Al-AlusiYusuf · 12:3–4

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:3–4

12:3Page 235

نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣

We relate to you, [O Muḥammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur’ān although you were, before it, among the unaware.

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيْ نُخْبِرُكَ ونُحَدِّثُكَ مِن قَصَّ أثَرَهَ إذا اتَّبَعَهُ كَأنَّ المُحْدَثَ يَتْبَعُ ما حَدَثَ بِهِ وذَكَرَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ومِثْلُ ذَلِكَ تُلِيَ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ أيْ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ فَنَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ إمّا لِإضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ أوْ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ صِفَةَ مَصْدَرٍ أيْ قَصَصًا أحْسَنَ القَصَصِ، وفِيهِ مَعَ بَيانِ الواقِعِ إيهامٌ لِما في اقْتِصاصِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ القُبْحِ والخَلَلِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيْ مَضْمُونُ هَذا القُرْآنِ، والمُرادُ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ، وكَذا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِما أوْحَيْنا﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحائِنا.

﴿إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ قُرْآنِيَّتِها لِتَحْقِيقِ أنَّ الِاقْتِصاصَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الإلْهامِ أوِ الوَحْيِ غَيْرِ المَتْلُوِّ، ولَعَلَّ كَلِمَةَ (هَذا) لِلْإيماءِ إلى تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ.

وقِيلَ: فِيها إيماءٌ إلى مُغايَرَةِ هَذا القُرْآنِ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ المَجْمُوعَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأحْسَنِيَّتُهُ لِأنَّهُ قَدْ قُصَّ عَلى أبْدَعِ الطَّرائِقِ الرّائِعَةِ الرّائِقَةِ، وأعْجَبِ الأسالِيبِ الفائِقَةِ اللّائِقَةِ كَما لا يَكادُ يَخْفى عَلى مَن طالَعَ القِصَّةَ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ وإنْ كانَ لا يُمَيِّزُ الغَثَّ مِنَ السَّمِينِ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّمالِ واليَمِينِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا المَذْكُورُ مَفْعُولَ (نَقُصُّ).

وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الآيَةَ مِن بابِ تَنازُعِ الفِعْلَيْنِ، والمَذْهَبُ البَصْرِيُّ أوْلى هُنا أمّا لَفْظًا فَظاهِرٌ وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ القُرْآنَ كَما سَمِعْتَ السُّورَةَ وإيقاعَ الإيحاءِ عَلَيْها أظْهَرُ مِن إيقاعِ (نَقُصُّ) بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى القِصَّةِ وما هو أظْهَرُ أوْلى بِإعْمالِ صَرِيحِ الفِعْلِ فِيهِ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ القُرْآنِ وإحْضارِ ما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ وحُسْنِ البَيانِ ما لَيْسَ في إعْمالِ (نَقُصُّ) صَرِيحًا، وجَوَّزَ تَنْزِيلَ أحَدِ الفِعْلَيْنِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أحْسَنَ) مَفْعُولًا بِهِ -لِنَقُصُّ-، والقَصَصُ: إمّا فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالنَّبَأِ والخَبَرِ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالخَلْقِ والصَّيْدِ أيْ نَقُصُّ

صفحة 176

عَلَيْكَ أحْسَنَ ما يُقَصُّ مِنَ الأنْباءِ وهو قِصَّةُ آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ووَجْهُ أحْسَنِيَّتِها اشْتِمالُها عَلى حاسِدٍ ومَحْسُودٍ، ومالِكٍ ومَمْلُوكٍ، وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ وعاشِقٍ ومَعْشُوقٍ وحَبْسٍ وإطْلاقٍ وخِصْبٍ وجَدْبٍ، وذَنْبٍ وعَفْوٍ، وفِراقٍ ووِصالٍ، وسَقَمٍ وصِحَّةٍ، ورَحْلٍ وارْتِحالٍ، وذُلٍّ وعِزٍّ، وقَدْ أفادَتْ أنَّهُ لا دافِعَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ولا مانِعَ مِن قَدْرِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا قَضى لِإنْسانٍ بِخَيْرٍ ومَكْرُمَةٍ فَلَوْ أنَّ أهْلَ العالَمِ اجْتَمَعُوا عَلى دَفْعِ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا وأنَّ الحَسَدَ سَبَبُ الخِذْلانِ والنُّقْصانِ، وأنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ، وأنَّ التَّدْبِيرَ مِنَ العَقْلِ وبِهِ يَصْلُحُ أمْرُ المَعاشِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْجِزُ عَنْ بَيانِهِ بَنانُ التَّحْرِيرِ.

وقِيلَ: إنَّما كانَتْ (أحْسَنَ) لِأنَّ غالِبَ مَن ذَكَرَ فِيها كانَ مَآلُهُ إلى السَّعادَةِ، وقِيلَ: المَقْصُوصُ أخْبارُ الأُمَمِ السّالِفَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ لا قِصَّةُ آلِ يَعْقُوبَ فَقَطْ، والمُرادُ بِهَذا القُرْآنِ ما اشْتَمَلَ عَلى ذَلِكَ، و(أحْسَنَ) لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ بَلْ هو بِمَعْنى حَسَنٍ كَأنَّهُ قِيلَ: حَسَنُ القَصَصِ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيِ القَصَصُ الحَسَنُ، والقَوْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ما ذَكَرْنا، قِيلَ: ولِكَوْنِها بِتِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الحُسْنِ تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي إلى نَقْلِها ولِذا لَمْ تَتَكَرَّرْ كَغَيْرِها مِنَ القَصَصِ، وقِيلَ: سَبَبُ ذَلِكَ مِنِ افْتِتانِ امْرَأةٍ ونِسْوَةٍ بِأبْدَعِ النّاسِ جَمالًا، ويُناسِبُ ذَلِكَ عَدَمَ التَّكْرارِ لِما فِيهِ مِنَ الإغْضاءِ والسَّتْرِ، وقَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ تَعْلِيمِ النِّساءِ سُورَةَ يُوسُفَ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ: إنَّما كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى قَصَصَ الأنْبِياءِ وساقَ هَذِهِ القِصَّةَ مَساقًا واحِدًا إشارَةً إلى عَجْزِ العَرَبِ، كَأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُمْ: إنْ كانَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي فافْعَلُوا في قِصَّةِ يُوسُفَ ما فَعَلْتُ في سائِرِ القِصَصِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ يُبْقِي عَلَيْهِ أنَّ تَخْصِيصَ سُورَةِ يُوسُفَ لِذَلِكَ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فَإنَّ سَوْقَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا مَساقًا واحِدًا يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى ذَلِكَ أيْضًا بِعَيْنِ ما ذُكِرَ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ظَهَرَ لِي وجْهٌ في سَوْقِها كَذَلِكَ، وهو أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ طَلَبِ الصَّحابَةِ أنْ يَقُصَّ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ مَبْسُوطَةً تامَّةً لِيَحْصُلَ لَهم مَقْصُودُ القِصَصِ مِن الِاسْتِيعابِ وتَرْوِيحِ النَّفْسِ بِالإحاطَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ: وأقْوى ما يُجابُ بِهِ أنَّ قِصَصَ الأنْبِياءِ إنَّما كُرِّرَتْ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها إفادَةُ إهْلاكِ مَن كَذَّبُوا رُسُلَهم والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ كَتَكْرِيرِ تَكْذِيبِ الكُفّارِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكُلَّما كَذَّبُوا أُنْزِلَتْ قِصَّةٌ مُنْذِرَةٌ بِحُلُولِ العَذابِ كَما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ في آياتٍ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ وقِصَّةُ يُوسُفَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها ذَلِكَ، وبِهَذا أيْضًا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنْ عَدَمِ تَكْرِيرِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ وقِصَّةِ مُوسى مَعَ الخِضْرِ، وقِصَّةِ الذَّبِيحِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ تَكَرَّرَتْ قِصَّةُ وِلادَةِ يَحْيى ووِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَرَّتَيْنِ ولَيْسَتْ مِن قَبِيلِ ما ذَكَرْتَ، (قُلْتُ) الأُولى في سُورَةِ –كهيعص- وهي مَكِّيَّةٌ أُنْزِلَتْ خِطابًا لِأهْلِ مَكَّةَ، والثّانِيَةُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وهي مَدَنِيَّةٌ أُنْزِلَتْ خِطابًا لِلْيَهُودِ ولِنَصارى نَجْرانَ حِينَ قَدِمُوا، ولِهَذا اتَّصَلَ بِهَذا ذِكْرُ المُحاجَّةِ والمُباهَلَةِ، اهـ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُرِّرَتْ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِها إفادَةَ إهْلاكِ مَن كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، وأُجِيبَ بِأنَّها وإنْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ بِها إفادَةَ ما ذُكِرَ إلّا أنَّ فِيها مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ ما فِيها، فَهي أشْبَهُ قِصَّةٍ بِتِلْكَ القِصَصِ الَّتِي كُرِّرَتْ لِذَلِكَ فافْهَمْ.

﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ قَبْلِ إيحائِنا إلَيْكَ ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ ولَمْ يَقْرَعْ سَمْعَكَ، وهَذا تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مُوحًى كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ والأكْثَرُ في مِثْلِهِ تَرْكُ

صفحة 177

الواوِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِالغَفْلَةِ لِإجْلالِ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا العُدُولُ عَنْ –لَغافِلًا- إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عِنْدَ بَعْضٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ بَدِيعًا وفِيهِ نَوْعُ غَرابَةٍ إذا وقَفَ عَلَيْهِ قِيلَ لِلْمُخاطَبِ: كُنْتَ عَنْ هَذا غافِلًا فَيَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ الإشارَةَ إلى غَرابَةِ تِلْكَ القِصَّةِ فَيَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ فِيهِ ما لا يَخْفى، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ واللّامُ فارِقَةٌ، وجُمْلَةُ (كُنْتَ) إلَخْ خَبَرُ –إنْ-

12:4Page 235

إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤

[Of these stories mention] when Joseph said to his father,1 "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."

﴿إذْ قالَ يُوسُفُ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ –اذْكُرْ- بِناءً عَلى تَصَرُّفِها، وذِكْرُ الوَقْتِ كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ ما حَدَثَ فِيهِ، والكَلامُ شُرُوعٌ في إنْجازِ ما وعَدَ سُبْحانَهُ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) الغافِلِينَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها (نَقُصُّ)، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ عَلى مَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ (إذْ) إلَخْ، وهي لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ المُجَرَّدِ عَنِ اعْتِبارِ المُضِيِّ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ ما فِيهِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ بَقاءَها عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وأنَّ العامِلَ فِيها (قالَ يا بُنَيَّ) كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِن (أحْسَنَ القَصَصِ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ مَفْعُولًا بِهِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وأوْرَدَ أنَّهُ إذا كانَ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ يَكُونُ الوَقْتُ مَقْصُوصًا ولا مَعْنى لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ لازَمَهُ وهو اقْتِصاصُ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اقْتِصاصَ وقْتِ القَوْلِ مَلْزُومٌ لِاقْتِصاصِ القَوْلِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لا اشْتِمالٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذَكَرَ لَوْ كانَ الوَقْتُ بِمَعْنى القَوْلِ، وهو إمّا عَيْنُ المَقْصُوصِ أوْ بَعْضُهُ، أمّا لَوْ بَقِيَ عَلى مَعْناهُ وجُعِلَ مَقْصُوصًا بِاعْتِبارِ ما فِيهِ فَلا يَرُدُّ الِاعْتِراضَ.

هَذا ولَمْ يُجَوِّزُوا البَدَلِيَّةَ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى حِينَئِذٍ وبِقِيامِ المانِعِ عَرَبِيَّةٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المَقْصُوصَ في ذَلِكَ الوَقْتُ لا الِاقْتِصاصُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ مَصْدَرٌ فَلَوْ كانَ الظَّرْفُ بَدَلًا وهو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ لَكانَ مَصْدَرًا أيْضًا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَأْوِيلِهِ بِالفِعْلِ، وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ المَصْدَرَ كَما يَكُونُ ظَرْفًا نَحْوَ أتَيْتُكَ طُلُوعَ الشَّمْسِ يَكُونُ الظَّرْفُ أيْضًا مَصْدَرًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِسَدِّهِ مَسَدَّ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ: لَمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أرْمَدَ. فَإنَّهم صَرَّحُوا -كَما في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ- أنَّ لَيْلَةَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيِ اغْتِماضُ لَيْلَةٍ، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ فَهو مِنَ الأوْهامِ الفارِغَةِ، نَعَمْ إذا نابَ عَنِ المَصْدَرِ فَفي كَوْنِهِ بَدَلَ اشْتِمالٍ شُبْهَةٌ وهو شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرَ، وعَلى الأوَّلِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يَشْتَمِلِ الوَقْتُ عَلى الِاقْتِصاصِ فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى المَقْصُوصِ فَلِمَ لَمْ تَجُزِ البَدَلِيَّةُ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ؟ ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ المُلابَسَةِ لا تُصَحِّحُ البَدَلِيَّةَ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّ الِاشْتِمالَ لَيْسَ كاشْتِمالِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ، بَلْ كَوْنُهُ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا ومُتَقاضِيًا لَهُ بِوَجْهٍ ما بِحَيْثُ تَبْقى النَّفْسُ عِنْدَ ذِكْرِ الأوَّلِ مُتَشَوِّقَةً إلى الثّانِي مُنْتَظِرَةً لَهُ، فَيَجِيءُ الثّانِي مُبَيِّنًا لِما أُجْمِلُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُنْ بَدَلَ غَلَطٍ وعَلى هَذا يُقالُ في عَدَمِ صِحَّةِ البَدَلِيَّةِ: إنَّ النَّفْسَ إنَّما تَتَشَوَّقُ لِذِكْرِ وقْتِ الشَّيْءِ لا لِذِكْرِ وقْتٍ لازَمَهُ، ووَقْتُ القَوْلِ لَيْسَ وقْتًا لِلِاقْتِصاصِ، و(يُوسُفُ) عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ وسُمِّيَ بِهِ لِأسَفِ أبِيهِ عَلَيْهِ، أوْ أسَفِهِ عَلى أبِيهِ أوْ أسَفِ مَن يَراهُ عَلى مُفارَقَتِهِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِ كَما قِيلَ، وإلّا لانْصَرَفَ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ العَلَمِيَّةِ ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّ فِيهِ وزْنَ الفِعْلِ أيْضًا إذْ لَيْسَ لَنا فِعْلٌ مُضارِعٌ مَضْمُومُ الأوَّلِ والثّالِثِ، وكَذا يُقالُ في يُونُسَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها عَلى ما هو الشّائِعُ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ مِنَ التَّغْيِيرِ لا عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أوْ لِلْفاعِلِ مِن آسَفَ، لِأنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ شَهِدَتْ بِعَجَمِيَّتِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا وغَيْرَ أعْجَمِيٍّ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لَكِنْ

صفحة 178

فِي الصِّحاحِ أنَّ يَعْفُرَ ولَدُ الأسْوَدِ الشّاعِرِ إذا قُلْتَهُ بِفَتْحِ الياءِ لَمْ تَصْرِفْهُ لِأنَّهُ مِثْلُ يَقْتُلُ.

وقالَ يُونُسُ: سَمِعْتُ رُؤْبَةَ يَقُولُ: أسْوَدُ بْنُ يُعْفُرَ بِضَمِّ الياءِ وهَذا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ قَدْ زالَ عَنْهُ شَبَهُ الفِعْلِ، اهـ.

وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأنَّ الأخْفَشَ خالَفَهُ فَمَنَعَ صَرْفَهُ لِعُرُوضِ الضَّمِّ لِلْإتْباعِ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والكَسْرِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ الأخْفَشُ ويَلْتَزِمُ كَوْنُ ضُمَّ ثالِثُهُ إتْباعًا لِضَمِّ أوَّلِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَوَقَعَ فِيهِ الخِلافُ كَما وقَعَ في يَعْفُرَ، والظّاهِرُ أنَّ أعْجَمِيَّتَهُ مُتَحَقِّقَةٌ عِنْدَهم ولِذا التَزَمُوا مَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لَها ولِلْعَلَمِيَّةِ ولا التِفاتَ لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ -يُؤْسَفُ- بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الضَّمُّ والكَسْرُ مَعَ الهَمْزِ أيْضًا فَيَكُونُ فِيهِ سِتُّ لُغاتٍ ( لِأبِيهِ ) يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: "قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ».

نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى نُورًا ومِن ضَوْءِ الصَّباحِ عَمُودًا

( يا أبَت ) أصْلُهُ يا أبِي فَعَوَّضْ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَناسُبِهِما في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ، ويُضَمُّ إلى الِاسْمِ في آخِرِهِ ولِهَذا قَلَبَها هاءً في الوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، وخالَفَ الباقُونَ فَأبْقَوْها تاءً في الوَقْفِ وكُسِرَتْ لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الياءِ الَّتِي هي أُخْتُ الكَسْرَةِ فَحُرِّكَتْ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُ أصْلَها لا لِتَدُلَّ عَلى الياءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالجَمْعِ بَيْنَ عِوَضَيْنِ أوْ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوِّضِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الكَسْرَةَ كَسْرَةَ الياءِ زُحْلِقَتْ إلى التّاءِ لِما فُتِحَ ما قَبْلُها لِلُزُومِ فَتْحِ ما قَبْلَ تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها لِأنَّ أصْلَها وهو الياءُ إذا حُرِّكَ حُرِّكَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لِأنَّ أصْلَ ( يا أبَتِ ) يا أبَتا بِأنْ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ وأُبْقِيَتْ فَتْحَتُها دَلِيلًا عَلَيْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ يا أبَتا ضَعِيفٌ كَيا أبَتِي حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ. يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا.

وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ: إنَّ الألِفَ المَحْذُوفَةَ مِن يا أبَتا لِلنُّدْبَةِ، ورُدَّ بِأنَّ المَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ، وعَنْ قُطْرُبٍ أنَّ الأصْلَ -يا أبَةٍ- بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ والنِّداءُ بابُ حَذْفٍ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ يا ضارِبًا رَجُلًا، وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ضَمَّ المُنادى المُضافِ شاذٌّ وإنَّما لَمْ تُسَكَّنْ مَعَ أنَّ الباءَ الَّتِي وقَعَتْ هي عِوَضًا عَنْها تُسَكَّنُ لِأنَّها حَرْفٌ صَحِيحٌ مُنْزَلٌ مَنزِلَةَ الِاسْمِ فَيَجِبُ تَحْرِيكُها كَكافِ الخِطابِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الياءَ أُبْدِلَتْ تاءً لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ في نَحْوِ عَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأبُ والأُمُّ مَظِنَّةُ التَّعْظِيمِ، فَعَلى هَذا لا حَذْفَ ولا تَعْوِيضَ، والتّاءُ حِينَئِذٍ اسْمٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الِاسْمَ إذا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وأُبْدِلَ لا يَخْرُجُ عَنْ الِاسْمِيَّةِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ التّاءَ لِمُجَرَّدِ التَّأْنِيثِ وياءُ الإضافَةِ مُقَدَّرَةٌ، ويَأْباهُ عَدَمُ سَماعِ يا أبَتِي في السِّعَةِ، وكَذا سَماعُ فَتْحِها عَلى ما قِيلَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ تاءَ لاتَ لِلتَّأْنِيثِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وكَذا تاءُ رُبَّتْ وثَمَّتْ

صفحة 179

وهِيَ مَفْتُوحَةٌ ﴿إنِّي رَأيْتُ﴾ أيْ في المَنامِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ و(هَذا) تَأْوِيلُ رُؤْيايَ، فَإنَّ مَصْدَرَ رَأى الحُلْمِيَّةِ الرُّؤْيا ومَصْدَرُ البَصْرِيَّةِ الرُّؤْيَةُ في المَشْهُورِ، ولِذا خُطِّئَ المُتَنَبِّي في قَوْلِهِ.

ورُؤْياكَ أحْلى في العُيُونِ مِنَ الغَمْضِ.

وذَهَبَ السُّهَيْلِيُّ، وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ إلى أنَّ الرُّؤْيا سُمِعَتْ مِنَ العَرَبِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ لَيْلًا ومُطْلَقًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِكَوْنِ رَأى حُلْمِيَّةً بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ يَقَظَةً وهو أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ لَشاعَ وعُدَّ مُعْجِزَةً لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ إرْهاصًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في زَمانٍ يَسِيرٍ مِنَ اللَّيْلِ والنّاسُ غافِلُونَ، والحَقُّ أنَّها حُلْمِيَّةٌ، ومِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وهي جِرْبانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وقابِسُ، وعَمُودانِ، والفَيْلَقُ، والمُصْبِحُ والفَزِعُ ووَثّابُ وذُو الكَتِفَيْنِ، والضَّرُوجُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جابِرٍ «أنَّ سِنانًا اليَهُودِيَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أخْبِرْنِي يا مُحَمَّدُ عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ فَسَكَتَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَعَدَّ ﷺ ما ذُكِرَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: أيْ واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها».

وأخْرَجَ السُّهَيْلِيُّ عَنِ الحَرْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ النَّطْحَ بَدَلَ المُصْبِحِ، وأخْرَجَ الخَبَرَ الأوَّلَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأهْلُ الأخْبارِ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، وقالَ: إنَّهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ وابْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّهُ مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ وغَيْرُهُما (أحَدَ عَشْرَ) بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا، ( والشَّمْس والقَمَر ) عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ لِلْمَعِيَّةِ ولَيْسَ بِذاكَ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ وعَدَمِ الِانْدِراجِ في عُمُومِ الكَواكِبِ لِاخْتِصاصِهِما بِالشَّرَفِ وتَأْخِيرِهِما لِأنَّ سُجُودَهُما أبْلَغُ وأعْلى كَعْبًا، فَهو مِن بابٍ لا يَعْرِفُهُ فُلانٌ ولا أهْلُ بَلَدِهِ، وتَقْدِيمُ الشَّمْسِ عَلى القَمَرِ لِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ القُرْآنِ إذا جَمَعَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَ ذَلِكَ إمّا لِكَوْنِها أعْظَمَ جُرْمًا وأسْطَعَ نُورًا وأكْثَرَ نَفْعًا مِنَ القَمَرِ وإمّا لِكَوْنِها أعْلى مَكانًا مِنهُ وكَوْنِ فَلَكِها أبْسَطَ مِن فَلَكِهِ عَلى ما زَعَمَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ وكَثِيرٌ مِن غَيْرِهِمْ، وإمّا لِأنَّها مُفِيضَةُ النُّورِ عَلَيْهِ كَما ادَّعاهُ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتَأْنَسَ لَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ وإنَّما أوْرَدَ الكَلامَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ ولَمْ يَطْوِ ذِكْرَ العَدَدِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ أنْ يَتَطابَقَ المَنامُ ومَن هو في شَأْنِهِمْ وبِتَرْكِ العَدَدِ يَفُوتُ ذَلِكَ ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ اسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّ ( رَأيْتُهم ) تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ تَطْرِيَةً لِلْعَهْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّأْسِيسَ وأنَّ الكَلامَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها؟ سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها فَقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ وكَأنَّهُ لا يَرى أنَّ رَأى الحُلْمِيَّةَ مِمّا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كالعِلْمِيَّةِ لِيَلْتَزِمَ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْفِعْلِ الأوَّلِ مَحْذُوفًا، ويَرى أنَّها تَتَعَدّى لِواحِدٍ كالبَصَرِيَّةِ فَلا حَذْفَ، و( ساجِدِينَ ) حالٌ عِنْدَهُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ولا يُحْذَفُ ثانِيهُما اقْتِصارًا.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ القَوْلَ بِالتَّعَدِّي إلى ما ذَكَرَ إلّا أنَّهُ يَقُولُ بِجَوازِ ما مَنَعُوهُ مِنَ الحَذْفِ، وأنْتَ تَعْلَمُ

صفحة 180

أنَّ ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ سالِمٌ عَنِ المُخالَفَةِ، والنَّظَرِيَّةُ أمْرٌ مَعْهُودٌ في الكِتابِ الجَلِيلِ، وإنَّما أُجْرِيَتْ هَذِهِ المُتَعاطِفاتُ مَجْرى العُقَلاءِ في الضَّمِيرِ جَمْعَ الصِّفَةِ لِوَصْفِها بِوَصْفِ العُقَلاءِ أعْنِي السُّجُودَ سَواءٌ كانَ المُرادُ مِنهُ التَّواضُعَ أوِ السُّجُودَ الحَقِيقِيَّ، وإعْطاءُ الشَّيْءِ المُلابِسِ لِآخَرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ حُكْمًا مِن أحْكامِهِ إظْهارًا لِأثَرِ المُلابَسَةِ والمُقارَبَةِ شائِعٌ في الكَلامِ القَدِيمِ والحَدِيثِ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْدِيدِ المَذْكُوراتِ بِقَوْمٍ عُقَلاءَ ساجِدِينَ، والضَّمِيرُ والسُّجُودُ قَرِينَةٌ أوْ أحَدُهُما قَرِينَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ والآخَرُ تَرْشِيحٌ.

وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ إلى أنَّ الكَواكِبَ أحْياءٌ ناطِقَةٌ، واسْتَدَلَّ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها، وكَثِيرٌ مِن ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ يَشْهَدُ لَهُمْ، ولَيْسَ في القَوْلِ بِذَلِكَ إنْكارُ ما هو مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِإظْهارِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ مَعَ ما في ضِمْنِهِ عَلى ما قِيلَ: مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِيما قِيلَ: لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ أنَّها كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، ولَعَلَّهُ لا مُنافاةَ لِظُهُورِ إمْكانِ كَوْنِ لَيْلَةٍ واحِدَةٍ لَيْلَةَ القَدْرِ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُها في لَيْلَةِ القَدْرِ بِأنَّها مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما هو مِنَ الخَواصِّ تَضْعِيفُ ثَوابِ العَمَلِ فِيها إلى ما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وكانَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى ذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فِيما يُرْوى عَنْ وهْبٍ.

وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَدْ رَأى قَبْلُ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصا طِوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّائِرَةِ وإذا عَصا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، وتَعْبِيرُ هَذِهِ العِصِيِّ الإحْدى عَشْرَةَ هو بِعَيْنِهِ تَعْبِيرُ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما إشارَةٌ إلى إخْوَتِهِ، ولَيْسَ في الرُّؤْيا الأُولى ما يُشِيرُ إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ، ولا ضَرُورَةَ إلى التِزامِ القَوْلِ بِاتِّحادِ المَنامَيْنِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في كُلِّ أحَدَ عَشَرَ شَيْئًا إلّا أنَّ ذَلِكَ في الأوَّلِ عِصِيٌّ وفي الثّانِي كَواكِبُ، ويَكُونُ عَطْفُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ مِيكائِيلَ وجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ، وعُبِّرَتِ الشَّمْسُ بِأبِيهِ والقَمَرُ بِأُمِّهِ اعْتِبارًا لِلْمَكانِ والمَكانَةِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ القَمَرَ خالَتُهُ لِأنَّ أُمَّهُ راحِيلَ قَدْ ماتَتْ، والقَوْلُ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها بَعْدُ لِتَصْدِيقِ رُؤْياهُ لا يَخْفى حالُهُ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الشَّمْسَ أُمُّهُ والقَمَرَ أبُوهُ، وهو اعْتِبارٌ لِلتَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ، وقَدْ تُعَبَّرُ الشَّمْسُ بِالمُلْكِ وبِالذَّهَبِ وبِالزَّوْجَةِ الجَمِيلَةِ، والقَمَرُ بِالأمِيرِ، والكَواكِبُ بِالرُّؤَساءِ وكَذا بِالعُلَماءِ أيْضًا.

وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رُؤْيَةَ القَمَرِ تُؤَوَّلُ عَلى سَبْعَةَ عَشَرَ وجْهًا، مَلِكٌ أوْ وزِيرٌ أوْ نَدِيمُ المَلِكِ أوْ رَئِيسٌ، أوْ شَرِيفٌ أوْ جارِيَةٌ، أوْ غُلامٌ، أوْ أمْرٌ باطِلٌ، أوْ والٍ، أوْ عالِمٌ مُفْسِدٌ، أوْ رَجُلٌ مُعَظَّمٌ، أوْ والِدٌ، أوْ والِدَةٌ، أوْ زَوْجَةٌ، أوْ بَعْلٌ لَها، أوْ ولَدٌ أوْ عَظَمَةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِ الرّائِي وكَيْفِيَّةِ الرُّؤْيَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ رَأى الكَواكِبَ ولا الشَّمْسَ والقَمَرَ وإنَّما رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ويَكادُ يُعَدُّ مِن كَلامِ النّائِمِ، ويُؤَيِّدُ ظاهِرُ ما نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ قَدْ نَزَلَتْ فَسَجَدَتْ لَهُ فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أبِيهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском