Al-AlusiYusuf · 12:68–71

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:68–71

12:68Page 243

وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ مِنَ البَلَدِ قِيلَ: كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ فَدَخَلُوا مِنها وإنَّما اكْتَفى بِذِكْرِهِ لِاسْتِلْزامِهِ الِانْتِهاءَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ

صفحة 20

وحاصِلُهُ لَمّا دَخَلُوا مُتَفَرِّقِينَ ﴿ما كانَ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ﴿يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ﴾ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْئًا مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ والجُمْلَةُ قِيلَ: جَوابُ ( لَمّا ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ المُقارَنَةِ الواجِبَةِ بَيْنَ جَوابِ ( لَمّا ) ومَدْخُولِها فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ بِالفِعْلِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ نُزُولِ المَحْذُورِ لا وقْتَ الدُّخُولِ وإنَّما المُتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ ما أفادَهُ الجَمْعُ المَذْكُورُ مِن عَدَمِ كَوْنِ الدُّخُولِ مُغْنِيًا فِيما سَيَأْتِي ولَيْسَ المُرادُ بَيانَ سَبَبِيَّةِ الدُّخُولِ لِعَدَمِ الإغْناءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ فَإنَّ مَجِيءَ النَّذِيرِ هُناكَ سَبَبٌ لِزِيادَةِ نُفُورِهِمْ بَلْ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّتِهِ لِلْإغْناءِ مَعَ كَوْنِها مُتَوَقَّعَةً في بادِئِ الرَّأْيِ حَيْثُ أنَّهُ وقَعَ حَسْبَما وصّاهم بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: حَلَفَ أنْ يُعْطِيَ حَقِّيَ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ فَلَمّا حَلَّ لَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا فَإنَّ المُرادَ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّةِ حُلُولِ الأجَلِ لِلْإعْطاءِ مَعَ كَوْنِها مَرْجُوَّةً بِمُوجِبِ الحَلِفِ لا بَيانَ سَبَبِيَّتِهِ لِعَدَمِ الإعْطاءِ فالمَآلُ بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ المَقْصُودِ عَلى التَّدْبِيرِ المَعْهُودِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ الوُجُودِ لا بَيانَ تَرَتُّبِ عَدَمِهِ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ وصِيَّتِهِ مِن أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم تَدْبِيرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا فَعَلُوا ما وصّاهم بِهِ لَمْ يُفِدْهِمْ ذَلِكَ شَيْئًا ووَقَعَ الأمْرُ حَسْبَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَقُوا ما لَقُوا فَيَكُونُ مِن بابِ وُقُوعِ المُتَوَقَّعِ. اهَـ. وإلى كَوْنِ الجَوابِ ما ذُكِرَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّ فِيهِ حُجَّةً لِمَن زَعَمَ أنَّ لَمّا حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما جازَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَما بَعْدَ ( ما ) النّافِيَةِ ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلى ظَرْفِيَّتِها يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: في جَوابِ ( لَمّا ) وجْهانِ أحَدُهُما أنَّهُ ﴿آوى﴾ وهو جَوابُ ( لَمّا ) الأُولى والثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: لَمّا جِئْتُكَ وكَلَّمْتُكَ أجَبْتَنِي وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ دُخُولَهم عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَقَّبَ دُخُولَهم مِنَ الأبْوابِ والثّانِي أنَّهُ مَحْذُوفٌ أيِ امْتَثَلُوا أوْ قَضَوْا حاجَةَ أبِيهِمْ وإلى الوَجْهِ الأخِيرِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا ولا يَخْفى أنَّهُ عَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ تَرْتَفِعُ غائِلَةُ تَوْجِيهِ أمْرِ التَّرَتُّبِ وما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ القِيلِ في ثانِي وجْهَيْهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ ذَكَرُوا أنَّ هَذا مِنهُ تَعالى تَصْدِيقٌ لِما أشارَ إلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ﴾ .

واعْتُرِضَ القَوْلُ بِعَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى التَّدْبِيرِ بِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ إلّا دَفْعَ إصابَةِ العَيْنِ لَهم وقَدْ تَحَقَّقَ بِدُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ وهو وارِدٌ أيْضًا عَلى ما ذُكِرَ في الوَجْهِ الأخِيرِ كَما لا يَخْفى وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِدَفْعِ العَيْنِ أنْ لا يَمَسَّهم سُوءٌ ما وإنَّما خُصَّتْ إصابَةُ العَيْنِ لِظُهُورِها وقِيلَ: إنَّ ما أصابَهم مِنَ العَيْنِ أيْضًا فَلَمْ يَتَرَتَّبِ الغَرَضُ عَلى التَّدْبِيرِ بَلْ تَخَلَّفَ ما أرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَدْبِيرِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَيْنِ فَأصابَهم شَرٌّ آخَرُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ فَلَمْ يُفِدْ دَفْعُ ما خافَهُ شَيْئًا وحِينَئِذٍ يُدَّعى أنَّ دُخُولَهم مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم كانَ مُفِيدًا لَهم مِن حَيْثُ أنَّهُ دَفَعَ العَيْنَ عَنْهم إلّا أنَّهُ لَمّا أصابَهم ما أصابَهم مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ مَعَ أخِيهِمْ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعُفِ المُصِيبَةِ عَلى أبِيهِمْ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ فائِدَةً فَكَأنَّ دُخُولَهم لَمْ يُفِدْهم شَيْئًا واعْتُرِضَ أيْضًا ما ذُكِرَ في تَوْجِيهِ الجَمْعِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ إفادَةُ الِاسْتِمْرارِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ وظاهِرُ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ قِيلَ: وإذا كانَ الغَرَضُ هُنا ذاكَ احْتَمَلَ الكَلامُ وجْهَيْنِ نَفْيُ اسْتِمْرارِ الإغْناءِ واسْتِمْرارُ نَفْيِهِ وفِيهِ

صفحة 21

تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ جِدًّا هَذا وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن زِيادَةِ ( مِن ) في المَنصُوبِ هو أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الرّازِيُّ في الآيَةِ ثانِيهُما جَوازُ كَوْنِها زائِدَةً في المَرْفُوعِ وحِينَئِذٍ لَيْسَ في الكَلامِ ضَمِيرُ الدُّخُولِ كَما لا يَخْفى قِيلَ: ولَوِ اعْتُبِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنَ مَرْفُوعٍ كانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لَمْ يَبْعُدْ أيْ ما كانَ الشَّأْنُ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ﴿إلا حاجَةً﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنَّ حاجَةً ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ أيْ أظْهَرَها ووَصّاهم بِها دَفْعًا لِلْخَطْرَةِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ تَأْثِيرًا في تَغْيِيرِ التَّقْدِيرِ والمُرادُ بِالحاجَةِ شَفَقَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَرازَتُهُ مِن أنْ يُعانُوا.

وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الحاجَةَ إلى الشَّيْءِ الفَقْرُ إلَيْهِ مَعَ مَحَبَّتِهِ وجَمْعُهُ حاجٌ وحاجاتٌ وحَوائِجُ وحاجَ يَحُوجُ احْتاجَ ثُمَّ ذَكَرَ الآيَةَ وأنْكَرَ بَعْضُهم مَجِيءَ الحَوائِجِ جَمِيعًا لَها وهو مَحْجُوجٌ بِوُرُودِهِ في الفَصِيحِ وفي التَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشْعارٌ بِالتَّعَطُّفِ والشَّفَقَةِ والتَّرَحُّمِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدِ اشْتَهَرَ بِالحُزْنِ والرِّقَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿قَضاها﴾ لِلدُّخُولِ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ قَضى حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ فالمَعْنى ما كانَ ذَلِكَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا لَكِنْ قَضى حاجَةً حاصِلَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْضًا وجُمْلَةُ ﴿قَضاها﴾ صِفَةُ ﴿حاجَةً﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ﴿إلا﴾ لِأنَّها بِمَعْنى لَكِنْ وهي يَكُونُ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ فَإذا أُوِّلَتْ بِها فَقَدْ يُقَدَّرُ خَبَرُها وقَدْ يُصَرَّحُ بِهِ كَما نَقَلَهُ القُطْبُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ وفِيهِ أنَّ عَمَلَ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ عَمَلُها مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا عَلى أنَّهُ مِن بابِ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ

فالمَعْنى ما أغْنى عَنْهم ما وصّاهم بِهِ أبُوهم شَيْئًا إلّا شَفَقَتَهُ الَّتِي في نَفْسِهِ ومِنَ الضَّرُورَةِ أنَّ شَفَقَةَ الأبِ مَعَ قَدَرِ اللَّهِ تَعالى كالهَباءِ فَإذَنْ ما أغْنى عَنْهم شَيْئًا أصْلًا ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ جَلِيلٍ ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعْتَقِدْ أنَّ الحَذَرَ يَدْفَعُ القَدَرَ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخَلَلُ في رَأْيِهِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الأثَرِ أوْ حَيْثُ بَتَّ القَوْلَ بِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَكانَتِ الحالُ كَما قالَ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجُوِّزَ كَوْنُ ( ما ) مَوْصُولًا اسْمِيًّا والضَّمِيرُ لَها واللّامُ صِلَةُ عِلْمٍ والمُرادُ بِهِ الحِفْظُ أيْ إنَّهُ لَذُو حِفْظٍ ومُراقَبَةٍ لِلَّذِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وقِيلَ: المَعْنى إنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِفَوائِدِ الَّذِي عَلَّمْناهُ وحُسْنِ إثارَةٍ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عامِلًا بِما عَلِمَهُ وما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا هو الأوْلى ويُؤَيِّدُ التَّعْلِيلَ قِراءَةُ الأعْمَشِ ( مِمّا عَلِمْناهُ ) وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِإنَّ واللّامِ وتَنْكِيرِ ﴿عِلْمٍ﴾ وتَعْلِيلِهِ بِالتَّعْلِيمِ المُسْنَدِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ شَأْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعُلُوِّ مَرْتَبَةِ عِلْمِهِ وفَخامَتِهِ ما لا يَخْفى ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (68) . سِرَّ القَدَرِ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ وقِيلَ: المُرادُ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ إيجابَ الحَذَرِ مَعَ أنَّهُ لا يُغْنِي شَيْئًا مِنَ القَدَرِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ تَخَلُّفِ المَطْلُوبِ عَنِ المَبادِي.

وقِيلَ: المُرادُ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ العِلْمِ ويُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ حِينَئِذٍ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَيْفَ أرْشَدَ أوْلِياءَهُ إلى العُلُومِ الَّتِي تَنْفَعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وفِيهِ أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ.

صفحة 22

وجَعَلَ المَفْعُولَ سِرَّ القَدَرِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وقَدْ سَعى في بَيانِ المُرادِ مِنهُ وتَحْقِيقِ إلْغاءِ الحَذِرِ بَعْضُ أفاضِلِ المُتَأخِّرِينَ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَقالَ: إنَّ لَنا قَضاءً وقَدَرًا وسِرَّ قَدَرٍ وسِرَّ سِرِّهِ وبَيانُهُ أنَّ المُمْكِناتِ المَوْجُودَةَ وإنْ كانَتْ حادِثَةً بِاعْتِبارِ وجُودِها العَيْنِيِّ لَكِنَّها قَدِيمَةٌ بِاعْتِبارِ وجُودِها العِلْمِيِّ وتُسَمّى بِهَذا الِاعْتِبارِ مُهَيِّئاتِ الأشْياءِ والحُرُوفَ العالِيَةَ والأعْيانَ الثّابِتَةَ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأعْيانَ الثّابِتَةَ صُوَرٌ نِسْبِيَّةٌ وظِلالُ شُؤُوناتٍ ذاتِيَّةٍ لِحَضْرَةِ الواجِبِ تَعالى فَكَما أنَّ الواجِبَ تَعالى والشُّؤُونَ الذّاتِيَّةَ لَهُ سُبْحانَهُ مُقَدَّسَةٌ عَنْ قَبُولِ التَّغَيُّرِ أزَلًا وأبَدًا كَذَلِكَ الأعْيانُ الثّابِتَةُ الَّتِي هي ظِلالُها وصُوَرُها يَمْتَنِعُ عَلَيْها أنْ تَتَغَيَّرَ عَنِ الأحْكامِ الَّتِي هي عَلَيْها في حَدِّ نَفْسِها فالقَضاءُ هو الحُكْمُ الكُلِّيُّ عَلى أعْيُنِ المَوْجُوداتِ بِأحْوالٍ جارِيَةٍ وأحْكامٍ طارِئَةٍ عَلَيْها مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ والقَدَرُ تَفْصِيلُ هَذا الحُكْمِ الكُلِّيِّ بِتَخْصِيصِ إيجادِ الأعْيانِ وإظْهارِها بِأوْقاتٍ وأزْمانٍ يَقْتَضِي اسْتِعْدادُها الوُقُوعَ فِيها وتَعْلِيقُ كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِها بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ وسَبَبٍ مَخْصُوصٍ وسِرُّ القَدَرِ هو أنْ يَمْتَنِعَ أنْ يَظْهَرَ عَيْنٌ مِنَ الأعْيانِ إلّا عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ وسِرُّ سِرِّ القَدَرِ هو أنَّ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ أزَلِيَّةٌ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ بِجَعْلِ الجاعِلِ لِكَوْنِ تِلْكَ الأعْيانِ ظِلالَ شُؤُوناتٍ ذاتِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ عَنِ الجَعْلِ والِانْفِعالِ ولا شَكَّ أنَّ الحُكْمَ الكُلِّيَّ عَلى المَوْجُوداتِ تابِعٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأعْيانِها الثّابِتَةِ وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِتِلْكَ الأعْيانِ تابِعٌ لِنَفْسِ تِلْكَ الأعْيانِ إذْ لا أثَرَ لِلْعِلْمِ الأزَلِيِّ في المَعْلُومِ بِإثْباتِ أمْرٍ لَهُ لا يَكُونُ ثابِتًا أوْ بِنَفْيِ أمْرٍ عَنْهُ يَكُونُ ثابِتًا بَلْ عِلْمُهُ تَعالى بِأمْرٍ ما إنَّما يَكُونُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ هو في حَدِّ ذاتِهِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وأمّا الأعْيانُ فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّها ظِلالٌ لِأُمُورٍ أزَلِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ عَنْ شَوائِبِ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ أزَلًا فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ بِها كَما كانَتْ وقَضى وحَكَمَ كَما عَلِمَ وقَدَّرَ وأوْجَدَ كَما قَضى وحَكَمَ فالقَدَرُ تابِعٌ لِلْقَضاءِ التّابِعِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ التّابِعِ لِما هو ظِلٌّ لَهُ فَإلَيْهِ سُبْحانَهُ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ خِلافَ ما عَلِمَ فَلِذا يَلْغُو الحَذَرُ لَكِنْ أمَرَ بِهِ رِعايَةً لِلْأسْبابِ فَإنَّ تَعْطِيلَها مِمّا يُفَوِّتُ انْتِظامَ أمْرِ هَذِهِ النَّشْأةِ ولِذا ورَدَ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَرَكَ تَعاطِيَ أسْبابِ تَحْصِيلِ الغِذاءِ وقالَ: لا أسْعى في طَلَبِ شَيْءٍ بَعْدَ أنْ كانَ اللَّهُ تَعالى هو المُتَكَفِّلُ بِرِزْقِي ولا آكُلُ ولا أشْرَبُ ما لَمْ يَكُنْ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي فَبَقِيَ أيّامًا عَلى ذَلِكَ حَتّى كادَتْ تَغِيظُ نَفْسُهُ مِمّا كابَدَهُ فَأوْحى إلَيْهِ سُبْحانَهُ يا فُلانُ لَوْ بَقِيتَ كَذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ تَتَعاطَ سَبَبًا ما رَزَقْتُكَ أتُرِيدُ أنْ تُعَطِّلَ أسْبابِيَ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ سَبَبَ إيجابِ الحَذَرِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ قَضى مُعَلَّقًا ونِيطَ تَحْصِيلُهُ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْبَشَرِ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ ودَفْعِ مَوانِعِهِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحِفْظُ عَنِ المَكْرُوهِ مِن جُمْلَةِ ما نِيطَ بِفِعْلٍ اخْتِيارِيٍّ وهو الحَذَرُ وهو لا يَأْبى ما قُلْناهُ كَما لا يَخْفى هَذا.

وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ القَدَرَ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الذّاتِ والمَظاهِرِ ومَن عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلِمَهُ ومَن جَهَلَّهُ سُبْحانَهُ جَهِلَهُ واللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لا يُعْلَمُ فالقَدَرَ أيْضًا لا يُعْلَمُ وإنَّما طَوى عِلْمَهُ حَتّى لا يُشارَكَ الحَقُّ في عِلْمِ حَقائِقِ الأشْياءِ مِن طَرِيقِ الإحاطَةِ بِها إذْ لَوْ عَلِمَ أيَّ مَعْلُومٍ كانَ بِطَرِيقِ الإحاطَةِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ كَما يَعْلَمُهُ الحَقُّ لَما تَمَيَّزَ عِلْمُ الحَقِّ عَنْ عِلْمِ العَبْدِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ ولا يَلْزَمُنا عَلى هَذا الِاسْتِواءِ فِيما عُلِمَ مِنهُ فَإنَّ الكَلامَ فِيما عُلِمَ كَذَلِكَ فَإنَّ العَبْدَ جاهِلٌ بِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ العِلْمِ مُطْلَقًا بِمَعْلُومِهِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ الِاشْتِراكُ مَعَ الحَقِّ في العِلْمِ بِمَعْلُومٍ ما ومِنَ المَعْلُوماتِ العِلْمُ بِالعِلْمِ وما مِن وجْهٍ مِنَ المَعْلُوماتِ إلّا ولِلْقَدَرِ فِيهِ حُكْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو سُبْحانَهُ

صفحة 23

فَلَوْ عُلِمَ القَدَرُ عُلِمَتْ ولَوْ عُلِمَتْ أحْكامُهُ لاسْتَقَلَّ العَبْدُ في العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وما احْتاجَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ وكانَ لَهُ الغِنى عَلى الإطْلاقِ وسِرُّ القَدَرِ عَيْنُ تَحَكُّمِهِ في الخَلائِقِ وأنَّهُ لا يَنْكَشِفُ لَهم هَذا السِّرُّ حَتّى يَكُونَ الحَقُّ بَصَّرَهم.

وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ عِلْمِ القَدَرِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ عُزَيْرًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ عَنْهُ إلى أنْ قالَ الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ: يا عُزَيْرُ لَئِنْ سَألْتَ عَنْهُ لَأمْحُوَنَّ اسْمَكَ مِن دِيوانِ النُّبُوَّةِ ويَقْرُبُ مِن ذَلِكَ السُّؤالِ عَنْ عِلَلِ الأشْياءِ في مَكْنُوناتِها فَإنَّ أفْعالَ الحَقِّ لا يَنْبَغِي أنْ تُعَلَّلَ فَإنَّ ما ثُمَّ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِتَكْوِينِ شَيْءٍ إلّا عَيْنُ وُجُودِ الذّاتِ وقَبُولُ عَيْنِ المُمْكِنِ لِظُهُورِ الوُجُودِ والأزَلِ لا يَقْبَلُ السُّؤالَ عَنِ العِلَلِ والسُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ جاهِلٍ بِاللَّهِ تَعالى فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ

12:69Page 243

وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى﴾ أيْ ضَمَّ ﴿إلَيْهِ أخاهُ﴾ بِنْيامِينَ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أيُّها المَلِكُ هَذا أخُونا الَّذِي أمَرْتَنا أنْ نَأْتِيَكَ بِهِ قَدْ جِئْناكَ بِهِ فَقالَ لَهم: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي وبَلَّغُوهُ رِسالَةَ أبِيهِمْ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ودَّعُوهُ قالَ لَهم: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ ويَدْعُو لَكَ ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا وقالَ أبُو مَنصُورٍ المُهْرانِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهُ بِذَلِكَ في كِتابٍ فَلَمّا قَرَأهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَكى ثُمَّ إنَّهُ أكْرَمَهم وأنْزَلَهم وأحْسَنَ نُزُلَهم ثُمَّ أضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحِيدًا فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَقِيَ أخُوكم وحْدَهُ فَقالُوا لَهُ: كانَ لَهُ أخٌ فَهَلَكَ قالَ: فَأنا أُجْلِسُهُ مَعِي فَأخَذَهُ وأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ وجَعَلَ يُؤاكِلُهُ فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ أمَرَهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وقالَ: يَنامُ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم عَلى فِراشٍ فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَقالَ: هَذا يَنامُ عِنْدِي عَلى فِراشِي فَنامَ مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فِراشِهِ فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رِيحَهُ حَتّى أصْبَحَ وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنَ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ أيُّها المَلِكُ ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وتَعَرَّفَ إلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . (69) . بِنا فِيما مَضى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ ولا تُعْلِمْهم بِما أعْلَمْتُكَ والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَرَّفَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً هو الظّاهِرُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِما إلّا أنَّ ابْنَ إسْحاقَ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ بَعْدَ أنْ تَعَرَّفَ إلَيْهِ: لا تُبالِ بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو لَعَمْرِي مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ في الوِدِّ ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ ومَعْنى ”( لا تَبْتَئِسْ )“ .. إلَخْ لا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مَنِ الحَسَدِ والأذى فَقَدْ أمِنتَهم ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتُ اغْتِمامَ والِدِي فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسِبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ قالَ: لا أُبالِي فافْعَلْ ما بَدا لَكَ قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِيَ في

صفحة 24

رَحْلِكَ ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم قالَ: افْعَلْ

12:70Page 244

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ ووَفّى لَهُمُ الكَيْلَ وزادَ كُلًّا مِنهم عَلى ما رُوِيَ حِمْلَ بِعِيرٍ ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ هي إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحُبُوبُ وكانَتْ مِن فِضَّةٍ مُرَصَّعَةٍ بِالجَواهِرِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مِن ذَهَبٍ وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ وقِيلَ: كانَتْ إناءً مُسْتَطِيلَةً تُشْبِهُ المَكُّوكَ الفارِسِيَّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ يَسْتَعْمِلُهُ الأعاجِمُ يُرْوى أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلَهُ عَلى ذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ الجاعِلَ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسُهُ ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُباشِرِ الجَعْلَ بِنَفْسِهِ بَلْ أمَرَ أحَدًا فَجَعَلَها ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ بِنْيامِينَ مِن حَيْثُ يَشْعُرُ أوْ لا يَشْعُرُ.

وقُرِئَ ( وجَعَلَ ) بِواوٍ وفي ذَلِكَ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وما بَعْدَها هو جَوابُ ( لَمّا ) والثّانِي أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مَحْذُوفٍ وهو الجَوابُ أيْ فَلَمّا جَهَّزَهم أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا وجَعَلَ ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مُسْمِعٌ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ وفي الكَشّافِ وغَيْرِهِ نادى مُنادٍ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ النُّحاةَ قالُوا: لا يُقالُ قامَ قائِمٌ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ وأُجِيبَ بِأنَّهم أرادُوا أنَّ ذَلِكَ المُنادِيَ مِن شَأْنِهِ الإعْلامُ بِما نادى بِهِ بِمَعْنى أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَتِمُّ بِها الفائِدَةُ أيْ أذَّنَ رَجُلٌ مُعَيَّنٌ لِلْأذانِ ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ . (70) . وقَدْ يُقالُ: قِياسُ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى المِثالِ المَذْكُورِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وكَثِيرًا ما تَتِمُّ الفائِدَةُ بِما لَيْسَ مِن أجْزاءِ الجُمْلَةِ ومِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ وهو مُؤْمِنٌ» والعِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ وهو اسْمُ جَمْعٍ لِذَلِكَ لا واحِدَ لَهُ والمُرادُ هُنا أصْحابُ العِيرِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وذَلِكَ إمّا مِن بابِ المَجازِ أوِ الإضْمارِ إلّا أنَّهُ نُظِرَ إلى المَعْنى في الآيَةِ ولَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ في الحَدِيثِ وقِيلَ: العِيرُ قافِلَةُ الحَمِيرِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيها حَتّى قِيلَتْ لِكُلِّ قافِلَةٍ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ وهو الحِمارُ وأصْلُها عُيُرٌ بِضَمِّ العَيْنِ والياءِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَحُذِفَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ العَيْنُ لِثِقَلِ الياءِ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما فُعِلَ في بِيضٍ جَمْعِ أبْيَضَ وغِيدٍ جَمْعِ أغْيَدَ وحُمِلَ العِيرُ هُنا عَلى قافِلَةِ الإبِلِ هو المَرْوِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ قافِلَةُ حَمِيرٍ والخِطابُ بِـ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ إنْ كانَ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالسَّرِقَةِ أخْذُهم لَهُ مِن أبِيهِ عَلى وجْهِ الخِيانَةِ كالسُّرّاقِ ودُخُولِ بِنْيامِينَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ أوْ أُرِيدُ سَرِقَةُ السِّقايَةِ ولا يَضُرُّ لُزُومُ الكَذِبِ لِأنَّهُ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً رُخِّصَ فِيهِ وإمّا كَوْنُهُ بِرِضا أخِيهِ فَلا يَدْفَعُ ارْتِكابَ الكَذِبِ وإنَّما يَدْفَعُ تَأذِّي الأخِ مِنهُ أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْ أئِنَّكم لَسارِقُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ وإلّا فَهو مِن قِبَلِ المُؤَذِّنِ بِناءً عَلى زَعْمِهِ قِيلَ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ لِلسِّياقِ وفي البَحْرِ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ ورَمْيَ البُرّاءِ بِالسَّرِقَةِ وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ

صفحة 25

السَّلامُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِما عَلِمَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ ولِما أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ وقَرَأ اليَمانِيُّ ( إنَّكم سارِقُونَ ) بِلا لامٍ

12:71Page 244

قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى طالِبِي السِّقايَةِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ مِنهُ جَمْعٌ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ بِذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى انْزِعاجِهِمْ مِمّا سَمِعُوهُ لِمُبايَنَتِهِ لِحالِهِمْ أيْ قالُوا مُقْبِلِينَ عَلَيْهِمْ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ . (71) . أيْ أيَّ شَيْءٍ تَفْقِدُونَ أوْ ما الَّذِي تَفْقِدُونَهُ والفَقْدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: عَدَمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَهو أخَصُّ مِنَ العَدَمِ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ ولِما لَمْ يُوجَدْ أصْلًا وقِيلَ: هو عَدَمُ الشَّيْءِ بِأنْ يَضِلَّ عَنْكَ لا بِفِعْلِكَ وحاصِلُ المَعْنى ما ضاعَ مِنكم وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( تُفْقِدُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ فَقِيدًا نَحْوَ أحْمَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ مَحْمُودًا وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ ووَجْهُها ما ذُكِرَ وعَلى القِراءَتَيْنِ فالعُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: ماذا سُرِقَ مِنكم عَلى ما قِيلَ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ بِإظْهارِ أنَّهُ لَمْ يُسْرَقْ مِنهم شَيْءٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا هُمُ السّارِقِينَ لَهُ وإنَّما المُمْكِنُ أنْ يَضِيعَ مِنهم شَيْءٌ فَيَسْألُونَهم ماذا وفِيهِ إرْشادٌ لَهم إلى مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُجازَفَةِ ونِسْبَةِ البُرّاءِ إلى ما لا خَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما بِطْرِيقِ التَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ غَيَّرُوا كَلامَهم حَيْثُ قالُوا في جَوابِهِمْ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском