Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:85–88
12:85Page 245
قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥
They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."
﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ وقِيلَ غَيْرُهم مِن أتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ أيْ لا تَفْتَأُ ولا تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ تَفَجُّعًا عَلَيْهِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِيَ لَدَيْكَ وأوْصالِيَ
لِأنَّ القَسَمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلامَةُ الإثْباتِ كانَ عَلى النَّفْيِ وعَلامَةُ الإثْباتِ هي اللّامُ ونُونُ التَّأْكِيدِ وهُما يَلْزَمانِ جَوابَ القَسَمِ المُثْبَتَ فَإذا لَمْ يُذْكَرا دَلَّ عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ لِأنَّ المَنفِيَّ لا يُقارِنُهُما ولَوْ كانَ المَقْصُودُ ها هُنا الإثْباتَ لَقِيلَ لَتَفْتَأنَّ ولُزُومُ اللّامِ والنُّونِ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وقالَ الكُوفِيُّونَ والفارِسِيُّ: يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما وجاءَ الحَذْفُ فِيما إذا كانَ الفِعْلُ حالًا كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ( لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ) وقَوْلِهِ:
لَأبْغَضُ كُلَّ امْرِئٍ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ
ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذا مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ وهي أنَّهُ إذا قالَ: واللَّهِ أقُومُ يَحْنَثُ إذا قامَ وإنْ لَمْ يَقُمْ لا ولا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ القائِلِ عالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ أوْ لا عَلى ما أفْتى بِهِ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ وذَكَرَ أنَّ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ كَذَلِكَ فَلَوْ قالَ: عَلَيَّ الطَّلاقُ بِالثَّلاثِ تَقُومِينَ الآنَ تُطَلَّقُ إنْ قامَتْ ولا تُطَلَّقُ إنْ لَمْ تَقُمْ وهَذِهِ المَسْألَةُ مُهِمَّةٌ لا بَأْسَ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ فِيها وإنْ أدّى إلى الخُرُوجِ عَمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ العَوامَّ لَوْ أسْقَطُوا اللّامَ والنُّونَ في جَوابِ القَسَمِ المُثْبَتِ المُسْتَقْبَلِ فَقالَ أحَدُهم: واللَّهِ أقُومُ مَثَلًا لا يَحْنَثُ بِعَدَمِ القِيامِ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ وتَعَقَّبَهُ المَقْدِسِيُّ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَلْزَمَهُمُ الكَفّارَةُ لِتَعارُفِهِمُ الحَلِفَ كَذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ ما في الظَّهِيرِيَّةِ أنَّهُ لَوْ سَكَّنَ الهاءَ أوْ نَصَبَ في بِاللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا مَعَ أنَّ العَرَبَ ما نَطَقَتْ بِغَيْرِ الجَرِّ وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَمِينًا وإنْ خَلا مِنَ اللّامِ والنُّونِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الوَلْوالَجِيَّةِ: سُبْحانَ اللَّهِ أفْعَلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أفْعَلُ كَذا لَيْسَ بِيَمِينٍ إلّا أنْ يَنْوِيَهُ واعْتَرَضَهُ الخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِأنَّ ما نَقَلَهُ لا يَدُلُّ لِمُدَّعاهُ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ تَغْيِيرُ إعْرابٍ لا يَمْنَعُ المَعْنى المَوْضُوعَ فَلا يَضُرُّ التَّسْكِينُ والرَّفْعُ والنَّصْبُ لَمّا تَقَرَّرَ مِن أنَّ اللَّحْنَ لا يَمْنَعُ الِانْعِقادَ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ إذْ هو الإثْباتُ والنَّفْيُ لا أنَّهُ يَمِينٌ وقَدْ نُقِلَ ما ذَكَرْناهُ عَنِ المَذْهَبِ والنَّقْلُ يَجِبُ اتِّباعُهُ ونَظَرُ فِيهِ.
أمّا أوَّلًا فَبِأنَّ اللَّحْنَ كَما في المِصْباحِ وغَيْرِهِ الخَطَأُ في العَرَبِيَّةِ وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ ما في الوَلْوالَجِيَّةِ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ فَإنَّهُ أتى بِالفِعْلِ المُضارِعِ مُجَرَّدًا مِنَ اللّامِ والنُّونِ وجَعَلَهُ يَمِينًا مَعَ النِّيَّةِ ولَوْ كانَ عَلى النَّفْيِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَعَ النِّيَّةِ يَمِينٌ عَلى عَدَمِ الفِعْلِ كَما لا يَخْفى وإنَّما اشْتَرَطَ في ذَلِكَ النِّيَّةَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعارَفٍ.
وقالَ الفاضِلُ الحَلَبِيُّ: إنَّ بَحْثَ المَقْدِسِيَّ وجِيهٌ والقَوْلُ بِأنَّهُ يُصادِمُ المَنقُولَ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ المَنقُولَ في
صفحة 42
المَذْهَبِ كانَ عَلى عُرْفِ صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ تَتَغَيَّرَ اللُّغَةُ وأمّا الآنَ فَلا يَأْتُونَ بِاللّامِ والنُّونِ في مُثْبَتِ القَسَمِ أصْلًا ويُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإثْباتِ والنَّفْيِ بِوُجُودِ لا ولا وُجُودَها وما اصْطِلاحُهم عَلى هَذا إلّا كاصْطِلاحِ الفُرْسِ ونَحْوِهِمْ في أيْمانِهِمْ وغَيْرِها. اهَـ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ قاسِمٌ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ يُحْمَلُ كَلامُ كُلِّ عاقِدٍ وحالِفٍ وواقِفٍ عَلى عُرْفِهِ وعادَتِهِ سَواءً وافَقَ كَلامَ العَرَبِ أمْ لا ومِثْلُهُ في الفَتْحِ وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ بَلى ونَعَمْ في الجَوابِ أنَّ بَلى لِإيجابِ ما بَعْدَ النَّفْيِ ونَعَمْ لِلتَّصْدِيقِ فَإذا قِيلَ: ما قامَ زَيْدٌ فَإنْ قُلْتَ: بَلى كانَ المَعْنى قَدْ قامَ وإنْ نَعَمْ كانَ ما قامَ ونُقِلَ في شَرْحِ المَنارِ عَنِ التَّحْقِيقِ أنَّ المُعْتَبَرَ في أحْكامِ الشَّرْعِ العُرْفُ حَتّى يُقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ ومِثْلُهُ في التَّلْوِيحِ وقَوْلُ المُحِيطِ والحَلِفُ بِالعَرَبِيَّةِ أنْ يَقُولَ في الإثْباتِ واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ إلى آخِرِ ما قالَ بَيانٌ لِلْحُكْمِ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ وعُرْفِ العَرَبِ وعادَتِهِمُ الخالِيَةِ عَنِ اللَّحْنِ وكَلامُ النّاسِ اليَوْمَ إلّا ما نَدَرَ خارِجٌ عَنْ هاتِيكِ القَواعِدِ فَهو لُغَةٌ اصْطِلاحِيَّةٌ لَهم كَسائِرِ اللُّغاتِ الأعْجَمِيَّةِ الَّتِي تَصَرَّفَ فِيها أهْلُها بِما تَصَرَّفُوا فَلا يُعامَلُونَ بِغَيْرِ لُغاتِهِمْ وقَصْدِهِمْ إلّا مَنِ التَزَمَ مِنهُمُ الإعْرابَ أوْ قَصَدَ المَعْنى فَيَنْبَغِي أنْ يَدِينَ ومِن هُنا قالَ السّائِحانِيُّ: إنَّ أيْمانَنا الآنَ لا تَتَوَقَّفُ عَلى تَأْكِيدٍ فَقَدْ وضَعْناها نَحْنُ وضْعًا جَدِيدًا واصْطَلَحْنا عَلَيْها اصْطِلاحًا حادِثًا وتَعارَفْناها تَعارُفًا مَشْهُورًا فَيَجِبُ مُعامَلَتُنا عَلى هَذا ما قالُوهُ: مِن أنَّهُ لَوْ أُسْقِطَتِ الفاءُ الرّابِطَةُ لِجَوابِ الشَّرْطِ فَهو تَنْجِيزٌ لا تَعْلِيقٌ حَتّى لَوْ قالَ: إنْ دَخَلْتُ الدّارَ أنْتِ طالِقٌ تُطَلَّقُ في الحالِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ أيْضًا وهو خِلافُ المُتَعارَفِ الآنَ فَيَنْبَغِي بِناؤُهُ عَلى العُرْفِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي يُوسُفَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ حَذْفِها اخْتِيارًا وعَدَمِهِ فَأجازَهُ أهْلُ الكُوفَةِ وعَلَيْهِ فَرَّعَ أبُو يُوسُفَ ومَنَعَهُ أهْلُ البَصْرَةِ وعَلَيْهِ تَفَرَّعَ المَذْهَبُ وفي شَرْحِ نَظْمِ الكَنْزِ لِلْمَقْدِسِيِّ أنَّهُ يَنْبَغِي تَرْجِيحُ قَوْلٍ أبِي يُوسُفَ لِكَثْرَةِ حَذْفِ الفاءِ في الفَصِيحِ ولِقَوْلِهِمُ: العَوامُّ لا يُعْتَبَرُ مِنهُمُ اللَّحْنُ في قَوْلِهِمْ: أنْتَ واحِدَةٌ بِالنَّصْبِ الَّذِي لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ. اهَـ. هَذا ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ إنَّما هو في القَسَمِ بِخِلافِ التَّعْلِيقِ وهو وإنْ سُمِّيَ عِنْدَ الفُقَهاءِ حَلِفًا ويَمِينًا لَكِنَّهُ لا يُسَمّى قَسَمًا فَإنَّ القَسَمَ خاصٌّ بِاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى كَما صَرَّحَ بِهِ القَهَسْتانِيُّ فَلا يَجْرِي فِيهِ اشْتِراطُ اللّامِ والنُّونِ في المُثْبَتِ مِنهُ لا عِنْدَ الفُقَهاءِ ولا عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ ومِنهُ الحَرامُ يَلْزَمُنِي وعَلَيَّ الطَّلاقُ لا أفْعَلُ كَذا فَإنَّهُ يُرادُ بِهِ في العُرْفِ إنْ فَعَلْتُ كَذا فَهي طالِقٌ فَيَجِبُ إمْضاؤُهُ عَلَيْهِمْ كَما صَرَّحَ بِهِ في الفَتْحِ وغَيْرِهِ قالَ الحَلَبِيُّ: وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ مِن أنَّ في قَوْلِ القائِلِ: عَلَيَّ الطَّلاقُ أجِيءُ اليَوْمَ إنْ جاءَ في اليَوْمِ وقَعَ الطَّلاقُ وإلّا فَلا لِعَدَمِ اللّامِ والنُّونِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النُّحاةَ إنَّما اشْتَرَطُوا ذَلِكَ في جَوابِ القَسَمِ المُثْبَتِ لا في جَوابِ الشَّرْطِ وكَيْفَ يَسُوغُ لِعاقِلٍ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ إنْ قامَ زَيْدٌ أقُمْ عَلى مَعْنى إنْ قامَ زَيْدٌ لَمْ أقُمْ عَلى أنَّ أجِيءُ لَيْسَ جَوابَ الشَّرْطِ بَلْ هو فِعْلُ الشَّرْطِ لِأنَّ المَعْنى إنْ لَمْ أجِئِ اليَوْمَ فَأنْتِ طالِقٌ وقَدْ وقَعَ هَذا الوَهْمُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُفْتِينَ كالخَيْرِ الرَّمْلِيِّ وغَيْرِهِ وقالَ السَّيِّدُ أحْمَدُ الحَمَوِيُّ في تَذْكِرَتِهِ الكُبْرى: رُفِعَ إلَيَّ سُؤالٌ صُورَتُهُ رَجُلٌ اغْتاظَ مِن ولَدِ زَوْجَتِهِ فَقالَ: عَلَيَّ الطَّلاقُ بِالثَّلاثِ إنِّي أُصْبِحُ أشْتَكِيكَ مِنَ النَّقِيبِ فَلَمّا أصْبَحَ تَرَكَهُ ولَمْ يَشْتَكِهِ ومَكَثَ مُدَّةً فَهَلْ والحالَةُ هَذِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاقُ أمْ لا الجَوابُ إذا تَرَكَ شِكايَتَهُ ومَضَتْ مُدَّةٌ بَعْدَ حَلِفِهِ لا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاقُ لِأنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ وقَعَ في جَوابِ اليَمِينِ وهو مُثْبَتٌ فَيُقَدَّرُ النَّفْيُ حَيْثُ لَمْ يُؤَكَّدُ
صفحة 43
ثُمَّ قالَ: فَأجَبْتُ أنا بَعْدَ الحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى ما أُفْتِي بِهِ هَذا المُجِيبَ مِن عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ مُعَلِّلًا بِما ذُكِرَ فَمُنْبِئٌ عَنْ فَرْطِ جَهْلِهِ وحُمْقِهِ وكَثْرَةِ مُجازَفَتِهِ في الدِّينِ وخَرْقِهِ إذْ ذاكَ في الفِعْلِ إذا وقَعَ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى نَحْوَ تَفْتَأُ لا في جَوابِ اليَمِينِ بِمَعْنى التَّعْلِيقِ بِما يَشُقُّ مِن طَلاقٍ وعَتاقٍ ونَحْوِهِما وحِينَئِذٍ إذا أصْبَحَ الحالِفُ ولَمْ يَشْتَكِهِ وقَعَ عَلَيْهِ الطَّلاقُ الثَّلاثُ وبانَتْ زَوْجَتُهُ مِنهُ بَيْنُونَةً كُبْرى. اهَـ. ولَنِعْمَ ما قالَ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ القائِلِ:
مِنَ الدِّينِ كَشْفُ السِّتْرِ عَنْ كُلِّ كاذِبِ وعَنْ كُلِّ بِدْعِيٍّ أتى بِالعَجائِبِ
فَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ لَهُدِّمَتْ ∗∗∗ صَوامِعُ دِينِ اللَّهِ مِن كُلِّ جانِبْ
( وفَتِئَ ) هَذِهِ مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويُقالُ فِيها: فَتَأ كَضَرَبَ وأفْتَأ كَأكْرَمَ وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وفَتَرَ فَتَكُونُ تامَّةً وعَلى ذَلِكَ جاءَ تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ لِلا تَفْتَأُ بِلا تَفْتُرُ عَنْ حُبِّهِ وأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أخَوَيْنِ أيْ مُتَلازِمَيْنِ لا أنَّهُ بِمَعْناهُ فَإنَّ الَّذِي بِمَعْنى فَتَرَ وسَكَنَ هو فَثَأ بِالمُثَلَّثَةِ كَما في الصِّحاحِ مِن فَثَأتِ القِدْرُ إذا سَكَنَ غَلَيانُها والرَّجُلُ إذا سَكَنَ غَضَبُهُ ومِن هُنا خَطَّأ أبُو حَيّانَ ابْنَ مالِكٍ فِيما زَعَمَهُ وادَّعى أنَّهُ مِنَ التَّصْحِيفِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما قالَهُ فَإنَّ ابْنَ مالِكٍ نَقَلَهُ عَنِ الفَرّاءِ وقَدْ صَرَّحَ بِهِ السَّرْقُسْطِيُّ ولا يَمْتَنِعُ اتِّفاقُ مادَّتَيْنِ في مَعْنًى وهو كَثِيرٌ وقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ في كِتابٍ سَمّاهُ ما اخْتَلَفَ إعْجامُهُ واتَّفَقَ إفْهامُهُ ونَقَلَهُ عَنْهُ صاحِبُ القامُوسِ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ الحَلِفِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وقِيلَ: إنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ مِنهُ ولَكِنَّهم نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ فَلِذا أكَّدُوهُ بِالقَسَمِ أيْ نُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى لا تَزالُ ذاكِرَ يُوسُفَ مُتَفَجِّعًا عَلَيْهِ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ وقِيلَ: الحَرَضُ مَن أذابَهُ هَمٌّ أوْ مَرَضٌ وجَعَلَهُ مَهْزُولًا نَحِيفًا وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ حَرَضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ وجاءَ أحْرَضَنِي كَما في قَوْلِهِ:
إنِّي امْرُؤٌ لَجٌّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
ولِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في الأصْلِ لا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّ المَصْدَرَ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الحَرَضُ الفاسِدُ الَّذِي لا عَقْلَ لَهُ وقُرِئَ ( حَرِضًا ) بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ( حُرُضًا ) بِضَمَّتَيْنِ ونَحْوُهُ مِنَ الصِّفاتِ رَجُلٌ جُنُبٌ وغُرُبٌ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ . (85) . أيِ المَيِّتِينَ و( أوْ ) قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى بَلْ أوْ بِمَعْنى إلى فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ حَقَّ هَذا التَّقْدِيمُ عَلى ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ فَإنْ كانَتْ لِلتَّرْدِيدِ فَهي لِمَنعِ الخُلُوِّ والتَّقْدِيمُ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ أوْ لِأنَّهُ أكْثَرُ وُقُوعًا
12:86Page 245
قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦
He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ البَثُّ في الأصْلِ إثارَةُ الشَّيْءِ وتَفْرِيقُهُ كَبَثَّ الرِّيحُ التُّرابَ واسْتُعْمِلَ في الغَمِّ الَّذِي لا يُطِيقُ صاحِبُهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ فَلا يُطِيقُ حَمْلَهُ وحْدَهُ فَيُفَرِّقُهُ عَلى مَن يُعِينُهُ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ أيِ الغَمُّ الَّذِي بَثَّ الفِكْرَ وفَرَّقَهُ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ القَوْمَ قالُوا ما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسْلِيَةِ والإشْكاءِ فَقالَ في جَوابِهِمْ: إنِّي لا أشْكُو ما بِي إلَيْكم أوْ إلى غَيْرِكم حَتّى تَتَصَدَّوْا لِتَسْلِيَتِي وإنَّما أشْكُو غَمِّي ﴿وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ تَعالى مُتَلَجِّئًا إلى جَنابِهِ مُتَضَرِّعًا في دَفْعِهِ لَدى بابِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وفي الخَبَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِن كُنُوزِ البِرِّ إخْفاءُ الصَّدَقَةِ وكِتْمانُ المَصائِبِ والأمْراضِ ومَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ» وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ( حَزَنِي ) بِفَتْحَتَيْنِ وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمَّتَيْنِ.
صفحة 44
﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . (86) . فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي ويَلْطُفَ بِي ولا يُخَيِّبَ رَجائِيَ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ و( مِن ) بَيانِيَّةٌ قُدِّمَتْ عَلى المُبَيَّنِ وقَدْ جَوَّزَهُ النُّحاةُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً أيْ أعْلَمُ وحْيًا أوْ إلْهامًا أوْ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ العِلْمِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ما تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ ذَلِكَ مِنَ الرُّؤْيا حَسْبَما تَقَدَّمَ وقِيلَ إنَّهُ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَأخْبَرَهُ أنَّ يُوسُفَ حَيُّ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَمْ يَذْكُرُوا لَهُ سَنَدًا والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ النَّضْرِ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ عامًا لا يَدْرِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيٌّ أمْ مَيِّتٌ حَتّى تَمَثَّلَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: مَن أنْتَ قالَ: أنا مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِإلَهِ يَعْقُوبَ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ قالَ: لا فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:
12:87Page 246
يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧
O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."
﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ أيْ فَتَعَرَّفُوا وهو تَفَعَّلَ مِنَ الحِسِّ وهو في الأصْلِ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ وكَذا أصْلُ التَّحَسُّسِ طَلَبُ الإحْساسِ واسْتِعْمالُهُ في التَّعَرُّفِ اسْتِعْمالٌ لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وقَرِيبٌ مِنهُ التَّجَسُّسُ بِالجِيمِ وقِيلَ: إنَّهُ بِهِ في الشَّرِّ وبِالحاءِ في الخَيْرِ ورُدَّ بِأنَّهُ قُرِئَ هُنا ( فَتَجَسَّسُوا ) بِالجِيمِ أيْضًا وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الجَسِّ مَسُّ العِرْقِ وتَعَرُّفُ نَبْضِهِ لِلْحُكْمِ بِهِ عَلى الصِّحَّةِ والمَرَضِ وهو أخَصُّ مِنَ الحِسِّ فَإنَّهُ تَعَرُّفُ ما يُدْرِكُهُ الحِسُّ والجَسُّ تَعَرُّفُ حالِ ما مِن ذَلِكَ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ أيْ مِن خَبَرِهِما ولَمْ يُذْكَرِ الثّالِثُ لِأنَّ غَيْبَتَهُ اخْتِيارِيَّةٌ لا يَعْسُرُ إزالَتُها وعَلى فَرْضِ ذَلِكَ الدّاعِيَةِ فِيهِمْ لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ لِكَوْنِهِ أخاهم قَوِيَّةً فَلا حاجَةَ لِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وهو بِمَعْنى عَنْ بِناءٍ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ لا يُقالُ: تَحَسَّسْتُ مِن فُلانٍ وإنَّما يُقالُ: تَحَسَّسْتُ عَنْهُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى مَعْنى تَحَسُّوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ وأخِيهِ.
﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ سُبْحانَهُ وتَنْفِيسِهِ وأصْلُ مَعْنى الرَّوْحِ بِالفَتْحِ كَما قالَ الرّاغِبُ التَّنَفُّسُ يُقالُ: أراحَ الإنْسانُ إذا تَنَفَّسَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْفَرَجِ كَما قِيلَ: لَهُ تَنْفِيسٌ مِنَ النَّفَسِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ( رُوحِ ) بِالضَّمِّ وفُسِّرَ بِالرَّحْمَةِ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِن مَعْناها المَعْرُوفِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ سَبَبُ الحَياةِ كالرُّوحِ وإضافَتُها إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّها مِنهُ سُبْحانَهُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ فَإنَّ كُلَّ مَن بَقِيَتْ رُوحُهُ يُرْجى ومِن هَذا قَوْلُهُ:
وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعْ
وقَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ:
وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
وقَرَأ أُبَيٌّ ( مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ) وعَبْدُ اللَّهِ ( مِن فَضْلِ اللَّهِ ) وكِلاهُما عِنْدَ أبِي حَيّانَ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ وقُرِئَ ( تَأْيَسُوا ) وقَرَأ الأعْرَجُ ( تِيئَسُوا ) بِكَسْرِ التّاءِ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلى ما قِيلَ إرْشادٌ لَهم إلى بَعْضِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَّرَهم عَنْ تَرْكِ العَمَلِ بِمُوجِبِ نَهْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ . (87) . لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ لا يَقْنَطُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ تَأْكِيدًا لِما يَعْلَمُونَهُ مِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَيْرٍ يَرْجُوهُ
صفحة 45
فِي البَلاءِ ويَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ.
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ الإنْسانُ أنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الكَمالِ أوْ غَيْرُ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ أوْ لَيَسَ بِكَرِيمٍ واعْتِقادُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ يُوجِبُ الكُفْرَ فَإذا كانَ اليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِها وكُلٌّ مِنها كُفْرٌ ثَبَتَ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ كافِرًا واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ وادَّعى أنَّها ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ.
وقالَ الشِّهابُ: لَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ بَلْ هو ثابِتٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ اليَأْسَ كَبِيرَةٌ ومَفادُ الآيَةِ أنَّهُ مِن صِفاتِ الكُفّارِ لا أنَّ مَنِ ارْتَكَبَهُ كانَ كافِرًا بِارْتِكابِهِ وكَوْنُهُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِ المُكَفِّراتِ الَّتِي ذَكَرَها الإمامُ مَعَ كَوْنِهِ في حَيِّزِ المَنعِ لِجَوازِ أنْ يَيْأسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مَعَ إيمانِهِ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ تَعالى وشُمُولِ عِلْمِهِ وعِظَمِ كَرَمِهِ جَلَّ وعَلا لِمُجَرَّدِ اسْتِعْظامِ ذَنْبِهِ مَثَلًا واعْتِقادِهِ عَدَمَ أهْلِيَّتِهِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ لَهُ أدْنى ذَرَّةٍ مِن تِلْكَ الِاعْتِقاداتِ السَّيِّئَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ لا يَسْتَدْعِي أكْثَرَ مِنَ اقْتِضائِهِ سابِقِيَّةِ الكُفْرِ دُونَ كَوْنِ ارْتِكابِهِ نَفْسِهِ كُفْرًا كَذا قِيلَ وقِيلَ: الأوْلى التِزامُ القَوْلِ بِأنَّ اليَأْسَ قَدْ يُجامِعُ الإيمانَ وأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِأحَدِ الِاعْتِقاداتِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبَيِّنٍ.
نَعَمْ كَوْنُهُ كَبِيرَةً مِمّا لا شَكَّ فِيهِ بَلْ جاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ وكَذا القُنُوطُ وسُوءُ الظَّنِّ وفَرَّقُوا بَيْنَها بِأنَّ اليَأْسَ عَدَمُ أمَلِ وُقُوعِ شَيْءٍ مِن أنْواعِ الرَّحْمَةِ لَهُ والقُنُوطُ هو ذاكَ مَعَ انْضِمامِ حالَةٍ هي أشَدُّ مِنهُ في التَّصْمِيمِ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ وسُوءُ الظَّنِّ هو ذاكَ مَعَ انْضِمامِ أنَّهُ مَعَ عَدَمِ رَحْمَتِهِ لَهُ يُشَدَّدُ لَهُ العَذابُ كالكُفّارِ وذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ في بَعْضِ رَسائِلِهِ ما بِهِ يَرْجِعُ الخِلافُ بَيْنَ مَن قالَ: إنَّ اليَأْسَ كُفْرٌ ومَن قالَ: إنَّهُ كَبِيرَةٌ لَفْظِيًّا فَقالَ: قَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ مِنَ الكَبائِرِ الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى واليَأْسُ مِن رَحْمَتِهِ وفي العَقائِدِ واليَأْسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ فَيَحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ والجَوابُ أنَّ المُرادَ بِاليَأْسِ إنْكارُ سِعَةِ الرَّحْمَةِ لِلذُّنُوبِ ومِنَ الأمْنِ الِاعْتِقادُ أنْ لا مَكْرَ ومُرادُ الفُقَهاءِ مِنَ اليَأْسِ اليَأْسُ لِاسْتِعْظامِ ذُنُوبِهِ واسْتِبْعادُ العَفْوِ عَنْها ومِنَ الأمْنِ الأمْنُ لِغَلَبَةِ الرَّجاءِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ دَخَلَ في حَدِّ الأمْنِ ثُمَّ قالَ والأوْفَقُ بِالسُّنَّةِ طَرِيقُ الفُقَهاءِ لِحَدِيثِ الدّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا حَيْثُ عَدَّها مِنَ الكَبائِرِ وعَطَفَها عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى. اهَـ. وهو تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ فَلْيُفْهَمْ
12:88Page 246
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨
So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ بِمُوجِبِ أمْرِ أبِيهِمْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِمُسارَعَتِهِمْ إلى ما أُمِرُوا بِهِ وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يَفْتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ وأنْكَرَ اليَهُودُ رُجُوعَهم بَعْدَ أخْذِ بِنْيامِينَ إلى أبِيهِمْ ثُمَّ عَوْدَهم إلى مِصْرَ وزَعَمُوا أنَّهم لَمّا جاءُوا أوَّلًا لِلْمِيرَةِ اتَّهَمَهم بِأنَّهم جَواسِيسُ فاعْتَذَرُوا وذَكَرُوا أنَّهم أوْلادُ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ وأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا هَلَكَ واحِدٌ مِنهم وتَخَلَّفَ أخُوهُ عِنْدَ أبِيهِمْ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُحِبُّهُ كَثِيرًا فَقالَ: ائْتُونِي بِهِ لِأتَحَقَّقَ صِدْقَكم وحُبِسَ شَمْعُونُ عِنْدَهُ حَتّى يَجِيئُوا فَلَمّا أتَوْا بِهِ ووَقَعَ ما وقَعَ مِن أمْرِ السَّرِقَةِ أظْهَرُوا الخُضُوعَ والِانْكِسارَ فَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ حَتّى تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أمَرَهم بِالعَوْدِ إلى أبِيهِمْ لِيُخْبِرُوهُ الخَبَرَ ويَأْتُوا بِهِ وهو الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ تَوْراتُهُمُ اليَوْمَ وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾ خاطَبُوهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ عَلى حَدِّ خِطابِهِمُ السّابِقِ بِهِ عَلى ما هو ظاهِرٌ وهَلْ كانُوا يَعْرِفُونَ اسْمَهُ أمْ لا لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ
صفحة 46
لِذَلِكَ فَإنْ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ازْدادَ أمْرُ جَهالَتِهِمْ غَرابَةً والمُرادُ عَلى ما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ يا أيُّها المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ الهُزالُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والمُرادُ بِالأهْلِ ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ وغَيْرَها ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ وأنْشَدُوا لِحاتِمٍ:
لِيَبْكِ عَلى مُلْحانَ ضَيْفٌ مُدْفَعٌ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا
وكُنِّيَ بِها عَنِ القَلِيلِ أوِ الرَّدِيءِ لِأنَّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِناءِ يُرْمى ويُطْرَحُ قِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم مِن مَتاعِ الأعْرابِ صُوفًا وسَمْنًا وقِيلَ: الصَّنَوْبَرُ وحَبَّةُ الخَضْراءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وقِيلَ: سَوِيقُ المَقْلِ والأقْطُ وقِيلَ: قَدِيدٌ وحَشٌّ وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأحْقابًا وقِيلَ: كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُها بِقَلِيلَةٍ لا غَيْرَ وعَلى كُلٍّ فَمُزْجاةٌ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلْبِضاعَةِ وقالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ والمَعْنى إنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ يُدْفَعُ بِها الزَّمانُ ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ بِها الأيّامُ أيْ تُدْفَعُ بِها ويُصَبَّرُ عَلَيْها حَتّى تَنْقَضِيَ كَما قِيلَ:
دَرِّجِ الأيّامَ تَنْدَرِجْ ∗∗∗ وبُيُوتُ الهَمِّ لا تُلَجْ
وما ذُكِرَ أوَّلًا هو الأوْلى وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُزْجاةً مِن لُغَةِ العَجَمِ وقِيلَ: مِن لُغَةِ القِبْطِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ فالنِّسْبَةُ إلى ذَلِكَ مُزْجاةٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مُزْجِيةٍ ) بِالإمالَةِ لِأنَّ أصْلَها الياءُ والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما قَدَّمُوا هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ أتْمِمْهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِقِلَّةِ بِضاعَتِنا أوْ رَداءَتِها واسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ ولا دَلِيلَ فِيهِ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ ظاهِرُهُ بِالإيفاءِ أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها.
وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ إنَّهم أرادُوا تَصَدَّقْ عَلَيْنا بَرَدِّ أخِينا بِنْيامِينَ عَلى أبِيهِ قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرِ أبِيهِمْ وكَأنَّهم أرادُوا تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِذَلِكَ لِأنَّ رَدَّ الأخِ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ حَقِيقَةً وقَدْ جاءَتِ الصَّدَقَةُ بِمَعْنى التَّفَضُّلِ كَما قِيلَ: ومِنهُ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلى فُلانٍ بِكَذا وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ لِمَن سَمِعَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَصَدَّقُ إنَّما يَتَصَدَّقُ مَن يَبْغِي الثَّوابَ قُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ عَلَيَّ أوِ ارْحَمْنِي فَقَدْ رُدَّ بِقَوْلِهِ ﷺ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» وأُجِيبَ عَنْهُ مَجازًا ومُشاكَلَةً وإنَّما رَدَّ الحَسَنُ عَلى القائِلِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلِيغًا كَما في قِصَّةِ المُتَوَفّى وادَّعى بَعْضُهم تَعَيُّنَ الحَمْلِ عَلى المَجازِ أيْضًا إذا كانَ المُرادُ طَلَبَ الزِّيادَةِ عَلى ما يُعْطى بِالثَّمَنِ بِناءً عَلى أنَّ حُرْمَةَ أخْذِ الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ خاصَّةً بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بَلْ هي عامَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وآلِهِمْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ والسّائِلُونَ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لا مَحالَةَ وتُعُقِّبَ بِأنّا لَوْ سَلَّمْنا العُمُومَ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُحَرَّمَ
صفحة 47
أخْذُ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا بَلِ المُحَرَّمُ إنَّما هو أخْذُ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ وما هُنا لَيْسَ مِنها والظّاهِرُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم تَمَسْكَنُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَسَّنا﴾ .. إلَخْ وطَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ( تَصَدَّقْ عَلَيْنا ) فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى الظّاهِرِ لَما طابَقَهُ ذَلِكَ التَّمْهِيدُ ولا هَذا التَّوْطِيدُ أعْنِي ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ . (88) . بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وجَزائِهِ الحامِلِينَ عَلى ذَلِكَ وإنَّ فاعِلَهُ مِنهُ تَعالى بِمَكانٍ.
قالَ النَّقّاشُ: وفي العُدُولِ عَنْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ فَهو مِنَ المَعارِيضِ فَإنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ ووَجْهُ عَدَمِ بَدْئِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ عَلى القَوْلِ بِخِلافِ الظّاهِرِ في مُتَعَلِّقِ التَّصَدُّقِ بِأنَّ فِيما سَلَكُوهُ اسْتِجْلابًا لِلشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ فَكَأنَّهم أرادُوا أنْ يَمْلَؤُوا حِياضَ قَلْبِهِ مِن نَمِيرِها لِيَسْقُوا بِهِ أشْجارَ تَحَسُّسِهِمْ لِتُثْمِرَ لَهم غَرَضَ أبِيهِمْ ووَجَّهَهُ بَعْضُهم بِمِثْلِ هَذا ثُمَّ قالَ: عَلى أنَّ قَوْلَهم ﴿وتَصَدَّقْ﴾ .. إلَخْ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى المَحْمَلَيْنِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهُ عَلى طَلَبِ الرَّدِّ ولِذَلِكَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences