Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:63–66
12:63Page 242
فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣
So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أيْ حُكِمَ بِمَنعِهِ بَعْدَ اليَوْمِ إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِأخِينا بِنْيامِينَ حَيْثُ قالَ لَنا المَلِكُ ( إنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ) والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ عَمّا ذُكِرَ مَجازٌ والدّاعِي لِارْتِكابِهِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَنعٌ ماضٍ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى كانَ مَعْهُودًا بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ والمُرادُ مُنِعَ أنْ يُكالَ لِأخِيهِمُ الغائِبِ حِمْلًا آخَرَ ورُدَّ بِعِيرُهُ غَيْرَ مُحَمَّلٍ بِناءً عَلى رِوايَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُعْطِ لَهُ وسْقًا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ بِنْيامِينَ إلى مِصْرَ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَدارَ المَنعِ عَلى عَدَمِ
صفحة 11
كَوْنِهِ مَعَهم ﴿نَكْتَلْ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ وهو جَوابُ الطَّلَبِ قِيلَ: والأصْلُ يَرْفَعُ المانِعَ ونَكْتَلْ فالجَوابُ هو يَرْفَعُ إلّا أنَّهُ رُفِعُ ووُضِعَ مَوْضِعَهُ يَكْتَلْ لِأنَّهُ لَمّا عُلِّقَ المَنعُ مِنَ الكَيْلِ بِعَدَمِ إتْيانِ أخِيهِمْ كانَ إرْسالُهُ رَفْعًا لِذَلِكَ المانِعِ ووُضِعَ مَوْضِعُهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ المَقْصُودُ وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِآخِرِ الجُزْأيْنِ تَرَتُّبًا دَلالَةً عَلى أوَّلِهِما مُبالَغَةً وأصْلُ هَذا الفِعْلِ نَكْتِيلُ عَلى وزْنِ نَفْعِيلٍ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ومِنَ الغَرِيبِ أنَّهُ نَقَلَ السَّجاوَنْدِيُّ أنَّهُ سَألَ المازِنِيُّ ابْنَ السِّكِّيتِ عِنْدَ الواثِقِ عَنْ وزْنِ نَكْتَلْ فَقالَ: تَفْعَلُ فَقالَ المازِنِيُّ: فَإذا ماضِيهِ كُتَلْ فَخَطَّأهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَكْتَلْ ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى إسْنادِهِ لِلْأخِ مَجازًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلِاكْتِيالِ أوْ يَكْتَلْ أخُونا فَيَنْضَمَّ اكْتِيالُهُ إلى اكْتِيالِنا وقَوّى أبُو حَيّانَ بِهَذِهِ القِراءَةِ القَوْلَ بِبَقاءِ مُنِعَ عَلى حَقِيقَتِهِ ومِثْلُهُ الإمامُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ . (63) . مِن أنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ وهَذا سَدٌّ لِبابِ الِاعْتِذارِ وقَدْ بالَغُوا في ذَلِكَ كَما لا يَخْفى وفي بَعْضِ الأخْبارِ ولا يَخْفى حالُهُ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلى أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَّمُوا عَلَيْهِ سَلامًا ضَعِيفًا فَقالَ لَهم: يا بَنِيَّ ما لَكم تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ سَلامًا ضَعِيفًا وما لِي لا أسْمَعُ فِيكم صَوْتَ شَمْعُونَ فَقالُوا: يا أبانا جِئْناكَ مِن عِنْدِ أعْظَمِ النّاسِ مُلْكًا ولَمْ يُرَ مِثْلُهُ عِلْمًا وحُكْمًا وخُشُوعًا وسَكِينَةً ووَقارًا ولَئِنْ كانَ لَكَ شَبَهٌ فَإنَّهُ يُشْبِهُكَ ولَكِنّا أهْلُ بَيْتٍ خُلِقْنا لِلْبَلاءِ إنَّهُ اتَّهَمَنا وزَعَمَ أنَّهُ لا يُصَدِّقُنا حَتّى تُرْسِلَ مَعَنا بِنْيامِينَ بِرِسالَةٍ مِنكَ تُخْبِرُهُ عَنْ حُزْنِكَ وما الَّذِي أحْزَنَكَ وعَنْ سُرْعَةِ الشَّيْبِ إلَيْكَ وذَهابِ بَصَرِكَ وقَدْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إنْ لَمْ نَأْتِهِ بِأخِينا فَأرْسِلْهُ مَعَنا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ حَتّى نَأْتِيَكَ بِهِ
12:64Page 243
قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤
He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."
قالَ ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ و﴿آمَنُكُمْ﴾ بِالمَدِّ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ مُضارِعٌ مِن بابِ عَلِمَ وأمِنَهُ وائْتَمَنَهُ بِمَعْنًى أيْ ما ائْتَمَنكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم أيْ إلّا ائْتِمانًا مِثْلَ ائْتِمانِي إيّاكم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ وقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا في حَقِّهِ ما قُلْتُمْ ثُمَّ فَعَلْتُمْ بِهِ ما فَعَلْتُمْ فَلا أثِقُ بِكم ولا بِحِفْظِكم وإنَّما أُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ تَعالى ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ . (64) . فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعَ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ وهَذا كَما تَرى مَيْلٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإذْنِ والإرْسالِ لَمّا رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى ولِذا رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأرُدَّهُما عَلَيْكَ إذْ تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ ونُصِبَ ﴿حافِظًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِيَّةِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما فِيهِ مِن تَقْيِيدِ الخَيْرِيَّةِ بِهَذِهِ الحالَةِ ورُدَّ بِأنَّها حالٌ لازِمَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لا مُبَيِّنَةٌ ومِثْلُها كَثِيرٌ مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ بِالمَفْهُومِ وهو غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولَوِ اعْتُبِرَ ورُدَّ عَلى التَّمْيِيزِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( حِفْظًا ) ونَصْبُهُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ عَلى التَّمْيِيزِ لا غَيْرَ وقَرَأ الأعْمَشُ ( خَيْرُ حافِظٍ ) عَلى الإضافَةِ وإفْرادُ ( حافِظٍ ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ( خَيْرُ الحافِظِينَ ) عَلى الإضافَةِ والجَمْعِ ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو خَيْرُ الحافِظِينَ ) قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ ( وهو خَيْرُ ) .. إلَخْ تَفْسِيرًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لا أنَّها قُرْآنٌ وقَدْ مَرَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ
12:65Page 243
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥
And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ قالَ الرّاغِبُ: المَتاعُ كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ عَلى وجْهٍ وهو في الآيَةِ الطَّعامُ وقِيلَ: الوِعاءُ وكِلاهُما مَتاعٌ وهُما مُتَلازِمانِ فَإنَّ الطَّعامَ كانَ في الوِعاءِ والمَعْنى عَلى أنَّهم لَمّا فَتَحُوا أوْعِيَةَ طَعامِهِمْ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ الَّتِي كانُوا أعْطَوْها ثَمَنًا لِلطَّعامِ ﴿رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ تَفَضُّلًا وقَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِما مَرَّ مِن دَلالَةِ الحالِ وقَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ
صفحة 12
( رِدَّتْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ وحَكى قُطْرُبٌ النَّقْلَ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرِ المُدْغَمِ نَحْوَ ضِرِبَ زَيْدٌ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَئِذٍ فَقِيلَ: قالُوا لِأبِيهِمْ ولَعَلَّهُ كانَ حاضِرًا عِنْدَ الفَتْحِ ﴿يا أبانا ما نَبْغِي﴾ إذا فُسِّرَ البَغْيُّ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ فَما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِنَبْغِي فالمَعْنى ماذا نَطْلُبُ وراءَ ما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرَمِهِ الدّاعِي إلى امْتِثالِ أمْرِهِ والمُراجَعَةِ إلَيْهِ في الحَوائِجِ وقَدْ كانُوا أخْبَرُوهُ بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنّا قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ وأنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الإنْكارُ مِن بُلُوغِ اللُّطْفِ غايَتَهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا وهَذِهِ بِضاعَتُنا رَدَّها إلَيْنا تَفَضُّلًا مِن حَيْثُ لا نَدْرِي بَعْدَ ما مَنَّ عَلَيْنا بِما يُثْقِلُ الكَواهِلَ مِنَ المِنَنِ العِظامِ وهَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى هَذا فَنَطْلُبُهُ ومُرادُهم بِهِ أنَّ ذَلِكَ كافٍ في اسْتِيجابِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ في اسْتِجْلابِ المَزِيدِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ كافٍ مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي التَّقاعُدُ عَنْ طَلَبِ نَظائِرِهِ وهو ظاهِرٌ.
وجُمْلَةُ ﴿رُدَّتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿بِضاعَتُنا﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ عِنْدَ مَن يَرى وُجُوبَها في أمْثالِ ذَلِكَ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وجَعْلُها خَبَرَ ﴿هَذِهِ﴾ و﴿بِضاعَتُنا﴾ بَيانًا لَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وإيثارُ صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَمالِ الإحْسانِ النّاشِئِ عَنْ كَمالِ الإخْفاءِ المَفْهُومِ مِن كَمالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ ولا بِفاعِلِهِ وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ وفِيهِ مِن مَدْحِهِ أيْضًا ما فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ أيْ نَجْلِبُ لَهُمُ المِيرَةَ وهي بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ طَعامٌ يَمْتارُهُ الإنْسانُ أيْ يَجْلِبُهُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وحاصِلُهُ نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ مِن عِنْدِ المَلِكِ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ رَدُّ البِضاعَةِ أيْ فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونُمَيْرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ مِنَ المَكارِهِ حَسْبَما وعَدْنا وتَفَرُّعُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى إحْسانِ المَلِكِ فَإنَّهُ مِمّا يُعِينُ عَلى الحِفْظِ ﴿ونَزْدادُ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ ولِذَلِكَ وسَّطَ الإخْبارَ بِهِ بَيْنَ الأصْلِ والمَزِيدِ ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ وسْقَ بَعِيرٍ زائِدًا عَلى أوَساقِ أباعِرِنا عَلى قَضِيَّةِ التَّقْسِيطِ المَعْهُودِ مِنَ المَلِكِ والبَعِيرُ في المَشْهُورِ مُقابِلُ النّاقَةِ وقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْها وتُكْسَرُ في لُغَةٍ باؤُهُ ويُجْمَعُ عَلى أبْعِرَةٍ وبِعِرانٍ وأباعِرَ وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالحِمارِ وذُكِرَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ لِلْحِمارِ بَعِيرٌ وهو شاذٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ﴾ أيْ مَكِيلٌ ﴿يَسِيرٌ﴾ . (65) . أيْ قَلِيلٌ لا يَقُومُ بِأوَدِنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما كِيلَ لَهم أوَّلًا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِها لِلْجَوابِ عَمّا عَسى أنْ يُقالَ لَهم: قَدْ صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ ولَكِنْ ما الحاجَةُ إلى التِزامِ ذَلِكَ وقَدْ جِئْتُمْ بِالطَّعامِ فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّ ما جِئْنا بِهِ غَيْرُ كافٍ لَنا فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ مَرَّةً أُخْرى وأخْذِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ ولا يَكُونُ ذَلِكَ بِدُونِ اسْتِصْحابِ أخِينا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما تَحْمِلُهُ أباعِرُهم والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ مِنَ الِازْدِيادِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ حاجَةٍ إلى الِازْدِيادِ فَقِيلَ: إنَّ ما تَحْمِلُهُ أباعِرُنا قَلِيلٌ لا يَكْفِينا وقِيلَ: المَعْنى إنَّ ذَلِكَ الكَيْلَ الزّائِدَ قَلِيلٌ لا يُضايِقُنا فِيهِ المَلِكُ أوْ سَهْلٌ عَلَيْهِ لا يَتَعاظَمُهُ وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ ما يُقالُ: لَعَلَّ المَلِكَ لا يُعْطِيكم فَوْقَ العَشَرَةِ شَيْئًا
صفحة 13
ويَرى ذَلِكَ كَثِيرًا أوْ صَعْبًا عَلَيْهِ وهو كَما تَرى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الكَيْلِ الَّذِي هم بِصَدَدِهِ وتَضَمُّنُهُ كَلامُهم وهو المُنْضَمُّ إلَيْهِ كَيْلُ البَعِيرِ الحاصِلُ بِسَبَبِ أخِيهِمُ المُتَعَهَّدِ بِحِفْظِهِ كَأنَّهم لَمّا ذَكَرُوا ما ذَكَرُوا وصَرَّحُوا بِما يُفْهَمُ مِنهُ مُبالَغَةٌ في اسْتِنْزالِ أبِيهِمْ فَقالُوا: ذَلِكَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ كَيْلٌ سَهْلٌ لا مَشَقَّةَ فِيهِ ولا مِحْنَةَ تَتْبَعُهُ وقَدْ يَبْقى الكَيْلُ عَلى مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ والكَلامُ عَلى هَذا الطَّرْزِ إلّا يَسِيرًا.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ذَلِكَ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ والإشارَةُ إلى كَيْلِ البَعِيرِ أيْ كَيْلُ بَعِيرٍ واحِدٍ شَيْءٌ قالَ لا يُخاطَرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا ذِكْرَهُ مَعَ كَلامِهِ السّابِقِ أوِ اللّاحِقِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿ما نَبْغِي﴾ أيَّ مَطْلَبٍ نَطْلُبُ مِن مُهِمّاتِنا والجُمَلُ الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَوْضِيحٌ وبَيانٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الإنْكارُ مِن كَوْنِهِمْ فائِزِينَ بِبَعْضِ المَطالِبِ أوْ مُتَمَكِّنِينَ مِن تَحْصِيلِهِ فَكَأنَّهم قالُوا: هَذِهِ بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا مِنَ المَكْرُوهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِهِ غَيْرَ ما نَكْتالُهُ لِأنْفُسِنا كَيْلَ بَعِيرٍ فَأيُّ شَيْءٍ نَبْغِي وراءَ هَذِهِ المُباغِي وما ذَكَرْنا مِنَ العَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ هو المَشْهُورُ وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ ( نَمِيرُ ) وما تَلاهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ﴿ما نَبْغِي﴾ والمَعْنى اجْتِماعُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مِنهم في الوُجُودِ ولا يَحْتاجُ إلى جامِعٍ وراءَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِما مَحْكِيَّيْنِ قَوْلًا لَهم عَلى أنَّهُ حاصِلٌ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في كَوْنِهِ لِاسْتِنْزالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رَأْيِهِ وأنَّ المَلِكَ إذا كانَ مُحْسِنًا كانَ الحِفْظُ أهْوَنَ شَيْءٍ والِاسْتِفْهامُ لِرُجُوعِهِ إلى النَّفْيِ لا يَمْنَعُ العَطْفَ ووافَقَهُ في ذَلِكَ بَعْضُهم.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو حَيْوَةَ ( ما تَبْغِي ) بِتاءِ الخِطابِ ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والخِطابُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ وراءَ هَذِهِ المُباغِي المُشْتَمِلَةِ عَلى سَلامَةِ أخِينا وسِعَةِ ذاتِ أيْدِينا أوْ وراءَ ما فَعَلَ المَلِكُ مِنَ الإحْسانِ داعِيًا إلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ مُوَضِّحَةٌ أيْضًا لِذَلِكَ أوْ أيُّ شَيْءٍ تَبْغِي شاهِدًا عَلى صِدْقِنا فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِهِ والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ عِبارَةٌ عَنِ الشّاهِدِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفَحْوى الإنْكارِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) نافِيَةً ومَفْعُولُ ﴿نَبْغِي﴾ مَحْذُوفٌ أيْ ما نَبْغِي شَيْئًا غَيْرَ ما رَأيْناهُ مِن إحْسانِ المَلِكِ في وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلَيْهِ أوْ ما نَبْغِي غَيْرَ هَذِهِ المُباغِي والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى ما نَبْغِي مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى نَشْتَرِي بِها ضَعِيفٌ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ وأمّا إذا فُسِّرَ البَغْيُ بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ فَما نافِيَةٌ فَقَطْ والمَعْنى ما نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَكْذِبُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرْمِهِ المُوجِبِ لِما ذُكِرَ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ لِبَيانِ ما ادَّعَوْا مِن عَدَمِ البَغْيِ وقَوْلُهُ: ﴿ونَمِيرُ﴾ .. إلَخْ عَطْفٌ عَلى ﴿ما نَبْغِي﴾ أيْ لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ ونُمَيْرُ ونَفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ فاجْتَمَعَ أسْبابُ الإذْنِ في الإرْسالِ والأوَّلُ كالتَّمْهِيدِ والمُقَدَّمَةُ لِلْبَواقِي والتَّناسُبُ مِن هَذا الوَجْهِ لِأنَّ الكُلَّ مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَطْلُوبَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها بِوَجْهٍ ما عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الِاجْتِماعِ في المَقُولِيَّةِ لَكَفى عَلى ما مَرَّ آنِفًا عَنِ الكَشْفِ.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ كَلامًا ما مُبْتَدَأً أيْ جُمْلَةٌ تُذْيِيلِيَّةٌ اعْتِراضِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحَقُّ أبْلَجُ كَأنَّهُ قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ نَمِيرَ ووَجْهُ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّذْيِيلُ أنَّ المَعْنى أنَّ المَلِكَ مُحْسِنٌ ونَحْنُ مُحْتاجُونَ فَفِيمَ التَّوَقُّفُ في الإرْسالِ وقَدْ تَأكَّدَ مُوَجِباهُ وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: إنَّما صَحَّ التَّأْكِيدُ والتَّذْيِيلُ لِأنَّ الكَلامَ في الِامْتِيارِ وكُلٌّ مِنَ الجُمَلِ بِمَعْناهُ أوِ المَعْنى ﴿ما نَبْغِي﴾ في الرَّأْيِ وما نَعْدِلُ عَنِ الصَّوابِ فِيما نُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ مِن إرْسالِ
صفحة 14
أخِينا مَعَنا والجُمَلُ كُلُّها لِلْبَيانِ أيْضًا إلّا أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ نَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا ونَصْنَعُ كَيْتَ وذَيْتَ وهو عَلى ما قِيلَ: وجْهٌ واضِحٌ حَسَنٌ يُلائِمُ ما كانُوا فِيهِ مَعَ أبِيهِمْ فَتَأمَّلْ هَذا وقَرَأتْ عائِشَةُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ﴿ونَمِيرُ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وقَدْ جاءَ مارَ عِيالَهُ وأمارَهم بِمَعْنًى كَما في القامُوسِ.
12:66Page 243
قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦
[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1
﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ عايَنْتُ مِنكم ما أجْرى المَدامِعَ ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أتَوَثَّقُ بِهِ مِن جِهَتِهِ فالمَوْثِقُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى المَفْعُولِ وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَحْلِفُوا لَهُ بِاللَّهِ تَعالى وإنَّما جَعَلَ الحَلِفَ بِهِ سُبْحانَهُ مَوْثِقًا مِنهُ لِأنَّهُ مِمّا تُؤَكَّدُ العُهُودُ بِهِ وتُشَدَّدُ وقَدْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ فَهو إذْنٌ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ إذِ المَعْنى حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ وتَقُولُوا واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنهم أنْ يَحْلِفُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ وسَيِّدِ المُرْسَلِينَ والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ الخَبَرِ وذَكَرَ العِمادِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: قُولُوا بِاللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أيْ إلّا أنْ تُغْلَبُوا فَلا تُطِيقُوا ذَلِكَ أوْ إلّا أنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا وكِلاهُما مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ واسْتِعْمالُهُ في الهَلاكِ لِأنَّ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ هَلَكَ غالِبًا والِاسْتِثْناءُ قِيلَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والتَّقْدِيرُ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَ الإحاطَةِ بِكم ورُدَّ بِأنَّ المَصْدَرَ مِن ( أنْ ) والفِعْلِ لا يَقَعُ مَوْقِعَ الحالِ كالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ فَيَجُوزُ جِئْتُكَ رَكْضًا أيْ راكِضًا دُونَ جِئْتُكَ أنْ تَرْكُضَ وإنْ كانَ في تَأْوِيلِهِ لِما أنَّ الحالَ عِنْدَهم نَكِرَةٌ و( أنْ ) مَعَ ما في حَيِّزِها مَعْرِفَةٌ في رُتْبَةِ الضَّمِيرِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالحالِ الحالَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها بَلِ الحالُ اللُّغَوِيَّةُ ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى نَصْبِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ وفي البَحْرِ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ كَوْنُ أنْ والفِعْلِ في مَوْقِعِ المَصْدَرِ الواقِعِ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ إلّا وقْتَ إحاطَةٍ بِكم لَمْ يَجُزْ عِنْدَ ابْنِ الأنْبارِيِّ لِأنَّهُ يَمْنَعُ وُقُوعَ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ ظَرْفًا ويَشْتَرِطُ المَصْدَرَ الصَّرِيحَ فَيَجُوزُ خَرَجْنا صِياحَ الدِّيكِ دُونَ خَرَجْنا أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ أوْ ما يَصِيحُ الدِّيكُ وجازَ عِنْدَ ابْنِ جِنِّيٍّ المُجَوِّزِ لِذاكَ كَما في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
وتاللَّهِ ما إنَّ شَهْلَةَ أُمَّ واحِدٍ بِأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُها
وقِيلَ: مِن أعَمِّ العِلَلِ عَلى تَأْوِيلِ الكَلامِ بِالنَّفْيِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ أيْ لَتَأْتُنَّنِي ولا تَمْتَنِعُنَّ مِنَ الإتْيانِ بِهِ إلّا الإحاطَةَ بِكم كَقَوْلِهِمْ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إلّا فَعَلْتَ أيْ ما أطْلُبُ إلّا فِعْلَكَ والظّاهِرُ اعْتِبارُ التَّأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيهِ مُفَرَّغٌ كَما عَلِمْتَ وهو لا يَكُونُ في الإثْباتِ إلّا إذا كانَ صَحَّ وظَهَرَ إرادَةُ العُمُومِ فِيهِ نَحْوَ قَرَأْتُ إلّا يَوْمَ الجُمُعَةِ لِإمْكانِ القِراءَةِ في كُلِّ يَوْمٍ غَيْرَ الجُمُعَةِ وهُنا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتُوا بِأخِيهِمْ في كُلِّ وقْتٍ وعَلى كُلِّ حالٍ سِوى وقْتِ الإحاطَةِ بِهِمْ لِظُهُورِ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِهِ لَهُ وهو في الطَّرِيقِ أوْ في مِصْرَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وأنَّ العُمُومَ والِاسْتِغْراقَ فِيهِ عُرْفِيٌّ أيْ في كُلِّ حالٍ يُتَصَوَّرُ الإتْيانُ فِيها وتَعَقَّبَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ تَجْوِيزَ الأوَّلِ بِلا تَأْوِيلٍ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الإتْيانُ مِنَ الأفْعالِ المُمْتَدَّةِ الشّامِلَةِ لِلْأحْوالِ عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ كَما في قَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي حَقِّي ولَمْ يَكُنْ مُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقارَنَتَهُ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ لِما عَدا الحالَ المُسْتَثْناةَ كَما إذا قُلْتَ: صِلْ إلّا أنْ تَكُونَ مُحَدِّثًا
صفحة 15
بَلْ مُجَرَّدَ تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِهِ كَما في قَوْلِكَ: لَأحُجَّنَّ العامَ إلّا أنْ أُحْصَرَ فَإنَّ مُرادَكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِعَدَمِ مَنعِ ما سِوى حالِ الإحْصارِ عَنِ الحَجِّ لا الإخْبارُ بِمُقارَنَتِهِ لِتِلْكَ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ كَما هو مُرادُكَ في مِثالِ الصَّلاةِ كانَ اعْتِبارُ الأحْوالِ مَعَهُ مِن حَيْثُ عَدَمِ مَنعِها مِنهُ فَآلَ المَعْنى إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ. اهَـ.
وبَحَثَ فِيهِ واحِدٌ مِنَ الفُضَلاءِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ الأوَّلُ أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ الإخْبارُ بِمُجَرَّدِ تَحَقُّقِ الإتْيانِ ووُقُوعِهِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ أعْنِي التَّأْوِيلَ بِالنَّفْيِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فَكَلامُهُ يُفِيدُ خِلافَ مُرادِهِ الثّانِي أنّا سَلَّمْنا أنْ لَيْسَ مُرادُ القائِلِ مِن قَوْلِهِ: لَأحُجَّنَّ .. إلَخِ الإخْبارَ بِمُقارَنَةِ الحَجِّ لِما عَدا حالِ الإحْصارِ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنْ لَيْسَ مُرادُهُ مِنهُ إلّا الإخْبارَ بِعَدَمِ مَنعِ ما سِوى حالِ الإحْصارِ عَنْهُ غايَتُهُ أنَّ بَيْنَهُما مُلازِمَةً وذاكَ لا يَسْتَلْزِمُ الِاحْتِياجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالنَّفْيِ الثّالِثُ أنَّهُ إنْ أرادَ مِن قَوْلِهِ: كانَ اعْتِبارُ الأحْوالِ .. إلَخْ أنَّ الإتْيانَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اعْتِبارُ الأحْوالِ كَما هو الظّاهِرُ فَمَمْنُوعٌ وإنْ أرادَ أنَّ اعْتِبارَ الأحْوالِ مَعَهُ يَسْتَلْزِمُ حَيْثِيَّةَ عَدَمِ مَنعِها مِنهُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِنهُ الِاحْتِياجُ إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ أيْضًا ولَيْسَ المُدَّعى إلّا ذاكَ. اهَـ. وهو كَما تَرى فَتَبَصَّرْ ثُمَّ إنَّهم أجابُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ما أرادَ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عَهْدَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ﴾ عَرْضًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ تَعالى وحَثًّا لَهم عَلى مُراعاةِ حَلِفِهِمْ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ في أثْناءِ طَلَبِ المَوْثِقِ وإيتائِهِ مِنَ الجانِبَيْنِ وإيثارِ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ المُؤَدِّي إلى تَثَبُّتِهِمْ ومُحافَظَتِهِمْ عَلى تَذَكُّرِهِ ومُراقَبَتِهِ ﴿وكِيلٌ﴾ . (66) . أيْ مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ فَإنَّ المُوَكَّلَ بِالأمْرِ يُراقِبُهُ ويَحْفَظُهُ قِيلَ: والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُجازٍ عَلى ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences