Al-AlusiYusuf · 12:100–101

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:100–101

12:100Page 247

وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration.1 And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle2 in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِمْ بِمِصْرَ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ عَلى السَّرِيرِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما تَكَرُّمًا لَهُما فَوْقَ ما فَعَلَهُ بِالإخْوَةِ ﴿وخَرُّوا لَهُ﴾ أيْ أبَواهُ وإخْوَتُهُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإخْوَةِ فَقَطْ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ الرُّؤْيا تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الأبَوانِ والإخْوَةُ خَرُّوا لَهُ ﴿سُجَّدًا﴾ أيْ عَلى الجِباهِ كَما هو الظّاهِرُ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ السُّجُودَ يَكُونُ بَعْدَ الخُرُورِ وكانَ ذَلِكَ جائِزًا عِنْدَهم وهو جارٍ مَجْرى التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةُ كالقِيامِ والمُصافَحَةِ وتَقْبِيلِ اليَدِ ونَحْوِها مِن عاداتِ النّاسِ الفاشِيَةِ في التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ قالَ قَتادَةُ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ عِنْدَهم وأعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ كَرامَةً مِنهُ تَعالى عَجَّلَها لَهم وقِيلَ: ما كانَ ذَلِكَ إلّا إيماءً بِالرَّأْسِ وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّواضُعُ ويُرادُ بِالخُرُورِ المُرُورُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ فَقَدْ قِيلَ: المُرادُ لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها كَذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في السُّقُوطِ وقِيلَ: ونُسِبَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى خَرُّوا لِأجْلِ يُوسُفَ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِنَ النِّعْمَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ إذْ فِيها ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ ودُفِعَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ يَجْعَلُ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ فِيهِما وقِيلَ: اللّامُ فِيهِما بِمَعْنى إلى كَما في صَلّى لِلْكَعْبَةِ قالَ حَسّانُ:

ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ مِنها عَنْ أبِي حَسَنِ

ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ

وذَكَرَ الإمامُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ تَعالى لا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَنٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهم صَعِدُوا ثُمَّ سَجَدُوا ولَوْ كانَ السُّجُودُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ الصُّعُودِ والجُلُوسِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّواضُعِ بِخِلافِ سُجُودِ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومُخالَفَةُ ظاهِرِ التَّرْتِيبِ ظاهِرُ المُخالَفَةِ لِلظّاهِرِ ودَفَعَ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ مِمّا عَلِمْتَ بِما عَلِمْتَ ثُمَّ قالَ: وهو مُتَعَيَّنٌ عِنْدِي لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِن عَقْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ في حُقُوقِ الوِلادَةِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ تَأْخِيرَ الخُرُورِ عَنِ الرَّفْعِ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ لا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ فَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ذِكْرُ كَوْنِهِ تَعْبِيرًا لِرُؤْياهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ وبِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِالأمْرِ فَلَمْ يَسَعْهُ إلّا السُّكُوتُ والتَّسْلِيمُ وكَأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾ .. إلَخْ إشارَةً إلى ذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا أبَتِ لا يَلِيقُ بِمِثْلِكَ عَلى جَلالَتِكَ في العِلْمِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ أنَّ تَسْجُدَ لِوَلَدِكَ إلّا أنَّ هَذا أمْرٌ أمِرْتُ بِهِ وتَكْلِيفٌ كُلِّفْتُ بِهِ فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ كَما أنَّ رُؤْيا إبْراهِيمَ ذَبْحَ ولَدِهِ صارَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الذَّبْحِ في اليَقَظَةِ ولِذا جاءَ عَنِ

صفحة 59

ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنهُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ تَشْدِيدِ اللَّهِ تَعالى عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أنْتَ كُنْتَ دائِمَ الرَّغْبَةِ في وِصالِهِ والحُزْنِ عَلى فِراقِهِ فَإذا وجَدْتَهُ فاسْجُدْ لَهُ ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَهُ مَعَ عِظَمِ قَدْرِهِ لِتَتْبَعَهُ الإخْوَةُ فِيهِ لِأنَّ الأنَفَةَ رُبَّما حَمَلَتْهم عَلى الأنَفَةِ مِنهُ فَيَجُرُّ إلى ثَوَرانِ الأحْقادِ القَدِيمَةِ وعَدَمِ عَفْوِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ لا يُفِيدُ لِما عَلِمْتَ أنَّ مَبْناهُ مُوافَقَةُ الظّاهِرِ والِاحْتِمالاتُ المَذْكُورَةُ في الجَوابِ عَنِ الثّانِي قَدْ ذَكَرَها أيْضًا الإمامُ وهي كَما تَرى وأحْسَنُها احْتِمالُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو ومَنِ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا مِنَ الإخْوَةِ فِرارًا مِن نِسْبَتِهِ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما عَلِمْتَ وقَدْ رُدَّ بِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا مِن أنَّ الرُّؤْيا تَسْتَدْعِي العُمُومَ وقَدْ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا بِحَسَبِ الصُّورَةِ والصِّفَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ وأوْلادِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِهِ في نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا فَأمّا أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ كالأصْلِ حَذْوَ القَذَّةِ بِالقَذَّةِ فَلَمْ يُوجِبْهُ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ. اهَـ. والحَقُّ أنَّ السُّجُودَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ وقَعَ مِنَ الأبَوَيْنِ والإخْوَةِ جَمِيعًا والقَلْبُ يَمِيلُ إلى أنَّهُ كانَ انْحِناءً كَتَحِيَّةِ الأعاجِمِ وكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالخُرُورِ ولا بَأْسَ في أنْ يَكُونَ مِنَ الأبَوَيْنِ وهُما عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ ولا يَأْبى ذَلِكَ رُؤْياهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ سُجُودِكم أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحَوادِثِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيايَ وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِتَأْوِيلٍ لِأنَّها أُوِّلَتْ بِهَذا قَبْلَ وُقُوعِها وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿رُؤْيايَ﴾ وصِحَّةُ وُقُوعِ الغاياتِ حالًا تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ صِدْقًا والرُّؤْيا تُوصَفُ بِذَلِكَ ولَوْ مَجازًا وأعْرَبَهُ جَمْعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ وهي بِمَعْنى صَيَّرَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ وضَعَها صَحِيحَةً وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ جَعْلًا حَقًّا وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ بَلْ مِن مَعْناهُ لِأنَّ جَعَلَها في مَعْنى حَقَّقَها و﴿حَقًّا﴾ في مَعْنى تَحْقِيقٍ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ مُقارَنَةٌ ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ الأصْلُ كَما في البَحْرِ أنْ يَتَعَدّى الإحْسانُ بِإلى أوِ اللّامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وكَقَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:

أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةَ إنْ تَقَلَّتِ

وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى تَضْمِينِ ﴿أحْسَنَ﴾ مَعْنى لَطِّفْ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ إلّا أنَّ بَعْضَهم أنْكَرَ تَعْدِيَةَ لَطُفَ بِالباءِ وزَعَمَ أنَّهُ لا يَتَعَدّى إلّا بِاللّامِ فَيُقالُ: لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أيْ أوْصَلَ إلَيْهِ مُرادَهُ بِلُطْفٍ وهَذا ما في القامُوسِ لَكِنَّ المَعْرُوفَ في الِاسْتِعْمالِ تَعَدِّيهِ بِالباءِ وبِهِ صَرَّحَ في الأساسِ وعَلَيْهِ المُعَوَّلُ وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى إلى وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أحْسِنْ صُنْعَهُ بِي فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَفْعُولِ المَحْذُوفِ وفِيهِ حَذْفُ المَصْدَرِ وإبْقاءُ مَعْمُولِهِ وهو مَمْنُوعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقَوْلُهُ ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ مَنصُوبٌ بِأحْسِنْ أوْ بِالمَصْدَرِ المَحْذُوفِ عِنْدَ مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ وإذا كانَتْ تَعْلِيلِيَّةً فالإحْسانُ هو الإخْراجُ مِنَ السِّجْنِ بَعْدَ أنِ ابْتُلِيَ بِهِ

صفحة 60

وما عُطِفَ عَلَيْهِ وإذا كانَتْ ظَرْفِيَّةً فَهو غَيْرُهُما ولَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِصَّةِ الجُبِّ حَذَرًا مِن تَثْرِيبِ إخْوَتِهِ وتَناسِيًا لِما جَرى مِنهم لِأنَّ الظّاهِرَ حُضُورُهم لِوُقُوعِ الكَلامِ عَقِيبَ خَرُورِهِمْ سُجَّدًا ولِأنَّ الإحْسانَ إنَّما تَمَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّجْنِ لِوُصُولِهِ لِلْمَلِكِ وخُلُوصِهِ مِنَ الرِّقِّ والتُّهْمَةِ واكْتِفاءً بِما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ البادِيَةِ وأصْلُهُ البَسِيطُ مِنَ الأرْضِ وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ ما فِيهِ يَبْدُو لِلنّاظِرِ لِعَدَمِ ما يُوارِيهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى البَرِّيَّةِ مُطْلَقًا وكانَ مَنزِلُهم عَلى ما قِيلَ: بِأطْرافِ الشّامِ بِبادِيَةِ فِلَسْطِينَ وكانُوا أصْحابَ إبِلٍ وغَنَمٍ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا أهْلَ عُمُدٍ وأصْحابَ مَواشٍ يَنْتَقِلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَحَوَّلَ إلى البادِيَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ البادِيَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَحَوَّلَ إلى بَدا وسَكَنَها ومِنها قَدِمَ عَلى يُوسُفَ ولَهُ بِها مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلِها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ بَدا اسْمُ مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ يُقالُ: هو بَيْنَ شِعْبٍ وبَدا وهُما مَوْضِعانِ ذَكَرَهُما جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ:

وأنْتَ الَّذِي حَبَّبْتَ شِعْبًا إلى بَدا ∗∗∗ إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما

فالبَدْوُ عَلى هَذا قَصْدُ هَذا المَوْضِعِ يُقالُ: بَدا القَوْمُ بَدْوًا إذا أتَوْا بَدًا كَما يُقالُ: أغارُوا غَوْرًا إذا أتَوُا الغَوْرَ فالمَعْنى أتى بِكم مِن قَصْدِ بَدا فَهم حِينَئِذٍ حَضَرِيُّونَ كَذا قالَهُ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ وذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ أفْسَدَ وحَرَّشَ وأصْلُهُ مِن نَزَغَ الرّابِضُ الدّابَّةَ إذا نَخَسَها وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا لِأنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ وفِيهِ تَفادٍ عَنْ تَثْرِيبِهِمْ أيْضًا وذَكَرَهُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الإحْسانِ لِأنَّ النِّعْمَةَ بَعْدَ البَلاءِ أحْسَنُ مَوْقِعًا واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ والقاضِي بِالآيَةِ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ وفِيهِ نَظَرٌ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّا وتَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى ويَتَسَهَّلُ دُونَها كَذا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وحاصِلُهُ أنَّ اللَّطِيفَ هُنا بِمَعْنى العالِمِ بِخَفايا الأُمُورِ المُدَبِّرِ لَها والمُسَهِّلِ لِصِعابِها ولِنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا سَهَّلَ أسْبابَهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ اللَّطِيفَ لِأنَّ ما يَلْطُفُ يَسْهُلُ نُفُوذُهُ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الرّاغِبِ حَيْثُ قالَ: اللَّطِيفُ ضِدَّ الكَثِيفِ ويُعَبَّرُ بِاللَّطِيفِ عَنِ الحَرَكَةِ الخَفِيفَةِ وتَعاطِي الأُمُورِ الدَّقِيقَةِ فَوُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِعِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ ورِفْقِهِ بِالعِبادِ فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِلَطِيفٍ لِأنَّ المُرادَ مُدَبِّرٌ لَمّا يَشاءُ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَعْنى لِأجَلِ ما يَشاءُ وهو عَلى الأوَّلِ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ وعَلى الثّانِي غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ما في ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِوُجُوهِ المَصالِحِ ﴿الحَكِيمُ﴾ . (100) . الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ لا غَيْرُهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ طافَ بِأبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ في خَزائِنِهِ فَلَمّا أدْخَلَهُ خَزِينَةَ القِرْطاسِ قالَ: يا بُنَيَّ ما أعَقَّكَ عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ قالَ: أوَما تَسْألُهُ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ مِنِّي إلَيْهِ فَسَألَهُ قالَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اللَّهُ تَعالى أمَرَنِي بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ قالَ: فَهَلّا خِفْتَنِي

صفحة 61

وهَذا عُذْرٌ واضِحٌ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في عَدَمِ إعْلامِ أبِيهِ بِسَلامَتِهِ وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْحى إلَيْهِ بِإخْفاءِ الأمْرِ عَلى أبِيهِ إلى أنْ يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ لَكِنْ يَبْقى السُّؤالُ بِأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَن أكابِرِ الأنْبِياءِ نَفْسًا وأبًا وجَدًّا وكانَ مَشْهُورًا في أكْنافِ الأرْضِ ومَن كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ هائِلَةٌ في أعَزِّ أوْلادِهِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْقَ تِلْكَ الواقِعَةُ خَفِيَّةً بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَبْلُغَ في الشُّهْرَةِ إلى حَيْثُ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ لا سِيَّما وقَدِ انْقَضَتِ المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ فِيها وهو في ذَلِكَ الحُزْنِ الَّذِي تُضْرَبُ فِيهِ الأمْثالُ ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَكانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَكانِهِ ولا مُتَوَطِّنًا زَوايا الخَفاءِ ولا خامِلَ الذِّكْرِ بَلْ كانَ مَرْجِعَ العامِّ والخاصِّ وداعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى في السِّرِّ والعَلَنِ وأوْقاتَ السُّرُورِ والمِحَنِ فَكَيْفَ غُمَّ أمْرُهُ ولَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ خَبَرُهُ.

وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن بابِ خَرْقِ العادَةِ واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ المُدَّةِ بَيْنَ الرُّؤْيا وظُهُورِ تَأْوِيلِها فَقِيلَ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُدَّةَ ثَمانُونَ سَنَةً وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها سَبْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّها سَبْعُونَ سَنَةً وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّها خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنَّها أرْبَعُونَ سَنَةً وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالَ ابْنُ شَدّادٍ: وإلى ذَلِكَ يَنْتَهِي تَأْوِيلُ الرُّؤْيا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

12:101Page 247

۞ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ١٠١

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ بَعْضًا عَظِيمًا مِنهُ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ ويَبْعُدُ القَوْلُ بِزِيادَتِها أوْ جَعْلِها لِبَيانِ الجِنْسِ والتَّعْظِيمُ مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ وبَعْضُهم قَدَّرَ عَظِيمًا في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما نَقَلَ أبُو البَقاءِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مِن ذَلِكَ البَعْضِ مُلْكَ مِصْرَ ومِنَ ﴿المُلْكِ﴾ ما يَعُمُّ مِصْرَ وغَيْرَها ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ جَوازُ أنْ يُرادَ مِنَ المُلْكِ مِصْرُ ومِنَ البَعْضِ شَيْءٌ مِنها وزَعَمَ أنَّهُ لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا فِيهِ وإنْ كانَ مُمَكَّنًا وفِيهِ تَأمُّلٌ وقِيلَ: أرادَ مُلْكَ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ وقالَ عَطاءٌ: مَلَكَ حُسّادَهُ بِالطّاعَةِ ونَيْلِ الأمانِي ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ كَذَلِكَ والمُرادُ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ إمّا تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا وهو الظّاهِرُ وإمّا تَفْهِيمُ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يُؤْتَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيعَ ذَلِكَ والتَّرْتِيبُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى الظّاهِرِ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ إيتاءِ المُلْكِ عَلى ذَلِكَ في الذِّكْرِ لِأنَّهُ بِمَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمُلْكُ أعْرَقُ في كَوْنِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا نِعْمَةً جَلِيلَةً في نَفْسِهِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ ذَرٍّ ( آتَيْتَنِ وعَلَّمْتَنِ ) بِحَذْفِ الياءِ فِيهِما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الأخِيرِ ( آتَيْتَنِي ) بِغَيْرِ قَدْ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعَهُما وخالِقَهُما ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِرَبِّ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ مَنصُوبٌ بِأعْنِي أوْ مُنادى ثانٍ ووَصْفُهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مُبالَغَةً في تَرْتِيبِ مَبادِئِ ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ مُتَوَلِّي أُمُورِي ومُتَكَفِّلٌ بِها أوْ مُوالٍ لِي وناصِرٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فالوَلِيُّ إمّا في الوِلايَةِ أوِ المُوالاةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَوْلى كالمُعْطِي لَفْظًا ومَعْنًى أيِ الَّذِي يُعْطِينِي نِعَمَ الدُّنْيا

صفحة 62

والآخِرَةِ ﴿تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْنِي ﴿مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . (101) . مِن آبائِي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ كَما قِيلَ واعْتُرِضَ بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كِبارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ اللَّحاقَ بِمَن هو في البِدايَةِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ اسْتِغْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا سُؤال ولا جَوابَ إذا أُرِيدَ مِنَ الصّالِحِينَ آباؤُهُ الكِرامُ يَعْقُوبُ وإسْحاقُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقالَ الإمامُ: ها هُنا وها هُنا مَقامٌ آخَرُ في الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللِّواءِ مَعَ القُدُسِيَّةِ فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُجانَسَةِ فَعَظُمَتْ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقَوَّتْ هاتِيكِ الأضْواءُ ومِثالُ ذَلِكَ المَرايا الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وصَفَتْ وصْفًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأُخْرى فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ إلى حَدٍّ تُطِيقُهُ الأبْصارُ الضَّعِيفَةُ فَكَذَلِكَ ها هُنا انْتَهى وهو كَما تَرى والحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الصَّلاحَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ مُتَفاوِتٌ قُوَّةً وضَعْفًا والمَقامُ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِالصّالِحِينَ المُتَّصِفِينَ بِالمَرْتَبَةِ المُعْتَنى بِها مِن مَراتِبِ الصَّلاحِ وقَدْ قَدَّمْنا ما عِنْدَ أهْلِ المُكاشَفاتِ في الصَّلاحِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

بَقِيَ أنَّ المُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَنّى لِلْمَوْتِ وطَلَبَ مِنهُ أمْ لا فالكَثِيرُ مِنهم عَلى أنَّهُ طَلَبَ وتَمَنّى لِذَلِكَ قالَ الإمامُ: ولا يَبْعُدُ مِنَ الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ وتَعْظُمَ رَغْبَتُهُ فِيهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُحِسُّ بِنُقْصانِهِ مَعَ شَغَفِهِ بِزَوالِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى فَيَبْقى في قَلَقٍ لا يُزِيلُهُ إلّا المَوْتُ فَيَتَمَنّاهُ وأيْضًا يَرى أنَّ السَّعادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وُجْدانِها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ لَذَّةٌ إلّا وهي مَمْزُوجَةٌ بِما يُنَغِّصُها بَلْ لَوْ حُقَّقَتْ لا تَرى لَذَّةً حَقِيقِيَّةً في هَذِهِ اللَّذائِذِ الجُسْمانِيَّةِ وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ ولَذَّةُ النِّكاحِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَتِهِ وكَذا الأمارَةُ والرِّياسَةُ يُدْفَعُ بِها الألَمُ الحاصِلُ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ ونَحْوِ ذَلِكَ والكُلُّ لِذَلِكَ خَسِيسٌ وبِالمَوْتِ التَّخَلُّصُ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى أنَّ عُمْدَةَ المَلاذِّ الدُّنْيَوِيَّةِ الأكْلُ والجِماعُ والرِّياسَةُ والكُلُّ في نَفْسِهِ خَسِيسٌ مَعِيبٌ فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ ولا شَكَّ أنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ في نَفْسِهِ ثُمَّ حِينَما يَصِلُ إلى المَعِدَةِ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ والتَّعَفُّنُ ومَعَ ذا يُشارِكُ الإنْسانُ فِيهِ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ فَيَلْتَذُّ الجُعْلُ بِالرَّوْثِ التِذاذَ الإنْسانِ بِاللَّوْزِينْجِ وقَدْ قالَ العُقَلاءُ: مَن كانَ هِمَّتُهُ ما يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ والجِماعُ نِهايَةُ ما يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ إخْراجُ فَضْلَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الطَّعامِ بِمَعُونَةِ جِلْدَةٍ مَدْبُوغَةٍ بِالبَوْلِ ودَمِ الحَيْضِ والنِّفاسِ مَعَ حَرَكاتٍ لَوْ رَأيْتَها مِن غَيْرِكَ لَأضْحَكَتْكَ وفِيهِ أيْضًا تِلْكَ المُشارَكَةُ وغايَةُ ما يُرْجى مِن ذَلِكَ تَحْصِيلُ الوَلَدِ الَّذِي يَجُرُّ إلى شَغْلِ البالِ والتَّحَيُّلِ لِجَمْعِ المالِ ونَحْوِ ذَلِكَ والرِّياسَةُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها سِوى أنَّها عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ آنٍ لِكَثْرَةِ مَن يُنازِعُ فِيها ويَطْمَحُ نَظَرُهُ إلَيْها فَصاحِبُها لَمْ يَزَلْ خائِفًا وجِلًا مِن ذَلِكَ لَكَفاها عَيْبًا وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ والعِشْقِ الشَّدِيدِ لَها والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها فَما دامَ في هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ يَكُونُ طالِبًا لَها وما دامَ كَذَلِكَ فَهو في عَيْنِ الآفاتِ ولُجَّةِ الحَسَراتِ وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ والمَلْزُومُ مِثْلُهُ فَلِهَذا يَتَمَنّى العاقِلُ زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ لِيَسْتَرِيحَ مِن ذَلِكَ النَّصَبِ ولِلَّهِ تَعالى قَوْلُ مَن قالَ:

صفحة 63

ضَجْعَةُ المَوْتِ رَقْدَةٌ يَسْتَرِيحُ الجِسْمُ فِيها والعَيْشُ مِثْلُ السُّهادِ وقالَ: تَعَبٌ كُلُّها الحَياةُ فَما أعْجَبُ إلّا مِن راغِبٍ في ازْدِيادٍ إنَّ حُزْنًا في ساعَةِ الفَوْتِ أضْعافُ سُرُورٍ في ساعَةِ المِيلادِ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ تَمَنِّيَ المَوْتِ حُبًّا لِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهُ الحَدِيثَ نَعَمْ تَمَنِّي المَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَفي الخَبَرِ لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ وإنَّما عَدَّدَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ثُمَّ دَعا بِأنْ تَدُومَ تِلْكَ النِّعَمُ في باقِي عُمُرِهِ حَتّى إذا حانَ أجَلُهُ قَبَضَهُ عَلى الإسْلامِ وألْحَقَهُ بِالصّالِحِينَ.

والحاصِلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما طَلَبَ المُوافاةَ عَلى الإسْلامِ لا الوَفاةَ ولا يَرِدُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَمُوتُونَ إلّا مُسْلِمِينَ إمّا لِأنَّ الإسْلامَ هُنا بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما قَضاهُ اللَّهُ تَعالى أوْ لِأنَّ ذَلِكَ بَيانٌ لِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ لَيْسَ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ قالُوا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وكانَ الحَسَنُ يَذْهَبُ إلى القَوْلِ الثّانِي ويَقُولُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ سِنِينَ كَثِيرَةً ورَوى المُؤَرِّخُونَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَ يُوسُفَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ وأوْصى أنْ يُدْفَنَ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ فَذَهَبَ بِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّتَ وعاشَ بَعْدَهُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً وقِيلَ: أكْثَرَ ثُمَّ تاقَتْ نَفْسُهُ إلى المُلْكِ المُخَلَّدِ فَتَمَنّى المَوْتَ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى طَيِّبًا طاهِرًا فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في مَدْفِنِهِ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ فَرَأوْا أنْ يَجْعَلُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن مَرْمَرٍ ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ الماءُ ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا فِيهِ فَفَعَلُوا ثُمَّ أرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقْلَهُ إلى مَدْفِنِ آبائِهِ فَأخْرَجَهُ بَعْدَ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ عَلى ما قِيلَ: مِن صُنْدُوقِ المَرْمَرِ لِثِقَلِهِ وجَعَلَهُ في تابُوتٍ مِن خَشَبٍ ونَقَلَهُ إلى ذَلِكَ وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً وقِيلَ: مِائَةٌ وسَبْعُ سِنِينَ وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ أفْراثِيمُ وهو جَدُّ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِيشا ورَحْمَةُ زَوْجَةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَقَدْ تَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مِنَ العَمالِقَةِ بَعْدَهُ مِصْرَ ولَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ وآبائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ ما كانَ.

وفِي التَّوْراةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أسْكَنَ أباهُ وإخْوَتَهُ في مَكانٍ يُقالُ لَهُ عَيْنُ شَمْسٍ مِن أرْضِ السَّدِيرِ وبَقِيَ هُناكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وكانَ عُمُرُهُ حِينَ دَخَلَ مِصْرَ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً ولَمّا قَرُبَ أجَلُهُ دَعا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ ومَعَهُ ولَداهُ مِيشا وهو بِكْرُهُ وأفْراثِيمُ فَقَدَّمَهُما إلَيْهِ ودَعا لَهُما ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى رَأْسِ الأصْغَرِ واليُسْرى عَلى رَأْسِ الأكْبَرِ وكانَ يُوسُفُ يُحِبُّ عَكْسَ ذَلِكَ فَكَلَّمَ أباهُ فِيهِ فَقالَ: يا بُنَيَّ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ ما يَتَناسَلُ مِن هَذا الأصْغَرِ أكْثَرُ مِمّا يَتَناسَلُ مِن هَذا الأكْبَرِ ودَعا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبارَكَ عَلَيْهِ وقالَ: يا بُنَيَّ إنِّي مَيِّتٌ كانَ اللَّهُ تَعالى مَعَكم ورَدَّكم إلى بَلَدِ أبِيكم يا بُنَيَّ إذا أنا مُتُّ فَلا تَدْفِنَنِي في مِصْرَ وادْفِنِّي في مَقْبَرَةِ آبائِي وقالَ: نَعَمْ يا أبَتِ وحَلَفَ لَهُ ثُمَّ دَعا سائِرَ بَنِيهِ وأخْبَرَهم بِما يَنالُهم في أيّامِهِمْ ثُمَّ أوْصاهم بِالدَّفْنِ عِنْدَ آبائِهِ في الأرْضِ الَّتِي اشْتَراها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَفْرُونَ الخَتِّيِّ في أرْضِ الشّامِ وجَعَلَها مَقْبَرَةً وبَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن وصِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تُوُفِّيَ فانْكَبَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي وأقامَ لَهُ حُزْنًا عَظِيمًا وحَزِنَ عَلَيْهِ أهْلُ مِصْرَ كَثِيرًا ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ يُوسُفُ

صفحة 64

وإخْوَتُهُ وسائِرُ آلِهِ سِوى الأطْفالِ ومَعَهم قُوّادُ المَلِكِ ومَشايِخُ أهْلِ مِصْرَ ودَفَنُوهُ في المَكانِ الَّذِي أرادَ ثُمَّ رَجَعُوا وقَدْ تَوَهَّمَ إخْوَةُ يُوسُفَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُسِيءَ المُعامَلَةَ مَعَهم بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم قالَ لَهم: لا تَخافُوا إنِّي أخافُ اللَّهَ تَعالى ثُمَّ عَزّاهم وجَبَرَ قُلُوبَهم ثُمَّ أقامَ هو وآلُ أبِيهِ بِمِصْرَ وعاشَ مِائَةً وعَشْرَ سِنِينَ حَتّى رَأى لِأفْرايِمَ ثَلاثَةَ بَنِينَ ووُلِدَ بَنُو ماخِيرَ بْنِ مَنشا في حِجْرِهِ أيْضًا ثُمَّ لَمّا أحَسَّ بِقُرْبِ أجَلِهِ قالَ لِإخْوَتِهِ: إنِّي مَيِّتٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيَذْكُرُكم ويَرُدُّكم إلى البَلَدِ الَّذِي أقْسَمَ أنْ يُمَلِّكَهُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَإذا ذَكَرَكم سُبْحانَهُ ورَدَّكم إلى ذَلِكَ البَلَدِ فاحْمِلُوا عِظامِيَ مَعَكم ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَنَّطُوهُ وصَيَّرُوهُ في تابُوتٍ بِمِصْرَ وبَقِيَ إلى زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا خَرَجَ حَمَلَهُ حَسْبَما أوْصى عَلَيْهِ السَّلامُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском