Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:32–35
12:32Page 239
قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢
She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ والإشارَةُ -حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ- إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفَتْهُ بِهِ الآنَ مِنَ الخُرُوجِ في الحُسْنِ والكَمالِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، والِاقْتِصارِ عَلى المَلَكِيَّةِ، أوْ بِعُنْوانِ ما ذَكَرَ مَعَ الأخْبارِ وتَقْطِيعِ الأيْدِي بِسَبَبِهِ أيْضًا، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُنَّ فَذَلِكُنَّ المَلَكُ الكَرِيمُ الخارِجُ في الحُسْنِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، أوِ الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ ووَصَفْتُنَّهُ بِما وصَفْتُنَّهُ هو ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أيْ عَيَّرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ فِيهِ أوْ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفْنَهُ بِهِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ، فاسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَخَلَتِ الفاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ حَذْفِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةُ اسْمِ الإشارَةِ أيْ فَهو ذَلِكُنَّ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ وقُلْتُنَّ فِيهِ وفِيَّ ما قُلْتُنَّ، فالآنَ قَدْ عَلِمْتُنَّ مَن هو وما قَوْلُكُنَّ فِينا، وقِيلَ: أرادَتْ هَذا ذَلِكَ العَبْدَ الكَنْعانِيَّ
صفحة 233
الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ عَلى مَعْنى أنَّكُنَّ لَمْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقِّ صُورَتِهِ ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، والإشارَةُ بِما يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ وحُضُورِهِ قِيلَ: رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِثْلُهُ.
وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في وقْتِ اللَّوْمِ غَيْرَ حاضِرٍ وهو عِنْدَ هَذا الكَلامِ كانَ حاضِرًا فَإنْ جُعِلَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الأوَّلِ كانَتْ عَلى أصْلِها، وإنْ لُوحِظَ الثّانِي كانَ قَرِيبًا، وكانَتِ الإشارَةُ بِما ذُكِرَ لِتَنْزِيلِهِ لِعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، واحْتِمالُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْعَدُ عَنْهُنَّ وقْتَ هَذا الكَلامِ لِئَلّا يَزْدَدْنَ دَهْشَةً وفِتْنَةً ولِذا أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ بِعِيدٌ.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ الإشارَةِ إلى حُبِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلَيْهِ، وجَعَلَ الإشارَةَ عَلى هَذا إلى غائِبٍ عَلى بابِها ويُبْعِدُهُ عَلى ما فِيهِ ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وهو إباحَةٌ مِنها بِبَقِيَّةِ سِرِّها بَعْدَ أنْ أقامَتْ عَلَيْهِنَّ الحُجَّةَ وأوْضَحَتْ لَدَيْهُنَّ عُذْرَها وقَدْ أصابَهُنَّ مِن قِبَلِهِ ما أصابَها أيْ واللَّهِ لَقَدْ راوَدْتُهُ حَسْبَما قُلْتُنَّ وسَمِعْتُنَّ ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ طَلَبَ العِصْمَةَ وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي.
وفِي الكَشّافِ أنَّ الِاسْتِعْصامَ بِناءً مُبالَغَةٌ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو مُجْتَهِدٌ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوُهُ اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ الفَتْقُ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيُ واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ اهـ.
وفِي البَحْرِ والَّذِي ذَكَرَهُ الصَّرْفِيُّونَ في (اسْتَعْصَمَ) أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ أيْضًا مُوافِقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ تَفَحَّلَ نَحْوَ اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، فالمَعْنى فامْتَنَعَ عَمّا أرادَتْ مِنهُ، وبِالِامْتِناعِ فُسِّرَتِ العِصْمَةُ عَلى إرادَةِ الطَّلَبِ لِأنَّهُ هو مَعْناها لُغَةً، قِيلَ: وعَنَثَ بِذَلِكَ فِرارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها فَإنَّهُ امْتَنَعَ مِنها أوَّلًا بِالمَقالِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يُفِدْهُ طَلَبَ ما يَمْنَعُهُ مِنها بِالفِرارِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالعِصْمَةِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يَمْنَعُ عَنِ المَيْلِ لِلْمَعاصِي، فَإنَّهُ مَعْنًى عُرْفِيٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بَلْ لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ مُرادًا كَما لا يَخْفى، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ مَعَ أنَّ مَضْمُونَها مِن مُراوَدَتِها لَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِمّا تَحَدَّثَ بِهِ النِّسْوَةُ لِإظْهارِ ابْتِهاجِها بِذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو الِاسْتِعْصامُ كَأنَّها نَظَّمَتْهُ لِقُوَّةِ الدّاعِي إلى خِلافِهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُنْفُوانِ الشَّبابِ ومَزِيدِ اخْتِلاطِهِ مَعَها ومُراوَدَتِها إيّاهُ مَعَ ارْتِفاعِ المَوانِعِ فِيما تَظُنُّ في سَلْكِ ما يُنْكِرُ ويُكَذِّبُ المُخْبَرُ بِهِ فَأكَّدَتْهُ لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما سَوَّدَ بِهِ القَصّاصُ وُجُوهَ الطُّرُوسِ، ولَيْتَ السُّدِّيَّ لَوْ كانَ قَدْ سَدَّ فاهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ بَعْدَ حَلِّ سَراوِيلِهِ، ثُمَّ إنَّها بَعْدَ أنِ اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِما سَمِعْنَهُ وتُحَدِّثُهُنَّ بِهِ وأظْهَرَتْ مِن إعْراضِهِ عَنْها واسْتِعْصامِهِ ما أظْهَرَتْ ذَكَرَتْ أنَّها مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ لا يَلْوِيها عَنْها لَوْمٌ ولا إعْراضٌ فَقالَتْ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ أيِ الَّذِي آمُرُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي كَما لَمْ يَفْعَلْ فِيما مَضى –فَما- مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ الهاءُ، وقَدْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنهُ فاتَّصَلَ بِالفِعْلِ وهَذا أمْرٌ شائِعٌ مَعَ –أمَرَ- كَقَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ. ومَفْعُولُ –أمَرَ- الأوَّلِ إمّا مَتْرُوكٌ لِأنَّ مَقْصُودَها لُزُومُ امْتِثالِ ما أمَرَتْ بِهِ مُطْلَقًا كَما قِيلَ، وإمّا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (يَفْعَلُ) عَلَيْهِ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى يُوسُفَ أيْ ما آمُرُهُ بِهِ.
صفحة 234
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَوْجُودُ هو العائِدَ عَلى يُوسُفَ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ بِهِ، ويُعْتَبَرُ الحَذْفُ تَدْرِيجًا لِاشْتِراطِهِمْ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ كَوْنَهُ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا، وإذا اعْتُبِرَ التَّدْرِيجُ في الحَذْفِ يَكُونُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، وكَذا يُقالُ في أمْثالِ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ هَذا الجارَّ مِمّا أنِسَ حَذْفُهُ فَلا يُقَدَّرُ العائِدُ إلّا مَنصُوبًا مَفْصُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرَ يُوسُفُ إيّاهُ لِتَعَذُّرِ اتِّصالِ ضَمِيرَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ لِيُوسُفَ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أمْرِي إيّاهُ، ومَعْنى فِعْلِ الأمْرِ فِعْلُ مُوجِبِهِ ومُقْتَضاهُ فَهو إمّا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ تَقْدِيرِ المُضافِ، وعَبَّرَتْ عَنْ مُراوَدَتِها بِالأمْرِ إظْهارًا لِجَرَيانِ حُكُومَتِها عَلَيْهِ واقْتِضاءً لِلِامْتِثالِ لِأمْرِها ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ آثَرَتْ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى رَسْمِ المُلُوكِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إيهامًا لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ لِأمْرِها كَأنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْنَهُما فِعْلُ فاعِلٍ.
﴿ولَيَكُونًا﴾ بِالمُخَفَّفَةِ ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيِ الأذِلّاءِ المُهانِينَ، وهو مِن صَغِرَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُ صَغَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، وصُغْرًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وصَغارٌ بِالفَتْحِ، وهَذا في القَدْرِ، وأمّا في الجُثَّةِ والجُرْمِ فالفِعْلُ صَغُرَ كَكَرُمَ، ومَصْدَرُهُ صِغَرٌ كَعِنَبٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الصَّغارَ مَصْدَرًا لِهَذا أيْضًا، وكَذا الصَّغَرُ بِالتَّحْرِيكِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وأكَّدَتِ السَّجْنَ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ قِيلَ: لِتَحَقُّقِهِ، وما بَعْدَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ.
وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ الكَوْنَ مِن تَوابِعِ السَّجْنِ ولَوازِمِهِ، فاكْتَفَتْ في تَأْكِيدِهِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ بَعْدَ أنْ أكَّدَتِ الأوَّلَ بِالثَّقِيلَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَّثْقِيلِ فِيهِما، وهو مُخالِفٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ رُسِمَتْ فِيهِ بِالألِفِ –كَنَسْفَعًا- عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وهي يُوقَفُ عَلَيْها بِالألْفِ كَما في قَوْلِ الأعْشى. ولا تَعْبُدُ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا. وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ لَفْظًا لِكَوْنِها نُونًا ساكِنَةً مُفْرَدَةً تَلْحَقُ الآخِرَ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولا يَخْفى شِدَّةُ ما تَوَعَّدْتَ بِهِ كَيْفَ وأنَّ لِلذُّلِّ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في نُفُوسِ الأحْرارِ وقَدْ يُقَدِّمُونَ المَوْتَ عَلَيْهِ وعَلى ما يَجُرُّ إلَيْهِ: قِيلَ: ولَمْ تَذْكُرِ العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ إلَخْ لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظُ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وإقامَةُ عُذْرِها عِنْدَ النِّسْوَةِ فَرَقَّتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ وما هو مِن فُرُوعِهِ ومُسْتَتْبَعاتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَها: ﴿ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ إنَّما أتَتْ بِهِ بَدَلَ قَوْلِها هُناكَ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ذُلُّهُ بِالقَيْدِ أوْ بِالضَرْبِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أنَّها أرادَتْ بِالذُّلِّ والعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ بِالسِّياطِ فَقَطْ، أوْ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ أرادَتْ بِالذُّلِّ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ، وبِالعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ بِالعَكْسِ، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فَما طَلَبَتْهُ هُنا أعْظَمُ مِمّا لَوَّحَتْ بِطَلَبِهِ هُناكَ لِمَكانِ الواوِ هُنا وأوْ هُناكَ، ولَعَلَّها إنَّما بالَغَتْ في ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِن تِلْكَ النِّسْوَةِ لِمَزِيدِ غَيْظِها بِظُهُورِ كَذِبِها وصِدْقِهِ وإصْرارِهِ عَلى عَدَمِ بَلِّ غَلِيلِها، ولِتُعْلِمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها لَيْسَتْ في أمْرِها عَلى خِيفَةٍ ولا خِفْيَةٍ مِن أحَدٍ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِ الحِيَلُ ويَعِي بِهِ العِلَلُ ويَنْصَحْنَ لَهُ ويُرْشِدْنَهُ إلى مُوافَقَتِها فَتَدَبَّرْ
12:33Page 239
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣
He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا صَنَعَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: (قالَ) مُناجِيًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ الَّذِي وعَدَتْنِي بِالإلْقاءِ فِيهِ، وهو اسْمٌ لِلْمَحْبَسِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ
صفحة 235
سَجَنَهُ أيْ حَبَسَهُ وهو في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ (رَبُّ) بِالضَّمِّ و(السِّجْنِ) بِكَسْرِ السِّينِ والجَرِّ عَلى الإضافَةِ –فَرَبُّ- حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: لِقاءُ صاحِبِ السِّجْنِ أوْ مُقاساةُ أمْرِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً قَلِيلَةً نافِدَةً إثْرَها راحاتٌ كَثِيرَةٌ أبَدِيَّةٌ ﴿مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُواتاتِها الَّتِي تُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ والعَذابِ الألِيمِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ عَلى بابِها إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شائِبَةُ مَحَبَّةٍ لِما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ وإنَّما هو والسِّجْنُ شَرّانِ أهْوَنُهُما وأقْرَبُهُما إلى الإيثارِ السِّجْنُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإيثارِ بِالمَحَبَّةِ لِحَسْمِ مادَّةِ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ لَها عَلى مَطْلُوبِها خَوْفًا مِنَ الحَبْسِ، والِاقْتِصارُ عَلى السَّجْنِ لِكَوْنِ الصِّغارِ مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: اكْتَفى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ السِّجْنِ عَنْ ذِكْرِهِ لِوَفائِهِ بِالغَرَضِ وهو قَطْعُ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ خَوْفًا مِمّا تَوَعَّدَتْهُ لِأنَّها تَظُنُّ أنَّ السِّجْنَ أشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّغارِ بِناءً عَلى زَعْمِها أنَّهُ فَتاها حَقِيقَةً وأنَّ الفِتْيانَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَشَقَّةَ السَّجْنِ، ومَتى كانَ الأشَدُّ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَ غَيْرُ الأشَدِّ أحَبَّ إلَيْهِ مِن بابٍ أوْلى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ عَنْ مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ: أطِعْ مَوْلاتَكَ واقْضِ حاجَتَها لِتَأْمَنَ مِن عُقُوبَتِها فَإنَّها المَظْلُومَةُ وأنْتَ الظّالِمُ، ورُوِيَ أنَّ كُلًّا مِنهُنَّ طَلَبَتِ الخَلْوَةَ لِنَصِيحَتِهِ فَلَمّا خَلَتْ بِهِ دَعَتْهُ إلى نَفْسِها، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِ سِرًّا تَسْألُهُ الزِّيارَةَ، فَإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ أيْضًا دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ صَرِيحًا أوْ إشارَةً.
وفِي أثَرٍ ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ إلَخْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُوسُفُ أنْتَ جَنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ ولَوْ قُلْتَ: العافِيَةُ أحَبُّ إلَيَّ عُوفِيتَ، ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا وهو يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصَّبْرَ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سَألْتَ اللَّهَ تَعالى البَلاءَ فاسْألْهُ العافِيَةَ“».
﴿وإلا تَصْرِفْ﴾ أيْ وإنْ لَمْ تَدْفَعْ ﴿عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ لَدَيَّ بِأنْ تُثَبِّتَنِي عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والعِفَّةِ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ أمِلْ عَلى قَضِيَّةِ الطَّبِيعَةِ وحُكْمِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ إلى إجابَتِهِنَّ بِمُواتاتِها، أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ وهو كِنايَةٌ عَنْ مُواتاتِهِنَّ، وهَذا فَزَعٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ألْطافِ اللَّهِ تَعالى جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ في قَصْرِ نَيْلِ الخَيْراتِ والنَّجاةِ عَنِ الشُّرُورِ عَلى جَنابِ اللَّهِ تَعالى وسَلْبِ القُوى والقُدَرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ومُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ لُطْفِهِ سُبْحانَهُ في صَرْفِ كَيْدِهِنَّ بِإظْهارِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِالمُدافَعَةِ كَقَوْلِ المُسْتَغِيثِ: أدْرِكْنِي وإلّا هَلَكْتُ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ الإجْبارَ الإلْجاءَ إلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وفي نَفْسِهِ داعِيَةٌ تَدْعُوهُ إلى السُّوءِ كَذا قَرَّرَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وهو مَعْنًى لَطِيفٌ، وقَدْ أخَذَهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَكِنْ قالَ القُطْبُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ فِرارٌ إلى الِاعْتِزالِ وإشارَةٌ إلى جَوابِ اسْتِدْلالِ الأشاعِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَنْصَرِفُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلّا إذا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الإمامُ بِما قَرَّرَهُ فَلْيُراجَعْ ولْيُتَأمَّلْ، وأصْلُ (إلّا) إنْ لا فَهي مُرَكَّبَةٌ مِن إنِ الشَّرْطِيَّةِ ولا النّافِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ أُدْغِمَتْ فِيهِ النُّونُ بِاللّامِ و(أصْبُ) مِن صَبا يَصْبُو صَبْوًا وصَبْوَةً إذا مالَ إلى الهَوى، ومِنهُ الصَّبا لِلرِّيحِ المَخْصُوصَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورُوحِها، مُضارِعٌ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ﴾ وجِيءَ بِالأُولى اسْمِيَّةً دُونَ الثّانِيَةِ لِأنَّ أحْبِيَّتَهُ السِّجْنَ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَتْ ثابِتَةً مُسْتَمِرَّةً ولا كَذَلِكَ الصَّرْفُ المَطْلُوبُ، وقُرِئَ (أصْبُ) مِن صَبَيْتُ صَبابَةً
صفحة 236
إذا عَشِقْتَ، وفي البَحْرِ الصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ كَأنَّ صاحِبَها يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَيْلِ أيْضًا ولِذا عُدِّيَ بِإلى أيْ أصْبُ مائِلًا إلَيْهِنَّ ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، فالجَهْلُ بِمَعْنى السَّفاهَةِ ضِدُّ الحِكْمَةِ لا بِمَعْنى عَدَمِ العِلْمِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
12:34Page 239
فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤
So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ أجابَ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: اصْرِفْهُ عَنِّي بَلْ أقْوى مِنهُ في اسْتِدْعاءِ الصَّرْفِ عَلى ما عَلِمْتَ، وفي إسْنادِ الِاسْتِجابَةِ إلى الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ، وزادَ حُسْنَ مَوْقِعِ ذَلِكَ افْتِتاحُ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ حَسَبَ دُعائِهِ بِأنْ ثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِدُعاءِ المُتَضَرِّعِينَ إلَيْهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم وبِما يُصْلِحُهم لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ
12:35Page 239
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥
Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أيْ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ المُتَصَدِّينَ لِلْحَلِّ والعَقْدِ رُبَّما اكْتَفَوْا بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتْمانِ والإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ الصّارِفَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ البَدا وهي الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وطَهارَتِهِ مِن قَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ، وعَلَيْهِما اقْتَصَرَ قَتادَةُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وفِيهِ إطْلاقُ الجَمْعِ عَلى اثْنَيْنِ والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وعَنْ مُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى القَدِّ فَقَطْ لِأنَّ القَطْعَ لَيْسَ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى البَراءَةِ في شَيْءٍ حِينَئِذٍ لِلتَّعْظِيمِ، ويُحْمَلُ الجَمْعُ حِينَئِذٍ عَلى التَّعْظِيمِ أوْ ألْ عَلى الجِنْسِيَّةِ وهي تُبْطِلُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَذا قِيلَ، وهو كَما تَرى، ووَجَّهَ بَعْضُهم عَدَّ القَطْعِ مِنَ الشَّواهِدِ بِأنَّ حُسْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الفاتِنُ لِلنِّساءِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، وفي أوَّلِ نَظْرَةٍ يَدُلُّ عَلى فِتْنَتِها بِالطَّرِيقِ الأُولى وأنَّ الطَّلَبَ مِنها لا مِنهُ، وعَدَّ بَعْضُهُمُ اسْتِعْصامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النِّسْوَةِ إذْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ فَإنَّ العَزِيزَ وأصْحابَهُ قَدْ سَمِعُوهُ وتَيَقَّنُوا بِهِ حَتّى صارَ كالمُشاهِدِ لَهُمْ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى البَراءَةِ ظاهِرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ الآياتِ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ: قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، فَعَدَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأثَرَ مِنَ الآياتِ ولَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ، ومِن هُنا قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ آياتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ تُرِكَ ذِكْرُها كَما تُرِكَ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِن مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفاعِلُ (بَدا) ضَمِيرٌ يَعُودُ إمّا لِلْبَداءِ مَصْدَرُ الفِعْلِ المَذْكُورِ أوْ بِمَعْنى الرَّأْيِ كَما في قَوْلِهِ: 50 لَعَلَّكَ والمَوْعُودَ حَقَّ لِقاؤُهُ (بَدا) لَكَ في تِلْكَ القَلُوصِ بِداءُ
وإمّا لِلسَّجْنِ بِالفَتْحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابِهِ إمّا مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِمْ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وإمّا مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (بَدا) فَلا مَوْضِعَ لَها.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابٌ –لِبَدا- لِأنَّهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، والعَرَبُ تُجْرِيها مَجْرى القَسَمِ وتَتَلَقّاها بِما يَتَلَقّى بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ هو فاعِلُ (بَدا) كَما قالُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
صفحة 237
﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أنَّ الفاعِلَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ أيْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا وكَيْفِيَّةُ فِعْلِنا، وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّ الفاعِلَ في ذَلِكَ الجُمْلَةِ لِتَأْوِيلِها بِالمُفْرَدِ حَيْثُ قالَ: وجازَ الإسْنادُ في هَذا البابِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ كَما جازَ في بابِ المُبْتَدَأِ نَحْوَ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وجُمْهُورُ النُّحاةِ لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ.
واخْتارَ المازِنِيُّ في الفاعِلِ الوَجْهَ الأوَّلَ، قِيلَ: وحَسُنَ -بَدا لَهُمْ- بِداءً- وإنْ لَمْ يَحْسُنْ ظَهَرَ لَهم ظُهُورًا لِأنَّ البَداءَ قَدْ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ المَصْدَرِيَّةِ كَما عَلِمْتَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ الوَجْهَ الأخِيرَ وكَوْنَهُ ضَمِيرَ السَّجْنِ السّابِقِ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ السِّينَ، والأوْلى كَوْنُهُ ضَمِيرَ السِّجْنِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ بَدا لَهم سَجْنُهُ المَحْتُومُ قائِلِينَ: (واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ) وكانَ ذَلِكَ البَداءُ بِاسْتِنْزالِ المَرْأةِ لِزَوْجِها ومُطاوَعَتِهِ لَها وحُبِّهِ إيّاها وجَعْلِهِ زِمامَ أمْرِهِ بِيَدِها.
ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْصَمَ عَنْها ويَئِسَتْ مِنهُ قالَتْ لِلْعَزِيزِ: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ يُخْبِرُهم بِأنِّي راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى ويَصِفُ الأمْرَ حَسْبَما يَخْتارُ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ فَإمّا أنْ تَأْذَنَ لِي فَأخْرُجُ فَأعْتَذِرُ إلى النّاسِ وأُكَذِّبُهُ، وإمّا أنْ تَحْبِسَهُ كَما أنِّي مَحْبُوسَةٌ فَحُبِسَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ أُمِرَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ وضُرِبَ مَعَهُ الطَّبْلُ ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنَّ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ راوَدَ سَيِّدَتَهُ فَهَذا جَزاؤُهُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما قالَ أبُو صالِحٍ: كُلَّما ذَكَرَ هَذا بَكى، وأرادَتْ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ وعِيدِها لِتَلِينَ بِهِ عَرِيكَتُهُ وتَنْقادَ لَها قَرُونَتُهُ لِما انْصَرَمَتْ حِبالُ رَجائِها عَنِ اسْتِتْباعِهِ بِعَرْضِ الجَمالِ بِنَفْسِها وبِأعْوانِها.
وقَرَأ الحَسَنُ –لَتَسْجُنُنَّهُ- عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِأنْ خاطَبَ بَعْضُهُمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، أوْ خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ ومَن عِنْدَهُ مِن أصْحابِ الرَّأْيِ المُباشِرِينَ لِلسِّجْنِ والحَبْسِ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى انْقِطاعِ المَقالِ وما شاعَ في المَدِينَةِ مِنَ الفاحِشَةِ، وهَذا بادِي الرَّأْيِ عِنْدَ العَزِيزِ، وأمّا عِنْدَها فَحَتّى يُذَلِّلَهُ السَّجْنُ ويُسَخِّرَهُ لَها ويَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ، وقِيلَ: الحِينُ هَهُنا خَمْسُ سِنِينَ، وقِيلَ: بَلْ سَبْعٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حُبِسَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، والأوْلى أنْ لا يُجْزَمَ بِمِقْدارٍ، وإنَّما يُجْزَمُ بِالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، والحِينُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ وقْتٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ يَقَعُ عَلى القَصِيرِ مِنهُ والطَّوِيلِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ في شَرْحِ القادِرِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ –عَتّى- بِإبْدالِ حاءِ حَتّى عَيْنًا وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقَدْ أقْرَأ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ إلى أنْ كَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يُقْرِئَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ (حَتّى) بِالحاءِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences