Al-AlusiYusuf · 12:111

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:111, continued

﴿وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ تَأسُّفَهُ عَلى رُؤْيَةِ جَمالِ اللَّهِ تَعالى مِن مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ تَمَتَّعَ بِذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ حَتّى حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ طَوارِقُ الحَدَثانِ فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ واشْتاقَتْ نَفْسُهُ لِما هُنالِكَ.

سَقى اللَّهُ أيّامًا لَنا ولَيالِيا ∗∗∗ مَضَتْ فَجَرَتْ مِن ذِكْرِهِنَّ دُمُوعُ

فَيا هَلْ لَها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ أوْبَةٌ ∗∗∗ وهَلْ لِي إلى أرْضِ الحَبِيبِ رُجُوعُ

﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ حَيْثُ بَكى حَتّى أضَرَّ بِعَيْنَيْهِ وكانَ ذَلِكَ حَتّى لا يَرى غَيْرَ حَبِيبِهِ.

لَمّا تَيَقَّنْتُ أنِّي لَسْتُ أُبْصِرُكم ∗∗∗ غَمَّضْتُ عَيْنَيَّ فَلَمْ أنْظُرْ إلى أحَدِ

قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الحِكْمَةُ في ذَهابِ بَصَرِ يَعْقُوبَ وبَقاءِ بَصَرِ آدَمَ وداوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ أنَّهُما بَكَيا دَهْرًا طَوِيلًا إنَّ بُكاءَ يَعْقُوبَ كانَ بُكاءَ حُزْنٍ مَعْجُونٍ بِألَمِ الفِراقِ حَيْثُ فَقَدْ تَجَلّى جَمالُ الحَقِّ مِن مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ ولا كَذَلِكَ بُكاءُ آدَمَ وداوُدَ فَإنَّهُ كانَ بُكاءَ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ وأيْنَ ذَلِكَ المَقامُ مِن مَقامِ العِشْقِ وقالَ أبُو سَعِيدٍ القُرَشِيُّ: إنَّما لَمْ يَذْهَبْ بَصَرُهُما لِأنَّ بُكاءَهُما كانَ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى فَحُفِظا وبُكاءُ يَعْقُوبَ كانَ لِفَقْدِ لَذَّةٍ فَعُوتِبَ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَهابُ بَصَرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ حِينَ بَكى لِغَيْرِهِ وإنْ كانَ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ولِهَذا جاءَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ يا يَعْقُوبُ أتَتَأسَّفُ عَلى غَيْرِي وعِزَّتِي لَآخُذَنَّ عَيْنَيْكَ ولا أرُدُّهُما عَلَيْكَ حَتّى تَنْساهُ واخْتارَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ ذَلِكَ الأسَفَ والبُكاءَ لَيْسا إلّا لِفَواتِ ما انْكَشَفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَوْ كانَ شاهِدُ تَجَلِّيهِ تَعالى في أوَّلِ التَّعَيُّناتِ وعَيْنِ أعْيانِ المَوْجُوداتِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنَسِيَ ما رَأى ولَما عَراهُ ما عَرا ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ سَيِّدِي ابْنِ الفارِضِ حَيْثُ يَقُولُ:

لَوْ أسْمَعُوا يَعْقُوبَ بَعْضَ مَلاحَةٍ ∗∗∗ في وجْهِهِ نَسِيَ الجَمالَ اليُوسُفِيَّ

﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ هَذا مِنَ الجَهْلِ بِأحْوالِ العِشْقِ وما عَلَيْهِ العاشِقُونَ فَإنَّ العاشِقَ يَتَغَذّى بِذِكْرِ مَعْشُوقِهِ.

فَإنْ تَمْنَعُوا لَيْلى وحُسْنَ حَدِيثِها ∗∗∗ فَلَنْ تَمْنَعُوا مِنِّي البُكا والقَوافِيا

وإذا لَمْ يَسْتَطِعْ ذِكْرَهُ بِلِسانِهِ كانَ مُسْتَغْرِقًا بِذِكْرِهِ إيّاهُ بِجَنانِهِ.

غابَ وفي قَلْبِي لَهُ شاهِدٌ ∗∗∗ يَوْلَعُ إضْمارِي بِذِكْراهُ

مَثَّلَتِ الفِكْرَةُ لِي شَخْصَهُ ∗∗∗ حَتّى كَأنِّي أتَراءاهُ

وكَيْفَ يُخَوَّفُ العاشِقُ بِالهَلاكِ في عِشْقِ مَحْبُوبِهِ وهَلاكِهِ عَيْنَ حَياتِهِ كَما قِيلَ:

ولَكِنْ لَدى المَوْتِ فِيهِ صَبابَةً ∗∗∗ حَياةٌ لِمَن أهْوى عَلَيَّ بِها الفَضْلُ

ومَن لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ ∗∗∗ ودُونَ اجْتِناءِ النَّحْلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ

﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنا لا أشْكُو إلى غَيْرِهِ فَإنِّي أعْلَمُ غَيْرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أحْبابِهِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وأيْضًا مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ تَعالى كَفاهُ ومَن أناخَ بِبابِهِ أعْطاهُ وأنْشَدَ ذُو النُّونِ:

صفحة 81

إذا ارْتَحَلَ الكِرامُ إلَيْكَ يَوْمًا ∗∗∗ لِيَلْتَمِسُوكَ حالًا بَعْدَ حالِ

فَإنَّ رِحالَنا حَطَّتْ رِضاءً ∗∗∗ بِحُكْمِكَ عَنْ حُلُولٍ وارْتِحالِ

فَسُسْنا كَيْفَ شِئْتَ ولا تَكِلْنا ∗∗∗ إلى تَدْبِيرِنا يا ذا المَعالِي

وعَلى هَذا دَرَجَ العاشِقُونَ إذا اشْتَدَّ بِهِمُ الحالُ فَزِعُوا إلى المَلِكِ المُتَعالِ ومِن ذَلِكَ:

إلى اللَّهِ أشْكُو ما لَقِيتُ مِنَ الهَجْرِ ∗∗∗ ومِن كَثْرَةِ البَلْوى ومِن ألَمِ الصَّبْرِ

ومِن حَرْقٍ بَيْنَ الجَوانِحِ والحَشا ∗∗∗ كَجَمْرِ الغَضا بَلْ أحَرُّ مِنَ الجَمْرِ

وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما رَفَعَ قِصَّةَ شَكْواهُ إلى عالِمِ سِرِّهِ ونَجْواهُ اسْتِرْواحًا مِمّا يَجِدُهُ بِتِلْكَ المُناجاةِ كَما قِيلَ:

إذا ما تَمَنّى النّاسُ رَوْحًا وراحَةً ∗∗∗ تَمَنَّيْتُ أنْ أشْكُوَ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ

﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنَسَّمَ نَسائِمَ الفَرَجِ بَعْدَ أنْ رَفَعَ الأمْرُ إلى مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ مِن رَحْمَتِهِ بِإرْجاعِهِما إلَيَّ أوْ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى بِتَوْفِيقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِ خَجالَتِكم إذا وجَدْتُمُوهُ ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أرادُوا ضُرَّ المَجاعَةِ ولَوْ أنَّهم عَلِمُوا وأنْصَفُوا لَقَصَدُوا ضُرَّ فِراقِكَ فَإنَّهُ قَدْ أضَرَّ بِأبِيهِمْ وبِهِمْ وبِأهْلِهِمْ لَوْ يَعْلَمُونَ.

كَفى حُزْنًا بِالوالِهِ الصَّبِّ أنْ يَرى ∗∗∗ مَنازِلَ مَن يَهْوى مُعَطَّلَةً قَفْرا

واعْلَمْ أنَّ فِيما قالَهُ إخْوَةُ يُوسُفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هُنا إلى المُتَصَدِّقِينَ تَعْلِيمَ آدابِ الدُّعاءِ والرُّجُوعَ إلى الأكابِرِ ومُخاطَبَةَ السّاداتِ فَمَن لَمْ يَرْجِعْ إلى بابِ سَيِّدِهِ بِالذِّلَّةِ والِافْتِقارِ وتَذْلِيلِ النَّفْسِ وتَصْغِيرِ ما يَبْدُو مِنها ويَرَ أنَّ ما مِن سَيِّدِهِ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الصُّدْفَةِ والفَضْلِ لا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ كانَ مُبْعَدًا مَطْرُودًا ويَنْبَغِي لِعُشّاقِ جَمالِ القِدَمِ إذا دَخَلُوا الحَضْرَةَ أنْ يَقُولُوا: يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا مِن ضُرِّ فِراقِكَ والبُعْدِ عَنْ ساحَةِ وِصالِكَ ما لا يَحْتَمِلُهُ الصُّمُّ الصِّلابُ.

خَلِيلَيَّ ما ألْقاهُ في الحُبِّ إنْ يَدُمْ ∗∗∗ عَلى صَخْرَةٍ صَمّاءَ يَنْفَلِقِ الصَّخْرُ

ويَقُولُوا: ( جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) مِن أعْمالٍ مَعْلُولَةٍ وأفْعالٍ مَغْشُوشَةٍ ومَعْرِفَةٍ قَلِيلَةٍ لَمْ تُحِطْ بِذَرَّةٍ مِن أنْوارِ عَظَمَتِكَ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَمالِ عِزَّتِكَ وجَلالِ صَمَدِيَّتِكَ ﴿فَأوْفِ لَنا﴾ كَيْلَ قُرْبِكَ مِن بَيادِرِ جُودِكَ وفَضْلِكَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِنِعَمِ مُشاهَدَتِكَ فَإنَّهُ إذا عُومِلَ المَخْلُوقُ بِما عُومِلَ فَمُعامَلَةُ الخالِقِ بِذَلِكَ أوْلى ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ خاطَبُوهُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ بِخِطابِ المَوَدَّةِ لا بِخِطابِ التَّكَلُّفِ وفِيهِ مِن حُسْنِ الظَّنِّ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فِيهِ.

إذا صَفَتِ المَوَدَّةُ بَيْنَ قَوْمٍ ∗∗∗ ودامَ ولاؤُهم سَمِجَ الثَّناءُ

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الهَيْبَةُ وهاجَتِ الحَمِيَّةُ فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ عَلى النَّمَطِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ جَوابٌ لَهم لَكِنَّ زِيادَةً ﴿وهَذا أخِي﴾ قِيلَ: لِتَهْوِينِ حالِ بَدِيهَةِ الخَجَلِ وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أُخُوَّتَهم لا تُعَدُّ أُخُوَّةً لِأنَّ الأُخُوَّةَ الصَّحِيحَةَ ما لَمْ يَكُنْ فِيها جَفاءٌ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى

صفحة 82

اعْتِرافَهم واعْتِذارَهم قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وهَذا مِن شَرائِطِ الكَرَمِ فالكَرِيمُ إذا قَدَرَ عَفا.

والعُذْرُ عِنْدَ كِرامِ النّاسِ مَقْبُولُ

وقالَ شاهٌ الكَرْمانِيُّ: مَن نَظَرَ إلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الحَقِّ لَمْ يَعْبَأْ بِمُخالَفَتِهِمْ ومَن نَظَرَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ أفْنى أيّامَهُ بِمُخاصَمَتِهِمْ ألا تَرى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ مَجارِيَ القَضاءِ كَيْفَ عَذَرَ إخْوَتَهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ لَمّا عَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أباهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَحْتَمِلُ الوِصالَ الكُلِّيَّ بِالبَدِيهَةِ جَعَلَ وِصالَهُ بِالتَّدْرِيجِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ بِقَمِيصِهِ ولَمّا كانَ مَبْدَأُ الهَمِّ الَّذِي أصابَهُ مِنَ القَمِيصِ الَّذِي جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ عَيَّنَ هَذا القَمِيصُ مَبْدَأً لِلسُّرُورِ دُونَ غَيْرِهِ مِن آثارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُدْخِلَ عَلَيْهِ السُّرُورَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ مِنها ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ كانَ كَرَمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي أنْ يَسِيرَ بِنَفْسِهِ إلى أبِيهِ ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَفْعَلْ لِعِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى أبِيهِ لِكَثْرَةِ مَن يَسِيرُ مَعَهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يَسِيرَ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ أوْ لِأنَّ في ذَلِكَ تَعَطُّلَ أمْرِ العامَّةِ ولَيْسَ هُناكَ مَن يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أُخْرى وقِيلَ: إنَّ المَعْشُوقِيَّةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ ومَن رَأى مَعْشُوقًا رَحِيمًا بِعاشِقِهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ يُقالُ: إنَّ رِيحَ الصَّبا سَألَتِ اللَّهَ تَعالى فَقالَتْ: يا رَبِّ خُصَّنِي أنْ أُبَشِّرَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِابْنِهِ فَأذِنَ لَها بِذَلِكَ فَحَمَلَتْ نَشْرَهُ إلى مَشامِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ساجِدًا فَرَفَعَ رَأسَهُ وقالَ ذَلِكَ وكَأنَّ لِسانُ حالِهِ يَقُولُ:

أيا جَبَلَيْ نُعْمانَ بِاللَّهِ خَلِّيا ∗∗∗ نَسِيمَ الصَّبا يَخْلُصْ إلى نَسِيمِها

أجِدْ بَرْدَها أوْ تَشِفَّ مِنِّي حَرارَةٌ ∗∗∗ عَلى كَبِدٍ لَمْ يَبْقَ إلّا صَمِيمُها

فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَسَّمَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها

وهَكَذا عُشّاقُ الحَضْرَةِ لا يَزالُونَ يَتَعَرَّضُونَ لِنَفَحاتِ رِيحِ وِصالِ الأزَلِ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ الرَّحْمَنِ» ويُقالُ: المُؤْمِنُ المُتَحَقِّقُ يَجِدُ نَسِيمَ الإيمانِ في قَلْبِهِ ورُوحَ المَعْرِفَةِ السّابِقَةِ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في سِرِّهِ وإنَّما وجَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الرِّيحَ حَيْثُ بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ ودَنَتْ أيّامُ الوِصالِ وحانَ تَصَرَّمُ أيّامِ الهَجْرِ والبِلْبالِ وإلّا فَلِمَ لَمْ يَجِدْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ يُوسُفُ في الجُبِّ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ إلّا سُوَيْعَةٌ مِن نَهارٍ وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الأُمُورَ مَرْهُونَةٌ بِأوْقاتِها وعَلى هَذا كُشُوفاتُ الأوْلِياءِ فَإنَّهم آوِنَةٌ يُكْشَفُ لَهم عَلى ما قِيلَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وأُخْرى لا يَعْرِفُونَ ما تَحْتَ أقْدامِهِمْ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العاشِقَ الهائِمَ المُنْتَظَرَ لِقاءَ الحَقِّ سُبْحانَهُ إذا ذَهَبَتْ عَيْناهُ مِن طُولِ البُكاءِ يَجِيءُ إلَيْهِ بَشِيرُ تَجَلِّيهِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ قَمِيصَ أُنْسِهِ في حَضَراتِ قَدُسِهِ فَيَرْتَدُّ بَصِيرًا بِشَمِّ ذَلِكَ فَهُنالِكَ يَرى الحَقَّ بِالحَقِّ ويَنْجَلِي الغَيْنُ عَنِ العَيْنِ ويُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ارْتَدَّ بَصِيرًا حِينَ وضَعَ القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ لِأنَّهُ وجَدَ لَذَّةَ نَفْحَةِ الحَقِّ تَعالى مِنهُ حَيْثُ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَحَلَّ تَجَلِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ وكانَ القَمِيصُ مُعَبَّقًا بِرِيحِ جِنانِ قُدُسِهِ فَعادَ لِذَلِكَ نُورُ بَصَرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَجارِيهِ فَأبْصَرُ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وعَدَهم إلى أنْ يَتَعَرَّفَ مِنهم صِدْقَ التَّوْبَةِ أوْ حَتّى يَسْتَأْذِنَ رَبَّهُ تَعالى في الِاسْتِغْفارِ لَهم فَيَأْذَنَ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَكُونَ مَرْدُودًا فِيهِ كَما رُدَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ولَدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ وقالَ بَعْضُهم: وعَدَهُمُ الِاسْتِغْفارَ لِأنَّهُ لَمْ يَفْرَغْ بَعْدُ مِنَ اسْتِبْشارِهِ إلى اسْتِغْفارِهِ وقِيلَ: إنَّما أسْرَعَ يُوسُفُ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم ووَعَدَ

صفحة 83

يَعْقُوبُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ يَعْقُوبَ كانَ أشَدَّ حُبًّا لَهم فَعاتَبَهم بِالتَّأْخِيرِ ويُوسُفَ لَمْ يَرَهم أهْلًا لِلْعِتابِ فَتَجاوَزَ عَنْهم مِن أوَّلِ وهْلَةٍ أوِ اكْتَفى بِما أصابَهم مِنَ الخَجَلِ وكانَ خَجَلُهم مِنهُ أقْوى مِن خَجَلِهِمْ مِن أبِيهِمْ وفي المَثَلِ كَفى لِلْمُقَصِّرِ حَياءً يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ لِأنَّهُما ذاقا طَعْمَ مَرارَةِ الفِراقِ فَخَصَّهُما مِن بَيْنِهِمْ بِمَزِيدِ الدُّنُوِّ يَوْمَ التَّلاقِي ومِن هُنا يَتَبَيَّنُ أيْنَ مَنازِلُ العاشِقِينَ يَوْمَ الوِصالِ ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ حَيْثُ بانَ لَهم أنْواعُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعايَنُوا ما عايَنَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ وقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ وما هو إذْ ذاكَ إلّا كَعْبَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فِيها آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِنَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ مُفَوِّضًا إلَيْكَ شَأْنِيَ كُلَّهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِي رُجُوعٌ إلى نَفْسِي ولا إلى سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ بِمَن أصْلَحْتَهم لِحَضْرَتِكَ وأسْقَطْتَ عَنْهم سِماتِ الخَلْقِ وأزَلْتَ عَنْهم رَعُوناتِ الطَّبْعِ ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّناءَ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الأدَبِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: مَنِ التَفَتَ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُشْرِكٌ وقالَ قائِلُهم:

ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بَيانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعِلْمٌ لا مُعارَضَةَ لِلنَّفْسِ والشَّيْطانِ فِيهِ ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ البَصِيرَةَ أعْلى مِنَ النُّورِ لِأنَّها لا تَصِحُّ لِأحَدٍ وهو رَقِيقُ المَيْلِ إلى السُّوى وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عارِفًا بِطَرِيقِ الإيصالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِما يَجِبُ لَهُ تَعالى وما يَجُوزُ وما يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والدُّعاةُ إلى اللَّهِ تَعالى اليَوْمَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَصَّبُوا أنْفُسَهم إلى الإرْشادِ بِزَعْمِهِمْ أجْهَلَ مِن حِمارِ الحَكِيمِ تُوما وهم لَعَمْرِي في ضَلالَةٍ مُدْلَهِمَّةٍ ومَهامِهَ يَحارُ فِيها الخِرِّيتُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ وهم ذَوُو الأحْوالِ مِنَ العارِفِينَ والعاشِقِينَ والصّابِرِينَ والصّادِقِينَ وغَيْرِهِمْ وفِيها أيْضًا عِبْرَةٌ لِلْمُلُوكِ في بَسْطِ العَدْلِ كَما فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأهْلِ التَّقْوى في تَرْكِ ما تُراوِدُهُمُ النَّفْسُ الشَّهْوانِيَّةُ عَلَيْهِ ولِلْمَمالِيكِ في حِفْظِ حَرَمِ السّادَةِ ولا أحَدَ أغَيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ولِلْقادِرِينَ في العَفْوِ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ ولِغَيْرِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ ولَكِنْ أيْنَ المُعْتَبِرُونَ أشْباحٌ ولا أرْواحَ ودِيارٌ ولا دِيارَ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ هَذا.

وقَدْ أوَّلَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم يُوسُفَ بِالقَلْبِ المُسْتَعِدِّ الَّذِي هو في غايَةِ الحُسْنِ ويَعْقُوبَ بِالعَقْلِ والإخْوَةَ بَنِيَ العِلّاتِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ والخَمْسِ الباطِنَةِ والقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ وبِنْيامِينَ بِالقُوَّةِ العاقِلَةِ العَمَلِيَّةِ وراحِيلَ أُمَّ يُوسُفَ اللَّوّامَةَ ولِيا بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ والجُبَّ بِعَقْرِ الطَّبِيعَةِ البَدَنِيَّةِ والقَمِيصَ الَّذِي ألْبَسَهُ يُوسُفَ في الجُبِّ بِصِفَةِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ والنُّورَ الفِطْرِيَّ والذِّئْبَ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والدَّمَ الكَذِبَ بِأثَرِها وابْيِضاضَ عَيْنِ يَعْقُوبَ بِكَلالِ البَصِيرَةِ وفِقْدانَ نُورِ العَقْلِ وشِراؤُهُ مِن عَزِيزِ مِصْرَ بِثَمَنِ بَخْسٍ بِتَسْلِيمِ الطَّبِيعَةِ لَهُ إلى عَزِيزِ الرُّوحِ الَّذِي في مِصْرَ مَدِينَةِ القُدُسِ بِما يَحْصُلُ لِلْقُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ مِنَ المَعانِي الفائِضَةِ عَلَيْها مِنَ الرُّوحِ وامْرَأةَ العَزِيزِ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ وقَدَّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ بِخَرْقِها لِباسَ الصِّفَةِ النُّورِيَّةِ الَّتِي هي مِن قِبَلِ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ووَجَدَ أنَّ السَّيِّدَ بِالبابِ بِظُهُورِ نُورِ الرُّوحِ عِنْدَ إقْبالِ

صفحة 84

القَلْبِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ تَذَكُّرِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ ووِرْدِ الوارِدِ القُدُسِيِّ عَلَيْهِ والشّاهِدِ بِالفِكْرِ الَّذِي هو ابْنُ عَمِّ امْرَأةِ العَزِيزِ أوْ بِالطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ الَّذِي هو ابْنُ خالَتِها والصّاحِبَيْنِ بِقُوَّةِ المَحَبَّةِ الرُّوحِيَّةِ وبِهَوى النَّفْسِ والخَمْرِ بِخَمْرِ العِشْقِ والخَبْزِ. بِاللَّذّاتِ والطَّيْرَ بِطَيْرِ القُوى الجُسْمانِيَّةِ والمُلْكَ بِالعَقْلِ الفَعّالِ والبَقَراتِ بِمَراتِبِ النَّفْسِ والسِّقايَةَ بِقُوَّةِ الإدْراكِ والمُؤَذِّنَ بِالوَهْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وطَبَّقَ القِصَّةَ عَلى ما ذَكَرَ وتَكَلَّفَ لَهُ أشَدَّ تَكَلُّفٍ وما أغْناهُ عَنْ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском