Al-AlusiAr‑Ra'd · 13:14–16

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:14–16

13:14Page 251

لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].

﴿لَهُ﴾ أيِ لِلَّهِ تَعالى ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ أيِ الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ الثّابِتُ الواقِعُ في مَحَلِّهِ المُجابُ عِنْدَ وُقُوعِهِ والإضافَةُ لِلْإيذانِ بِمُلابَسَةِ الدَّعْوَةِ لِلْحَقِّ واخْتِصاصِها بِهِ وكَوْنُها بِمَعْزِلٍ مِن شائِبَةِ البُطْلانِ والضَّلالِ والضَّياعِ كَما يُقالُ: كَلِمَةُ الحَقِّ والمُرادُ أنَّ إجابَةَ ذَلِكَ لَهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ ويُؤَيِّدُ ما بَعْدُ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: المُرادُ بِدَعْوَةِ الحَقِّ الدُّعاءُ عِنْدَ الخَوْفِ فَإنَّهُ لا يُدْعى فِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ وزَعَمَ الماوَرْدِيُّ أنَّ هَذا أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ وقِيلَ: الدَّعْوَةُ: بِمَعْنى الدُّعاءِ أيْ طَلَبُ الإقْبالِ والمُرادُ بِهِ العِبادَةُ لِلِاشْتِمالِ والإضافَةُ عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ والكَلامُ فِيها شَهِيرٌ وحاصِلُ المَعْنى أنَّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُعْبُدَ هو اللَّهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ عَلى ما قِيلَ أنَّ الدَّعْوَةَ بِمَعْنى الدُّعاءِ ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ أيْ لِلْعِبادَةِ والمَعْنى أنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُدْعى إلى عِبادَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ولا يَخْفى ما بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ مِنَ التَّلازُمِ فَإنَّهُ إذا كانَتِ الدَّعْوَةُ إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ حَقًّا كانَتْ عِبادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقًّا وبِالعَكْسِ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى وهو كَما في البَحْرِ ثانِي الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ والمَعْنى عَلَيْهِ كَما قالَ: لَهُ دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقَّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ والأوَّلُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا وجُعِلَ الحَقُّ فِيهِ مُقابِلَ الباطِلِ.

وبَيَّنَ صاحِبُ الكَشْفِ حاصِلَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُدْعى ويُعْبَدَ رَدًّا لِمَن يُجادِلُ في اللَّهِ تَعالى ويُشْرِكُ بِهِ سُبْحانَهُ الأنْدادَ ولا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ في الإضافَةِ إشْعارٌ بِهَذا الِاخْتِصاصِ فَإنَّ جَعْلَ الحَقِّ في مُقابِلِ الباطِلِ فَهو ظاهِرٌ وإنْ جُعِلَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ تَعالى كانَ الأصْلُ لِلَّهِ دَعْوَتَهُ تَأْكِيدًا لِلِاخْتِصاصِ مِنَ اللّامِ والإضافَةِ ثُمَّ زِيدَ ذَلِكَ بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ مُعادًا بِوَصْفٍ يُنْبِئُ عَنِ اخْتِصاصِها بِهِ أشَدَّ الِاخْتِصاصِ فَقِيلَ: لَهُ دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقَّ والحَقُّ مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الثّابِتُ بِالحَقِيقَةِ وما سِواهُ باطِلٌ مِن حَيْثُ هو وحَقٌّ بِتَحْقِيقِهِ تَعالى إيّاهُ فَيَتَقَيَّدُ بِحَسَبِ كُلٍّ مَقامًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُقابِلَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ وإذا كانَ المَدْعُوُّ مِن دُونِهِ بُطْلانَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ فَهو الحَقُّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ انْتَهى وبِهَذا سَقَطَ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ في الِاعْتِراضِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن أنَّ مَآلَهُ إلى اللَّهِ دَعْوَةُ اللَّهِ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: لِزَيْدٍ دَعْوَةُ زَيْدٍ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ واسْتَغْنى عَمّا قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ

صفحة 124

فِي تَأْوِيلِهِ: مِن أنَّ المَعْنى ولِلَّهِ تَعالى الدَّعْوَةُ الَّتِي تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ وتُضافَ إلى حَضْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِكَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًا بَصِيرًا كَرِيمًا لا يَخِيبُ سائِلُهُ فَيُجِيبُ الدُّعاءَ فَإنَّ ذَلِكَ كَما تَرى قَلِيلُ الجَدْوى ويُعْلَمُ مِمّا في الكَشْفِ وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما تَقَدَّمَ وقالَ بَعْضُهم: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ والجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ إنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ قِصَّةَ أرْبَدَ وعامِرٍ أنَّ إهْلاكَهُما مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ مَحالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإجابَةٌ لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ احْبِسْهُما عَنِّي بِما شِئْتَ» أوْ دَلالَةٌ عَلى رَسُولِهِ ﷺ عَلى الحَقِّ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ النُّزُولِ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ عَلى مُجادَلَتِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُلُولِ مِحالِهِ بِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِإجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ دَعا عَلَيْهِمْ أوْ بَيانُ ضَلالَتِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ التَّعَلُّقِ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ إذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ قِصَّةُ اليَهُودِيِّ أوِ الجَبّارِ فَتَأمَّلْ.

﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيِ الأصْنامَ الَّذِينَ يَدْعُونَهم أيِ المُشْرِكُونَ وحَذْفُ عائِدِ المَوْصُولِ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المُشْرِكِينَ وضَمِيرُ الجَمْعِ المَرْفُوعِ عائِدٌ إلَيْهِ ومَفْعُولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيِ الأصْنامُ وحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِهِ﴾ عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْناهُ مُتَجاوِزِينَ لَهُ وتَجاوُزُهُ إنَّما هو بِعِبادَتِها ويُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ قِراءَةُ البَزْدَوِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( تَدْعُونَ ) بِتاءِ الخِطابِ وضَمِيرُ ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ﴾ عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى ( الَّذِينَ ) وعَلى الثّانِي عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ ﴿يَدْعُونَ﴾ وعَلى كُلٍّ فالمُرادُ لا يَسْتَجِيبُ الأصْنامُ لَهم أيْ لِلْمُشْرِكِينَ بِشَيْءٍ مِن طَلَباتِهِمْ ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ﴾ أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ شَيْئًا مِنَ الِاسْتِجابَةِ وطَرَفًا مِنها إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ الماءِ لِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلَيْهِ مِن بَعِيدٍ يَطْلُبُهُ ويَدَعُوهُ ﴿لِيَبْلُغَ﴾ أيِ الماءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُؤْخَذَ بِشَيْءٍ مِن إناءٍ ونَحْوِهِ ﴿فاهُ وما هُوَ﴾ أيِ الماءُ ﴿بِبالِغِهِ﴾ أيْ بِبالِغِ فِيهِ أبَدًا لِكَوْنِهِ جَمادًا لا يَشْعُرُ بِعَطَشِهِ وبَسْطِ يَدَيْهِ إلَيْهِ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ( هو ) ضَمِيرَ الفَمِ والهاءَ في ( بالِغِهِ ) ضَمِيرَ الماءِ أيْ وما فُوهُ بِبالِغِ الماءِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما لا يَبْلُغُ الآخَرَ عَلى هَذِهِ الحالِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الأوَّلِ ضَمِيرَ ( باسِطِ ) والثّانِي ضَمِيرَ ﴿الماءِ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عائِدًا عَلى ( باسِطِ ) والثّانِي عائِدًا عَلى الفَمِ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ لَزِمَ إبْرازُ الفاعِلِ فَكانَ يَجِبُ عَلى ذَلِكَ أنْ يُقالَ: وما هو بِبالِغِهِ الماءُ والجُمْهُورُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا والغَرَضُ كَما قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ فَفي الِاسْتِجابَةِ عَلى البَتِّ بِتَصْوِيرِ أنَّهُمُ أحْوَجُ ما لا يَكُونُ إلَيْها لِتَحْصِيلِ مَباغِيهِمْ أخِيبُ ما لا يَكُونُ أحَدٌ في سَعْيِهِ لِما هو مُضْطَرٌّ إلَيْهِ والحاصِلُ أنَّهُ شَبَّهَ آلِهَتَهم حِينَ اسْتِكْفائِهِمْ إيّاهم ما أهَمَّهم بِلِسانِ الِاضْطِرارِ في عَدَمِ الشُّعُورِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِطاعَةِ لِلِاسْتِجابَةِ وبَقائِهِمْ لِذَلِكَ في الخَسارِ بِحالِ ماءٍ بِمَرْأى مِن عَطْشانَ باسِطٍ كَفَّيْهِ إلَيْهِ يُنادِيهِ عِبارَةً وإشارَةً فَهو لِذَلِكَ في زِيادَةِ الكِبادِ والبَوارِ والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا مِنَ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ في الأصْلِ أبْرَزُ في مَعْرِضِ التَّهَكُّمِ حَيْثُ أثْبَتَ أنَّهُما اسْتِجابَتانِ زِيادَةً في التَّخْسِيرِ والتَّحْسِيرِ فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ عامِّ المَصْدَرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِجابَةَ هُناكَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الفِعْلُ الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ويُضافُ إلى الباسِطِ بِناءً عَلى اسْتِلْزامِ المَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ لِلْمَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ

صفحة 125

لِلْمَفْعُولِ وُجُودًا وعَدَمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ فَلا يُسْتَجابُ لَهُمُ اسْتِجابَةً كائِنَةً كاسْتِجابَةِ مَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلى الماءِ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: .

وعَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ

أيْ لَمْ يَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفٌ وأبُو البَقاءِ يَجْعَلُ الِاسْتِجابَةَ مَصْدَرَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وإضافَتَهُ إلى ( باسِطِ ) مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ والفاعِلُ ضَمِيرُ ﴿الماءِ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في المَوْصُولِ وقَدْ يُرادُ مِن بَسْطِ الكَفَّيْنِ إلى الماءِ بَسْطُهُما أيْ نَشْرُ أصابِعِهِما ومَدُّها لِشُرْبِهِ لا لِلدُّعاءِ والإشارَةُ إلَيْهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ وعَلى هَذا قِيلَ: شُبِّهَ الدّاعُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِمَن أرادَ أنْ يَغْرِفَ الماءَ بِيَدَيْهِ فَبَسَطَهُما ناشِرًا أصابِعَهُ في أنَّهُما لا يَحْصُلانِ عَلى طائِلٍ وجَعَلَ بَعْضُهم وجْهَ الشَّبَهِ قِلَّةَ الجَدْوى ولَعَلَّهُ أرادَ عَدَمَها لَكِنَّهُ بالَغَ بِذِكْرِ القِلَّةِ وإرادَةِ العَدَمِ دَلالَةً عَلى هَضْمِ الحَقِّ وإيثارِ الصِّدْقِ ولِإشْمامِ طَرَفٍ مِنَ التَّهَكُّمِ والتَّشْبِيهِ عَلى هَذا مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ المُقَيَّدِ كَقَوْلِكَ لِمَن لا يَحْصُلُ مِن سَعْيِهِ عَلى شَيْءٍ: هو كالرّاقِمِ عَلى الماءِ فَإنَّ المُشَبَّهَ هو السّاعِي مُقَيَّدًا بِكَوْنِ سَعْيِهِ كَذَلِكَ والمُشَبَّهُ بِهِ هو الرّاقِمُ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ عَلى الماءِ كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ ولَيْسَ مِنَ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ في شَيْءٍ عَلى ما تُوُهِّمَ نَعَمْ وجْهُ الشَّبَهِ عَقْلِيٌّ اعْتِبارِيٌّ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ عَنْ أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ أيْ لا يَسْتَجِيبُ الآلِهَةُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الدّاعِينَ إلّا مُشَبِّهِينَ أعْنِي الدّاعِينَ بِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ ولَمْ يَقْبِضْهُما وأخْرَجَهُما كَذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ عَلى شَيْءٍ لِأنَّ الماءَ يَحْصُلُ بِالقَبْضِ لا بِالبَسْطِ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِعَطْشانَ عَلى شَفِيرِ بِئْرٍ بِلا رِشاءٍ ولا يَبْلُغُ قَعْرَ البِئْرِ ولا الماءُ يَرْتَفِعُ إلَيْهِ وهو راجِعٌ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولَيْسَ مُغايِرًا لَهُ كَما قِيلَ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالقابِضِ عَلى الماءِ في أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ قالَ: والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ في السّاعِي فِيما لا يُدْرِكُهُ بِذَلِكَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: .

فَأصْبَحْتُ فِيما كانَ بَيْنِي وبَيْنَها ∗∗∗ مِنَ الوِدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ

وقَوْلِهِ: .

وإنِّي وإيّاكم وشَوْقًا إلَيْكم ∗∗∗ كَقابِضِ ماءٍ لَمْ تَسَعْهُ أنامِلُهُ

وهُوَ راجِعٌ إلى الوَجْهِ الثّانِي خَلا أنَّهُ لا يَظْهَرُ مِن ( باسِطِ ) مَعْنى قابِضٍ فَإنَّ بَسْطَ الكَفِّ ظاهِرٌ في نَشْرِ الأصابِيعِ مَمْدُودَةً كَما في قَوْلِهِ: .

تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوْ أنَّهُ ∗∗∗ أرادَ انْقِباضًا لَمْ تُطِعْهُ أنامِلُهُ

وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ بِباسِطٍ شَخْصٌ باسِطٌ أيُّ شَخْصٍ كانَ وما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ مِن أنَّهُ قابِيلُ حَيْثُ أنَّهُ لَمّا قَتَلَ أخاهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى عَذابَهُ أنْ أخَذَ بِناصِيَتِهِ في البَحْرِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ إلّا إصْبَعٌفَهُوَ يُرِيدُهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وقُرِئَ ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾ بِالتَّنْوِينِ أيْ كَشَخْصٍ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ . أيْ في ضَياعٍ وخَسارٍ وباطِلٍ والمُرادُ بِهَذا الدُّعاءِ إنْ كانَ دُعاءَ آلِهَتِهِمْ فَظاهِرٌ أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ فُهِمَ مِنَ السّابِقِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُكَرَّرًا لِلتَّأْكِيدِ وإنْ كانَ دُعاءَهُمُ اللَّهَ تَعالى فَقَدَ اسْتَشْكَلُوا ذَلِكَ بِأنَّ دُعاءَ الكافِرِ قَدْ يُسْتَجابُ وهو المُصَرَّحُ بِهِ في الفَتاوى واسْتِجابَةُ دُعاءِ إبْلِيسَ وهو رَأْسُ الكُفّارِ

صفحة 126

نَصٌّ في ذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ دُعاؤُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ أصْواتَ الكُفّارِ مَحْجُوبَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُسْمَعُ دُعاؤُهم وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ دُعاؤُهم مُطْلَقًا ولا يُقَيَّدُ بِما أُجِيبُوا بِهِ

13:15Page 251

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥

And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

﴿ولِلَّهِ﴾ وحْدَهُ ﴿يَسْجُدُ﴾ يَخْضَعُ ويَنْقادُ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فالقَصْرُ يَنْتَظِمُ القَلْبُ والإفْرادُ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِمَن وتَخْصِيصُ انْقِيادِ العُقَلاءِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّهُمُ العُمْدَةُ وانْقِيادُهم دَلِيلُ انْقِيادِ غَيْرِهِمْ عَلى أنَّ فِيما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانًا لِذَلِكَ وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ أُولَئِكَ وغَيْرَهم والتَّعْبِيرُ بِمَن لِلتَّغْلِيبِ ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ فَإنْ قُلْنا بِوُقُوعِ المَصْدَرِ حالًا مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهو ظاهِرٌ وإلّا فَهو بِتَأْوِيلِ طائِعِينَ وكارِهِينَ أيْ أنَّهم خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ تَعالى مُنْقادُونَ لِإحْداثِ ما أرادَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ مِن أحْكامِ التَّكْوِينِ والإعْدامِ شاؤُوا أوْ أبَوْا مِن غَيْرِ مُداخَلَةِ حُكْمِ غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا بَلْ غَيْرُ حُكْمِهِ تَعالى في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى العِلَّةِ فالكُرْهُ بِمَعْنى الإكْراهِ وهو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِيَتَّحِدَ الفاعِلُ بِناءً عَلى اشْتِراطِ ذَلِكَ في نَصْبِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ وهو عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ عَلى ظاهِرِهِ وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ اعْتِبارَ العِلِّيَّةِ في الكُرْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّهُ الَّذِي يُقابِلُ الطَّوْعَ وهو الإباءُ ولا يُعْقَلُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلسُّجُودِ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ العِلَّةَ ما يُحْمَلُ عَلى الفِعْلِ أوْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا ما لا يَكُونُ غَرَضًا لَهُ وقَدْ مَرَّ عَنْ قُرْبٍ فَتَذْكَّرْهُ وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ أيْ سُجُودَ طَوْعٍ وكُرْهٍ ﴿وظِلالُهُمْ﴾ أيْ وتَنْقادُ لَهُ تَعالى ظِلالُ مَن لَهُ ذَلِكَ مِنهم وهُمُ الإنْسُ فَقَطْ أوْ ما يَعُمُّهم وكُلُّ كَثِيفٍ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ يَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ لِمَن في الأرْضِ لِأنَّ مَن في السَّماءِ لا ظِلَّ لَهُ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّغْلِيبِ أوِ التَّجَوُّزِ ومَعْنى انْقِيادِ الظِّلالِ لَهُ تَعالى أنَّها تابِعَةٌ لِتَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ والفَيْءِ والزَّوالِ وأصْلُ الظِّلَّ كَما قالَ الفَرّاءُ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الخَيالِ الَّذِي يَظْهَرُ لِلْجِرْمِ وهو إمّا مَعْكُوسٌ أوْ مُسْتَوٍ ويُبْنى عَلى كُلٍّ مِنهُما أحْكامٌ ذَكَرُوها في مَحَلِّها ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ . (15) . ظَرْفٌ لِلسُّجُودِ المُقَدَّرِ والباءُ بِمَعْنى في وهو كَثِيرٌ والمُرادُ بِهِما الدَّوامُ لِأنَّهُ يُذْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلتَّأْيِيدِ قِيلَ: فَلا يُقالُ لِمَ خُصَّ بِالذِّكْرِ وكَذا يُقالُ: إذا كانا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظِّلالِ وبَعْضُهم يُعَلِّلُ ذَلِكَ بِأنَّ امْتِدادَها وتَقَلُّصَها في ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ أظْهَرُ.

والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَقُنِيٍّ وقَناةٍ والآصالُ جَمْعُ أصِيلٍ وهو ما بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ وقِيلَ: هو جَمْعُ أُصُلٍ جَمْعُ أصِيلٍ وأصْلُهُ أأْصالٌ بِهَمْزَتَيْنِ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا وقِيلَ: الغُدُوُّ مَصْدَرٌ وأيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ مِجْلَزٍ ( الإيصالِ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ آصَلْنا بِالمَدِّ أيْ دَخَلْنا في الأصِيلِ كَما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ هَذا وقِيلَ: إنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ السُّجُودِ فَإنَّ الكَفَرَةَ حالَةُ الِاضْطِرارِ وهو المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَرْهًا﴾ يَخُصُّونَ السُّجُودَ بِهِ سُبْحانَهُ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الظِّلالِ أفْهامًا وعُقُولًا بِها تَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما خَلَقَ جَلَّ جَلالُهُ ذَلِكَ لِلْجِبالِ حَتّى اشْتَغَلَتْ بِالتَّسْبِيحِ وظَهَرَتْ فِيها آثارُ التَّجَلِّي كَما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِسُجُودِها ما يُشاهَدُ فِيها مِن هَيْئَةِ السُّجُودِ تَبَعًا لِأصْحابِها وهَذا عَلى ما قِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ في السُّجُودِ المَذْكُورِ في الآيَةِ بِأنْ يُرادَ بِهِ الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ فَيَشْمَلُ سُجُودَ الظِّلالِ بِهَذا المَعْنى أوْ تَقْدِيرَ فِعْلٍ مُؤَدٍّ ذَلِكَ رافِعٌ لِلظِّلالِ أوْ خَبَرٌ لَهُ كَذَلِكَ أوِ التِزامُ أنَّ

صفحة 127

إرادَةَ ما ذُكِرَ لا يَضُرُّ في الحَقِيقَةِ لِكَوْنِهِ بِالتَّبَعِيَّةِ والعَرْضِ أوْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ جائِزٌ ولا يَخْفى ما في بَعْضِ الشُّقُوقِ مِنَ النَّظَرِ وعَنْ قَتادَةَ أنَّ السُّجُودَ عِبارَةٌ عَنِ الهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ وقَدْ عُبِّرَ بِالطَّوْعِ عَنْ سُجُودِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ وبِالكَرْهِ عَنْ سُجُودِ مَن ضَمَّهُ السَّيْفُ إلى الإسْلامِ فَيَسْجُدُ كَرْهًا إمّا نِفاقًا أوْ يَكُونُ الكَرْهُ أوَّلَ حالِهِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الصِّفَةُ وإنْ صَحَّ إيمانُهُ بَعْدُ وقِيلَ: السّاجِدُ طَوْعًا مَن لا يَثْقُلُ عَلَيْهِ السُّجُودُ والسّاجِدُ كَرْها مَن يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ الأوَّلُ مَن طالَتْ مُدَّةُ إسْلامِهِ فَألِفَ السُّجُودَ والثّانِي مَن بَدَأ بِالإسْلامِ إلى أنْ يَأْلَفَ وأيًّا ما كانَ فَمِن عامٍّ أُرِيدَ بِهِ مَخْصُوصٌ إذْ يَخْرُجُ مِن ذَلِكَ مَن لا يَسْجُدُ وقِيلَ: هو عامٌّ لِسائِرِ أنْواعِ العُقَلاءِ والمُرادُ بِيَسْجُدُ يَجِبُ أنْ يَسْجُدَ لَكِنْ عُبِّرَ عَنِ الوُجُوبِ بِالوُقُوعِ مُبالَغَةً.

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا فَفي البَحْرِ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَساقَ الآيَةِ إنَّما هو أنَّ العالَمَ كُلَّهُ مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعالى خاضِعٌ لِما أرادَ سُبْحانَهُ مِنهُ مَقْصُورٌ عَلى مَشِيئَتِهِ لا يَكُونُ مِنهُ إلّا ما قَدَّرَ جَلَّ وعَلا فالَّذِينَ تَعْبُدُونَهم كائِنًا ما كانُوا داخِلُونَ تَحْتَ القَهْرِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَفْعًا ولا ضَرًّا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى تَشْرِيكُ الظِّلالِ في السُّجُودِ وهي لَيْسَتْ أشْخاصًا يُتَصَوَّرُ مِنها السُّجُودُ بِالهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ ولَكِنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى يُصَرِّفُها سُبْحانَهُ حَسْبَما أرادَ إذْ هي مِنَ العالَمِ والعالَمُ جَواهِرُهُ وأعْراضُهُ داخِلَةٌ تَحْتَ قَهْرِ إرادَتِهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ وكَوْنُ المُرادِ بِالظِّلالِ الأشْخاصَ كَما قالَ بَعْضُهم ضَعِيفٌ وأضْعَفُ مِنهُ ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقِياسُها عَلى الجِبالِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الجَبَلَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَقْلٌ بِشَرْطِ تَقْدِيرِ الحَياةِ وأمّا الظِّلُّ فَعَرَضٌ لا يُتَصَوَّرُ قِيامُ الحَياةِ بِهِ وإنَّما مَعْنى سُجُودِها مَيْلُها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ واخْتِلافُ أحْوالِها كَما أرادَ سُبْحانَهُ وتَعالى وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ ما قِيلَ أوَّلًا وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ اخْتِصاصَ سُجُودِ الكافِرِ حالَةَ الِاضْطِرارِ والشِّدَّةِ لِلَّهِ تَعالى لا يُجْدِي فَإنَّ سُجُودَهُ لِلصَّنَمِ حالَةَ الِاخْتِيارِ والرَّخاءِ مُخِلٌّ بِالقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ فالوَجْهُ حَمْلُ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ ولِأنَّ تَحْقِيقَ انْقِيادِ الكُلِّ في الإبْداعِ والإعْدامِ لَهُ تَعالى أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ عَلى اتِّخاذِ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن تَحْقِيقِ سُجُودِهِمْ لَهُ تَعالى. اهَـ. وفي تِلْكَ الأقْوالِ بُعْدُ ما لا يَخْفى عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ.

13:16Page 251

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦

Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَحْقِيقٌ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ خالِقَهُما ومُتَوَلِّي أمْرِهِما مَعَ ما فِيهِما عَلى الإطْلاقِ هو اللَّهُ تَعالى وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ انْقِيادَ المَظْرُوفِ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى ذَكَرَ ما هو كالحُجَّةِ عَلى ذَلِكَ مِن كَوْنِهِ جَلَّ وعَلا خالِقَ هَذا الظَّرْفِ العَظِيمِ الَّذِي يُبْهِرُ العُقُولَ ومُدَبِّرَهُ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ مَن رَبُّ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالجَوابِ إشْعارًا بِأنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لْلِجَوابِيَّةِ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَصْمُ في تَقْرِيرِهِ سَواءٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ لِيُبَيِّنَ لَهم ما هم عَلَيْهِ مِن مُخالَفَتِهِمْ لِما عَلِمُوهُ وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِاعْتِرافِهِمْ والسِّياقُ يَأْباهُ.

وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّهم جَهِلُوا الجَوابَ فَطَلَبُوهُ مِن جِهَتِهِ ﷺ فَأُمِرَ بِإعْلامِهِمْ بِهِ ويُبْعِدُهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِعِلْمِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحِينَئِذٍ كَيْفَ يُقالُ: إنَّهم جَهِلُوا الجَوابَ فَطَلَبُوهُ نَعَمْ قالَ البَغَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ ﷺ ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: أجِبْ أنْتَ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالجَوابِ وهو بِفَرْضِ صِحَّتِهِ لا يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ كَما لا يَخْفى ﴿قُلْ﴾ إلْزامًا لَهم وتَبْكِيتًا ﴿أفاتَّخَذْتُمْ﴾ لِأنْفُسِكم ﴿مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ عاجِزِينَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ وهي أعَزُّ عَلَيْهِمْ

صفحة 128

مِنكم ﴿نَفْعًا﴾ يَسْتَجِلُّونَهُ ﴿ولا ضَرًّا﴾ يَدْفَعُونَهُ عَنْها فَضْلًا عَنِ القُدْرَةِ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ لِلْغَيْرِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والمُرادُ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمُوهُ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ في غايَةِ العَجْزِ عَنْ نَفْعِكم فَجَعَلْتُمْ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ التَّوْحِيدِ مِن عِلْمِكم سَبَبَ الإشْراكِ فالفاءُ عاطِفَةٌ لِلتَّسَبُّبِ والتَّفْرِيعِ دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلَيْهِ لِأنَّ المُنْكَرَ الِاتِّخاذُ بَعْدَ العِلْمِ لا العِلْمُ ولا هُما مَعًا ووُصِفَ الأوْلِياءُ بِما ذُكِرَ مِمّا يُقَوِّي الإنْكارَ ويُؤَكِّدُهُ ويُفْهَمُ عَلى ما قِيلَ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ هَذا دَلِيلٌ ثانٍ عَلى ضَلالِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ رَجاءَ أنْ يَنْفَعُوهم واخْتُلِفَ في الدَّلِيلِ الأوَّلِ فَقِيلَ: هو ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ وقِيلَ: هو ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ .. إلَخْ فَتَدَبَّرْ ﴿قُلْ﴾ تَصْوِيرًا لِآرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى﴾ الَّذِي هو المُشْرِكُ الجاهِلُ بِالعِبادَةِ ومُسْتَحَقُّها ﴿والبَصِيرُ﴾ الَّذِي هو المُوَحِّدُ العالِمُ بِذَلِكَ وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ وفي الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وكَذا عَلى ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ الجاهِلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ وبِالثّانِي العالِمُ بِها وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى التَّشْبِيهِ والمُرادُ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ والكافِرُ كَما لا يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ فَلا مَجازَ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الأوَّلَ بِالمَعْبُودِ الغافِلِ والثّانِيَ بِالمَعْبُودِ العالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ﴾ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ ﴿والنُّورُ﴾ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا وجُمِعَ الظُّلُماتُ لِتَعَدُّدِ أنْواعِ الكُفْرِ كَكُفْرِ النَّصارى وكُفْرِ المَجُوسِ وكُفْرِ غَيْرِهِمْ وكَوْنُ الكُفْرِ كُلِّهِ مِلَّةً واحِدَةً أمْرٌ آخَرُ.

و( أمْ ) كَما في البَحْرِ مُنْقَطِعَةٌ وتُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةُ عَلى المُخْتارِ والتَّقْدِيرُ بَلْ أهَلْ تَسْتَوِي وهَلْ وإنْ نابَتْ عَنِ الهَمْزَةِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ فَقَدْ جامَعَتْها أيْضًا كَما في قَوْلِهِ:

أهَلْ رَأوْنا بِوادِي القُفِّ ذِي الأكَمِ

وإذا جامَعَتْها مَعَ التَّصْرِيحِ بِها فَلِأنَّ تَجامُعَها مَعَ أمِ المُتَضَمِّنَةِ لَها أوْلى ويَجُوزُ فِيها بَعْدَ أمْ هَذِهِ أنْ يُؤْتى بِها لِشَبَهِها بِالأدَواتِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ في عَدَمِ الأصالَةِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ويَجُوزُ أنْ لا يُؤْتى بِها لِأنَّ أمْ مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ وقَدْ جاءَ الأمْرانِ في قَوْلِهِ: .

هَلْ ما عَلِمْتَ وما اسْتَوْدَعْتَ مَكْتُومُ ∗∗∗ أمْ حَبَلُها إذْ نَأتْكَ اليَوْمَ مَصْرُومُ

أمْ هَلْ كَبِيرٌ بَكى لَمْ يَقْضِ عَبْرَتَهُ ∗∗∗ إثْرَ الأحِبَّةِ يَوْمَ البَيْنِ مَشْكُومُ

وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ ( أمْ هَلْ يَسْتَوِي ) بِالباءِ التَّحْتِيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ما اقْتَضاهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن تَخْطِئَةِ المُشْرِكِينَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ جَعَلُوا﴾ أيْ بَلْ أجَعَلُوا ﴿لِلَّهِ﴾ جَلَّ وعَلا ﴿شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ولَيْسَ المُنْكَرُ هو الجَعْلُ لِأنَّهُ واقِعٌ مِنهم وإنَّما هو الخَلْقُ كَخَلْقِهِ تَعالى والمَعْنى أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ﴿فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ وقالُوا: هَؤُلاءِ خَلَقُوا كَخَلْقِ اللَّهِ تَعالى واسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ العِبادَةَ كَما اسْتَحَقَّها سُبْحانَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَنشَأً لِخَطَئِهِمْ بَلِ إنَّما جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ عاجِزِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخَلْقُ فَضْلًا عَمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ والمَقْصُودُ

صفحة 129

بِالإنْكارِ والنَّفْيِ هو القَيْدُ والمُقَيَّدُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وفي الِانْتِصافِ أنَّ ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ في سِياقِ الإنْكارِ جِيءَ بِهِ لِلتَّهَكُّمِ فَإنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَخْلُقُ شَيْئًا مُساوِيًا ولا مُنْحَطًّا وقَدْ كانَ يَكْفِي في الإنْكارِ لَوْلا ذَلِكَ أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي اتَّخَذُوها لا تَخْلُقُ.

وتَعَقَّبَهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ إثْباتَ التَّهَكُّمِ تُكَلُّفٌ فَإنَّهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وإرادَةُ نَقِيضِهِ اسْتِحْقارًا لِلْمُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وها هُنا ﴿كَخَلْقِهِ﴾ جِيءَ بِهِ مُبالَغَةً في إثْباتِ العَجْزِ لِآلِهَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ وإرْخاءِ العِنانِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا اتِّخاذَهم مِن دُونِهِ شُرَكاءَ ووَصَفَها بِأنَّها لا تَمْلِكُ لِأنْفُسِها نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ تَمْلِكُ ذَلِكَ لِغَيْرِها أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ التَّدَرُّجِ وصْفَ الخَلْقِ أيْضًا يَعْنِي هَبْ أنَّ أُولَئِكَ الشُّرَكاءَ قادِرُونَ عَلى نَفْعِ أنْفُسِهِمْ وعَلى نَفْعِ عَبَدَتِهِمْ فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَخْلُقُوا شَيْئًا وهَبْ أنَّهم قادِرُونَ عَلى خَلْقِ بَعْضِ الأشْياءِ فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ. اهَـ. والحَقُّ أنَّ الآيَةَ ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ مُتَهَكِّمَةٌ بِهِمْ فَإنَّ مَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ أبْعَدُ مِن أنْ يُفِيدَهم ذَلِكَ وكَيْفَ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أنَّهُ خالِقٌ وأنْ يَشْتَبِهَ عَلى ذِي عَقْلٍ فَيُنَبَّهُ عَلى نَفْيِهِ وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي في الغَرَضِ فافْهَمْ ﴿قُلْ﴾ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإرْشادًا لَهُمُ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ ويَلْزَمُ هَذا أنْ لا خالِقَ سِواهُ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّوارُدُ وهو المَقْصُودُ لِيَدُلَّ عَلى المُرادِ وهو نَفْيُ اسْتِحْقاقِ غَيْرِهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ أيْ لا خالِقَ سِواهُ فَيُشارِكُهُ في ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ.

وبِعُمُومِ الآيَةِ اسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى والمُعْتَزِلَةُ تَزْعُمُ التَّخْصِيصَ بِغَيْرِ أفْعالِهِمْ ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ أيْضًا لِما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ بِالآيَةِ الأُولى وهو كَما تَرى ﴿وهُوَ الواحِدُ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ المُنْفَرِدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ﴿القَهّارُ﴾ . (16) . الغالِبُ عَلى كُلِّ ما سِواهُ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ آلِهَتُهم فَكَيْفَ يَكُونُ المَغْلُوبُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى وهَذا عَلى ما قِيلَ كالنَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن مَقُولِ القَوْلِ وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском