Al-AlusiYusuf · 12:94–99

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:94–99

12:94Page 246

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤

And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ خَرَجَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ والقَوْلُ بِأنَّهُ كانَ بِالجَزِيرَةِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا إذا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ وهو لازِمٌ وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا إذا فَرَّقَهُ وهو مُتَعَدٍّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ ) .

﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن عِنْدَهُ ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أيْ لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ أشَمَّهُ اللَّهُ تَعالى ما عَبِقَ بِالقَمِيصِ مِن رِيحِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أُخْرى مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وفي أُخْرى عَنْهُ مِن مَسِيرَةِ عَشْرِ لَيالٍ وقَدِ اسْتَأْذَنَتِ الرِّيحُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الهَرَوِيِّ في إيصالِ عَرْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَها وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ فَقالَ ما قالَ ويُبْعِدُ ذَلِكَ الإضافَةُ فَإنَّها حِينَئِذٍ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وهي فِيما قَبْلُ وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّها أقْوى بِكَثِيرٍ مِنها عَلى هَذا كَما لا يَخْفى ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . (94) . أيْ تَنْسِبُونِي إلى الفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الفَسادِ كَما في قَوْلِهِ:

إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ

وبِمَعْنى ضَعْفِ الرَّأْيِ والعَقْلِ مِنَ الهَرَمِ وكِبَرِ السِّنِّ ويُقالُ: فَنَدَ الرَّجُلُ إذا نَسَبَهُ إلى الفَنَدِ وهو عَلى ما قِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَنَدِ وهو الحَجَرُ كَأنَّهُ جُعِلَ حَجَرًا لِقِلَّةِ فَهْمِهِ كَما قِيلَ:

صفحة 54

إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدِ

ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَقِيلَ فَنَّدَهُ إذا ضَعَّفَ رَأْيَهُ ولامَهُ عَلى ما فَعَلَ قالَ الشّاعِرُ:

يا عاذِلِيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما قُلْتُ مِن أمْرٍ بِمَرْدُودِ

وجاءَ أفْنَدَ الدَّهْرُ فُلانًا أفْسَدَهُ قالَ ابْنُ مَقْتَلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ إذا كُلِّفَ الإفْنادُ بِالنّاسِ أفْنَدا

ويُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ إذا فَسَدَ رَأْيُهُ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأنَّها لا رَأْيَ لَها في شَبِيبَتِها حَتّى يُضَعَّفَ قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ وغَيْرُهُ واسْتَغْرَبَهُ السَّمِينُ ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ لَها عَقْلًا وإنْ كانَ ناقِصًا يَشْتَدُّ نَقْصُهُ بِكِبَرِ السِّنِّ فَتَأمَّلْ وجَوابُ ﴿لَوْلا﴾ مَحْذُوفٌ أيْ لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي أوْ لَقُلْتُ: إنَّ يُوسُفَ قَرِيبٌ مَكانُهُ أوْ لِقاؤُهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والمُخاطَبُ قِيلَ: مَن بَقِيَ مِن ولَدِهِ غَيْرَ الَّذِينَ ذَهَبُوا يَمْتارُونَ وهم كَثِيرٌ وقِيلَ: ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ وهو المَشْهُورُ

12:95Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥

They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."

﴿قالُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ . (95) . أيْ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا بِالإفْراطِ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ والإكْثارِ مِن ذِكْرِهِ والتَّوَقُّعِ لِلِقائِهِ وجَعْلِهِ فِيهِ لِتَمَكُّنِهِ ودَوامِهِ عَلَيْهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّلالَ هُنا بِمَعْنى الحُبِّ وقالَ مُقاتِلٌ: هو الشَّقاءُ والعَناءُ وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ ذَهَبَ فِيهِ وهَلَكَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ تَفْسِيرَهُ بِالجُنُونِ وهو مِمّا لا يَلِيقُ وكَأنَّهُ لِتَفْسِيرٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَها مِثْلُهم لِمِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَلَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ ماتَ.

12:96Page 247

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦

And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"

﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ هو يَهُوذا رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِإخْوَتِهِ قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلى أبِي بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ والرِّوايَةُ الشَّهِيرَةُ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ و( أنْ ) صِلَةٌ وقَدِ اطَّرَدَتْ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُدَّ ذَلِكَ قِراءَةُ تَفْسِيرٍ ( وجاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ ) .

﴿ألْقاهُ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ القَمِيصَ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ وجْهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: فاعِلُ ألْقى ضَمِيرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ: فَألْقَوْهُ عَلى وجْهِ أبِي وهو يَبْعُدُ كَوْنَ البَشِيرِ مالِكًا كَما لا يَخْفى والثّانِي قِيلَ: هو الأنْسَبُ بِالأدَبِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى فَرْقَدٍ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَهُ فَشَمَّهُ ثُمَّ وضَعَهُ عَلى بَصَرِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوَجْهِ كُلِّهِ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ لِأنَّهُما فِيهِ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ وارْتَدَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِن أخَواتِ كانَ وهي بِمَعْنى صارَ فَبَصِيرًا خَبَرُها وصَحَّحَ أبُو حَيّانَ أنَّها لَيْسَتْ مَن أخَواتِها فَبَصِيرًا حالٌ والمَعْنى أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ بَصَرَهُ صارَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ وما عَدَلَ مِن يُفْعِلُ إلَيْهِ إلّا لِهَذا المَعْنى وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ إذْ ما يَكُونُ لَها هو المَعْدُولُ عَنْ فاعِلٍ وأمّا بَصِيرٌ هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوِ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ ولَوْ كانَ

صفحة 55

كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ ألِيمٍ وسَمِيعٍ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ عَوْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَصِيرًا بِإلْقاءِ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ خَرْقِ العادَةِ ولَيْسَ الخارِقُ بِدْعًا في هَذِهِ القِصَّةِ وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَعَشَ حَتّى قَوِيَ قَلْبُهُ وحَرارَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ فَأوْصَلَ نُورَهُ إلى الدِّماغِ وأدّاهُ إلى البَصَرِ ومِن هَذا البابِ اسْتِشْفاءُ العُشّاقِ بِما يَهُبُّ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ أرْضِ المَعْشُوقِ كَما قالَ:

وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ

وقالَ آخَرُ:

ألا يا نَسِيمَ الصُّبْحِ ما لَكَ كُلَّما ∗∗∗ تَقَرَّبْتَ مِنّا فاحَ نَشْرُكَ طِيبا

كَأنَّ سُلَيْمى نُبِّئَتْ بِسِقامِنا ∗∗∗ فَأعْطَتْكَ رَيّاها فَجِئْتَ طَبِيبا

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى وهو قَرِيبٌ مِمّا سَمِعْتُهُ آنِفًا عَنِ الإمامِ هَذا وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ قالَ: مَلَكَ مِصْرَ فَقالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ قالَ: عَلى الإسْلامِ قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ما وجَدْتَ عِنْدَنا شَيْئًا وما اخْتَبَزْنا مُنْذُ سَبْعَةِ أيّامٍ ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ لَهُ: ما أدْرِي ما أُثِيبُكَ اليَوْمَ ثُمَّ دَعا لَهُ بِذَلِكَ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن قَبْلُ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِبَنِيهِ القادِمِينَ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم لا تَيْأسُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . (96) . فَإنَّ مَدارَ النَّهْيِ العِلْمُ الَّذِي أُوتِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الأخِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَقُولَ القَوْلِ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم حِينَ أرْسَلْتُكم إلى مِصْرَ وأمَرْتُكم بِالتَّحَسُّسِ ونَهَيْتُكم عَنِ اليَأْسِ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ كَوْنَها مَقُولَ القَوْلِ وهو كَذَلِكَ.

12:97Page 247

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الِاسْتِغْفارَ ونادَوْهُ بِعُنْوانِ الأُبُوَّةِ تَحْرِيكًا لِلْعَطْفِ والشَّفَقَةِ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ . (97) . أيْ ومِن حَقِّ المُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أنْ يُصْفَحَ عَنْهُ ويُسْتَغْفَرَ لَهُ: وكَأنَّهم كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن عَفْوِهِ ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى طَلَبِ الِاسْتِغْفارِ وأدْرَجُوا ذَلِكَ في الِاسْتِغْفارِ وقِيلَ: حَيْثُ نادَوْهُ بِذَلِكَ أرادُوا ومِن حَقِّ شَفَقَتِكَ عَلَيْنا أنْ تَسْتَغْفِرَ لَنا فَإنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَكُنّا هالِكِينَ لِتَعَمُّدِ الإثْمِ فَمَن ذا يَرْحَمُنا إذا لَمْ تَرْحَمْنا ولَيْسَ بِذاكَ

12:98Page 247

قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (98) . رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيهِ مُسْتَجابٌ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا كَذَلِكَ أنَّهُ أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ وجاءَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وقِيلَ: سَوَّفَهم إلى قِيامِ اللَّيْلِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم وقِيلَ أخَّرَ لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وتَعَقَّبَ بَعْضُهم بَعْضَ هَذِهِ الأقْوالِ بِأنَّ سَوْفَ تَأْبى ذَلِكَ لِأنَّها أبْلَغُ مِنَ السِّينِ في التَّنْفِيسِ فَكانَ حَقُّهُ عَلى ذَلِكَ السِّينَ ورُدَّ بِما في المُغْنِي مِن أنَّ

صفحة 56

ما ذُكِرَ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وغَيْرِهِمْ يُسَوِّي بَيْنَهُما وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هَذا غَيْرُ وارِدٍ حَتّى يَحْتاجَ إلى الدَّفْعِ لِأنَّ التَّنْفِيسَ التَّأْخِيرُ مُطْلَقًا ولَوْ أقَلَّ مِن ساعَةٍ فَتَأْخِيرُهُ إلى السَّحَرِ مَثَلًا ومَضى ذَلِكَ اليَوْمَ مَحَلٌّ لِلتَّنْفِيسِ بِسَوْفَ وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السِّينَ وسَوْفَ يَدُلّانِ عَلى الِاسْتِمْرارِ في المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ كَلامٌ لِلنَّحْوِيِّينَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَمَرَّ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ يَسْتَغْفِرُ لَهم أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا جَمَعَ شَمْلَهُ بِبَنِيهِ وأقَرَّ عَيْنَهُ خَلا ولَدُهُ نَجِيًّا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَسْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ ما صَنَعْتُمْ وما لَقِيَ مِنكُمُ الشَّيْخُ وما لَقِيَ مِنكم يُوسُفُ قالُوا بَلى قالَ فَيَغُرُّكم عَفْوُهُما عَنْكم فَكَيْفَ لَكم بِرَبِّكم واسْتَقامَ أمْرُهم عَلى أنْ أتَوُا الشَّيْخَ فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ويُوسُفُ إلى جَنْبِهِ فَقالُوا يا أبانا أتَيْناكَ في أمْرٍ لَمْ نَأْتِكَ في مِثْلِهِ قَطُّ ونَزَلَ بِنا أمْرٌ لَمْ يَنْزِلْ بِنا مِثْلُهُ حَتّى حَرَّكُوهُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أرْحَمُ البَرِيَّةِ فَقالَ: ما لَكَمَ يا بَنِيَّ قالُوا ألَسْتَ قَدْ عَلِمْتَ ما كانَ مِنّا إلَيْكَ وما كانَ مِنّا إلى أخِينا يُوسُفَ قالا بَلى قالُوا أفْلَسْتُما قَدْ عَفَوْتُما قالا بَلى قالُوا فَإنَّ عَفْوَكُما لا يُغْنِي عَنّا شَيْئًا إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَعْفُ عَنّا قالَ فَما تُرِيدُونَ يا بَنِيَّ قالُوا: نُرِيدُ أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَإذا جاءَكَ الوَحْيُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ عَفا عَمّا صَنَعْنا قَرَّتْ أعْيُنُنا واطْمَأنَّتْ قُلُوبُنا وإلّا فَلا قُرَّةَ عَيْنٍ في الدُّنْيا لَنا أبَدًا قالَ فَقامَ الشَّيْخُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وقامَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْفَهُ وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ فَدَعا وأمَّنَ يُوسُفُ فَلَمْ يُجَبْ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى إذا كانَ رَأْسُ العِشْرِينَ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي أُبَشِّرُكَ بِأنَّهُ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وأنَّهُ قَدْ عَفا عَمّا صَنَعُوا وأنَّهُ قَدْ عَقَدَ مَواثِيقَهم مِن بَعْدِكَ عَلى النُّبُوَّةِ قِيلَ: وهَذا إنْ صَحَّ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِمْ وإنَّ ما صَدَرَ مِنهم كانَ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ والحَقُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقٌ بِما فِيهِ كِفايَةٌ فَتَذْكَّرْ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عائِشَةَ قالَ: ما تِيبَ عَلى ولَدِ يَعْقُوبَ إلّا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً وكانَ أبُوهم بَيْنَ يَدَيْهِمْ فَما تِيبَ عَلَيْهِمْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَّمَهُ هَذا الدُّعاءَ يا رَجاءَ المُؤْمِنِينَ لا تَقْطَعْ رَجاءَنا يا غِياثَ المُؤْمِنِينَ أغِثْنا يا مُعِينَ المُؤْمِنِينَ أعِنّا يا مُحِبَّ التَّوّابِينَ تُبْ عَلَيْنا فَأخَّرَهُ إلى السَّحَرِ فَدَعا بِهِ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَذا وهو مِن تَقْدِيمِ القُرْآنِ وتَأْخِيرِهِ والأصْلُ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنْ شاءَ اللَّهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ فَإنَّ ذاكَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا مِرْيَةٍ ولا أدْرِي ما الدّاعِي إلى ارْتِكابِهِ ولَعَلَّهُ مَحْضُ الجَهْلِ.

واعْلَمْ أنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ ﴿أسْتَغْفِرُ﴾ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ الذَّنْبَ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ هِشامٍ وقَدْ حُذِفَ مَنِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَنا﴾ أوَّلُهُما وذُكِرَ ثانِيهِما وعُكِسَ الأمْرُ في ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ﴾ ولَعَلَّ السِّرَّ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ أنَّ حَذْفَ الأوَّلِ مِنَ الأوَّلِ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ أيِ اسْتَغْفِرْ لَنا كُلَّ مَن أذْنَبْنا في حَقِّهِ لِيَشْمَلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَشْمَلَ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ وغَيْرَهُما ولَمْ يُحْذَفِ الثّانِي أيْضًا تَسْجِيلًا عَلى أنْفُسِهِمْ بِاقْتِرافِ الذُّنُوبِ لِأنَّ المَقامَ مَقامَ الِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والِاسْتِعْطافِ لِما سَلَفَ فالمُناسِبُ هو التَّصْرِيحُ وأمّا إثْباتُهُ في الثّانِي فَلِأنَّهُ الأصْلُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأهَمَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ الهَمُّ ويُمَحَّضَ لَهُ الوَجْهُ هو اسْتِغْفارُ الرَّبِّ واسْتِجْلابُ رِضاهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إذا رَضِيَ أرْضى عَلى أنَّ يُوسُفَ وأخاهُ قَدْ ظَهَرَتْ مِنهُما مَخايِلُ العَفْوِ وأدْرَكَتْهُما رِقَّةُ الأُخُوَّةِ وأمّا حَذْفُ الثّانِي مِنهُ فَلِلْإيجازِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ الأوَّلِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِذِكْرِهِ. اهَـ. ولَعَلَّ التَّسْوِيفَ عَلى هَذا لِيَزْدادَ انْقِطاعُهم إلى اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ أرْجى

صفحة 57

لِحُصُولِ المَقْصُودِ

12:99Page 247

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَهَّزَ إلى أبِيهِ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ وفي التَّوْراةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطى لِكُلٍّ مِن إخْوَتِهِ خُلْعَةً وأعْطى بِنْيامِينَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وخَمْسَ خُلَعٍ وبَعَثَ لِأبِيهِ بِعَشْرَةِ حَمِيرٍ مُوقَرَةٍ بِالتُّحَفِ وبِعَشَرَةٍ أُخْرى مُوقَّرَةٍ بُرًّا وطَعامًا.

وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ هو والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ لِاسْتِقْبالِهِ فَتَلْقَّوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ قالَ: لا يا أبَتِ ولَكِنْ هَذا ابْنُكَ يُوسُفُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ قادِمٌ فَتَلَقّاكَ بِما تَرى فَلَمّا لَقِيَهُ ذَهَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَبْدَأهُ بِالسَّلامِ فَمُنِعَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنَّ يَعْقُوبَ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ فاعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ وقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها الذّاهِبُ بِالأحْزانِ عَنِّي وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا قالَ: بَلى ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ فَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَكَ.

وفِي الكَلامِ إيجازٌ والتَّقْدِيرُ فَرَحَلَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأهْلِهِ وسارُوا حَتّى أتَوْا يُوسُفَ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ فِيما قِيلَ يَوْمَ عاشُوراءَ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ أيْ ضَمَّهُما إلَيْهِ واعْتَنَقَهُما والمُرادُ بِهِما أبُوهُ وخالَتُهُ لَيا وقِيلَ: راحِيلُ ولَيْسَ بِذاكَ والخالَةُ تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأُمِّ لِشَفَقَتِها كَما يُنَزَّلُ العَمُّ مَنزِلَةَ الأبِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ صارَتْ رابَّةً لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأُمِّ لِكَوْنِها مِثْلَها في زَوْجِيَّةِ الأبِ وقِيامِها مَقامَها والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا وإنْ لَمْ تَكُنْ خالَةً ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أبُوهُ وجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بِالحَياةِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ لَكِنَّ المَشْهُورَ أنَّها ماتَتْ في نِفاسِ بِنْيامِينَ وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ إسْحاقَ القَوْلُ بِذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُما قالا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْياهُ والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ولَوْ ثَبَتَ مِثْلُهُ لاشْتَهَرَ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ) .

﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَ في المُلْتَقى خارِجَ البَلَدِ مَضْرِبًا فَنَزَلَ فِيهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ فَآواهُما إلَيْهِ ثُمَّ طَلَبَ مِنهُمُ الدُّخُولَ في البَلْدَةِ فَهُناكَ دُخُولانِ: أحَدُهُما دُخُولٌ عَلَيْهِ خارِجَ البَلْدَةِ والثّانِي دُخُولٌ في البَلْدَةِ وقِيلَ: إنَّهم إنَّما دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مِصْرَ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ تَمَكَّنُوا مِنها واسْتَقِرُّوا فِيها ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ . (99) . أيْ مِنَ القَحْطِ وسائِرِ المَكارِهِ والِاسْتِثْناءُ عَلى ما في التَّيْسِيرِ داخِلٌ في الأمْنِ لا في الأمْرِ بِالدُّخُولِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْخُلُ في الوَعْدِ لا في الأمْرِ وفي الكَشّافِ أنَّ المَشِيئَةَ تَعَلَّقَتْ بِالدُّخُولِ المُكَيَّفِ بِالأمْنِ لِأنَّ القَصْدَ إلى اتِّصافِهِمْ بِالأمْنِ في دُخُولِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أسْلِمُوا وآمِنُوا في دُخُولِكم إنْ شاءَ اللَّهُ والتَّقْدِيرُ ادْخُلُوا مِصْرَ آمِنِينَ إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ فَحُذِفَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ الكَلامِ ثُمَّ اعْتُرِضَ بِالجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ. اهَـ. وكَأنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: فَكَأنَّهُ قِيلَ .. إلَخْ إلى أنَّ في التَّرْكِيبِ مَعْنى الدُّعاءِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ الكَيْفِيَّةَ مَقْصُودَةٌ بِالأمْرِ كَما إذا قُلْتَ: ادْخُلْ ساجِدًا كُنْتَ آمِرًا بِهِما ولَيْسَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ

صفحة 58

فِي التَّرْكِيبِ مَعْنى الدُّعاءِ فَلَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ والحَقُّ مَعَ العَلّامَةِ كَما لا يَخْفى وزَعَمَ صاحِبُ الفَرائِدِ أنَّ التَّقْدِيرَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ فَآمِنِينَ مُتَعَلِّقٌ بِالجَزاءِ المَحْذُوفِ وحِينَئِذٍ لا يَفْتَقِرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وإلى أنْ يَجْعَلَ الجَزائِيَّةَ مُعْتَرِضَةً وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا ارْتِيابَ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ في أثْناءِ الكَلامِ كالتَّسْمِيَةِ في الشُّرُوعِ فِيهِ لِلتَّيَمُّنِ والتَّبَرُّكِ واسْتِعْمالُهُ مَعَ الجَزاءِ كالشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ فَحَسُنَ مَوْقِعُهُ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ مُعْتَرِضًا فافْهَمْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском