Al-AlusiYusuf · 12:55–62

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:55–62

12:55Page 242

قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ وفي مَعْناهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أيْ أرْضِكَ الَّتِي تَحْتَ تَصَرُّفِكَ وقِيلَ: أرادَ بِالأرْضِ الجِنْسَ وبِخَزائِنِها الطَّعامَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنها و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ عَلى ما قِيلَ بِمُسْتَوْلٍ مُقَدَّرٍ والمَعْنى ولِّنِي عَلى أمْرِها مِنَ الإيرادِ والصَّرْفِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها ﴿عَلِيمٌ﴾ . (55) . بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيها وقِيلَ: بِوَقْتِ الجُوعِ وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ عَلِيمٌ بِالألْسُنِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالحَقِّ إذا جُهِلَ أمْرُهُ: وجَوازُ طَلَبِ الوِلايَةِ إذا كانَ الطّالِبُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ العَدْلِ وإجْراءِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وإنْ كانَ مِن يَدِ الجائِرِ أوِ الكافِرِ ورُبَّما يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ إذا تَوَقَّفَ عَلى وِلايَتِهِ إقامَةُ واجِبٍ مَثَلًا وكانَ مُتَعَيَّنًا لِذَلِكَ وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْألِ الإمارَةَ فَإنَّكَ إنْ أُوتِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها وإنْ أُعْطِيتَها مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها» وارِدٌ في غَيْرِ ما ذُكِرَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَلَّ إيثارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتِلْكَ الوِلايَةِ خاصَّةً إنَّما كانَ لِلْقِيامِ بِما هو أهَمُّ أُمُورِ السَّلْطَنَةِ إذْ ذاكَ مِن تَدْبِيرِ أمْرِ السِّنِينَ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِ تِلْكَ الوِلايَةِ لا لِمُجَرَّدِ عُمُومِ الفائِدَةِ كَما قِيلَ.

وجاءَ في رِوايَةِ أنَّ المَلِكَ لَمّا كَلَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّ رُؤْياهُ لَهُ قالَ: ما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ قالَ: تَزْرَعُ في سِنِي الخِصْبِ زَرْعًا كَثِيرًا فَإنَّكَ لَوْ زَرَعْتَ فِيها عَلى حَجْرٍ نَبَتَ وتَبْنِي الخَزائِنَ وتَجْمَعُ فِيها الطَّعامَ بِقَصَبِهِ وسُنْبُلِهِ فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ويَكُونُ القَصَبُ عَلَفًا لِلدَّوابِّ فَإذا جاءَتِ السُّنُونُ بِعْتُ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَكَ مالٌ عَظِيمٌ فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا ومَن يَجْمَعُهُ ويَبِيعُهُ لِي ويَكْفِينِي العَمَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ .. إلَخْ والظّاهِرُ أنَّهُ أجابَهُ لِذَلِكَ حِينَ سَألَهُ وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ إجابَتَهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ غِنًى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْدِيمِ ما تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أحْكامُ السَّلْطَنَةِ جَمِيعُها وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً» ثُمَّ إنَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَوَّجَهُ وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ طُولُهُ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عَشْرَةُ أذْرُعٍ

صفحة 6

ووَضَعَ عَلَيْهِ الفُرُشَ وضَرَبَ عَلَيْهِ حُلَّةً مَنِ إسْتَبْرَقٍ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي فَقالَ: قَدْ وضَعْتُهُ إجْلالًا لَكَ وإقْرارًا بِفَضْلِكَ فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ وفَوَّضَ إلَيْهِ المَلِكُ أمَرَهُ وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأُولى بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ وفي الثّانِيَةِ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ وفي الثّالِثَةِ بِالدَّوابِّ والمَواشِي وفي الرّابِعَةِ بِالعَبِيدِ والجَوارِي وفي الخامِسَةِ بِالضَّياعِ والعَقارِ وفي السّادِسَةِ بِالأوْلادِ وفي السّابِعَةِ بِالرِّقابِ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَصِحُّ في شَرْعِهِمْ فَقالُوا: ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ وأعْظَمَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأيْتَ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى فِيما خَوَّلَنِي فَما تَرى في هَؤُلاءِ فَقالَ المَلِكُ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ ونَحْنُ لَكَ تَبَعٌ فَقالَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ تَعالى وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ أعْتَقْتُهم ورَدَدْتُ إلَيْهِمْ أمْلاكَهم.

ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ إظْهارُ قُدْرَتِهِ وكَرَمِهِ وانْقِيادُهم بَعْدَ ذَلِكَ لِأمْرِهِ حَتّى يَخْلُصَ إيمانُهم ويَتَّبِعُوهُ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ فَلا يُقالُ: ما الفائِدَةُ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المالِ العَظِيمِ ثُمَّ إضاعَتِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ المُدَّةِ فِيما يُرْوى لا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعامِ فَقِيلَ لَهُ: أتَجُوعُ وخَزائِنُ الأرْضِ بِيَدِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ شَبِعْتُ أنْسى الجائِعَ وأمَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَبّاخِي المَلِكِ أنْ يَجْعَلُوا غِذاءَهُ نِصْفَ النَّهارِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَذُوقَ طَعْمَ الجُوعِ قَلّا يَنْسى الجِياعَ قِيلَ: ومِن ثَمَّ جَعَلَ المُلُوكُ غِذاءَهم نِصْفَ النَّهارِ وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ما آتاهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا:

12:56Page 242

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ التَّمْكِينِ البَدِيعِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ رُوِيَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا في أرْبَعِينَ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِالتَّمْكِينِ في الأرْضِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مِن تَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُبالَغَةِ في كَمالِ وِلايَتِهِ والإشارَةُ إلى حُصُولِ ذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا أنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ السُّؤالِ ما لا يَخْفى واللّامُ في ( لِيُوسُفَ ) عَلى ما زَعَمَ أبُو البَقاءِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً أيْ مَكَّنّا يُوسُفَ وأنْ تَكُونَ كَذَلِكَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ مَكَّنّا لَهُ الأُمُورَ وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَّضِحُ مِنهُ الحَقُّ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها﴾ يَنْزِلُ مِن قِطَعِها وبِلادِها ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ ظَرْفٌ لِيَتَبَوَّأُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ و( مِنها ) مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن حَيْثُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ( حَيْثُ ) لا يَتِمُّ إلّا بِالمُضافِ إلَيْهِ وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ لا يَجُوزُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يُوسُفَ وضَمِيرُ ( يَشاءُ ) لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى فَفِيهِ التِفاتٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ وبِخِلافٍ عَنْهم أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ ( نَشاءُ ) بِالنُّونِ فَإنَّ الضَّمِيرَ عَلى ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى قَطْعًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ بِنِعْمَتِنا وعَطائِنا في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما مِنَ النِّعَمِ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿مَن نَشاءُ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِلْمَشِيئَةِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ . (56) . بَلْ نُوَفِّي لَهم أُجُورَهم في الدُّنْيا لِإحْسانِهِمْ والمُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: الإيمانُ والثَّباتُ عَلى التَّقْوى فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ:

12:57Page 242

وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allāh.

﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (57) . قَدْ وُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ ﴿المُحْسِنِينَ﴾ وجُمِعَ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ والمَعْنى ولَأجْرُهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ والإضافَةُ

صفحة 7

فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وجَعَلَ في تَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المُثْبَتَةِ بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ إحْسانُ مَن تُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ المَذْكُورَةُ وفي ذِكْرِ الجُمْلَةِ الثّالِثَةِ المُؤَكَّدَةِ بَعْدَ دَفْعِ تَوَهُّمِ انْحِصارِ ثَمَراتِ الإحْسانِ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأجْرِ العاجِلِ ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِمَّنْ نَشاءُ مَن نَشاءُ أنْ نُصِيبَهُ بِالرَّحْمَةِ مِن عِبادِنا الَّذِينَ آمَنُوا واسْتَمَرُّوا عَلى التَّقْوى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولَعَلَّ الظّاهِرَ حَمْلُ ( مَن ) عَلى ما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ النِّعْمَةُ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ وبِالأجْرِ ما كانَ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَبْقى أمْرُ وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى حالِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَتَفَضَّلُ عَلى مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا كَيْفَ كانُوا ونُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِالمُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما لا في مُقابَلَةِ شَيْءٍ ونُوَفِّي أُجُورَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّقْوى مِنهم ونُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا ما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ إيمانِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّقْوى وما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ المُقِيمِ خَيْرٌ لَهم مِمّا نُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا لِعِظَمِهِ ودَوامِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن نَحْوِ المُلْكِ والغِنى مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةٍ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ ويَقْتَضِيهِ قَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهم: في ( الرَّحْمَنِ ) أنَّهُ الَّذِي يَرْحَمُ المُؤْمِنَ والكافِرَ في الدُّنْيا ظاهِرٌ في صِحَّةِ إطْلاقِ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن ذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ القَوْلِ بِكَوْنِ الكافِرِ مَرْحُومًا في الجُمْلَةِ وأمْرُ الإشْعارِ سَهْلٌ وقَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ إنَّما قالَهُ البَعْضُ بِناءً عَلى أخْذٍ يُحْمَدُ عاقِبَتُها في تَعْرِيفِها وإنْ أبَيْتَ ولا أظُنُّ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَبَّرَ عَمّا ذُكِرَ بِالرَّحْمَةِ رِعايَةً لِجانِبِ مَنِ انْدَرَجَ في عُمُومِ ( مَن ) مِنَ المُؤْمِنِينَ.

نَعَمْ يُرَدُّ عَلى تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ هُنا بِالنِّعْمَةِ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمال والأجْرِ بِما كانَ ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ وتَلا الآيَةَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما يُصِيبُ الكافِرَ مِمّا تَقَدَّمَ في مُقابَلَةِ عَمَلٍ لَهُ وأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ هو إلّا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ وقَدْ يُجابُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ حَمَلَ ﴿المُحْسِنِينَ﴾ عَلى ما يَشْمَلُ الكُفّارَ الفاعِلِينَ لِما يُحْسُنُ كَصِلَةِ الرَّحِمِ ونُصْرَةِ المَظْلُومِ وإطْعامِ الفَقِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَحَصْرُ الدَّلالَةِ فِيما ذُكِرَ مَمْنُوعٌ نَعَمْ إنَّ هَذا الأثَرَ يُعَكِّرُ عَلى التَّفْسِيرِ السّابِقِ عَكَرًا بَيِّنًا إذِ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَعَرُّضَ فِيها لِلْكافِرِ أصْلًا فَلا مَعْنى لِتِلاوَتِها إثْرَ ذَلِكَ الكَلامِ.

وعَمَّمَ بَعْضُهُمُ الأوْقاتِ في ﴿نُصِيبُ﴾ - ﴿ولا نُضِيعُ﴾ فَقالَ نُصِيبُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا وأُيِّدَ بِأنَّهُ لا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ وأنَّ خَبَرَ سُفْيانَ يَدُلُّ عَلى العُمُومِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالدُّنْيا فَإنَّما خَصَّهُ لِيَكُونَ ما بَعْدَهُ تَأْسِيسًا وبِأنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْخَبَرِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَجْمُوعِ الآيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ﴿المُحْسِنِينَ﴾ بِالصّابِرِينَ ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ رَأى ذَلِكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ وأيًّا ما كانَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ أفْضَلُ مِمّا أعْطاهُ في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ.

12:58Page 242

وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.1

﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ مُمْتارِينَ لِما أصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ ما أصابَ مِصْرَ وقَدْ كانَ حَلَّ بِآلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما آلَ بِأهْلِها فَدَعا أبْناءَهُ ما عَدا بِنْيامِينَ فَقالَ لَهم: يا بَنِيَّ بَلَغَنِي أنَّ بِمِصْرَ مَلِكًا صالِحًا يَبِيعُ

صفحة 8

الطَّعامَ فَتَجَهَّزُوا إلَيْهِ واقْصِدُوهُ تَشْتَرُوا مِنهُ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَخَرَجُوا حَتّى قَدِمُوا مِصْرَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو في مَجْلِسِ وِلايَتِهِ فَعَرَفَهم لِقُوَّةِ فَهْمِهِ وعَدَمِ مُبايَنَةِ أحْوالِهِمُ السّابِقَةِ أحْوالَهم يَوْمَ المُفارَقَةِ لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم وهم رِجالٌ وتَشابُهِ هَيْئاتِهِمْ وزِيِّهِمْ في الحالَيْنِ ولِكَوْنِ هِمَّتِهِ مَعْقُودَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِمْ لا سِيَّما في زَمَنِ القَحْطِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُتَرَقِّبًا مَجِيئَهم إلَيْهِ لِما يَعْلَمُ مِن تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا إلَيْهِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في الِانْتِصافِ بِأنَّ تَوْسِيطَ الفاءِ بَيْنَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ ومَعْرِفَتِهِ لَهم يَأْبى كَلامَ الحَسَنِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ اسْتَعْقَبَهُ المَعْرِفَةُ بِلا مُهْلَةٍ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . (58) . أيْ والحالُ أنَّهم مُنْكِرُونَ لَهُ لِنِسْيانِهِمْ لَهُ بِطُولِ العَهْدِ وتَبايُنِ ما بَيْنَ حالَيْهِ في نَفْسِهِ ومَنزِلَتِهِ وزِيِّهِ ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ هَلَكَ وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَعْرِفُوهُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْقَفَهم مَوْقِفَ ذَوِي الحاجاتِ بَعِيدًا مِنهُ وكَلَّمَهم بِالواسِطَةِ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقِ العِرْفانَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَ أنَّهُ سَيُنْبِئُهم بِأمْرِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقابَلَ المَعْرِفَةَ بِالإنْكارِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ فَعَنِ الرّاغِبِ المَعْرِفَةُ والعِرْفانُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِتَفَكُّرٍ في إثْرِهِ فَهو أخَصُّ مِنَ العِلْمِ وأصْلُهُ مِن عَرَفْتُ أيْ أصَبْتُ عَرْفَهُ أيْ رائِحَتَهُ ويُضادُّ المَعْرِفَةَ الإنْكارُ والعِلْمُ والجَهْلُ وحَيْثُ كانَ إنْكارُهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا مُسْتَمِرًّا في حالَتَيِ المَحْضَرِ والمَغِيبِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِخِلافِ عِرْفانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم.

12:59Page 242

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father.1 Do you not see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أصْلَحَهم بِعُدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما باعَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم حِمْلَ بِعِيرٍ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَبِيعُ أحَدًا مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ وفِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ما يُؤَيِّدُهُ وأصْلُ الجَهازِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ وجَهازُ العَرُوسِ ما تُزَفُّ بِهِ إلى زَوْجِها والمَيِّتِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ قالَ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم مُبالَغَةً في إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهم كَأنَّهُ لا يَدْرِي مَن هو ولَوْ أضافَهُ اقْتَضى مَعْرِفَتَهُ لِإشْعارِ الإضافَةِ بِهِ ومِن هُنا قالُوا في أرْسِلْ غُلامًا لَكَ: الغُلامُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وفي أرْسِلْ غُلامَكَ مَعْرُوفٌ بَيْنَكَ وبَيْنَ مُخاطِبِكَ عَهْدٌ فِيهِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِما قِيلَ: مِن أنَّهم سَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا عَلى المُعْتادِ لِبِنْيامِينَ فَأعْطاهم ذَلِكَ وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ مُظْهِرًا لَهم أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ صِدْقَهم وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْهُ فَكَلَّمُوهُ بِالعِبْرِيَّةِ قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ فَإنِّي أُنْكِرُكم فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ رُعاةٌ أصابَنا الجَهْدُ فَجِئْنا نَمْتارُ فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا تَنْظُرُونَ عَوْرَةَ بِلادِي قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ فَقالَ: كَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا: عَشَرَةٌ قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ قالُوا: هو عِنْدَ أبِيهِ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم أنَّكم لَسْتُمْ عُيُونًا وأنَّ ما تَقُولُونَ حَقٌّ قالُوا: نَحْنُ بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو يَحْمِلُ رِسالَةً مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي اخْتارَهُ لِأنَّهُ كانَ أحْسَنَهم رَأْيًا فِيهِ والمَشْهُورُ أنَّ الأحْسَنَ يَهُوذا فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ ومِن هَذا يُعْلَمُ سَبَبُ هَذا القَوْلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإتْيانِ بِهِ

صفحة 9

عِنْدَ التَّجْهِيزِ ولا الحَثُّ عَلَيْهِ بِإيفاءِ الكَيْلِ ولا الإحْسانِ في الإنْزالِ ولا الِاقْتِصارِ عَلى مَنعِ الكَيْلِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الرِّسالَةِ عَلى أنَّ اسْتِبْقاءَ شَمْعُونَ لَوْ وقَعَ لَكانَ ذَلِكَ طامَّةً يَنْسى عِنْدَها كُلَّ قِيلٍ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يُضْعِفُ الخَبَرَ اشْتِمالُهُ عَلى بُهْتُ إخْوَتِهِ يَجْعَلُهم جَواسِيسَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ وحْيٍ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ إذا ظَنَّهم جَواسِيسَ كَيْفَ يَطْلُبُ مِنهم واحِدًا مِن إخْوَتِهِمْ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ يُخالِفُهُ وأطالَ في ذَلِكَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: إنَّهم أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أخاهم وبِهِ يَتَّضِحُ الحالُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ ويَنْقُرُهُ ويَطِنُّ فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لَيُخْبِرُنِي خَبَرًا هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ أنَّ الجامَ يُخْبِرُ بِذَلِكَ وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِلْخَبَرِ السّابِقِ وفي البابِ أخْبارٌ أُخَرُ وكُلُّها مُضْطَرِبَةٌ فَلْيُقْصَرْ عَلى ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا قالُوا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ لَكم وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِ هَذا الكَلامِ بَعْدَ التَّجْهِيزِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ . (59) . جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ ألا تَرَوْنَ أنِّي أوْفِ الكَيْلَ لَكم إيفاءً مُسْتَمِرًّا والحالُ أنِّي في غايَةِ الإحْسانِ في إنْزالِكم وضِيافَتِكم وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمُ التَّعْمِيمُ في الجُمْلَتَيْنِ بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المُخاطَبُونَ وتَخْصِيصُ الرُّؤْيَةِ بِالإيفاءِ لِوُقُوعِ الخِطابِ في أثْنائِهِ وأمّا الإحْسانُ في الإنْزالِ فَقَدْ كانَ مُسْتَمِرًّا فَبِما سَبَقَ ولَحِقَ ولِذَلِكَ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الِامْتِنانِ بَلْ لِحَثِّهِمْ عَلى تَحْقِيقِ ما أمَرَهم بِهِ والِاقْتِصارُ في الكَيْلِ عَلى ذِكْرِ الإيفاءِ لِأنَّ مُعامَلَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم في ذَلِكَ كَمُعامَلَتِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ في مُراعاةِ مَواجِبِ العَدْلِ وأمّا الضِّيافَةُ فَلَيْسَ لِلنّاسِ فِيها حَقٌّ فَخَصَّهم في ذَلِكَ بِما يَشاءُ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ

12:60Page 242

فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ إيعادٌ لَهم عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِهِ والمُرادُ لا كَيْلَ لَكم في المَرَّةِ الأُخْرى فَضْلًا عَنْ إيفائِهِ ﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ . (60) . أيْ لا تَقْرَبُونِي بِدُخُولِ بِلادِي فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ في الإنْزالِ والضِّيافَةِ وهو إمّا نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عَلى الجَزاءِ وقِيلَ: وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وأُجِيبَ بِأنَّ العَطْفَ مُغْتَفَرٌ فِيهِ لِأنَّ النَّهْيَ يَقَعُ جَزاءً وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى نِيَّةِ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى وأنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْلُومًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ ما فَعَلَهُ مَعَهم كانَ بِوَحْيٍ وإلّا فالبِرُّ يَقْتَضِي أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ في مِحْنَتِهِ وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ في خَلِيفَتِهِ

12:61Page 242

قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ بِرِفْقٍ ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِزِّ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ مَنالِهِ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ . (61) . أيْ إنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ لا نَتَعايا بِهِ وإنّا لَفاعِلُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ ولا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الأُولى ويُحَقِّقُ حُصُولَ المَوْعُودِ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ أعْنِي الفِعْلَ عَلى السَّبَبِ أعْنِي

صفحة 10

القُدْرَةَ وعَلى الثّانِي هي تَحْقِيقٌ لِلْوَفاءِ بِالوَعْدِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْعُودَ يَحْصُلُ أوَّلًا.

12:62Page 242

وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise1 into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

﴿وقالَ﴾ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ لِغِلْمانِهِ الكَيّالِينَ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ أوْ لِأعْوانِهِ المُوَظِّفِينَ لِخِدْمَتِهِ كَما قِيلَ وهو جَمْعُ فَتًى أوِ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ عَلى قَوْلٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( لِفِتْيَتِهِ ) وهو جَمْعُ قِلَّةٍ لَهُ ورُجِّحَتِ القِراءَةُ الأُولى بِأنَّها أوْفَقُ بِقَوْلِهِ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ فَإنَّ الرِّحالَ فِيهِ جَمْعُ كَثْرَةٍ ومُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في مُقابَلَةِ صِيغَةِ جَمْعِ الكَثْرَةِ وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى يُسْتَعارُ أحَدُ الجَمْعَيْنِ لِلْآخَرِ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَلَ بِكُلِّ رَحْلٍ رَجُلًا يُعَبِّي فِيهِ بِضاعَتَهُمُ الَّتِي اشْتَرَوْا بِها الطَّعامَ وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا وأصْلُ البِضاعَةِ قِطْعَةٌ وافِرَةٌ مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ والمُرادُ بِها هُنا ثَمَنُ ما اشْتَرَوْهُ.

والرَّحْلُ ما عَلى ظَهَرَ المَرْكُوبُ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ وغَيْرُهُ كَما في البَحْرِ وقالَ الرّاغِبُ: هو ما يُوضَعُ عَلى البَعِيرِ لِلرُّكُوبِ ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ تارَةً عَنِ البَعِيرِ وأُخْرى عَمّا يُجْلَسُ عَلَيْهِ في المَنزِلِ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْحِلَةٍ والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ وقِيلَ: قَبْلَهُ فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وإنَّما فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وخَوْفًا أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى وكُلُّ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن رُجُوعِهِمْ بِأخِيهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها والتَّكَرُّمِ بِذَلِكَ فَلَعَلَّ عَلى ظاهِرِها وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِكَيْ يَعْرِفُوها فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ وهو ظاهِرُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا انْقَلَبُوا﴾ أيْ رَجَعُوا ﴿إلى أهْلِهِمْ﴾ فَإنَّ مَعْرِفَتَهم لَها مُقَيَّدَةٌ بِالرُّجُوعِ وتَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ قَطْعًا وأمّا مَعْرِفَةُ حَقِّ التَّكَرُّمِ في رَدِّها وإنْ كانَتْ في ذاتِها غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِذَلِكَ لَكِنْ لَمّا كانَ ابْتِداؤُها حِينَئِذٍ قُيِّدَتْ بِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ . (62) . حَسْبَما طَلَبْتُ مِنهم فَإنَّ التَّفَضُّلَ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ ولا سِيَّما عِنْدَ إعْوازِ البِضاعَةِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الرُّجُوعِ وقِيلَ: إنَّما فَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ الكَرَمِ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنًا وهو الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ وهو كَلامٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ ولَكِنْ يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ ومِثْلُهُ في هَذا ما زَعَمَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن وُجُوبِ صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الشِّدَّةِ إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ وأغْرَبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ ووَجَّهَ بَعْضُهم عَلَيْهِ الجَعْلَ المَذْكُورَ لِلرُّجُوعِ بِأنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَصْدًا أوْ قَصْدًا لِلتَّجْرِبَةِ فَيَرْجِعُونَ عَلى هَذا إمّا لازِمٌ وإمّا مُتَعَدٍّ والمَعْنى يُرْجِعُونَها أيْ يَرُدُّونَها وفِيهِ أنَّ هَيْئَةَ التَّعْبِيَةِ تُنادِي بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ فاحْتِمالُ غَيْرِهِ في غايَةِ البُعْدِ ألا تَرى أنَّهم كَيْفَ جَزَمُوا بِذَلِكَ حِينَ رَأوْها وجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى التَّفَضُّلاتِ السّابِقَةِ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском