Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:9–14
12:9Page 236
ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩
Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance [i.e., attention] of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."1
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما حُكِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالُوا﴾ وقَدْ قالَهُ بَعْضٌ مِنهم مُخاطِبًا لِلْباقِينَ وكانُوا راضِينَ بِذَلِكَ إلّا مَن قالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ كُلٌّ مِنهم مُخاطِبًا لِلْبَقِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ هو الِاسْتِثْناءُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القائِلَ رَجُلٌ غَيْرُهم شاوَرُوهُ في ذَلِكَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا ثَبْتَ لَهُ، والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ خَيَّرَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ القَتْلِ والطَّرْحِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ قالَ بَعْضٌ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ وبَعْضٌ ﴿اطْرَحُوهُ﴾ والطَّرْحُ رَمْيُ الشَّيْءِ وإلْقاؤُهُ، ويُقالُ: طَرَحْتُ الشَّيْءَ أبْعَدْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ:
ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقَتِّرًا مِنَ المالِ يَطْرَحُ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحٍ
ونُصِبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أيْ ألْقُوهُ في أرْضٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ –لِاطْرَحُوهُ- لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أنْزِلُوهُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا)،﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِأنَّ ما يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُبْهَمًا وحَيْثُ كانَ المُرادُ أرْضًا بَعِيدَةً عَنْ أرْضِهِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ إبْهامٌ، ودُفِعَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وحاصِلُ المَعْنى اقْتُلُوهُ أوْ غَرِّبُوهُ فَإنَّ التَّغْرِيبَ كالقَتْلِ في حُصُولِ المَقْصُودِ مَعَ السَّلامَةِ مِن إثْمِهِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ مُرَّيْنِ فَإنَّ الغُرْبَةَ كُرْبَةٌ أيَّةُ كُرْبَةٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
حَسَّنُوا القَوْلَ وقالُوا غُرْبَةٌ ∗∗∗ إنَّما الغُرْبَةُ لِلْأحْرارِ ذَبْحٌ
﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ بِالجَزْمِ جَوابُ الأمْرِ، والوَجْهُ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ، وفي الكَلامِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ خُلُوصِ المَحَبَّةِ، ومِن هُنا قِيلَ: أيْ يُقْبِلُ عَلَيْكم إقْبالَةً واحِدَةً لا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكُمْ، والمُرادُ سَلامَةُ مَحَبَّتِهِ لَهم مِمَّنْ يُشارِكُهم فِيها ويُنازِعُهم إيّاها، وقَدْ فُسِّرَ الوَجْهُ بِالذّاتِ والكِنايَةِ بِحالِها خَلا أنَّ الِانْتِقالَ إلى المَقْصُودِ بِمَرْتَبَتَيْنِ عَلى الأوَّلِ وبِمَرْتَبَةٍ عَلى هَذا، وقِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى الذّاتِ، وفي الكَلامِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوَجُّهِ والتَّقَيُّدِ بِنَظْمِ أحْوالِهِمْ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ لِأنَّ خُلُوَّهُ لَهم يَدُلُّ عَلى فَراغِهِ عَنْ شَغْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَشْتَغِلُ بِهِمْ ويُنَظِّمُ أُمُورَهُمْ، ولَعَلَّ الوَجْهَ الأوْجَهَ هو الأوَّلُ ﴿وتَكُونُوا﴾ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِالنَّصْبِ بَعْدَ الواوِ بِإضْمارِ أنَّ أيْ يَجْتَمِعُ لَكم خُلُوُّ وجْهِهِ والكَوْنُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ بَعْدِ يُوسُفَ عَلى مَعْنى بَعْدِ الفَراغِ مِن أمْرِهِ، أوْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ، فالضَّمِيرُ إمّا لِيُوسُفَ أوْ لِأحَدِ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ الفِعْلَيْنِ.
﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى عَمّا جِئْتُمْ بِهِ مِنَ الذَّنْبِ -كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ- وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، فالمُرادُ بِالصَّلاحِ الصَّلاحُ الدِّينِيُّ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ لَكِنْ بَيْنَهم وبَيْنَ أبِيهِمْ بِالعُذْرِ، وهو وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلدِّينِ لِكَوْنِهِ كَذِبًا لَكِنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ مِن جِهَةِ أنَّهم يَرْجُونَ عَفْوَ أبِيهِمْ وصَفْحَهُ
صفحة 192
بِهِ لِيَخْلُصُوا مِنَ العُقُوقِ عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الصَّلاحُ الدُّنْيَوِيُّ أيْ صالِحِينَ في أمْرِ دُنْياكم فَإنَّهُ يَنْتَظِمُ لَكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكُمْ، وإيثارُ الخِطابِ في (لَكُمْ) وما بَعْدَهُ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى القَبُولِ فَإنَّ اعْتِناءَ المَرْءِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ واهْتِمامِهِ بِتَحْصِيلِ مَنافِعِهِ أتَمُّ وأكْمَلُ
12:10Page 236
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠
Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ وهو يَهُوذا وكانَ رَأْيُهُ فِيهِ أهْوَنَ شَرًّا مِن رَأْيِ غَيْرِهِ وهو القائِلُ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ إلَخْ قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ: هو رُوبِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: دانُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أحَدَ هَذَيْنِ هو القائِلُ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ إلَخْ، وأمّا القائِلُ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَغَيْرُهُ، ولَعَلَّ الأصَحَّ أنَّهُ يَهُوذا.
قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ أحَدٌ مِنهم بِاسْمِهِ سَتْرًا عَلى المُسِيءِ، وكُلٌّ مِنهم لَمْ يَخْلُ عَنِ الإساءَةِ وإنْ تَفاوَتَتْ مَراتِبُها، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا مِنهم بِاسْمِهِ تَأسِّيًا بِالكِتابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ تَفْسِيرٍ وهو فِيهِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ اتَّفَقُوا عَلى ما عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن خَصْلَتَيِ الصَّنِيعِ أمْ خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ؟ فَقِيلَ: قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ﴿لا تَقْتُلُوا﴾ إلَخْ، والإتْيانُ بِيُوسُفَ دُونَ ضَمِيرِهِ لِاسْتِجْلابِ شَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِعْظامِ قَتْلِهِ وهو هُوَ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُمُ: القَتْلُ عَظِيمٌ ولَمْ يُصَرِّحْ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الخِصْلَةِ الأُخْرى، وأحالَهُ عَلى أوْلَوِيَّةِ ما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ أيْ في قَعْرِهِ وغَوْرِهِ سُمِّيَ بِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المِنخَلُ السَّعْدِيُّ:
إذا أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي (غَيابَتِي) فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ
وقالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شِبْهُ كَهْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فَوْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ، والجُبُّ الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ فَإذا طُوِيَتْ فَهي بِئْرٌ، قالَ الأعْشى:
لَئِنْ كُنْتُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورَقِيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمٍ
ويُجْمَعُ عَلى جُبَبٍ وجِبابٍ وأجْبابٍ، وسُمِّيَ جُبًّا لِأنَّهُ جُبَّ مِنَ الأرْضِ أيْ قُطِعَ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في تَأْنِيثِهِ وتَذْكِيرِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ في –غَياباتِ- في المَوْضِعَيْنِ كَأنَّ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٍ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى سِعَتِها، أوْ أرادَ بِالجُبِّ الجِنْسَ أيْ في بَعْضِ غَياباتِ الجُبِّ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ –غَيّاباتِ- بِتَشْدِيدِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، ووَزْنُهُ عَلى ما نَقَلَ صاحِبُ اللَّوامِحِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ غَيَبَةِ بِفُتُحاتٍ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَيْبَةٌ بِسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الغائِبُ.
﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ أيْ يَأْخُذْهُ عَلى وجْهِ الصِّيانَةِ عَنِ الضَّياعِ والتَّلَفِ، فَإنَّ الِالتِقاطَ أخْذُ شَيْءٍ مُشْرِفٍ عَلى الضَّياعِ كَذا قِيلَ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ هو أنْ يَجِدَ الشَّيْءَ ويَأْخُذَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَحْسَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ومَنهَلٌ ورَدْتُهُ التِقاطًا.
﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ أيْ بَعْضُ جَماعَةٍ تَسِيرُ في الأرْضِ وألْ في السَّيّارَةِ كَما في الجُبِّ وما فِيهِما، وفي –البَعْضِ- مِنَ الإبْهامِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن تَرْوِيجِ كَلامِهِ بِمُوافَقَتِهِ لِغَرَضِهِمُ الَّذِي هو تَنائِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهم بِحَيْثُ لا يُدْرى أثَرُهُ ولا يُرْوى خَبَرُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ –تَلْتَقِطْهُ- عَلى التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ:
إذا بَعْضُ السِّنِينَ (تَعْرِفَتُنا) ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدُ أبِي اليَتِيمِ
صفحة 193
وجاءَ قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ وجَعَلُوا هَذا مِن بابِ اكْتِسابِ المُضافِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّأْنِيثَ كَقَوْلِهِ: كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ عازِمِينَ مُصِرِّينَ عَلى أنْ تَفْعَلُوا بِهِ ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ أوْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ بِمَشُورَتِي ورَأْيِي فَألْقُوهُ إلَخْ، ولَمْ يَبِتَّ القَوْلَ لَهم بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ وتَوْجِيهًا لَهم إلى رَأْيِهِ وحَذَرًا مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مَظِنَّةً لِسُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَما فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ قَبِلُوا رَأْيَهُ أمْ لا؟ فَأُجِيبَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ عَلى وجْهٍ أدْرَجَ في تَضاعِيفِهِ قَبُولَهم لَهُ بِما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ فَقِيلَ:
12:11Page 236
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١
They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?
﴿قالُوا يا أبانا﴾ خاطَبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ تَحْرِيكًا لِسِلْسِلَةِ النَّسَبِ وتَذْكِيرًا لِرابِطَةِ الأُخُوَّةِ لِيَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لِما أحَسَّ بِحَسَدِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: ﴿ما لَكَ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكَ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ لا تَجْعَلْنا أُمَناءَ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ مَعَ أنَّكَ أبُونا ونَحْنُ بَنُوكَ وهو أخُونا ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُرِيدُونَ لَهُ الخَيْرَ ومُشْفِقُونَ عَلَيْهِ لَيْسَ فِينا ما يُخِلُّ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَذا جُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ –بِما لَكَ- فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والكَلامُ ظاهِرٌ في أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم فَلَمْ يَرْضَ أبُوهم بِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ بِالإدْغامِ والإشْمامِ، وفُسِّرَ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنَهُما إشارَةً إلى الحَرَكَةِ مَعَ الإدْغامِ الصَّرِيحِ كَما يَكُونُ في الوَقْفِ وهو المَعْرُوفُ عِنْدَهم وفِيهِ عُسْرٌ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى إشْرابِ الكَسْرَةِ شَيْئًا مِنَ الضَّمَّةِ كَما قالُوا في قِيلَ، وعَلى إشْمامِ أحَدِ حَرْفَيْنِ شَيْئًا مِن حَرْفٍ آخَرَ كَما قالُوا في الصِّراطِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِالإدْغامِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ، وإرادَةُ النَّفْيِ ظاهِرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِضَمِّ المِيمِ مَعَ الإدْغامِ، وهَذِهِ الضَّمَّةُ مَنقُولَةٌ إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ حَرَكَتِها.
وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: لا تَأْمَنُنا- بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ، وهو خِلافُ خَطِّ المُصْحَفِ لِأنَّهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَزِينٍ -لا تِيمَنّا- بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ؛ وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، ولَمْ يُسَهِّلْ أبُو رَزِينٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِذَلِكَ بِمَحْضَرِ عُبَيْدِ بْنِ فَضْلَةَ فَقالَ لَهُ: لَحَنْتَ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ: ما لَحَنَ مَن قَرَأ بِلُغَةِ قَوْمِهِ
12:12Page 236
أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢
Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians."
﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ وهو يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مُطْلَقًا، وأصْلُهُ غَدَوٌ فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا أيِ ابْعَثْهُ مَعَنا غَدًا إلى الصَّحْراءِ ﴿يَرْتَعْ﴾ أيْ يَتَّسِعُ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها، وأصْلُ مَعْنى الرَّتْعِ أنْ تَأْكُلَ وتَشْرَبَ ما تَشاءُ في خِصْبٍ وسِعَةٍ، ويُقالُ: رَتَعَ أقامَ في خِصْبٍ وتَنَعُّمٍ، ويُسَمّى الخِصْبُ رَتْعَةً بِسُكُونِ التّاءِ وفَتْحِها، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الرَّتْعَ حَقِيقَةٌ في أكْلِ البَهائِمِ ويُسْتَعارُ لِلْإنْسانِ إذا أُرِيدَ بِهِ الأكْلُ الكَثِيرُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ. وإذْ يَخْلُو لَهُ الحِمى رَتَعَ.
﴿ويَلْعَبْ﴾ بِالِاسْتِباقِ والِانْتِضالِ ونَحْوِهِما مِمّا يَتَدَرَّبُ بِهِ لِقِتالِ العَدُوِّ، ولَيْسَ المُرادُ لَعِبَ لَهْوٍ وإلّا لَمْ يُقِرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِكَوْنِهِ عَلى هَيْئَتِهِ تَحْقِيقًا لِما رَمَوْهُ مِنِ اسْتِصْحابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَصْوِيرِهِمْ لَهُ بِصُورَةِ ما يُلائِمُ حالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن صِغَرِ السِّنِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ
صفحة 194
والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ والجَزْمِ، وكَسَرَ العَيْنَ الحَرَمِيّانِ، واخْتُلِفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ويُرْوى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ –نَرْتَعُ- بِالنُّونِ و(يَلْعَبُ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ (ويَلْعَبُ) بِالياءِ أيْضًا وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو يَلْعَبُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ –نُرْتَعْ- بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وعَيْنٍ ساكِنَةٍ مِن أرْتَعْنا –ونَلْعَبُ- بِالنُّونِ أيْضًا، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ إلّا أنَّهُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ أيْ نُرْتِعِ المَواشِي أوْ غَيْرَها، والفِعْلانِ في هَذِهِ القِراآتِ كُلِّها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (يُرْتَعُ ويُلْعَبُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِما، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ غَدٍ، والأصْلُ يَرْتَعُ فِيهِ ويَلْعَبُ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ واتَّسَعَ فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ فَصارَ يُرْتِعُهُ ويُلْعِبُهُ، ثُمَّ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ فاسْتُتِرَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِنَ الفِعْلِ الأوَّلِ فَهو عِنْدَهُ مِنَ المُراعاةِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْ يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ نَتَدَرَّبُ في الرَّعْيِ وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، والمُرادُ نَرْعى مَواشِيَنا إلّا أنَّهُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مَجازًا، أوْ تَجُوزُ عَنْ أكْلِهِمْ بِالرَّعْيِ، وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ القِراءَةَ بِإثْباتِ الياءِ، وقالَ: إنَّ إثْباتَها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمى بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ
وقِيلَ: إنَّ تَقْدِيرَ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ ونَحْوِها لِلْجازِمِ لُغَةٌ ولَيْسَ مِنَ الضَّرُورَةِ في شَيْءٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ نَلْهُو ونَلْعَبُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والعامِلُ فِيها فِعْلُ الأمْرِ أوِ الجَوابُ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الأعْمالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وذَلِكَ البابُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، وقَدْ أكَّدُوا مَقالَتَهم بِأصْنافِ التَّأْكِيدِ مِن إيرادِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً وتَحْلِيَتِها بِأنْ واللّامِ، وإسْنادُ الحِفْظِ إلى كُلِّهِمْ وتَقْدِيمُ (لَهُ) عَلى الخَبَرِ احْتِيالًا في تَحْصِيلِ مَقْصِدِهِمْ
12:13Page 236
قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣
[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا قالَ أبُوهم لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ إذا كانَ مُضارِعًا قِيلَ: تَقْصُرُهُ عَلى الحالِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: تَكُونُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وقِيلَ: إنَّها لِلْحالِ إنْ خَلَتْ عَنْ قَرِينَةٍ ومَعَها تَكُونُ لِغَيْرِهِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ ما في الآيَةِ، وبَعْضُهم جَعَلَها هُنا لِلْحالِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الذَّهابَ مُسْتَقْبَلٌ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الفِعْلِ عَلى فاعِلِهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ أثَرُهُ ولا يُعْقَلُ تَقَدُّمُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ قَصْدُ أوْ تَوَقُّعُ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وهو الفاعِلُ ولَيْسَ ذاكَ أمْرًا مُسْتَقْبَلًا بَلْ حالٌ، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ حَذْفُ الفاعِلِ لِما صَرَّحُوا بِهِ أنَّهُ إنَّما يَمْتَنِعُ إذا لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ وهُنا قَدْ سَدَّ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ السّادُّ هو المُضافُ إلَيْهِ كَما ظُنَّ، بَلْ لَوْ سَدَّ غَيْرُهُ كانَ الحَذْفُ جائِزًا أيْضًا، ومِن هُنا كانَ تَقْدِيرُ قَصْدِكم أنْ تَذْهَبُوا صَحِيحًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ:
صفحة 195
إنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ الإشْكالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الذَّهابَ يُحْزِنُهُ بِاعْتِبارِ تَصَوُّرِهِ كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في العِلَّةِ الغائِيَّةِ، وقالَ شِهابٌ: ذَلِكَ التَّحْقِيقُ أظُنُّ أنَّ ما قالُوهُ في تَوْجِيهِ الإشْكالِ مَغْلَطَةٌ لا أصْلَ لَها، فَإنَّ لُزُومَ كَوْنِ الفاعِلِ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ إنَّما هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لا النَّحْوِيُّ واللُّغَوِيُّ فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَهُ سَواءٌ كانَ حالًا كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، أوْ ماضِيًا كَما أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في مِثْلِهِ أمْرًا مَعْدُومًا كَما في قَوْلِهِ:
ومَن سَرَّهُ أنْ لا يَرى ما يَسُوءُهُ فَلا يَتَّخِذُ شَيْئًا يَخافُ لَهُ فَقْدًا
ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في مِثْلِهِ إنَّهُ مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ فَإنَّ الحُزْنَ والغَمَّ كالسُّرُورِ والفَرَحِ يَكُونُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِلالٍ في فُرُوقِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ أوْ تَقْدِيرٍ أوْ تَنْزِيلٍ لِلْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ مَنزِلَةَ الخارِجِيِّ عَلى القَوْلِ بِهِ أوْ الِاكْتِفاءِ بِهِ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أوِ اللِّسانُ فَإنْ أبَيْتَ إلّا اللَّجاجَ فِيهِ فَلْيَكُنْ مِنَ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى ما يَسْتَقْبِلُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحُزْنِ الآنَ اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ فِعْلَ الفاعِلِ الِاصْلاحِيِّ إمّا قائِمٌ بِهِ أوْ واقِعٌ مِنهُ، وقِيامُ الشَّيْءِ بِما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ ووُقُوعُهُ مِنهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وحِينَئِذٍ فالتَّأْوِيلُ بِما يَصِحُّ القِيامُ أوِ الوُقُوعُ في فاقِدِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ واجِبٌ كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ –لِيَحْزُنِّي- بِالإدْغامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَرَأ أيْضًا تَذْهَبُوا بِهِ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ عَلى زِيادَةِ الباءِ في (بِهِ) كَما خَرَّجَ بَعْضُهم (تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ) في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ المُوَحَّدَةَ عَلى ذَلِكَ أيْ -لِيُحْزِنِّي أنْ تُذْهِبُوهُ.
﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ هو حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الأرْضَ عَلى ما قِيلَ: كانَتْ مُذْئَبَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ سَبُعٌ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ مِنهُ عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ افْتِراسًا مِن بابِ أوْلى، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لِما بَلَغَ مِنَ السِّنِّ ما بَلَغَ في قَوْلِهِ:
(والذِّئْبُ) أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّ ذِئْبًا قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ فَكانَ يَحْذَرُهُ، ولَعَلَّ هَذا الحَذَرَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِمُناسَبَتِهِمُ التّامَّةِ بِعالَمِ المَلَكُوتِ تَكُونُ واقِعاتُهم بِعَيْنِها واقِعَةً، وإلّا فالذِّئْبُ في النَّوْمِ يُؤَوَّلُ بِالعَدُوِّ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورى بِالذِّئْبِ عَنْ واحِدٍ مِنهم فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ لا يَعْلَمَ أنَّ رُؤْياهُ تِلْكَ مِن أيِّ أقْسامِ الرُّؤْيا هِيَ، فَإنَّ مِنها ما يَحْتاجُ لِلتَّعْبِيرِ، ومِنها ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، والكامِلُ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ كَما قَدْ خَفِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى جَدِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِناءٌ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُنا ابْنُ العَرَبِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ مِن أنَّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَبْحَ ولَدِهِ مِنَ الرُّؤْيا المُعَبِّرَةِ بِذَبْحِ كَبْشٍ لَكِنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ وكَأنَّ يُوسُفَ في بَطْنِ الوادِي فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ تُرِيدُ أكْلَهُ فَدَرَأ عِنْدَ واحِدٍ ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأنا لَمْ أجِدْ لِرِوايَةِ الرُّؤْيا مُطْلَقًا سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى اعْتِبارِها لِتَكَلُّفِ الكَلامِ فِيها، وبِالجُمْلَةِ ما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا القَوْلِ كانَ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وهو عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ والبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ.
صفحة 196
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لا تُلَقِّنُوا النّاسَ فَيَكْذِبُوا فَإنَّ بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ النّاسَ فَلَمّا لَقَّنَهم أبُوهم كَذَّبُوا فَقالُوا: أكَلَهُ الذِّئْبُ“،» والحُزْنُ ألَمُ القَلْبِ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ، والخَوْفُ انْزِعاجُ النَّفْسِ لِنُزُولِ المَكْرُوهِ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ الأوَّلَ إلى الذَّهابِ بِهِ المُفَوِّتِ لِاسْتِمْرارِ مُصاحَبَتِهِ ومُواصَلَتِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي إلى ما يُتَوَقَّعُ نُزُولُهُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ أصْلُهُ الهَمْزَةُ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وبِها قَرَأ غَيْرُ واحِدٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وخَلَفٌ وأبُو جَعْفَرٍ ووَرْشٌ والأعْشى وغَيْرُهم بِإبْدالِها ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها وهو القِياسُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ قَدْ هَمَزَهُ عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وأبُو عَمْرٍو وقْفًا، وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ دَرَجا وأبْدَلا وقْفًا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ في الوَقْفِ وإنْ كانَ جائِزًا إلّا أنَّهُ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ يَكُونُ أحْسَنَ.
وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عَمْرٍو لا يَهْمِزُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ ما تَقَدَّمَ رِوايَةً وهَذِهِ أُخْرى، ويَجْمَعُ عَلى أذْؤُبٍ وذِئابٍ وذُؤْبانٍ، واشْتِقاقُهُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: إنَّ اشْتِقاقَ تَذاءَبَتْ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّ الذِّئْبَ يَفْعَلُهُ في عَدُوِّهِ، قِيلَ: وهو أنْسَبُ ولِذا عُدَّ تَذاءَبَتِ الرِّيحُ مِنَ المَجازِ في الأساسِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ أخْذَ الفِعْلِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ –كَإبِلٍ- قَلِيلٌ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ ﴿وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ، أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.
12:14Page 236
قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤
They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."
﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ تَعْصِبَ بِنا الأُمُورُ وتَكْفِيَ بِآرائِنا وتَدْبِيراتِنا الخُطُوبُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابٌ مُجْزِئٌ عَنِ الجَزاءِ، والخَسارُ إمّا بِمَعْنى الهَلاكِ تَجَوُّزًا عَنِ الضَّعْفِ أوِ اسْتِحْقاقِهِ، أوْ عَنِ اسْتِحْقاقِ الدُّعاءِ بِهِ أيْ لَضُعَفاءُ عاجِرُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْهَلاكِ لا غِناءَ عِنْدَنا ولا نَفْعَ في حَياتِنا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْنا بِالخَسارِ والدَّمارِ فَيُقالُ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم إذْ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم مَعَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أيْ إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِهِ وهو أعَزُّ شَيْءٍ عِنْدَنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها، وإنَّما اقْتَصَرُوا عَلى جَوابِ خَوْفِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ في وجْهِ عَدَمِ مُفارَقَتِهِ أمْرَيْنِ: حُزْنُهُ لِمُفارَقَتِهِ وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّهُ السَّبَبُ القَوِيُّ في المَنعِ دُونَ الحُزْنِ لِقَصْرِ زَمانِهِ بِناءً عَلى سُرْعَةِ عَوْدِهِمْ بِهِ، أوْ لِأنَّ حُزْنَهُ بِالذَّهابِ إنَّما هو لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، فَنَفْيُ الثّانِي يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الأوَّلِ، أوْ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُ فَلِذَلِكَ أعارُوهُ أُذُنًا صَمّاءَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences