Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:89–93
12:89Page 246
قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩
He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"
قالَ مُجِيبًا عَمّا عَرَّضُوا بِهِ وضَمَّنُوهُ كَلامَهم مِن ذَلِكَ ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا الِاقْتِصارَ عَلى التَّعَرُّضِ بِما فَعَلَ مَعَ الأخِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَرَّضَ لِما فُعِلَ بِهِ أيْضًا لِاشْتِراكِهِما في وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِما فَإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إفْرادُهم لَهُ عَنْهُ وإذْلالُهُ بِذَلِكَ حَتّى كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهم إلّا بِعَجْزٍ وذِلَّةٍ والِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَنِ العِلْمِ بِنَفْسِ ما فَعَلُوهُ لِأنَّ الفِعْلَ الإرادِيَّ مَسْبُوقٌ بِالشُّعُورِ لا مَحالَةَ بَلْ هو عَمّا فِيهِ مِنَ القُبْحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ . (89) . أيْ هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ ما فَعَلْتُمُوهُ زَمانَ جَهْلِكم قُبْحَهُ وزالَ ذَلِكَ الجَهْلُ أمْ لا وفِيهِ مِن إبْداءِ عُذْرِهِمْ وتَلْقِينِهِمْ إيّاهُ ما فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ والظّاهِرُ لِهَذا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَشَفِّيًا بَلْ حَثٌّ عَلى الإقْلاعِ ونُصْحٌ لَهم لَمّا رَأى مِن عَجْزِهِمْ وتَمَسْكُنِهِمْ ما رَأى مَعَ خَفِيِّ مُعاتَبَةٍ عَلى وُجُودِ الجَهْلِ وأنَّهُ حَقِيقُ الِانْتِفاءِ في مِثْلِهِمْ فَلِلَّهِ تَعالى هَذا الخُلُقُ الكَرِيمُ كَيْفَ تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ التَّشَفِّي إلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ حَقَّ الأُخُوَّتَيْنِ أيْضًا والتَّلَطُّفَ في إسْماعِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا الضُّرَّ أوْلى بِالكَشْفِ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْقَطِعًا عَنْ كَلامِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم عَمّا حَقُّهم ووَظِيفَتُهم مِنَ الإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ المَطالِبِ والتَّمَخُّضِ لِطَلَبِ بِنْيامِينَ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَقِفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ أوِ الإلْهامِ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإرْسالِهِ إيّاهم لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ ومِن أخِيهِ فَلَمّا رَآهم قَدِ اشْتَغَلُوا عَنْ ذَلِكَ قالَ ما قالَ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى ما رَأى مِنهم وهو مِن أرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى قَلْبًا وكانَ قَدْ بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ شَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ فَقالَ ما قالَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهم لَمّا اسْتَعْطَفُوهُ رَقَّ لَهم ورَحِمَهم حَتّى أنَّهُ ارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا ولَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ فَشَرَعَ في التَّعَرُّفِ لَهم وأرادَ بِما فَعَلُوهُ بِهِ جَمِيعَ ما جَرى وبِما فَعَلُوهُ بِأخِيهِ أذاهم لَهُ وجَفاءَهم إيّاهُ وسُوءَ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ وإفْرادَهم كَما سَمِعْتَ ولَمْ يَذْكُرْ لَهم ما آذَوْا بِهِ أباهم عَلى ما قِيلَ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وأخِيهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِن فُرُوعِ ما ذُكِرَ وقِيلَ: إنَّهم أدَّوْا إلَيْهِ كِتابًا مِن أبِيهِمْ وصُورَتَهُ كَما في الكَشّافِ مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ أمّا بَعْدُ فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٍ بِنا البَلاءُ أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ ورُمِيَ بِهِ في النّارِ لِيُحْرَقَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى وجُعِلَتِ النّارُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا وأمّا
صفحة 48
أبِي فَوُضِعَ عَلى قَفاهُ السِّكِّينُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ تَعالى وأمّا أنا فَكانِ لِي ابْنٌ وكانَ أحَبَّ الأوْلادِ إلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِيَّةِ ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِن بُكائِي عَلَيْهِ ثُمَّ كانَ لِي ابْنٌ كانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ سَرَقَ وإنَّكَ حَبَسْتَهُ لِذَلِكَ وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ والسَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي رَوْقٍ نَحْوَهُ فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَمْ يَتَمالَكْ وعِيلَ صَبْرُهُ فَقالَ لَهم ذَلِكَ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَرَأ الكِتابَ بَكى وكَتَبَ الجَوابَ اصْبِرْ كَما صَبَرُوا تَظْفَرْ كَما ظَفَرُوا هَذا وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن كَوْنِ المُرادِ إثْباتَ الجَهْلِ لَهم حَقِيقَةً هو الظّاهِرُ وقِيلَ: لَمْ يَرِدْ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم لِأنَّهم كانُوا عُلَماءَ ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ وتَرْكُ مُقْتَضى العِلْمِ مِن صَنِيعِ الجُهّالِ سَمّاهم جاهِلِينَ وقِيلَ: المُرادُ جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ الأمْرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ﴿جاهِلُونَ﴾ صِبْيانٌ قَبْلَ أنْ تَبْلُغُوا أوانَ الحُلُمِ والرَّزانَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِالوَجْهِ لِأنَّهُ لا يُطابِقُ الوُجُودَ ويُنافِي ( ونَحْنُ عُصْبَةٌ ) فالظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ الإسْنادِ وزَعَمَ في التَّحْرِيرِ أنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ أيْ ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ وأخِيهِ كَما يُقالُ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ وقِيلَ: هَلْ بِمَعْنى قَدْ كَما في ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ والمَقْصُودُ هو التَّوْبِيخُ أيْضًا وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ والصَّحِيحُ ما تَقَدَّمَ ومِنَ الغَرِيبِ الَّذِي لا يَصِحُّ البَتَّةَ ما حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالُوا لَهُ ما قالُوا غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وجَزِعُوا فَرَقَّ لَهم وقالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ .. إلَخْ
12:90Page 246
قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠
They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."
﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِإنَّ واللّامِ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي التَّحَقُّقَ المُنافِيَ لِلِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ ولَعَلَّهم قالُوهُ اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( إنَّكَ ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ وهو الظّاهِرُ فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ ونُسِبَ كُلٌّ إلى المَجْمُوعِ أمْكَنَ وهو مَعَ ذَلِكَ بِعِيدٌ و( أنْتَ ) في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ و( يُوسُفُ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَبَرُ ( إنَّ ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ وقَرَأ أُبَيٌّ أإنَّكَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِ المُحْتَسِبِ عَلى حَذْفِ خَبَرِ إنَّ وقَدَّرَهُ أإنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وكَذا الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا أنَّهُ قَدَّرَهُ أإنَّكَ يُوسُفُ أوْ أنْتَ يُوسُفُ ثُمَّ قالَ: وهَذا كَلامٌ مُتَعَجَّبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِيثاقَ قالَ في الكَشْفِ: وما قَدَّرَهُ أوْلى لِقِلَّةِ الإضْمارِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ وإنْ كانَ الأوَّلُ أجْرى عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ ولَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُقَدَّرَ أإنَّكَ أنْتَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ تَجْهِيلًا لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةُ يُوسُفَ أيْ أإنَّكَ المَعْرُوفُ عَزِيزُ مِصْرَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ العَزِيزُ يُوسُفَ أوْ يُوسُفَ عَزِيزًا وفِيهِ قِلَّةُ الإضْمارِ أيْضًا مَعَ تَغايُرِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ والجَرْيِ عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ زِيادَةِ الفائِدَةِ مِن إيهامِ البُعْدِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: ذاكَ أوْفَقُ لِلْمَشْهُورِ لِقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو يُجابُ بِأنَّهُ يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الأوْجُهِ كُلِّها أنَّ الِاسْتِفْهامَ غَيْرُ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ التَّنافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مُخاطِبَهُمُ المَعْرُوفَ وكَوْنِهِ يُوسُفَ شَدِيدُ الدَّلالَةِ أيْضًا مَعَ زِيادَةِ إفادَةِ ذِكْرِ مُوجِبِ اسْتِبْعادِهِمْ وهو كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ واخْتَلَفُوا في
صفحة 49
تَعْيِينِ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمُ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: عَرَفُوهُ بِرِوائِهِ وشَمائِلِهِ وكانَ قَدْ أدْناهم إلَيْهِ ولَمْ يُدْنِهِمْ مِن قَبْلُ وقِيلَ: كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ فَلَمّا أرادَ التَّعَرُّفَ إلَيْهِمْ رَفَعَهُ فَعَرَفُوهُ وقِيلَ: تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ وكانَ يُضِيءُ ما حَوالَيْهِ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَنَظَرُوا إلى عَلامَةٍ بِقَرْنِهِ كانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ وسارَةَ مِثْلُها تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ فَعَرَفُوهُ بِذَلِكَ ويَنْضَمُّ إلى كُلِّ ذَلِكَ عِلْمُهم أنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن سِنْخِ إبْراهِيمَ لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُمُ إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ وهَذا جَوابٌ عَنْ مُساءَلَتِهِمْ وزادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ مِن أبَوَيَّ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّهم سَألُوهُ مُتَعَجِّبِينَ عَنْ كَوْنِهِ يُوسُفَ مُحَقِّقِينَ لِذَلِكَ مُخَيِّلِينَ لِشِدَّةِ التَّعَجُّبِ أنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ فَأجابَهم بِما يُحَقِّقُ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا ولِهَذا لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى أوْ أنا هو فَأعادَ صَرِيحَ الِاسْمِ ﴿وهَذا أخِي﴾ بِمَنزِلَةِ أنا يُوسُفُ لا شُبْهَةَ فِيهِ عَلى أنَّ فِيهِ ما يَبْنِيهِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَأنَّهم لَمّا سَألُوهُ مُتَعَجِّبِينَ أنْتَ يُوسُفُ أجابَ لا تَسْألُوا عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ ولَكِنِ اسْألُوا ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِكَ مِنَ الِامْتِنانِ والإعْزازِ وكَذَلِكَ بِأخِي ولَيْسَ مِن ذَلِكَ في شَيْءٍ كَما لا يَخْفى وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ في زِيادَةِ الجَوابِ مُبالَغَةً وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ الأخِ وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ حَسْبَما يُفِيدُهُ ﴿قَدْ مَنَّ﴾ .. إلَخْ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ فَأنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِالخَلاصِ عَمّا ابْتُلِيناهُ والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ طَلَبِهِمْ لَرَدِّ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخِي لا أخُوكم فَلا وجْهَ لِطَلَبِكُمُ. انْتَهى. وفِيهِ ما فِيهِ وجُمْلَةُ ﴿قَدْ مَنَّ﴾ .. إلَخْ عِنْدَ أبِي البَقاءِ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ: حالٌ مِن يُوسُفَ و﴿أخِي﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِعَدَمِ العامِلِ في الحالِ حِينَئِذٍ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هَذا لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى واحِدٍ و﴿عَلَيْنا﴾ راجِعٌ إلَيْهِما جَمِيعًا ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿مَن يَتَّقِ﴾ أيْ يَفْعَلُ التَّقْوى في جَمِيعِ أحْوالِهِ أوْ يَقِ نَفْسَهُ عَمّا يُوجِبُ سُخْطَ اللَّهِ تَعالى وعَذابَهُ ﴿ويَصْبِرْ﴾ عَلى البَلايا والمِحَنِ أوْ عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ أوْ عَنِ المَعاصِي الَّتِي لا تَسْتَلِذُّها النَّفْسُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ . (90) . أيْ أجْرَهم وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْمَنِّ واخْتارَ أبُو حَيّانَ عَدَمَ التَّخْصِيصِ في التَّقْوى والصَّبْرِ وقالَ مُجاهِدٌ المُرادُ مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ والنَّخَعِيُّ مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ وقِيلَ: مَن يَتَّقِ المَعاصِيَ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ مَن يَخَفِ اللَّهَ تَعالى ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ فِيهِ حَمْلَ مَن يَتَّقِ عَلى المَجازِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ والعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ جائِزٍ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: مَن يَتَّقِ مَن يَحْتَرِزْ عَنْ تَرْكِ ما أُمِرَ بِهِ وارْتِكابِ ما نُهِيَ عَنْهُ ويَصْبِرْ في
صفحة 50
المَكارِهِ وذَلِكَ بِاخْتِيارِهِ وهَذا بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ فَهو مُحْسِنٌ وذِكْرُ الصَّبْرِ بَعْدَ التَّقْوى مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِإرادَةِ الثَّباتِ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَتَّقِ ويَثْبُتْ عَلى التَّقْوى. انْتَهى.
والوَجْهُ الأوَّلُ مَيْلٌ لِما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وتَعْرِيضٌ بِإخْوَتِهِ بِأنَّهم لَمْ يَخافُوا عِقابَهُ تَعالى ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى طاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وطاعَةِ أبِيهِمْ وعَنِ المَعْصِيَةِ إذْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا فَيَكُونُ المُرادُ بِالِاتِّقاءِ الخَوْفَ وبِالصَّبْرِ الصَّبْرَ عَلى الطّاعَةِ وعَنِ المَعْصِيَةِ ورُدَّ بِأنَّ التَّعْرِيضَ حاصِلٌ في التَّفْسِيرِ الآخَرِ فَكَأنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ الصَّبْرِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ قُنْبُلٌ ( مَن يَتَّقِي ) بِإثْباتِ الياءِ فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وهَذِهِ ياءُ إشْباعٍ وقِيلَ: جَزْمُهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ وقَدْ حَكَمُوا ذَلِكَ لُغَةً وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ و( مَن ) مَوْصُولٌ وعُطِفَ المَجْزُومُ عَلَيْهِ عَلى التَّوَهُّمِ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ ( مَن ) شُرْطِيَّةٌ و﴿يَتَّقِي﴾ مَجْزُومٌ وقِيلَ: إنَّ ( يَصْبِرُ ) مَرْفُوعٌ كَيَتَّقِي إلّا أنَّهُ سُكِّنَتِ الرّاءُ لِتَوالِي الحَرَكاتِ وإنْ كانَ ذَلِكَ في كَلِمَتَيْنِ كَما سُكِّنَتْ في ( يَأْمُرْكم ) و( يُشْعِرْكم ) ونَحْوِهِما أوْ لِلْوَقْفِ وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ يَتَّقِي مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً وقَوْلُ أبِي عَلِيٍّ: إنَّهُ لا يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ حَكَوْهُ لُغَةً نَظْمًا ونَثْرًا
12:91Page 246
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١
They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وقِيلَ: بِالمُلْكِ وقِيلَ: بِالصَّبْرِ والعِلْمِ ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: بِالحُلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ سُلَيْمانُ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحُلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ والصَّبْرِ عَلى أذانا والأوَّلُ أوْلى.
( وإنْ ) أيْ والحالُ أنَّ الشَّأْنَ ﴿كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ . (91) . أيْ لَمُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ إذْ فَعَلْنا ما فَعَلْنا ولِذَلِكَ أعَزَّكَ وأذَلَّنا فالواوُ حالِيَّةٌ و( إنْ ) مُخَفَّفَةٌ اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ واللّامُ الَّتِي في خَبَرِ كانَ هي المُزَحْلَقَةُ وخاطِئِينَ مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ وأمّا أخْطَأ فَقَصَدَ الصَّوابَ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ وفي قَوْلِهِمْ: هَذا مِنَ الِاسْتِنْزالِ لِإحْسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاعْتِرافِ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ مَعَ الإشْعارِ بِالتَّوْبَةِ ما لا يَخْفى ولِذَلِكَ
12:92Page 246
قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢
He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.
﴿قالَ لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا تَأْنِيبَ ولا لَوْمَ عَلَيْكم وأصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ في الجَوْفِ وعَلى الكِرْشِ وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلسَّلْبِ أيْ إزالَةُ الثَّرْبِ كالتَّجْلِيدِ والتَّقْرِيعِ بِمَعْنى إزالَةِ الجِلْدِ والقَرْعِ واسْتُعِيرَ لِلَّوْمِ الَّذِي يُمَزِّقُ الأعْراضَ ويُذْهِبُ بَهاءَ الوَجْهِ لِأنَّهُ بِإزالَةِ الشَّحْمِ يَبْدُو الهُزالُ وما لا يُرْضِي كَما أنَّهُ بِاللَّوْمِ تَظْهَرُ العُيُوبُ فالجامِعُ بَيْنَهُما طَرَيانُ النَّقْصِ بَعْدَ الكَمالِ وإزالَةِ ما بِهِ الكَمالُ والجَمالُ وهو اسْمُ لا و﴿عَلَيْكُمُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ خَبَرًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الخَبَرِ المُقَدَّرِ أوْ بِالظَّرْفِ أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِهِ لِإفادَةِ وُقُوعِ التَّثْرِيبِ في غَيْرِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُثَرِّبْ أوَّلَ لِقائِهِ واشْتِعالَ نارِهِ فَبَعْدَهُ بِطَرِيقٍ الأوْلى وقالَ المُرْتَضِي: إنَّ اليَوْمَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الزَّمانِ كُلِّهِ كَقَوْلِهِ:
اليَوْمَ يَرْحَمُنا مَن كانَ يَغْبِطُنا واليَوْمَ نَتَّبِعُ مَن كانُوا لَنا تَبَعا
كَأنَّهُ أُرِيدَ بَعْدَ اليَوْمِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِتَثْرِيبَ وتَعَقَّبَهِ أبُو حَيّانَ قائِلًا: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِعَلَيْكم وهو إمّا خَبَرٌ أوْ صِفَةٌ ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِنَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّ
صفحة 51
مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ وأيْضًا لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ والمَمْطُولَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّبًا مُنَوَّنًا ولَوْ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ و﴿عَلَيْكُمُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿تَثْرِيبَ﴾ وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في اليَوْمِ والتَّقْدِيرُ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ كَما قَدَّرُوا في ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ وكَذا مَنَعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وعَلَّلَهُ بِلُزُومِ الإعْرابِ والتَّنْوِينِ أيْضًا واعْتُرِضَ بِأنَّ المُصَرَّحَ بِهِ في مُتُونِ النَّحْوِ بِأنَّ شَبِيهَ المُضافِ سُمِعَ فِيهِ عَدَمُ التَّنْوِينِ نَحْوَ لا طالِعَ جَبَلًا ووَقَعَ في الحَدِيثِ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ بِاتِّفاقِ الرُّواةِ فِيهِ وإنَّما الخِلافُ فِيهِ هَلْ هو مَبْنِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ تُرِكَ تَنْوِينُهُ وفي التَّصْرِيحِ نَقْلًا عَنِ المُغْنِي أنَّ نَصْبَ الشَّبِيهِ بِالمُضافِ وتَنْوِينَهُ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وأجازَ البَغْدادِيُّونَ لا طالِعَ جَبَلًا بِلا تَنْوِينٍ أجْرَوْهُ في ذَلِكَ مَجْرى المُضافِ كَما أجْرَوْهُ مَجْراهُ في الإعْرابِ وعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ الحَدِيثُ لا مانِعَ .. إلَخْ.
فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ما قالَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ والحَدِيثُ المَذْكُورُ لا يَتَعَيَّنُ كَما قالَ الدَّنُوشَرِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ المُغْنِي في الجِهَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ كَوْنِ اسْمِ لا فِيهِ مُفْرَدًا واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ والتَّقْدِيرُ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ وكَذا فِيما بَعْدَهُ وذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّ الظَّرْفَ بَعْدَ النَّفْيِ لا يَتَعَلَّقُ بِالمَنفِيِّ بَلْ بِمَحْذُوفٍ وهو خَبَرٌ وأنَّ ﴿اليَوْمَ﴾ في الآيَةِ مَعْمُولُ ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ويَجُوزُ العَكْسُ واعْتُرِضَ أيْضًا حَدِيثُ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِما فِيهِ ما فِيهِ وقِيلَ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ بَيانٌ كَلَكَ في سُقْيا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ و﴿اليَوْمَ﴾ خَبَرٌ.
وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الخَبَرِ ذاكَ و﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ونُقِلَ عَنِ المُرْتَضى أنَّهُ قالَ في الدُّرَرِ: قَدْ ضَعَّفَ هَذا قَوْمٌ مِن جِهَةِ أنَّ الدُّعاءَ لا يَنْصُبُ ما قَبْلَهُ ولَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَقَطَعُوا بِالمَغْفِرَةِ بِإخْبارِ الصِّدِّيقِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَهُ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وهي سَتْرُ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى لا يُؤاخَذُوا بِهِ ولا يُقَرَّعُوا إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ وأمّا قَبْلَهُ لِحاصِلٍ هو الإعْلامُ بِهِ والعِلْمُ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ بِخَبَرِ الصّادِقِ لا يُمْنَعُ الطَّلَبُ لِأنَّ المُمْتَنِعَ طَلَبُ الحاصِلِ لا طَلَبَ ما يُعْلَمُ حُصُولُهُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ واعْتُبِرَ بِاسْتِغْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا فَرْقَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإخْبارِ هُنا. انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي طَلَبُوهُ مِن أبِيهِمْ مَغْفِرَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَرْجِعُ إلى حَقِّهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمٌ بِتَحَقُّقِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا إذْ ذاكَ نُبُوَّتَهُ وظَنُّوهُ مِثْلَهم غَيْرَ نَبِيٍّ فَإنَّهُ لَمْ يَمْضِ وقْتٌ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أنَّهُ يُوسُفُ يَسَعُ مَعْرِفَةَ أنَّهُ نَبِيٌّ أيْضًا وما جَرى مِنَ المُفاوَضَةِ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فافْهَمْ وإلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الدُّعاءِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ وذَهَبَ جَمْعٌ أيْضًا إلى كَوْنِهِ خَبَرًا والحُكْمُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ غَيْبٌ قِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَفْحٌ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ حِينَئِذٍ وهم قَدِ اعْتَرَفُوا بِها أيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ لَهم ما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعالى وما يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُقْتَضى وعْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العِبادِ وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ( اليَوْمَ ) وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِيَغْفِرُ وهو اخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ وابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوا كَوْنَ الجُمْلَةِ بَعْدُ دِعائِيَّةً وهو الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الذَّوْقُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ . فَإنَّ كُلَّ مَن يَرْحَمُ سِواهُ جَلَّ وعَلا فَإنَّما يَرْحَمُ بِرَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ولا أقَلَّ مِن دَفْعِ ما يَجِدُهُ في نَفْسِهِ مِنَ التَّألُّمِ الرُّوحانِيِّ مِمّا يَجِدُهُ في المَرْحُومِ وقِيلَ: لِأنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ الصَّغائِرَ
صفحة 52
والكَبائِرَ الَّتِي لا يَغْفِرُها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ بِالقَبُولِ والجُمْلَةُ إمّا بَيانٌ لِلْوُثُوقِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ أوْ تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ المَغْفِرَةِ لِأنَّهُ عَفا عَنْهم فاللَّهُ تَعالى أوْلى بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ لَهم هَذا.
ومِن كَرَمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ إنَّكَ تَدْعُونا إلى طَعامِكَ بِكُرَةً وعَشِيَّةً ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ بِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبَدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ ولَقَدْ شَرُفْتُ بِكُمُ الآنَ وعَظُمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حَصَلَ بِذَلِكَ مِنَ العِلْمِ لِلنّاسِ ما لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآياتِ السّابِقَةِ والأخْبارُ قَدْ أخْبَرَهم أنَّهُ ابْنُ مَن ومِمَّنْ.
وكَذا ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ يَوْمًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي فَغَضِبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ لَكِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُفِدِ النّاسَ عِلْمًا وفي التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن إخْوَتِهِ مَزِيدَ الخَجَلِ أدْناهم إلَيْهِ وقالَ: لا يَشُقُّ عَلَيْكم إنْ بِعْتُمُونِي وإلى هَذا المَكانِ أوْصَلْتُمُونِي فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ ما يَقَعُ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ وما يَنْزِلُ بِكم مِن ذَلِكَ فَفَعَلَ ما أوْصَلَنِي بِهِ إلى هَذا المَكانِ والمَكانَةِ لِيُزِيلَ عَنْكم بِي ما يَنْزِلُ بِكم ويَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِبَقائِكم في الأرْضِ وانْتِشارِ ذَرارِيكم فِيها وقَدْ مَضَتْ مِن سِنِي الجَدْبِ سَنَتانِ وبَقِيَ خَمْسُ سِنِينَ وأنا اليَوْمَ قَدْ صَيَّرَنِي اللَّهُ تَعالى مَرْجِعًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِأهْلِهِ وسُلْطانًا عَلى جَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ فَلا يَضِقْ عَلَيْكم أمْرُكُمُ
12:93Page 246
ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣
Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ هو القَمِيصُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ كَما هو الظّاهِرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ القَمِيصُ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وكانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ جَعَلَهُ يَعْقُوبُ حِينَ وصَلَ إلَيْهِ في قَصَبَةٍ فِضَّةٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ وكانَ لا يَقَعُ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا بَرَّأها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وضَعَّفَ هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لابِسًا لَهُ في تَعْوِيذَتِهِ كَما تَشْهَدُ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ وهو تَضْعِيفٌ ضَعِيفٌ كَما لا يَخْفى وقِيلَ هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ وأرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وأيًّا ما كانَ فالباءُ إمّا لِلْمُصاحَبَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيِ اذْهَبُوا مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ عَلى ما قِيلَ أيْ أذْهِبُوا قَمِيصِيَ هَذا ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَصِرْ بَصِيرًا ويَشْهَدْ لَهُ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أوْ يَأْتِ إلَيَّ وهو بَصِيرٌ ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ . (93) . مِنَ النِّساءِ والذَّرارِي وغَيْرِهِمْ مِمّا لا يَنْتَظِمُهُ لَفْظُ الأهْلِ كَذا قالُوا.
وحاصِلُ الوَجْهَيْنِ كَما قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنَّ الإتْيانَ في الأوَّلِ مَجازٌ عَنِ الصَّيْرُورَةِ ولَمْ يُذْكَرْ إتْيانُ الأبِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ داخِلًا في الأهْلِ فَإنَّهُ يَجِلُّ عَنِ التّابِعِيَّةِ بَلْ تَفادِيًا عَنْ أمْرِ الإخْوَةِ بِالإتْيانِ لِأنَّهُ نَوْعٌ إجْبارٍ عَلى مَن يُؤْتى بِهِ فَهو إلى اخْتِيارِهِ وفي الثّانِي عَلى الحَقِيقَةِ وفِيهِ التَّفادِي المَذْكُورُ والجَزْمُ بِأنَّهُ مِنَ الآتِينَ لا مَحالَةَ وُثُوقًا بِمَحَبَّتِهِ وإنَّ فائِدَةَ الإلْقاءِ إتْيانُهُ عَلى ما أحَبَّ مِن كَوْنِهِ مُعافًى سَلِيمَ البَصَرِ وفِيهِ أنَّ صَيْرُورَتَهُ بَصِيرًا أمْرٌ
صفحة 53
مَفْرُوغٌ عَنْهُ مَقْطُوعٌ إنَّما الكَلامُ في تَسَبُّبِ الإلْقاءِ لِإتْيانِهِ كَذَلِكَ فَهَذا الوَجْهُ أرْجَحُ وإنْ كانَ الأوَّلُ مِنَ الخِلافَةِ بِالقَبُولِ بِمَنزِلٍ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وعِلْمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِإعْلامِهِمْ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالوَحْيِ وكَذا عِلْمُهُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الإلْقاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنْ وحْيٍ أيْضًا أوْ عَنْ وُقُوفٍ مِن قَبْلُ عَلى خَواصِّ ذَلِكَ القَمِيصِ بِالتَّجْرِبَةِ أوْ نَحْوِها إنْ كانَ المُرادُ بِالقَمِيصِ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذَةِ ويَتَعَيَّنُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ إنْ كانَ المُرادُ غَيْرَهُ عَلى ما هو الظّاهِرُ وقالَ الإمامُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما عَرا بَصَرَهُ ما عَراهُ إلّا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ وضِيقِ القَلْبِ فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالعَقْلِ فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ وأنا لا أرى ذَلِكَ قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ أُولَئِكَ الأهْلُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ مِن ولَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ وقِيلَ: ثَمانُونَ وقِيلَ: تِسْعُونَ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ وقِيلَ: سِتٌّ وتِسْعُونَ وقَدْ نَمَوْا في مِصْرَ فَخَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وسَبْعُونَ رَجُلًا سِوى الذُّرِّيَّةِ والهَرْمى وكانَتِ الذَّرِّيَّةُ ألْفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ عَلى ما قِيلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences