Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:18–23, continued
فِي الرَّذائِلِ البَشَرِيَّةِ والكُدُوراتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ مِنَ الأمْوالِ والأسْبابِ الَّتِي انْجَذَبُوا إلَيْها بِالمَحَبَّةِ فَأهْلَكُوا أنْفُسَهم بِها ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ مِمّا يَنالُهم مِنَ الحِجابِ والحِرْمانِ ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الأفْعالِ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ الحِرْمانُ ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ جَهَنَّمُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ونَسْألُهُ العَفُوَّ والعافِيَةَ
13:19Page 252
۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩
Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -
﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي مُثِّلَ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ والإبْرِيزِ الخالِصِ في المَنفَعَةِ والجَدْوى هو ﴿الحَقُّ﴾ الَّذِي لا حَقَّ وراءَهُ أوِ الحَقُّ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ فَيَسْتَجِيبُ لَهُ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ عَمى القَلْبِ لا يُدْرِكُهُ ولا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ وهو هو فَيَبْقى حائِرًا في ظُلُماتِ الجَهْلِ وغَياهِبِ الضَّلالِ ولا يَتَذَكَّرُ بِما ضُرِبَ مِنَ الأمْثالِ والمُرادُ كَمَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُرِيدَ زِيادَةُ تَقْبِيحِ حالِهِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالأعْمى والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ وإيرادُ الفاءِ بَعْدَها لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَرَتُّبِ تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ عَلى ظُهُورِ حالِ كُلٍّ مِنهُما بِما ضُرِبَ مِنَ الأمْثالِ وما بُيِّنَ مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ كَأنَّهُ قِيلَ: أبَعْدَ ما بَيَّنَ حالَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ وما لَهُما يُتَوَهَّمُ المُماثَلَةُ بَيْنَهُما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( أوَمَن يَعْلَمُ ) بِالواوِ مَكانَ الفاءِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ﴾ بِما ذُكِرَ مِنَ المُذَكِّراتِ فَيَقِفُ عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ والتَّنائِي ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ . (19) . أيِ العُقُولِ الخالِصَةِ المُبَرَّأةِ مِن مُتابَعَةِ الإلْفِ ومُعارَضَةِ الوَهْمِ فاللُّبُّ أخَصُّ مِنَ العَقْلِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الرّاغِبُ وقِيلَ: هُما مُتَرادِفانِ والقَصْدُ بِما ذُكِرَ دَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الكُفّارَ عُقَلاءُ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مُتَذَكِّرِينَ ولَوْ نُزِّلُوا مْنْزِلَةَ المَجانِينِ حَسُنَ ذَلِكَ.
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ وقِيلَ: في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ وقَدْ أشَرْنا إلى وجْهِ اتِّصالِها بِما قَبْلَها والعَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ وجْهَ الِاتِّصالِ بِأنَّ ( فَمَن يَعْلَمُ ) عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ .. إلَخْ والهَمْزَةُ مُقْحَمَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَكَرَ مِن مَعْنى الآيَةِ عَلى ذَلِكَ ما ذَكَرَ قالَ: ثُمَّ إنَّكَ إذا أمْعَنْتَ النَّظَرَ وجَدْتَها مُتَّصِلَةً بِفاتِحَةِ السُّورَةِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهو كَما تَرى
13:20Page 252
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ ٢٠
Those who fulfill the covenant of Allāh and do not break the contract,
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بِما عَقَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى حِينَ قالُوا: بَلى أوْ بِما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِ مِنَ الأحْكامِ فالمُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ وإضافَةُ العَهْدِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى الثّانِي وإذا أُرِيدَ بِالعَهْدِ ما عَقَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ يَوْمَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ كانَتِ الإضافَةُ مُطْلَقًا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ وهو الظّاهِرُ كَما في البَحْرِ وحُكِيَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى عَهْدِ ﴿ألَسْتُ﴾ عَنْ قَتادَةَ وحَمْلُهُ عَلى ما عُهِدَ في الكُتُبِ عَنْ بَعْضِهِمْ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ حَمْلُهُ عَلى ما عُهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ وعَنِ القَفّالِ حَمْلُهُ عَلى ما في جِبِلَّتِهِمْ وقَوْلِهِمْ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ واسْتُظْهِرَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ . (20) . ما وثَّقُوا مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ تَعالى والأحْكامِ والنُّذُورِ وما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ كالعُقُودِ وما ضاهاها وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِن صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ.
صفحة 140
وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَأْكِيدٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ العَهْدَ هو المِيثاقُ ويَلْزَمُ مِن إيفاءِ العَهْدِ انْتِفاءُ نَقْضِهِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بِالجُمْلَةِ الأوْلى يُوفُونَ بِجَمِيعِ عُهُودِ اللَّهِ تَعالى وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى اللَّهُ تَعالى بِها عَبِيدَهُ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي والمُرادُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أنَّهم إذا عَقَدُوا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ. اهَـ. وعَلَيْهِ فَحَدِيثُ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لا يَتَأتّى كَما لا يَخْفى وقَدْ تَقَدَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عَنْهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِن كِتابِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومِن أعْظَمِ المَواثِيقِ عَلى ما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنْ لا يَسْألَ العَبْدُ سِوى مَوْلاهُ جَلَّ شَأْنُهُ.
وفِي قِصَّةِ أبِي حَمْزَةَ الخُراسانِيِّ ما يَشْهَدُ لِعِظَمِ شَأْنِهِ فَقَدْ عاهَدَ رَبَّهُ أنْ لا يَسْألَ أحَدًا سِواهُ فاتَّفَقَ أنْ وقَعَ في بِئْرٍ فَلَمْ يَسْألْ أحَدًا مِنَ النّاسِ المارِّينَ عَلَيْهِ إخْراجَهُ مِنها حَتّى جاءَ مَن أخْرَجَهُ بِغَيْرِ سُؤالٍ ولَمْ يُرَ مَن أخْرَجَهُ فَهَتَفَ بِهِ هاتِفٌ كَيْفَ رَأيْتَ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ فَيَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِهِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ عَلى ما قالَ أيْضًا وقَدْ أنْكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِعْلَ هَذا الرَّجُلِ وبَيَّنَ خَطَأهُ وأنَّ التَّوَكُّلَ لا يُنافِي الِاسْتِغاثَةَ في تِلْكَ الحالِ وذَكَرَ أنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ وغَيْرَهُ قالُوا: لَوْ أنَّ إنْسانًا جاعَ فَلَمْ يَسْألْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ ولا يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ لَطَفَ بِأبِي حَمْزَةَ الجاهِلِ نَعَمْ لا يَنْبَغِي الِاسْتِغاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النّاسُ اليَوْمَ مَعَ أهْلِ القُبُورِ الَّذِينَ يَتَخَيَّلُونَ فِيهِمْ ما يَتَخَيَّلُونَ فَآهًا ثُمَّ آهًا مِمّا يَفْعَلُونَ.
13:21Page 252
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١
And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ صِلَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإيمانِ بِهِ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صِلَةُ الأرْحامِ وقِيلَ: صِلَةُ الإيمانِ بِالعَمَلِ وقِيلَ: صِلَةُ قَرابَةِ الإسْلامِ بِإفْشاءِ السَّلامِ وعِيادَةِ المَرِيضِ وشُهُودِ الجَنائِزِ ومُراعاةِ حَقِّ الجِيرانِ والرُّفَقاءِ والخَدَمِ ومَن ذَهَبَ إلى العُمُومِ أدْخَلَ في ذَلِكَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووَصَلَهم أنْ يُؤْمِنَ بِهِمْ جَمِيعًا ولا يُفَرِّقَ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم والنّاسُ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ ووَصْلِهِمْ بِمُراعاةِ حُقُوقِهِمْ بَلْ سائِرُ الحَيَواناتِ ووَصْلِها بِمُراعاةِ ما يُطْلَبُ في حَقِّها وُجُوبًا أوْ نَدْبًا وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ أنَّ جَماعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُمْ قالُوا: مِن أهْلِ خُراسانَ قالُوا: اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى وكُونُوا مِن حَيْثُ شِئْتُمْ واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لَوْ أحْسَنَ الإحْسانَ كُلَّهُ وكانَتْ لَهُ دَجاجَةٌ فَأساءَ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مُحْسِنًا ومَفْعُولُ ﴿أمَرَ﴾ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ و﴿أنْ يُوصَلَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أيْ ما أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ وعِيدَهُ سُبْحانَهُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ مُطْلَقًا وقِيلَ: المُرادُ تَوْعِيدُهُ تَعالى عَلى قَطْعِ ما أُمِرُوا بِوَصْلِهِ ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ . (21) . فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا وهَذا مِن قَبِيلِ ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ والخَشْيَةُ والخَوْفُ قِيلَ بِمَعْنًى، وفي فُرُوقِ العَسْكَرِيِّ أنَّ الخَوْفَ يَتَعَلَّقُ بِالمَكْرُوهِ ومَنزِلِهِ تَقُولُ خِفْتُ زَيْدًا وخِفْتُ المَرَضَ والخَشْيَةَ تَتَعَلَّقُ بِالمَنزِلِ دُونَ المَكْرُوهِ نَفْسِهِ ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ( يَخْشَوْنَ ) أوَّلًا ﴿ويَخافُونَ﴾ ثانِيًا وعَلَيْهِ فَلا يَكُونُ اعْتِبارُ الوَعِيدِ في مَحَلِّهِ لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ و﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما
صفحة 141
فَقالَ: الخَشْيَةُ خَوْفٌ يَشُوبُهُ تَعْظِيمٌ وأكْثَرُ ما لا يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ ولِذَلِكَ خُصَّ العُلَماءُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ .
وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَشْيَةُ أشَدُّ الخَوْفِ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَجَرَةٌ خَشِيَّةٌ أيْ يابِسَةٌ ولِذا خُصَّتْ بِالرَّبِّ في هَذِهِ الآيَةِ وفُرِّقَ بَيْنَهُما أيْضًا بِأنَّ الخَشْيَةَ تَكُونُ مِن عِظَمِ المَخْشِيِّ وإنْ كانَ الخاشِي قَوِيًّا والخَوْفُ مِن ضَعْفِ الخائِفِ وإنْ كانَ المَخُوفُ أمْرًا يُسْرًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ تَقْلِيبَ الخاءِ والشِّينِ والياءِ تَدُلُّ عَلى الغَفْلَةِ وفي تَدَبُّرٍ والحَقُّ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفُرُوقِ أغْلَبِيٌّ كُلِّيٌّ وضْعِيٌّ ولِذا لَمْ يُفَرِّقْ كَثِيرٌ بَيْنَهُما نَعَمِ اخْتارَ الإمامُ لِأنَّ المُرادَ مَن يَخْشَوْنَ رَبَّهم أنَّهم يَخافُونَهُ خَوْفَ مَهابَةٍ وجَلالَةٍ زاعِمًا أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ يَلْزَمُ التَّكْرارُ وفِيهِ ما فِيهِ.
13:22Page 252
وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢
And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى كُلِّ ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ مِنَ المَصائِبِ المالِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ وما يُخالِفُهُ هَوى النَّفْسِ كالِانْتِقامِ ونَحْوِهِ ويَدْخُلُ فِيما ذُكِرَ التَّكالِيفُ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَنْظُرُوا إلى جانِبِ الخَلْقِ رِياءً أوْ سُمْعَةً ولا إلى جانِبِ أنْفُسِهِمْ زِينَةً وعُجْبًا وقِيلَ: المُرادُ طالِبِينَ ذَلِكَ فَنُصِبَ ﴿ابْتِغاءَ﴾ عَلى الحالِيَّةِ وعَلى الأوَّلِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والكَلامُ في مِثْلِ الوَجْهِ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى شَهِيرٌ.
وفِي البَحْرِ إنَّ الظّاهِرَ مِنهُ ها هُنا جِهَةُ اللَّهِ تَعالى أيِ الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِالحَسَناتِ لِيَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ كَما يُقالُ: خَرَجَ زَيْدٌ لِوَجْهِ كَذا وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ جاءَتِ الصِّلَةُ هُنا بِلَفْظِ الماضِي وفِيما تَقَدَّمَ بِلَفْظِ المُضارِعِ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ لِأنَّ المُبْتَدَأ في مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ والماضِي كالمُضارِعِ في اسْمِ الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ فِيما أشْبَهَهُ: ولِذا قالَ النَّحْوِيُّونَ: إذا وقَعَ الماضِي صِلَةً أوْ صِفَةً لِنَكِرَةٍ عامَّةٍ احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ المُضِيُّ وإنَّ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ فَمِنَ الأوَّلِ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ ومِنَ الثّانِي ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ اخْتِصاصَ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالماضِي وما تَقَدَّمَ بِالمُضارِعِ أنَّ ما تَقَدَّمَ قُصِدَ بِهِ الِاسْتِصْحابُ: والِالتِباسُ وأمّا هَذِهِ فَقَدَ قُصِدَ بِها تَقَدُّمُها عَلى ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ تِلْكَ الصِّلاتِ إنَّما هي مُتَرَتِّبَةٌ عَلى حُصُولِ الصَّبْرِ وتَقَدُّمِهِ عَلَيْها ولِذا لَمْ يَأْتِ صِلَةٌ في القُرْآنِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي إذْ هو شَرْطٌ في حُصُولِ التَّكالِيفِ وإيقاعِها وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ حَيْثُ كانَ الصَّبْرُ مَلاكَ الأمْرِ في كُلِّ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّلاتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ أُورِدَ بِصِيغَةِ الماضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ودَلالَةً عَلى وُجُوبِ تَحَقُّقِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إمّا في نَفْسِ الصِّلاتِ كَما فِيما عَدا الأُولى والرّابِعَةِ والخامِسَةِ أوْ في إظْهارِ أحْكامِها كَما في الصِّلاتِ الثَّلاثِ المَذْكُوراتِ فَإنَّها وإنِ اسْتَغْنَتْ عَنِ الصَّبْرِ في أنْفُسِها حَيْثُ لا مَشَقَّةَ عَلى النَّفْسِ في الِاعْتِرافِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والخَشْيَةِ والخَوْفِ لَكِنَّ إظْهارَ أحْكامِها والجَرْيَ عَلى مُوجِبِها غَيْرُ خالٍ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ وهو لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والأوْلى عَلى ما قِيلَ الِاقْتِصارُ في التَّعْلِيلِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وعُطِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ وكَذا ما بَعْدَهُ عَلى ذَلِكَ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ والمُرادُ بِالصَّلاةِ قِيلَ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ وقِيلَ مُطْلَقًا وهو أوْلى ومَعْنى إقامَتِها إتْمامُ أرْكانِها وهَيْئاتِها ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ بَعْضَ ما أعْطَيْناهم وهو الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ كالزَّكاةِ وما يُنْفَقُ عَلى العِيالِ والمَمالِيكِ أوْ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ والَّذِي نُدِبَ سِرًّا حَيْثُ يَحْسُنُ السِّرُّ كَما في إنْفاقِ مِن لا يُعْرَفُ بِالمالِ إذا خَشِيَ التُّهْمَةَ في الإظْهارِ أوْ مَن عُرِفَ بِهِ لَكِنْ لَوْ أظْهَرَهُ رُبَّما أدْخَلَهُ الرِّياءَ والخُيَلاءَ وكَما في الإعْطاءِ لِمَن تَمْنَعُهُ المُرُوءَةُ مِنَ
صفحة 142
الأخْذِ ظاهِرًا وعَلانِيَةً حَيْثُ تَحْسُنُ العَلانِيَةُ كَما إذا كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما ذُكِرَ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الأوَّلَ مَخْصُوصٌ بِالتَّطَوُّعِ والثّانِي بِأداءِ الواجِبِ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها سِرًّا وإلّا فالأوْلى أداؤُها عَلانِيَةً: وقِيلَ: السِّرُّ ما لا يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما لا يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ والأوَّلُ الحَمْلُ عَلى العُمُومِ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ السِّرِّ لِلْإشارَةِ إلى فَضْلِ صَدَقَتِهِ وجاءَ في الصَّحِيحِ عَدا المُتَصَدِّقَ سِرًّا مِنَ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى في ظِلِّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ ويُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ يَرُدُّونَ مَعْرُوفًا عَلى مَن يُسِيءُ إلَيْهِمْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ وقالَ الحَسَنُ: إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا وإذا قُطِعُوا وصَلُوا وقِيلَ: يُتْبِعُونَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ فَتَمْحُوها وفي الحَدِيثِ «أنَّ مُعاذًا قالَ: أوْصِنِي يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها السِّرُّ بِالسِّرِّ والعَلانِيَةُ بِالعَلانِيَةِ» وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ يَدْفَعُونَ بِالتَّوْبَةِ مَعَرَّةَ الذَّنْبِ وقِيلَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ شِرْكَهم وقِيلَ: بِالصَّدَقَةِ العَذابَ وقِيلَ: إذا رَأوْا مُنْكَرًا أمَرُوا بِتَغْيِيرِهِ وقِيلَ وقِيلَ: ويُفْهِمُ صَنِيعُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ اخْتِيارَ الأوَّلِ فَهم كَما قِيلَ: .
يَجْزُونَ مِن ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ومِن إساءَةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسانا
وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ بَعْضِ الجَهَلَةِ: .
جَرِيءٌ مَتى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بِظُلْمِهِ ∗∗∗ سَرِيعًا وإنْ لا يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ
وقالَ في الكَشْفِ: الأظْهَرُ التَّعْمِيمُ أيْ يَدْرَؤُونَ بِالجَمِيلِ السَّيِّئَ سَواءً كانَ لِأذاهم أوْ لا مَخْصُوصًا بِهِمْ أوْ لا طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً مَكْرُمَةً أوْ مَنقَصَةً ولَعَلَّ الأمْرَ كَما قالَ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ والمَلَكاتِ الجَمِيلَةِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِمْ أُناسًا بِأعْيانِهِمْ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً عَلى ما قِيلَ في الأنْصارِ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ . (22) . أيْ عاقِبَةُ الدُّنْيا وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أمْرِ أهْلِها وهي الجَنَّةُ فَتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ والعاقِبَةُ المُطْلَقَةُ تُفَسَّرُ بِذَلِكَ وفُسِّرَتْ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفَسَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا بِالجَنَّةِ إلّا أنَّهُ قالَ: لِأنَّها الَّتِي أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها وفِيهِ عَلى ما قِيلَ شائِبَةُ اعْتِزالٍ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدّارِ الآخِرَةُ أيْ لَهُمُ العُقْبى الحَسَنَةُ في الدّارِ الآخِرَةِ وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ و﴿عُقْبى﴾ فاعِلُ الِاسْتِقْرارِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ فِيهِ قَصْرٌ حَتّى يَرِدَ أنَّ بَعْضَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَيْسَ مِنَ العَزائِمِ الَّتِي يُخِلُّ إخْلالُها بِالوُصُولِ إلى حُسْنِ العاقِبَةِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مَآلُ أُولَئِكَ الجَنَّةُ مِن غَيْرِ تَخَلُّلٍ بِدُخُولِ النّارِ فَلا بَأْسَ لَوْ قِيلَ بِالقَصْرِ ولا يَلْزَمُ عَدَمُ دُخُولِ الفاسِقِ المُعَذَّبِ الجَنَّةَ والقَوْلُ إنَّهُ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفاتِ في الجُمْلَةِ كَما تَرى والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولاتِ المُتَعاطِفَةِ إنْ رُفِعَتْ بِالِابْتِداءِ أوِ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ في جَوابِ ما بالُ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ إنْ جُعِلَتِ المَوْصُولاتُ المُتَعاطِفَةُ صِفاتٍ لِأُولِي الألْبابِ عَلى طَرِيقَةِ المَدْحِ مِن غَيْرِ أنْ يُقْصَدَ أنْ يَكُونَ لِلصِّلاتِ المَذْكُورَةِ مَدْخَلٌ في التَّذَكُّرِ والأوَّلُ أوْجَهُ لِما في الكَشْفِ مِن رِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ وحَسُنَ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ وجَرْيُهُما عَلى اسْتِئْنافِ الوَصْفِ لِلْعالِمِ ومَن هو كَأعْمى.
13:23Page 252
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣
Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 143
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ كَما قالَ الزَّجّاجُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ المَقامِ والأوْلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ كَما ذُكِرَ في البَحْرِ ورُدَّ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِعُقْبى الدّارِ فَهو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ والعَدْنُ الإقامَةُ والِاسْتِقْرارُ يُقالُ: عَدَنَ بِمَكانِ كَذا إذا اسْتَقَرَّ ومِنهُ المَعْدِنُ لِمُسْتَقَرِّ الجَواهِرِ أيْ جَنّاتٌ يُقِيمُونَ فِيها وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بُطْنانُ الجَنَّةِ أيْ وسَطُها ورُوِيَ نَحْوَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ إلّا أنَّهُ قالَ: هي مَدِينَةٌ وسَطَ الجَنَّةِ فِيها الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ الهُدى وجاءَ فِيها غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ ومَتى أُرِيدَ مِنها مَكانٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الجَنَّةِ كانَ البَدَلُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وقَرَأ النَّخَعِيُّ ( جَنَّةُ ) بِالإفْرادِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ( يُدْخَلُونَها ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ جَمْعُ أبَوَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ عُطِفَ عَلى المَرْفُوعِ في ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وإنَّما ساغَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ لِلْفَصْلِ بِالضَّمِيرِ الآخَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ واعْتُرِضَ بِأنَّ واوَ المَعِيَّةِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى المَتْبُوعِ ورُدَّ بِأنَّ هَذا إنَّما ذُكِرَ في مَعَ لا في الواوِ وفِيهِ نَظَرٌ والمَعْنى أنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ مَن صَلَحَ مِن أهْلِيهِمْ وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ فَضْلِهِمْ تَبَعًا لَهم تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ الجَنَّةَ فَيَقُولُ: أيْنَ أُمِّي أيْنَ ولَدِي أيْنَ زَوْجَتِي فَيُقالُ: لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِكَ فَيَقُولُ: كُنْتُ أعْمَلُ لِي ولَهم ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ وفَسَّرَ ( مَن صَلَحَ ) بِمَن آمَنَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفَسَّرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا وذَكَرَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيَّةُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ورَدَّ عَلَيْهِ الواحِدِيُّ فَقالَ: الصَّحِيحُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِن ثَوابِ المُطِيعِ سُرُورَهُ بِحُضُورِ أهْلِهِ مَعَهُ في الجَنَّةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَدْخُلُونَها كَرامَةً لِلْمُطِيعِ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ فَلَوْ دَخَلُوها بِأعْمالِهِمْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلْمُطِيعِ ولا فائِدَةٌ في الوَعْدِ بِهِ إذْ كُلُّ مَن كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ وضَعَّفَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِشارَةُ المُطِيعِ بِكُلِّ ما يَزِيدُهُ سُرُورًا وبَهْجَةً فَإذا بَشَّرَ اللَّهُ تَعالى المُكَلَّفَ بِأنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ يَحْضُرُ مَعَهُ أهْلُهُ يَعْظُمُ سُرُورُهُ وتَقْوى بَهْجَتُهُ ويُقالُ: إنَّ مِن أعْظَمِ سُرُورِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا فَيَتَذَكَّرُوا أحْوالَهم في الدُّنْيا ثُمَّ يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى الخَلاصِ مِنها ولِذَلِكَ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهُ يَقُولُ: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ وعَلى هَذا لا تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الدَّرَجَةَ تَعْلُو بِالشَّفاعَةِ ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِها عَلى ذَلِكَ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لَها.
وتُعُقِّبَ بِأنَّها أيْضًا لا دَلالَةَ لَها عَلى ما ذُكِرَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا جازَ أنْ تَعْلُوَ بِمُجَرَّدِ التَّبَعِيَّةِ لِلْكامِلِينَ في الإيمانِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ فالعُلُوُّ بِشَفاعَتِهِمْ مَعْلُومٌ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وقالَ بَعْضُهم: إنَّهم لَمّا كانُوا بِصَلاحِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ كانَ جَعْلُهم في دَرَجَتِهِمْ مُقْتَضى طَلَبِهِمْ وشَفاعَتِهِمْ لَهم بِمُقْتَضى الإضافَةِ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ خُصُوصًا إذا كانَتِ الواوُ بِمَعْنى مَعَ فَتَأمَّلْ والظّاهِرُ أنَّهُ لا تَمْيِيزَ بَيْنَ زَوْجَةٍ وزَوْجَةٍ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الإمامُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ الأوْلى مَن ماتَ عَنْها أوْ ماتَتْ عَنْهُ وما رُوِيَ «عَنْ سَوْدَةَ أنَّها لَمّا هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَلاقِها قالَتْ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أُحْشَرُ في جُمْلَةِ نِسائِكَ» كالدَّلِيلِ عَلى
صفحة 144
ما ذُكِرَ واخْتُلِفَ في المَرْأةِ ذاتِ الأزْواجِ إذا كانُوا قَدْ ماتُوا عَنْها فَقِيلَ: هي في الجَنَّةِ لِآخِرِ أزْواجِها ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ زَوْجاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها مَعَ كَوْنِ أكْثَرِهِنَّ كُنَّ قَدْ تَزَوَّجْنَ قَبْلُ بِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: هي لِأوَّلِ أزْواجِها كامْرَأةٍ أخْبَرَها ثِقَةٌ أنَّ زَوْجَها قَدْ ماتَ ووَقَعَ في قَلْبِها صِدْقُهُ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها ثُمَّ ظَهَرَتْ حَياتُهُ فَإنَّها تَكُونُ لَهُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بَلْ هو يُشْبِهُ ما لَوْ ماتَ رَجُلٌ وأخْبَرَ مَعْصُومٌ كالنَّبِيِّ بِمَوْتِهِ فَتَزَوَّجَتِ امْرَأتُهُ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى وقَدْ قالُوا في ذَلِكَ: إنَّ زَوْجَتَهُ لِزَوْجِها الثّانِي وقِيلَ: إنَّ الزَّوْجَةَ تُخَيَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أزْواجِها فَمَن كانَ مِنهم أحْسَنَهم خُلُقًا مَعَها كانَتْ لَهُ وارْتَضاهُ جَمْعٌ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( صَلُحَ ) بِضَمِّ اللّامِ والفَتْحُ أفْصَحُ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ( ذُرِّيَّتَهم ) بِالتَّوْحِيدِ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ . (23) . مِن أبْوابِ المَنازِلِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ لَفي خَيْمَةٍ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ لَيْسَ فِيها جِذْعٌ ولا وصْلٌ طُولُها في الهَواءِ سِتُّونَ مِيلًا في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنها أهْلٌ ومالٌ لَها أرْبَعَةُ آلافِ مِصْراعٍ مِن ذَهَبٍ يَقُومُ عَلى كُلِّ بابٍ مِنها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ كُلِّ مَلَكٍ هَدِيَّةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ مَعَ صاحِبِهِ مِثْلُها لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِإذْنٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أبُو الأصَمِّ: أُرِيدَ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ البِرِّ كَبابِ الصَّلاةِ وبابِ الزَّكاةِ وبابِ الصَّبْرِ وقِيلَ: مِن أبْوابِ الفُتُوحِ والتُّحَفِ قِيلَ: فَعَلى هَذا المُرادُ بِالبابِ النَّوْعُ و( مِن ) لِلتَّعْلِيلِ والمَعْنى يَدْخُلُونَ لِإتْحافِهِمْ بِأنْواعِ التُّحَفِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ في كَوْنِ البابِ بِمَعْنى النَّوْعِ كالبابَةِ نَظَرًا فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ الأساسِ وغَيْرِهِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ لِأنَّ الدّارَ الَّتِي لَها أبْوابٌ إذا أتاها الجَمُّ الغَفِيرُ يَدْخُلُونَها مِن كُلِّ بابٍ فَأُرِيدَ بِهِ دُخُولُ الأرْزاقِ الكَثِيرَةِ عَلَيْهِمْ وأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ وتَعَدُّدُ الجِهاتِ يُشْعِرُ بِتَعَدُّدِ المَأْتِيّاتِ فَإنَّ لِكُلِّ جِهَةِ تُحْفَةً
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences