيجَةً لِلْأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِها، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ فِيما يَظْهَرُ لِلصَّمَدِيَّةِ لِأنَّهُ إنَّما يُعْبَدُ لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ دُونَ العَكْسِ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَبْدَؤُها وما تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِالفِعْلِ، وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ بِمَسْنَدٍ إلَيْهِ واحِدٌ لِأحَدٍ، والصَّمَدُ هو الِاسْمُ الجَلِيلُ بِأنْ يُقالَ: اللَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ مُسْتَقِلٌّ في تَعْيِينِ الذّاتِ، وتُرِكَ العاطِفُ في الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ لِأنَّها كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ مَن كانَ غَنِيًّا لِذاتِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ جَمِيعُ ما سِواهُ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا أوْ ما سِواهُ لا يَكُونُ إلّا مُمْكِنًا مُحْتاجًا إلَيْهِ، أوْ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الأحَدِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ الصَّمَدِيَّةَ والغِنى المُطْلَقَ. وبِالجُمْلَةِ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن وجْهٍ تُشْبِهُ الدَّلِيلَ ومِن وجْهٍ تُشْبِهُ النَّتِيجَةَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُؤَكَّدَةٌ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ سِيرِينَ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّالِ وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ يُونُسَ ومَحْبُوبٍ والأصْمَعِيِّ واللُّؤْلُؤِيِّ وعُبَيْدٍ «أحَدُ اللَّهُ» بِحَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقائِهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأكْثَرُ ما يُوجَدُ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ أبِي الأُسُودِ الدُّؤَلِيِّ:
فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللَّهِ إلّا قَلِيلا
وقَوْلِ الآخَرِ:
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِضَيْفِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
والجَيِّدُ هو التَّنْوِينُ وكَسْرُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إلَخْ. عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ. ونَفْيُ ذَلِكَ عَنْهُ تَعالى لِأنَّ الوِلادَةَ تَقْتَضِي انْفِصالَ مادَّةٍ مِنهُ سُبْحانَهُ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ المُنافِيَ لِلصَّمَدِيَّةِ والأحَدِيَّةِ، أوْ لِأنَّ الوَلَدَ مِن جِنْسِ أبِيهِ ولا يُجانِسُهُ تَعالى أحَدٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ واجِبٌ وغَيْرُهُ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ الوَلَدَ عَلى ما قِيلَ يَطْلُبُهُ العاقِلُ إمّا لِإعانَتِهِ أوْ لِيَخْلُفَهُ بَعْدَهُ، وهو سُبْحانُهُ دائِمٌ باقٍ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والِاقْتِصارُ عَلى الماضِي دُونَ أنْ يُقالَ: لَنْ يَلِدَ لِوُرُودِهِ رَدًّا عَلى مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ أوِ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ وهو لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الماضِي ونَفْيُ المَوْلُودِيَّةِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لِاقْتِضائِها المادَّةَ فَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ المُنافِي لِلْغِنى المُطْلَقِ والأحَدِيَّةِ الحَقِيقِيِّةِ، أوْ لِاقْتِضائِها سَبْقَ العَدَمِ ولَوْ بِالذّاتِ أوْ لِاقْتِضائِها المُجانِسَةَ المُسْتَحِيلَةَ عَلى واجِبِ الوُجُودِ، وقَدَّمَ نَفْيَ الوِلادَةِ لِأنَّهُ الأهَمُّ؛ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ الكُفّارِ تَوَهَّمُوا خِلافَهُ بِخِلافِ نَفْيِ المَوْلُودِيَّةِ أوْ لِكَثْرَةِ مُتَوَهِّمِي خِلافِ الأوَّلِ دُونَ خِلافِ الثّانِي بِناءً عَلى أنَّ النَّصارى يَلْزَمُهم بِواسِطَةِ دَعْوى الِاتِّحادِ القَوْلُ بِالوِلادَةِ والمَوْلُودِيَّةِ فِيمَن يَعْتَقِدُونَهُ إلَهًا؛ وذَلِكَ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهم أنَّهم يَقُولُونَ: الأبُ هو الأُقْنُومُ الأوَّلُ مِنَ الثّالُوثِ، والِابْنُ هو الثّانِي الصّادِرُ مِنهُ صُدُورًا أزَلِيًّا مُساوِيًا بِالأزَلِيَّةِ لَهُ، ورُوحُ القُدُسِ هو الثّالِثُ الصّادِرُ عَنْهُما كَذَلِكَ، والطَّبِيعَةُ الإلَهِيَّةُ واحِدَةٌ وهي لِكُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ، وكُلٌّ مِنها مُتَّحِدٌ مَعَها ومَعَ ذَلِكَ هم ثَلاثَةُ جَواهِرَ لا جَوْهَرٌ واحِدٌ، فالأبُ لَيْسَ هو الِابْنَ، والِابْنُ لَيْسَ هو الأبَ، ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ هو الأبَ ولا الِابْنَ، وهُما لَيْسا رُوحَ القُدُسِ ومَعَ ذا هم إلَهٌ واحِدٌ؛ إذْ لَهم لاهُوتٌ واحِدٌ وطَبِيعَةٌ واحِدَةٌ وجَوْهَرٌ واحِدٌ وكُلٌّ مِنهم مُتَّحِدٌ مَعَ اللّاهُوتِ، وإنْ كانَ بَيْنَهم تَمايُزٌ، والأوَّلُ هو الوُجُودُ الواجِبُ الجَوْهَرِيُّ، والثّانِي هو العَقْلُ الجَوْهَرِيُّ ويُقالُ لَهُ العَلَمُ، والثّالِثُ هو الإدارَةُ الجَوْهَرِيَّةُ ويُقالُ لَها المَحَبَّةُ، فاللَّهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ جَوْهَرِيَّةٍ؛ وهي عَلى تَمايُزِها تَمايُزًا حَقِيقِيًّا وقَدْ يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ إضافِيًّا؛ أيْ: بِإضافَةِ بَعْضِها إلى بَعْضِ جَوْهَرٍ وطَبِيعَةٍ واحِدَةٍ هو اللَّهُ ولَيْسَ يُوجَدُ فِيهِ غَيْرُهُ، بَلْ كُلُّ ما هو داخِلٌ فِيهِ عَيْنُ ذاتِهِ، ويَقُولُونَ: إنَّ فِيهِ -تَعالى عَمّا يَقُولُونَ- أرْبَعَ إضافاتٍ؛ أُولاها: فاعِلِيَّةُ التَّعْقِيلِ في الأُقْنُومِ الأوَّلِ، ثانِيَتُها: مَفْعُولِيَّةُ التَّعَقُّلِ في الأُقْنُومِ الثّانِي
صفحة 276
الَّذِي هو صُورَةُ عَقْلِ الأبِ، ثالِثَتُها: فاعِلِيَّةُ الِانْبِثاقِ في الأُقْنُومِ الأوَّلِ والثّانِي اللَّذَيْنِ لَهُما الإرادَةُ، رابِعَتُها: مَفْعُولِيَّةُ هَذا الِانْبِثاقِ في الأُقْنُومِ الثّالِثِ الَّذِي هو حُبُّ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لِلْأُقْنُومِ الأوَّلِ والثّانِي، وزَعَمُوا أنَّ التَّعْبِيرَ بِالفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ في الأقانِيمِ الإلَهِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، ولَيْسَتِ الفاعِلِيَّةُ في الأبِ نَحْوَ الِابْنِ إلّا الأُبُوَّةَ وفِيهِ وفي الِابْنِ نَحْوَ رُوحِ القُدْسِ لَيْسَتْ إلّا بَدْءَ صُدُورِهِ مِنهُما ولَيْسَتِ المَفْعُولِيَّةُ في الِابْنِ ورُوحِ القُدْسِ إلّا البُنُوَّةَ في الِابْنِ والِانْبِثاقَ في الرُّوحِ، ويَقُولُونَ: كُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وإنْ كانَ فَوْقَ الطَّوْرِ البَشَرِيِّ، ويَزْعُمُونَ أنَّ لِتِلْكَ الأقانِيمِ أسْماءً تَلَقَّوْها مِنَ الحَوارِيِّينَ. فالأُقْنُومُ الأوَّلُ في الطَّبْعِ الإلَهِيِّ يُدْعى أبًا، والثّانِي ابْنًا وكَلِمَةً وحِكْمَةً ونُورًا وضِياءً وشُعاعًا، والثّالِثُ رُوحَ القُدُسِ ومُغْرِيًا وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ بِاليُونانِيَّةِ: أراكْلِيطْ. وقالُوا في بَيانِ وجْهِ الإطْلاقِ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الأُقْنُومَ الأوَّلَ بِمَنزِلَةِ يَنْبُوعٍ ومَبْدَأٍ أعْطى الأُقْنُومَ الثّانِيَ الصّادِرَ عَنْهُ بِفِعْلٍ يَقْتَضِي شِبْهَ فاعِلِهِ وهو فِعْلُ العَقْلِ طَبِيعَتَهُ وجَوْهَرَهُ كُلَّهُ حَتّى أنَّ الأُقْنُومَ الثّانِيَ الَّذِي هو صُورَةُ الأوَّلِ الجَوْهَرِيَّةُ الإلَهِيَّةُ مُساوٍ لَهُ كَمالَ المُساواةِ وحَدُّ الإيلادِ هو صُدُورُ حَيٍّ مِن حَيٍّ بِآلَةٍ ومَبْدَأٍ مُقارِنٍ يَقْتَضِي شِبْهَ طَبِيعَتِهِ وهُنا كَذَلِكَ بَلْ أبْلَغُ لِأنَّ لِلثّانِي الطَّبِيعَةَ الإلَهِيَّةَ نَفْسَها فَلا بِدْعَ إذا سُمِّيَ الأوَّلُ أبًا والثّانِي ابْنًا، وإنَّما قِيلَ لِلثّانِي كَلِمَةً؛ لِأنَّ الإيلادَ لَيْسَ عَلى نَحْوِ إيلادِ الحَيَوانِ والنَّباتِ بَلْ يَفْعَلُ العَقْلُ أيْ يَتَصَوَّرُ الأبُ لاهُوتَهُ وفَهْمَهُ ذاتَهُ ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ كَلِمَةٌ لِأنَّها مَفْهُومِيَّةَ العَقْلِ ونُطْقَهُ، وقِيلَ لَها حِكْمَةٌ لِأنَّهُ كانَ مَوْلُودًا مِنَ الأبِ بِفِعْلِ عَقْلِهِ الإلَهِيِّ الَّذِي هو حِكْمَةٌ، وقِيلَ لَهُ نُورٌ وشُعاعٌ وضِياءٌ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ كانَ حِكْمَةً كانَ بِهِ مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ وانْكِشافُها كالمَذْكُوراتِ، وقِيلَ لِلثّالِثِ رُوحُ قُدُسٍ لِأنَّهُ صادِرٌ مِنَ الأبِ والِابْنِ بِفِعْلِ الإرادَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ لِلْأبِ والِابْنِ، ومُنْبَثِقٌ مِنهُما بِفِعْلٍ هو كَهَيَجانِ الإرادَةِ بِالحُبِّ نَحْوَ مَحْبُوبِها فَهو حُبُّ اللَّهِ، واللَّهُ نَفْسُهُ هو الرُّوحُ الصِّرْفُ والتَّقَدُّسُ عَيْنُهُ، ولِكُلٍّ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي وجْهٌ لِأنْ يُدْعى رُوحًا لِمَكانِ الِاتِّحادِ، لَكِنْ لَمّا دُعِيَ الأوَّلُ بِاسْمٍ يَدُلُّ عَلى رُتْبَتِهِ وإضافَتِهِ إلى الثّانِي والثّانِي كَذَلِكَ اخْتَصَّ الثّالِثُ بِالِاسْمِ المُشاعِ ولَمْ يُدْعَ ابْنًا وإنْ كانَ لَهُ طَبِيعَةُ الأبِ وجَوْهَرُهُ كالِابْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الأبِ بِفِعْلٍ يَقْتَضِي شِبْهَ فاعِلِهِ، يَعْنِي بِفِعْلِ العَقْلِ، بَلْ صَدَرَ مِنهُ فِعْلُ الإرادَةِ فالثّانِي مِنَ الأوَّلِ كَهابِيلَ مِن آدَمَ، والثّالِثُ كَحَوّاءَ مِنهُ والكُلُّ حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ لَكِنْ يُقالُ لِهابِيلَ ابْنٌ ولا يُقالُ لَها بِنْتٌ، وقِيلَ لَهُ مَغْزًى؛ لِأنَّهُ كانَ عَتِيدًا لِأنْ يَأْتِيَ الحَوارِيِّينَ فَيُغْرِيَهم لِفَقْدِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا الفاعِلِيَّةُ والمَفْعُولِيَّةُ فَلِأنَّهُما غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ حَقِيقَةً، والأُبُوَّةُ والنُّبُوَّةُ هاهُنا لا تَقْتَضِيهِما كَما في المُحْدَثاتِ؛ ولِذا لا يُقالُ هُنا لِلْأبِ عِلَّةٌ وسَبَبٌ لِابْنِهِ وإنْ قِيلَ هُناكَ فالثَّلاثَةُ مُتَساوِيَةٌ في الجَوْهَرِ والذّاتِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ والفَضْلِ مِن كُلِّ وجْهٍ. ثُمَّ إنَّهم زَعَمُوا تَجَسُّدَ الأُقْنُومِ الثّانِي وهو الكَلِمَةُ واتِّحادُهُ بِأشْرَفِ أجْزاءِ البَتُولِ مِنَ الدَّمِ بِقُوَّةِ رُوحِ القُدُسِ فَكانَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُرَكَّبُ مِنَ النّاسُوتِ والكَلِمَةِ، والكَلِمَةُ مَعَ اتِّحادِها لَمْ تَخْرُجْ عَنْ بَساطَتِها ولَمْ تَتَغَيَّرْ لِأنَّها الحَدُّ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ الِاتِّحادُ فَلا مانِعَ في جِهَتِها مِنَ الِاتِّحادِ، وكَذا لا مانِعَ في جانِبِ النّاسُوتِ فَلا يَتَعاصى اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ. زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إلَهًا تامًّا وإنْسانًا تامًّا ذا طَبِيعَتَيْنِ ومَشِيئَتَيْنِ قائِمَتَيْنِ بِأُقْنُومٍ إلَهِيٍّ وهو أُقْنُومُ الكَلِمَةِ ومِن ثَمَّ تُحْمَلُ عَلَيْهِ الصِّفاتُ الإلَهِيَّةُ والبَشَرِيَّةُ مَعًا لَكِنْ مِن حَيْثِيَّتَيْنِ، ثُمَّ إنَّهم زادُوا في الطُّنْبُورِ رَنَّةً وقالُوا: إنَّ المَسِيحَ أطْعَمَ يَوْمًا الحَوارِيِّينَ خُبْزًا وسَقاهم خَمْرًا فَقالَ: (أكَلْتُمْ لَحْمِي وشَرِبْتُمْ دَمِي فاتَّحَدْتُمْ مَعِي، وأنا مُتَّحِدٌ مَعَ الأبِ). إلى رَنّاتٍ أُخَرَ هي أشْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ.
ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو المَسِيحُ. وبَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّ المَسِيحَ ابْنُهُ. وبَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. ولِذا جاءَ في التَّنْزِيلِ كُلٌّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ مَنسُوبًا إلَيْهِمْ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ كُلِّ قَوْلٍ لِقَوْمٍ مِنهم كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ
صفحة 277
مِنَ المُفَسِّرِينَ والمُتَكَلِّمِينَ، ثُمَّ لا يَخْفى مُنافاةُ ما ذَكَرُوهُ لِلْأحَدِيَّةِ والصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ الأقانِيمَ مَعَ كَوْنِها ثَلاثَ جَواهِرَ مُتَمايِزَةٍ تَمايُزًا حَقِيقِيًّا جَوْهَرٌ واحِدٌ لِبَداهَةِ بُطْلانِهِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي.
وما يَذْكُرُونَهُ مِنَ المِثالِ لِإيضاحِ ذَلِكَ فَهو عَنِ الإيضاحِ بِمَعْزِلٍ وبَعِيدٌ عَنِ المَقْصُودِ بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ. وكُنّا ذَكَرْنا في ضِمْنِ هَذا الكِتابِ ما يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ عَقائِدِهِمْ مَعَ رَدِّهِ إلّا أنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّظَرِ في كُتُبِهِمْ وقَدِ اعْتَمَدْنا فِيهِ ما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ عَنْهم واليَوْمَ لَنا عَزْمٌ عَلى تَأْلِيفِ رِسالَةٍ تَتَضَمَّنُ تَحْرِيرَ اعْتِقاداتِهِمْ في الواجِبِ تَعالى وذِكْرَ شُبَهِهِمُ العَقْلِيِّةَ والنَّقْلِيَّةَ الَّتِي يَسْتَنِدُونَ إلَيْها ويُعَوِّلُونَ في التَّثْلِيثِ عَلَيْها حَسْبَما وقَفْنا عَلَيْهِ في كُتُبِهِمْ، مَعَ رَدِّها عَلى أكْمَلِ وجْهٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ. وأنْ يَسْلُكَ سُبْحانَهُ بِنا في جَمِيعِ أُمُورِنا أقْوَمَ المَسالِكِ؛ فَهو سُبْحانُهُ الجَوادُ الأجْوَدُ الَّذِي لَمْ يَجْبَهْ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ بِالرَّدِّ.
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ أيْ: لَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ ولَمْ يُماثِلْهُ ولَمْ يُشاكِلْهُ مِن صاحِبَةٍ وغَيْرِها. وقِيلَ: هو نَفْيٌ لِلْكَفاءَةِ المُعْتَبَرَةِ بَيْنَ الأزْواجِ وهو كَما تَرى.
و«لَهُ» صِلَةُ ﴿كُفُوًا﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ، والأصْلُ أنْ يُؤَخَّرَ إلّا أنَّهُ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِلِاهْتِمامِ أيْضًا قُدِّمَ الخَبَرُ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ. قِيلَ لَهُ إنَّ الظَّرْفَ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ خَيِّرًا مُبْطِلٌ سُقُوطُهُ مَعْنى الكَلامِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لَمْ يَكُنْ كُفُوًا أحَدٌ. لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى، فَلَمّا احْتِيجَ إلَيْهِ صارَ بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ فَحَسُنَ ذَلِكَ. وقالَ أبُو حَيّانَ: كَلامُ سِيبَوَيْهِ في الظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وهو الظَّرْفُ التّامُّ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: قُدِّمَ الظَّرْفُ لِلْفَواصِلِ ورِعايَتِها ولَمْ يُقَدَّمْ عَلى «أحَدٌ» لِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ حالًا مِن ( أحَدٌ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ ولِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالصِّفَةِ أوِ الصِّلَةِ وأنْ يَكُونَ خَبَرًا لِيَكُنْ، ويَكُونُ ( كُفُوًا ) حالًا مِن ( أحَدٌ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا، وهَذا الوَجْهُ نَقَلَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ ورُدَّ بِأنَّهُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا عَنْ أبِي حَيّانَ ظَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَإنْ قُدِّرَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ خاصٌّ وهو مُماثِلٌ ونَحْوَهُ مِمّا تَتِمُّ بِهِ الفائِدَةُ يَكُونُ ( كُفُوًا ) زائِدًا.
ولَعَلَّ وُقُوعَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مُتَعاطِفَةً دُونَ ما عَداها مِن هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها سِيقَتْ لِمَعْنًى وغَرَضٍ واحِدٍ وهو نَفْيُ المُماثَلَةِ والمُناسَبَةِ عَنْهُ تَعالى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وما تَضَمَّنَتْهُ أقْسامُها لِأنَّ المُماثِلَ إمّا ولَدٌ أوْ والِدٌ أوْ نَظِيرُ غَيْرِهِما فَلِتَغايُرِ الأقْسامِ واجْتِماعِها في المُقَسَّمِ لَزِمَ العَطْفُ فِيها بِالواوِ كَما هو مُقْتَضى قَواعِدِ المَعانِي. وفي ( كُفُوًا ) لُغاتٌ: ضَمُّ الكافِ وكَسْرُها وفَتْحُها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، وضَمُّ الكافِ مَعَ ضَمِّ الفاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: «كُفُؤًا» بِالهَمْزِ والتَّخْفِيفِ وحَفْصٌ بِالحَرَكَةِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا وباقِي السَّبْعَةِ بِالحَرَكَةِ مَهْمُوزًا، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى عَنْهُ: «كُفًى» مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: «كِفاءٌ» بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ والمَدِّ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُ.
أيْ: لا مِثْلَ لَهُ كَما قالَ الأعْلَمُ، وهَذِهِ السُّورَةُ الجَلِيلَةُ قَدِ انْطَوَتْ مَعَ تَقارُبِ قُطْرِها عَلى أشْتاتِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعَقائِدِ الإسْلامِيَّةِ؛ ولِذا جاءَ فِيها ما جاءَ مِنَ الأخْبارِ، ووَرَدَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ، ودَلَّ عَلى تَحْقِيقِ مَعْنى الآلِهَةِ بِالصَّمَدِيَّةِ الَّتِي مَعْناها وُجُوبُ الوُجُودِ أوِ المَبْدَئِيَّةُ لِوُجُودِ كُلِّ ما عَداهُ مِنَ المَوْجُوداتِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ غَيْرُهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ عَنْ غَيْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ إلَهًا لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ فَيّاضًا لِلْوُجُودِ عَلَيْها
صفحة 278
فَلا يَجُوزُ أنْ يَفِيضَ الوُجُودَ عَلى مِثْلِهِ كَما لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ ما يُساوِيهِ في قُوَّةِ الوُجُودِ، فَمِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى ﴿الصَّمَدُ﴾ في بَيانِ ماهِيَّتِهِ تَعالى ولَوازِمِ ماهِيَّتِهِ ووَحْدَةِ حَقِيقَتِهِ، وإنَّهُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ أصْلًا، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إلى: ﴿أحَدٌ﴾ في بَيانِ أنَّهُ لَيْسَ ما يُساوِيهِ مِن نَوْعِهِ ولا مِن جِنْسِهِ لا بِأنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ مُتَوَلِّدًا، ولا بِأنْ يَكُونَ مُتَوَلَّدًا عَنْهُ، ولا بِأنْ يَكُونَ مُوازًى في الوُجُودِ، وبِهَذا المَبْلَغِ يَحْصُلُ تَمامُ مَعْرِفَةِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ. انْتَهى.
وأشارَ فِيهِ إلى أنَّهُ ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ وكَأنْ قَدْ قالَ قَبْلُ: إنَّ كُلَّ ما كانَ مادِّيًّا أوْ كانَ لَهُ عَلاقَةٌ بِالمادَّةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن غَيْرِهِ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّدْ، والإشارَةُ إلى دَلِيلِهِ بِ «هُوَ» أوَّلَ السُّورَةِ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ماهِيَّةٌ واعْتِبارٌ سِوى أنَّهُ هو لِذاتِهِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُتَوَلِّدًا عَنْ غَيْرِهِ وإلّا لَكانَتْ هُوِيَّتُهُ مُسْتَفادَةً عَنْ غَيْرِهِ فَلا يَكُونُ هو لِذاتِهِ، وظاهِرُ العَطْفِ يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبارِ ما أشارَ إلَيْهِ مِنَ العِلِّيَّةِ وقَدْ عَلِمْتَ فِيما سَبَقَ وجْهَ ذِكْرِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ فِيهِ قَرِيبًا مِن عَطْفِ: «لا يَسْتَقْدِمُونَ» عَلى:«لا يَسْتَأْخِرُونَ». وأشارَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ أمِن كَذا أمْ مِن كَذا. ومِمَّنْ ورِثَ الدُّنْيا ولِمَن يُورِّثُها؟ وقالَ الإمامُ: إنَّ هو اللَّهُ أحَدُ ثَلاثَةِ ألْفاظٍ، وكُلِّ واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى مَقامٍ مِن مَقاماتِ الطّالِبِينَ، فالمَقامُ الأوَّلُ مَقامُ المُقَرَّبِينَ وهو أعْلى مَقاماتِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَؤُلاءِ نَظَرُوا بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ إلى ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها مِن حَيْثُ هي فَما رَأوْا مَوْجُودًا سِوى الحَقِّ لِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ وُجُودُهُ لِذاتِهِ وما عَداهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ فَهو مِن حَيْثُ ذاتُهُ لَيْسَ، فَقالُوا: هو إشارَةٌ إلى الحَقِّ؛ إذْ لَيْسَ هُناكَ في نَظَرِهِمْ مَوْجُودٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ لِيَحْتاجَ إلى التَّمْيِيزِ، والمَقامُ الثّانِي لِأصْحابِ اليَمِينِ هَؤُلاءِ شاهَدُوا الحَقَّ سُبْحانَهُ مَوْجُودًا وكَذا شاهَدُوا الخَلْقَ فَحَصَلَتْ كَثْرَةٌ في المَوْجُوداتِ في نَظَرِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ هو كافِيًا في الإشارَةِ إلى الحَقِّ بَلْ لا بُدَّ مِن مُمَيِّزٍ فاحْتاجُوا إلى أنْ يَقْرِنُوا لَفْظَةَ اللَّهِ بِلَفْظٍ فَقِيلَ لِأجْلِهِمْ: هو اللَّهُ.
والمَقامُ الثّالِثُ: مَقامُ أصْحابِ الشِّمالِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ واجِبُ الوُجُودِ أكْثَرَ مِن واحِدٍ، والإلَهُ كَذَلِكَ فَجِيءَ بِ «أحَدٌ» رَدًّا عَلَيْهِمْ وإبْطالًا لِمَقالَتِهِمُ انْتَهى.
وبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ عَدَّ لَفْظَةَ «هُوَ» مِن عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى، بَلْ قالَ: إنَّ هاءَ الغَيْبَةِ هي اسْمُهُ تَعالى الحَقِيقِيُّ لِدَلالَتِهِ عَلى الهُوِيَّةِ المُطْلَقَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن ضَرُورِيّاتِ التَّنَفُّسِ الَّذِي بِهِ بَقاءُ حَياةِ النَّفْسِ وإشْغارُ رَسْمِهِ بِالإحاطَةِ ومَرْتَبَتِهِ مِنَ العَدَدِ إلى دَوامِهِ وعَدَمِ فَنائِهِ. ونَقَلَ الدَّوانِيُّ عَنِ الإمامِ أنَّهُ قالَ: عَلَّمَنِي بَعْضُ المَشايِخِ: يا هُوَ، يا مَن هُوَ، يا مَن لا إلَهَ إلّا هُوَ، وعَلى ذَلِكَ اعْتِقادُ أكْثَرِ المَشايِخِ اليَوْمَ. ولَمْ يَرِدْ ذَلِكَ في الأخْبارِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences