Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:72–75
12:72Page 244
قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢
They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."
﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ ولَمْ يَقُولُوا سَرَقْتُمُوهُ أوْ سُرِقَ وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ أنْ يُبادِرُوا بِالإنْكارِ ونَفْيِ أنْ يَكُونُوا سارِقِينَ ولَكِنَّهم قالُوا ذَلِكَ طَلَبًا لِإكْمالِ الدَّعْوى إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيها ما تَبْطُلُ بِهِ فَلا تَحْتاجُ إلى خِصامٍ وعَدَلُوا عَنْ ماذا سُرِقَ مِنكم إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِما ذُكِرَ آنِفًا والصُّواعُ بِوَزْنِ غُرابٍ المِكْيالُ وهو السِّقايَةُ ولَمْ يُعَبَّرْ بِها مُبالَغَةً في الإفْهامِ والإفْصاحِ ولِذا أعادَ الفِعْلَ وصِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ لِما تَقَدَّمَ أوْ لِلْمُشاكَلَةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الصّادَ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ ( صاعَ ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعْلٍ فالألِفُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ( صَوْعَ ) بِوَزْنِ قَوْسٍ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ ( صُوعَ ) بِضَمِّ الصّادِ وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ وأبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَحْفَظِ التَّأْنِيثَ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ ( صُواغَ ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ أيْضًا وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الألِفَ وسَكَّنَ الواوَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ( صَوْغَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن صاغَ يَصُوغُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ وكَذا يُرادُ مِن ( صُواغَ ) و( صَوْغَ ) في القِراءَتَيْنِ أيْ نَفْقِدُ مَصُوغَ المَلِكِ ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ﴾ أيْ أتى بِهِ مُطْلَقًا ولَوْ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ وقِيلَ: مَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ جُعْلًا لَهُ والحِمْلَ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ بِالكَسْرِ لِما انْفَصَلَ وبِالفَتْحِ لِما اتَّصَلَ وكَأنَّهُ أشارَ إلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّ الحِمْلَ بِالفَتْحِ يُقالُ في الأثْقالِ المَحْمُولَةِ في الباطِنِ كالوَلَدِ في البَطْنِ والماءِ في السَّحابِ والثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . (72) . أيْ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلَيْهِ وهو قَوْلُ المُؤَذِّنِ.
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ كَما في الهِدايَةِ وشُرُوحِها عَلى جَوازِ تَعْلِيقِ الكَفالَةِ بِالشُّرُوطِ لِأنَّ مُنادِيَهُ عَلَّقَ الِالتِزامَ
صفحة 26
بِالكَفالَةِ بِسَبَبِ وُجُوبِ المالِ وهو المَجِيءُ بِصُواعِ المَلِكِ ونِدائِهِ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا مَضى مِن غَيْرِ إنْكارٍ وأُورِدَ عَلَيْهِ أمْرانِ الأوَّلُ ما قالَهُ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الجَعالَةِ لِما يَأْتِي بِهِ لا لِبَيانِ الكَفالَةِ فَهي كَقَوْلِ مَن أبَقَ عَبْدُهُ مَن جاءَ بِهِ فَلَهُ عَشْرَةُ دَراهِمَ وهو لَيْسَ بِكَفالَةٍ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ إذا التَزَمَ عَنْ غَيْرِهِ وهُنا قَدِ التَزَمَ عَنْ نَفْسِهِ الثّانِي أنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لِأنَّ فِيها جَهالَةَ المَكْفُولِ لَهُ وهي تُبْطِلُ الكَفالَةَ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الزَّعْمَ حَقِيقَةٌ في الكَفالَةِ والعَمَلَ بِها مَهْما أمْكَنَ واجِبٌ فَكَأنَّ مَعْناهُ قَوْلُ المُنادِي لِلْغَيْرِ: إنَّ المَلِكَ قالَ: لِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بِعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ فَيَكُونُ ضامِنًا عَنِ المَلِكِ لا عَنْ نَفْسِهِ فَتَتَحَقَّقُ حَقِيقَةُ الكَفالَةِ وعَنِ الثّانِي بِأنَّ في الآيَةِ ذِكْرَ أمْرَيْنِ الكَفالَةُ مَعَ الحَمالَةِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ وإضافَتُها إلى سَبَبِ الوُجُوبِ وعَدَمُ جَوازِ أحَدِهِما بِدَلِيلٍ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوازِ الآخَرِ.
وفِي كِتابِ الأحْكامِ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ زَعِيمٌ بِمَعْنى كَفِيلٍ فَظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ ذَلِكَ كَفالَةُ إنْسانٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ قائِلَهُ جَعَلَ حِمْلَ بِعِيرٍ أُجْرَةً لِمَن جاءَ بِالصّاعِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: وأنا بِهِ زَعِيمٌ أيْ ضامِنٌ فَألْزَمَ نَفْسَهُ ضَمانَ الأُجْرَةِ لِرَدِّ الصّاعِ وهَذا أصْلٌ في جَوازِ قَوْلِ القائِلِ: مَن حَمَلَ هَذا المَتاعَ لِمَوْضِعِ كَذا فَلَهُ دِرْهَمٌ وأنَّهُ إجارَةٌ جائِزَةٌ إنْ لَمْ يُشارِطْ رَجُلًا بِعَيْنِهِ وكَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في السِّيَرِ الكَبِيرِ: ولَعَلَّ حِمْلَ البَعِيرِ كانَ قَدْرًا مَعْلُومًا فَلا يُقالُ: إنَّ الإجارَةَ لا تَصِحُّ إلّا بِأجْرٍ مَعْلُومٍ كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفالَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في شَرْعِهِمْ وقَدْ حَكَمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ «الزَّعِيمُ غارِمٌ» ولَيْسَتْ كَفالَةً بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ لِأنَّ حِمْلَ بِعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم فَصَحَّتِ الكَفالَةُ بِهِ إلّا أنَّ هَذِهِ كَفالَةُ مالٍ لِرَدِّ السَّرِقَةِ وهي كَفالَةٌ لِما لَمْ يَجِبْ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لِلسّارِقِ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلى رَدِّ السَّرِقَةِ.
ولَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهم وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ الرّادَّ هو مَن عَلِمَ أنَّهُ الَّذِي سَرَقَ لِيَحْتاجَ إلى التِزامِ القَوْلِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ في دِينِهِمْ وتَمامُ البَحْثِ في مَحَلِّهِ
12:73Page 244
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣
They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."
﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ وتَوْراةٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقِيلَ هي بَدَلٌ مِنَ الباءِ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّها أصْلٌ بِرَأْسِها وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّها لا يُقْسَمُ بِها إلّا في اللَّهِ خاصَّةً وتُعُقِّبَ بِالمَنعِ لِدُخُولِها عَلى الرَّبِّ مُطْلَقًا أوْ مُضافًا لِلْكَعْبَةِ وعَلى الرَّحْمَنِ وقالُوا تَحِيّاتِكَ أيْضًا وأيًّا ما كانَ فَفي القَسَمِ بِها مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهم تَعَجَّبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِما ذُكِرَ مَعَ ما شاهَدُوهُ مِن حالِهِمْ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَعْكُمُونَ أفْواهَ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ مِن زُرُوعِ النّاسِ وطَعامِهِمْ شَيْئًا واشْتَهَرَ أمْرُهم في مِصْرَ بِالعِفَّةِ والصَّلاحِ والمُثابَرَةِ عَلى فُنُونِ الطّاعاتِ ولِذا قالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ عِلْمًا جازِمًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ أيْ لِنَسْرِقَ فَإنَّ السَّرِقَةَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الإفْسادِ أوْ لِنُفْسِدَ فِيها أيَّ إفْسادٍ كانَ فَضْلًا عَمّا نَسَبْتُمُونا إلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ ونَفْيُ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن نَفْيِ الإفْسادِ مُطْلَقًا لَكِنَّهم جَعَلُوا المَجِيءَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَوْ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ مَجِيئًا لِغَرَضِ الإفْسادِ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ ادِّعاءً إظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِهِ عِنْدَهم وتَرْبِيَةً لِاسْتِحالَةِ
صفحة 27
صُدُورِهِ عَنْهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ صَدَرَ عَنّا إفْسادٌ كانَ مَجِيئُنا لِذَلِكَ مُرِيدِينَ بِهِ تَقْبِيحَ حالِهِ وإظْهارَ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ عَنْهُ كَذا قِيلَ.
وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا نَفْيَ لازِمِ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ في الجُمْلَةِ وهو تَصَوُّرُ الإفْسادِ مُبالَغَةً في نَزاهَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: ما مَرَّ لَنا الإفْسادُ بِبالٍ ولا تَعَلَّقَ بِخَيالٍ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ مِنّا ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . (73) . أيْ ما كُنّا نُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ قَطُّ والظّاهِرُ دُخُولُ هَذا في حَيِّزِ العِلْمِ كالأوَّلِ ووَجْهُهُ أنَّ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ المُشاهَدَةِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ الفائِتَةِ والحِلْفُ في الحَقِيقَةِ عَلى الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ في حَيِّزِ العِلْمِ لا عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهم ذَكَرُوهُ لِلِاسْتِشْهادِ وتَأْكِيدِ الكَلامِ ولِذا أجْرَتِ العَرَبُ العِلْمَ مَجْرى القَسَمِ كَما في قَوْلِهِ:
ولَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي إنَّ المَنايا لا تَطِيشُ سِهامُها
وفِي ذَلِكَ مِن إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقِ أمْرِ التَّعَجُّبِ المَفْهُومِ مِن تاءِ القَسَمِ مِن كَلامِهِمْ كَما فِيهِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَما جِئْنا .. إلَخْ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ وأنْ يَكُونَ جَوابَ القَسَمِ أوْ جَوابَ العِلْمِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ وهو لا يَأْبى ما تَقَدَّمَ
12:74Page 244
قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤
They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"
﴿قالُوا﴾ أيْ أصْحابُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ الصُّواعُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ما جَزاءُ سَرِقَتِهِ: الضَّمِيرُ لِسَرَقَ أوْ لِلسّارِقِ والجَزاءُ إلى الجِنايَةِ حَقِيقَةً وإلى صاحِبِها مَجازًا وقَدْ يُقالُ: بِحَذْفِ المُضافِ فافْهَمْ والمُرادُ فَما جَزاءُ ذَلِكَ عِنْدَكم وفي شَرِيعَتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ . (74) . أيْ في ادِّعاءِ البَراءَةِ كَما هو الظّاهِرُ وفي التَّعْبِئَةِ بِإنْ مُراعاةً لِجانِبِهِمْ
12:75Page 244
قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥
[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."
﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ﴾ أيْ أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ واسْتِرْقاقُهُ وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الذّاتِ ولِأنَّ نَفْسَ ذاتِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ لَيْسَتْ جَزاءً في الحَقِيقَةِ واخْتارُوا عُنْوانَ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ دُونَ السَّرِقَةِ مَعَ أنَّهُ المُرادُ لِأنَّ كَوْنَ الأخْذِ والِاسْتِرْقاقِ سُنَّةً عِنْدَهم ومِن شَرِيعَةِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى السّارِقِ دُونَ مَن وُجِدَ عِنْدَهُ مالُ غَيْرِهِ كَيْفَما كانَ إشارَةً إلى كَمالِ نَزاهَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ أنْفُسَهم لا تُطاوِعُهم وألْسِنَتَهم لا تُساعِدُهم عَلى التَّلَفُّظِ بِهِ مُثْبِتًا لِأحَدِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ وكَأنَّهم تَأْكِيدًا لِتِلْكَ الإشارَةِ عَدَلُوا عَمَّنْ وُجِدَ عِنْدَهُ إلى مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أيْ فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ وهو تَقْدِيرٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ بِإعادَتِهِ كَما في قَوْلِكَ: حَقُّ الضَّيْفِ أنْ يُكْرَمَ فَهو حَقُّهُ ولَيْسَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ فالغَرَضُ مِنَ الأوَّلِ إفادَةُ الحُكْمِ ومِنَ الثّانِي إفادَةُ حَقِّيَّتِهِ والِاحْتِفاظُ بِشَأْنِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَذا ما تَلَخَّصَ وتَحَقَّقَ لِلنّاظِرِ في المَسْألَةِ لا مِرْيَةَ فِيهِ قِيلَ: وذَكَرَ الفاءَ في ذَلِكَ لِتَفَرُّغِهِ عَلى ما قَبْلَهُ ادِّعاءً وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ تَرْكَها لِمَكانِ التَّأْكِيدِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الجُمْلَةَ المُؤَكِّدَةَ قَدْ تُعْطَفُ لِنُكْتَةٍ وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أهْلُ المَعانِي وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿مَن﴾ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ خَبَرُ ﴿جَزاؤُهُ﴾ وأنْ تَكُونَ ﴿مَن﴾ شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً و﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ و( جَزاؤُهُ فَهو جَزاؤُهُ ) والفاءُ رابِطَةٌ والشَّرْطُ وجَزاؤُهُ خَبَرٌ أيْضًا كَما في احْتِمالِ المَوْصُولَةِ واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ عَنْ عائِدٍ إلَيْهِ لِأنَّ الضَّمِيرَ المَذْكُورَ لِمَن لا لَهُ وأُجِيبَ بِأنَّهُ جُعِلَ الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو الجَزاءُ الثّانِي قائِمًا مَقامَ الضَّمِيرِ والرَّبْطُ كَما يَكُونُ بِالضَّمِيرِ يَكُونُ بِالظّاهِرِ والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو أيْ فَهو الجَزاءُ وفي العُدُولِ ما عُلِمَ مِنَ التَّقْرِيرِ السّابِقِ وإزالَةِ اللَّبْسِ والتَّفْخِيمِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ فَهو كاللّازِمِ وقَدْ
صفحة 28
صَرَّحَ الزَّجّاجُ بِأنَّ الإظْهارَ هُنا أحْسَنُ مِنَ الإضْمارِ وعَلَّلَهُ بِبَعْضِ ما ذُكِرَ وأنْشَدَ:
لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ اعْتِراضًا عَلى هَذا الجَعْلِ مِن أنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ إنَّما يُفَصَّحُ إذا كانَ المَقامُ مَقامَ تَعْظِيمٍ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ﴿جَزاؤُهُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ المَسْؤُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ فَهو حِكايَةُ قَوْلِ السّائِلِ ويَكُونُ ﴿مَن وُجِدَ﴾ .. إلَخْ بَيانًا وشُرُوعًا في الفَتْوى وهَذا عَلى ما قِيلَ كَما يَقُولُ مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ المُحْرِمِ: جَزاءُ صَيْدِ المُحْرِمِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَإنَّ قَوْلَ المُفْتِي: جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ بِتَقْدِيرِ ما اسْتَفْتَيْتُ فِيهِ أوْ سَألْتُ عَنْهُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِلْحُكْمِ وشَرْحٌ لِلْجَوابِ ولَيْسَ التَّقْدِيرُ ما أذْكُرُهُ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ لِأنَّ مَقامَ الجَوابِ والسُّؤالِ نابَ عَنْهُ نَعَمْ إذا ابْتَدَأ العالِمُ بِإلْقاءِ مَسْألَةٍ فَهُنالِكَ يُناسِبُ هَذا التَّقْدِيرَ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ في الإخْبارِ عَنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ وكَذا يُقالُ في المِثالِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ إعْلامُ المُفْتِي المُسْتَفْتِي أنَّهُ قَدْ أحاطَ خَبَرَهُ بِسُؤالِهِ لِيَأْخُذَ فَتْواهُ بِالقَبُولِ ولا يَتَوَقَّفُ في ذَلِكَ لِظَنِّ الغَفْلَةِ فِيها عَنْ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ وهي فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَأنَّ المَسْؤُولَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ المَسْؤُولُ عَنْهُ ذَلِكَ لِظُهُورِ جَوابِهِ ثُمَّ يَعُودُ فَيُجِيبُ وهو كَما تَرى ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الأوْفى ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ . بِالسَّرِقَةِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الإخْوَةِ فَهو تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ غِبُّ تَأْكِيدٍ وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ وقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِكَمالِ بَراءَتِهِمْ عَنْها وهم عَمّا فُعِلَ بِهِمْ غافِلُونَ وقِيلَ: هو مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: كَلامُهُ نَفْسُهُ أيْ مِثْلُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ نَجْزِي السّارِقِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences