Al-AlusiAr‑Ra'd · 13:24–27

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:24–27

13:24Page 252

سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤

"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.

﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ وهو بِشارَةٌ بِدَوامِ السَّلامَةِ فالجُمْلَةُ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ واقِعٍ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ أيْ مُسَلِّمِينَ وهي في الأصْلِ فِعْلِيَّةٌ أيْ يُسَلِّمُونَ سَلامًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أوْ بِهِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ ومَنَعَ هَذا كَما قالَ السُّيُوطِيُّ السَّفاقِسِيُّ وقالَ: لا وجْهَ لَهُ والصَّحِيحُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِـ ﴿سَلامٌ﴾ عَلى مَعْنى نُسَلِّمُ عَلَيْكم ونُكْرِمُكم بِصَبْرِكم ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالأجْنَبِيِّ وهو الخَبَرُ ووُجِّهَ ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ المَنعَ إنَّما هو في المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وهَذا لَيْسَ مِنهُ مَعَ أنَّ الرَّضِيَّ جَوَّزَ ذَلِكَ مَعَ التَّأْوِيلِ أيْضًا وقالَ: لا أراهُ مانِعًا لِأنَّ كُلَّ مُؤَوَّلٍ بِشَيْءٍ لا يَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُ أحْكامِهِ وجَوَّزَ لِهَذِهِ العِلَّةِ العَلّامَةُ الثّانِي تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِأنْ والفِعْلِ عَلَيْهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ نَظَرًا إلى الأصْلِ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُفْصَلَ بِهِ عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ مَعْمُولٌ بَلْ مِن مُقْتَضاهُ ولِذا قالَ: أيْ نُسَلِّمُ .. إلَخْ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّعَلُّقَ مَعْنَوِيٌّ يُقَدَّرُ ما يُناسِبُهُ ولَوْ جُعِلَ مَعْمُولًا لِلظَّرْفِ المُسْتَقِرِّ أعْنِي ﴿عَلَيْكُمْ﴾ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا مَعْنًى بِسَلامٍ ضَرُورَةً لَكانَ وجْهًا خالِيًا عَنِ التَّكَلُّفِ وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( ما ) مَصْدَرِيَّةً والباءَ سَبَبِيَّةً أوْ بَدَلِيَّةً أيْ هَذا الثَّوابُ الجَزِيلُ بِسَبَبِ صَبْرِكم في الدُّنْيا عَلى المَشاقِّ أوْ بَدَلَهُ وعَنْ أبِي عِمْرانَ بِما صَبَرْتُمْ عَلى دِينِكم وعَنِ الحَسَنِ

صفحة 145

عَنْ فُضُولِ الدُّنْيا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّصْرِ عَلى الفَقْرِ والتَّعْمِيمُ أوْلى وتَخْصِيصُ الصَّبْرِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الصِّلاتِ السّابِقَةِ لِما أنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ والأمْرُ المُعْتَنى بِهِ كَما عَلِمْتَ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ . (24) . أيْ فَنِعْمَ عاقِبَةُ الدُّنْيا الجَنَّةُ وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةُ وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أنَّهم عَقَّبُوا الجَنَّةَ مِن جَهَنَّمَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما ورَدَ مِن أنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قَدْ كانَ لَهُ مَقْعَدٌ مِنَ النّارِ فَصَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى النَّعِيمِ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُقالُ لَهُ: هَذا مَقْعَدُكَ مِنَ النّارِ قَدْ أبْدَلَكَ اللَّهُ تَعالى بِالجَنَّةِ بِإيمانِكَ وصَبْرِكَ وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرُ ( فَنَعِمَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وذَلِكَ هو الأصْلُ وابْنُ وثّابٍ ( فَنَعْمَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفٍ فَعْلَ لُغَةُ تَمِيمٍ وجاءَ فِيها كَما في الصِّحاحِ ( نِعِمَ ) بِكَسْرِ النُّونِ وإتْباعِ العَيْنِ لَها وأشْهَرُ اسْتِعْمالاتِها ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ عَلى رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» وكَذا كانَ يَفْعَلُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ مَراتِبَ سِعاداتِ البَشَرِ بِدُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتَّعْظِيمِ والسَّلامِ فَكانُوا أجَلَّ مَرْتَبَةٍ مِنَ البَشَرِ لِما كانَ دُخُولُهم عَلَيْهِمْ لِأجْلِ السَّلامِ والتَّحِيَّةِ مُوجِبًا عُلُوَّ دَرَجاتِهِمْ وشَرَفَ مَراتِبِهِمْ ولا شَكَّ أنَّ مَن عادَ مِن سَفَرِهِ إلى بَيْتِهِ فَإذا قِيلَ في مَعْرِضِ كَمالِ مَرْتَبَتِهِ إنَّهُ يَزُورُهُ الأمِيرُ والوَزِيرُ والقاضِي والمُفْتِي دَلَّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ المَزُورِ أقَلُّ وأدْنى مِن دَرَجاتِ الزّائِرِينَ فَكَذا ها هُنا وهو مِنَ الرَّكاكَةِ بِمَكانٍ.

ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما هَنا نَظِيرَ ما إذا أتى السُّلْطانُ بِشَخْصٍ مِن عُمّالِهِ المُمْتازِينَ عِنْدَهُ قَدْ أطاعَهُ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ إلى مَحَلِّ كَرامَتِهِ ثُمَّ بَعْدَ أنْ أنْزَلَهُ المَنزِلَ اللّائِقَ بِهِ أرْسَلَ خَدَمَهُ إلَيْهِ بِالهَدايا والتُّحَفِ والبِشارَةِ بِما يَسُرُّهُ فَهَلْ إذا قِيلَ: إنَّ فُلانًا قَدْ أحَلَّهُ السُّلْطانُ مَحَلَّ كَرامَتِهِ ودارَ حُكُومَتِهِ وأنْزَلَهُ المَنزِلَ اللّائِقَ بِهِ وأرْسَلَ خَدَمَهُ إلَيْهِ بِما يَسُرُّهُ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ أُولَئِكَ الخَدَمَ أعْلى دَرَجَةً مِنهُ لا أظُنُّكَ تَقُولُ ذَلِكَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ بِظاهِرِهِ ما تَقَدَّمَ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرْتُكَ مِن خَلْقِكَ أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادٌ لِي كانُوا يَعْبُدُونِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ بابٍ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» ومَن أنْصَفَ ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُطْلَقًا أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى وذَكَرَ الإمامُالرّازِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ المَرْوِيِّ عَنِ الأصَمِّ في تَفْسِيرِ دُخُولِ المَلائِكَةِ مِن كُلِّ بابٍ أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ مِنهم رُوحانِيُّونَ ومِنهم كَرُّوبِيُّونَ فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدُسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ مُخْتَصٌّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدُسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفاتِ المَخْصُوصَةِ فَيُفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كَمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كَمالاتٌ

صفحة 146

رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا في مَقامِ الشُّكْرِ وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ. اهَـ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ كَلامٌ فاسِقٌ لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ ولا جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو مَطْرُوحٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا كَلامٌ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ

13:25Page 252

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥

But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1

﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أُرِيدَ بِهِمْ مَن يُقابِلُ الأوَّلِينَ ويُعانِدُهم بِالِاتِّصافِ بِنَقائِضِ أوْصافِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ الِاعْتِرافِ بِهِ قِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وبِالمِيثاقِ ما هو اسْمُ آلَةٍ أعْنِي ما يُوَثَّقُ بِهِ الشَّيْءُ وأُرِيدَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِقَوْلِ: ﴿بَلى﴾ وقَدْ يُسَمّى العَهْدُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مِيثاقًا لِتَوْثِيقِهِ بَيْنَ المُتَعاهِدَيْنِ وفَسَّرَ الإمامُ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى بِما ألْزَمَهُ عِبادَهُ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ أوْكَدُ كُلِّ عَهْدٍ وكُلِّ أيْمانٍ إذِ الأيْمانُ إنَّما تُفِيدُ التَّوْكِيدَ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها تُوجِبُ الوَفاءَ بِمُقْتَضاها ثُمَّ قالَ: والمُرادُ مِن نَقْضِها أنْ لا يَنْظُرَ المَرْءُ فِيها فَلا يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ العَمَلُ بِمُوجِبِها أوْ بِأنْ يَنْظُرَ ويَعْلَمَ صِحَّتَها ثُمَّ يُعانِدُ فَلا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ أوْ بِأنْ يَنْظُرَ في الشُّبَهِ فَلا يَعْتَقِدُ الحَقَّ والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ مِن بَعْدِ أنْ أوْثَقَ إلَيْهِ تِلْكَ الأدِلَّةَ وأحْكامَها لِأنَّهُ لا شَيْءَ أقْوى مِمّا دَلَّ اللَّهُ تَعالى عَلى وُجُوبِهِ في أنَّهُ يَنْفَعُ فِعْلُهُ ويَضُرُّ تَرْكُهُ.

وأوْرَدَ أنَّهُ إذا كانَ العَهْدُ لا يَكُونُ إلّا بِالمِيثاقِ فَما فائِدَةُ ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وأجابَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُفارَقَةَ مَن تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِهِ بِالحَلِفِ لِمَن لَمْ يَتَمَكَّنْ أوَّلًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأدِلَّةَ المُؤَكَّدَةَ لِأنَّهُ يُقالُ: قَدْ تُؤُكِّدَ إلَيْكَ بِدَلائِلَ أُخْرى سَواءً كانَتْ عَقْلِيَّةً أوْ سَمْعِيَّةً. اهَـ. ولا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالعَهْدِ ذَلِكَ القَوْلُ وبِالمِيثاقِ الِاعْتِرافُ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القِيلِ والقالِ وحَمَلَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ هُنا عَلى سائِرِ ما وصّى اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ كالعَهْدِ فِيما سَبَقَ والمِيثاقِ عَلى الإقْرارِ والقَبُولِ والآيَةُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُجْتَمِعِينَ عَلى الحَقِّ حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ومِن حُقُوقِ الأرْحامِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم صَرِيحًا لِدَلالَةِ النَّقْضِ والقَطْعِ عَلى ذَلِكَ وأمّا عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ الصَّبْرِ المَذْكُورِ فَلِأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ تَحَقُّقَهُ في ضِمْنِ الحَسَناتِ المَعْدُودَةِ لِيَقَعْنَ مُعْتَدًّا بِهِنَّ فَلا وجْهَ لِنَفْيِهِ عَمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَسَناتِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ ابْتِغاءَ وجْهِهِ تَعالى كَما لا وجْهَ لِنَفْيِ الصَّلاةِ والإنْفاقِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ إعْطاءُ الزَّكاةِ مِمَّنْ لا يَحُومُ حَوْلَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنْ فُرُوعِ الشَّرائِعِ وإنْ أُرِيدَ بِالإنْفاقِ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ وغَيْرَهُ فَنَفْيُهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ بَلْ قَدْ يُقالُ بِانْدِراجِ نَفْيِ الصَّلاةِ أيْضًا تَحْتَ ذَلِكَ وأمّا دَرْءُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فانْتِفاؤُهُ عَنْهم ظاهِرٌ مِمّا سَبَقَ ولَحِقَ فَإنَّ مَن يُجازِي إحْسانَهُ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ عَهْدِهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةِ الأمْرِ ويُباشِرُ الفَسادَ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ وتَهْيِيجِ الفِتَنِ بِمُخالَفَةِ دَعْوَةِ الحَقِّ وإثارَةِ الحَرْبِ عَلى المُسْلِمِينَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الدَّرْءُ المَذْكُورُ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ دَخْلًا في الإفْضاءِ إلى العُقُوبَةِ الَّتِي يُنْبِئُ عَنْها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ .. إلَخْ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿اللَّعْنَةُ﴾ أيِ الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿سُوءُ الدّارِ﴾ . (25) . أيْ سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ والمُرادُ بِها الدُّنْيا وسُوءُ عاقِبَتِها عَذابُ جَهَنَّمَ أوْ جَهَنَّمُ نَفْسُها ولَمْ يَقُلْ: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ تَفادِيًا أنْ يَجْعَلَها عاقِبَةً حَيْثُ جَعَلَ العاقِبَةَ المُطْلَقَةَ هي الجَنَّةُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدّارِ جَهَنَّمُ وبِسُوئِها عَذابُها والأوَّلُ

صفحة 147

أوْجَهُ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ ولِأنَّ المُبادَرَ إلى الفَهْمِ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا بِقَرِينَةِ السّابِقِ ولِأنَّها الحاضِرَةُ في أذْهانِهِمْ ولِما ذُكِرَ مِنَ النُّكْتَةِ السَّرِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ يُشْعِرُ بِعَلِيَّةِ الصِّلَةِ لَهُ ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ في ذَلِكَ عَلى أكْثَرِ التَّفاسِيرِ فَإنَّ مَجازاةَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها مَأْذُونٌ فِيها ودَفْعِ الكَلامِ السَّيِّئِ بِالحُسْنى وكَذا الإعْطاءُ عِنْدَ المَنعِ والعَفْوُ عِنْدَ الظُّلْمِ والوَصْلُ عِنْدَ القَطْعِ لَيْسَ مِمّا يُورِثُ تَرْكُهُ تَبِعَةً وأمّا ما اعْتُبِرَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الإخْلالِ بِبَعْضِ الحُقُوقِ المَندُوبَةِ فَلا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِأنَّ اعْتِبارَهُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ الإخْلالِ بِالعَزائِمِ كالكُفْرِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ وتَرْكِ سائِرِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ وقُيِّدَ بِالأكْثَرِ لِأنَّهُ عَلى الكَثِيرِ مِمّا ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِهِ المَدْخَلِيَّةُ ظاهِرَةٌ وقِيلَ: إنَّهُ سَلَكَ في وصْفِ الكَفَرَةِ وذَمِّهِمْ وذِكْرِ ما لَهم مِن مَآلِهِمْ ما لَمْ يَسَلُكْ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ ومَدْحِهِمْ وشَرْحِ ما أُعِدَّ لَهم وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهم فَأتى في أحَدِهِما بَمَوْصُولاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وصِلاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولَمْ يُؤْتَ بِنَحْوِ ذَلِكَ في الآخَرِ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلًا وفِعْلًا وعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أضْدادِهِمْ فَإنَّهم أنْجاسٌ يُتَمَضْمَضُ مِن ذِكْرِهِمْ هَذا مَعَ الجَزْمِ بِأنَّ مُقْتَضى الحالِ هو هَذا وقِيلَ: إنَّ المَسْلَكَيْنِ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَتَأمَّلْ وتَكْرِيرُ ( لَهم ) لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِاخْتِلافِهِما واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الثُّبُوتِ

13:26Page 252

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦

Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيْ يُوَسِّعُهُ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ وقِيلَ: يُعْطِي بِقَدْرِ الكِفايَةِ والمُرادُ بِالرِّزْقِ الدُّنْيَوِيِّ لا ما يَعُمُّ الأُخْرَوِيَّ لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ شامِلٌ لِلرِّزْقَيْنِ الحِسِّيِّ والمَعْنَوِيِّ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وذَكَرَ في بَيانِ رَبْطِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ ما ذُكِرَ وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في أهْلِ مَكَّةَ ثُمَّ إنَّها وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ عامَّةً وكَأنَّها دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُونَ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ في سِعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ سَعَةَ رِزْقِهِمْ لَيْسَ تَكْرِيمًا لَهم كَما أنَّ تَضْيِيقَ رِزْقِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لِإهانَةٍ لَهم وإنَّما كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ صادِرٌ مِنهُ تَعالى لِحِكَمٍ إلَهِيَّةٍ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ ورُبَّما وسَّعَ عَلى الكافِرِ إمْلاءً واسْتِدْراجًا لَهُ وضَيَّقَ عَلى المُؤْمِنِ زِيادَةً لِأجْرِهِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّقْوى فَقَطْ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَرى أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لِلتَّقْوى والتَّخْصِيصِ ولِذا قالَ: أيِ اللَّهُ وحْدَهُ هو يَبْسُطُ ويَقْدِرُ دُونَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ويَقْدُرُ ) بِضَمِّ الدّالِّ حَيْثُ وقَعَ ﴿وفَرِحُوا﴾ اسْتِئْنافٌ ناعٍ قُبْحَ أفْعالِهِمْ مَعَ ما وسَّعَهُ عَلَيْهِ.

والضَّمِيرُ قِيلَ لِأهْلِ مَكَّةَ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم واخْتارَهُ جَماعَةٌ وقالَ أبُو حَيّانَ: لِلَّذِينِ يَنْقُضُونَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ ( الَّذِينَ ) وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ ومَحَلُّ هَذا بَعْدَ ( يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ) ولا يَخْفى بُعْدَهُ لِلِاخْتِلافِ عُمُومًا وخُصُوصًا واسْتِقْبالًا ومُضِيًّا أيْ فَرِحُوا فَرَحَ أشَرٍ وبَطَرٍ ولا فَرَحَ سُرُورٍ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ بِما بُسِطَ لَهم فِيها مِنَ النَّعِيمِ لِأنَّ فَرَحَهم لَيْسَ بِنَفْسِ الدُّنْيا فَنِسْبَةُ الفَرَحِ إلَيْها مَجازِيَّةٌ أوْ هُناكَ تَقْدِيرٌ أيْ يَبْسُطُ الحَياةَ أوِ الحَياةَ الدُّنْيا مَجازٌ عَمّا فِيها ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ﴾ أيْ كائِنَةٌ في جَنْبِ نَعِيمِها فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالحَياةِ ولا بِالدُّنْيا كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِأنَّهُما لَيْسا فِيها.

و( في ) هَذِهِ مَعْناها المُقايَسَةُ وهي كَثِيرَةٌ في الكَلامِ كَما يُقالُ: ذُنُوبُ العَبْدِ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كَقَطْرَةٍ في بَحْرٍ وهي الدّاخِلَةُ بَيْنَ مَفْضُولٍ سابِقٍ وفاضِلٍ لاحِقٍ وهي الظَّرْفِيَّةُ المَجازِيَّةُ لِأنَّ ما يُقاسُ بِشَيْءٍ يُوضَعُ بِجَنْبِهِ

صفحة 148

وإسْنادُ ﴿مَتاعٌ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَتاعٌ﴾ . (26) . إلى الحَياةِ الدُّنْيا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازِيًّا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا والمُرادُ أنَّها لَيْسَتْ إلّا شَيْئًا نَزْرًا يَتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ وزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والمَعْنى أنَّهم رَضُوا بِحَظِّ الدُّنْيا مُعْرِضِينَ عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ والحالُ أنَّ ما أشِرُوا بِهِ في جَنْبِ ما أعْرَضُوا عَنْهُ نَزْرُ النَّفْعِ سَرِيعُ النَّفادِ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ كالخَبَرِ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ يَعْنِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بُسِطَ لَهم في الدُّنْيا وسِيلَةً إلى الآخِرَةِ كَمَتاعِ تاجِرٍ يَبِيعُهُ بِما يُهِمُّهُ ويَنْفَعُهُ في مَقاصِدِهِ لا أنْ يَفْرَحُوا بِها ويَعُدُّوها مَقاصِدَ بِالذّاتِ والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ.

13:27Page 252

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ وأصْحابُهُ وإيثارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى الإضْمارِ مَعَ ظُهُورِ إرادَتِهِمْ عَقِيبَ ذِكْرِ فَرَحِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( فَرِحُوا ) لَهم لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ المُكابَرَةِ والعِنادِ كَأنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الآياتِ العِظامِ الباهِرَةِ لَيْسَتْ عِنْدَهم بِآيَةٍ حَتّى اقْتَرَحُوا ما لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الآياتِ كَسُقُوطِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسْفًا وسَيْرِ الأخْشَبَيْنِ وجَعْلِ البِطاحِ مَحارِثَ ومُفْتَرَسًا كالأُرْدُنِ وإحْياءِ قُصَيٍّ لَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالُهُ مَشِيئَةٌ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها وهو كَلامُ جارٍ مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ وذَلِكَ أنَّ الآياتِ الباهِرَةَ المُتَكاثِرَةَ الَّتِي أُوتِيَها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُؤْتَها نَبِيٌّ قَبْلَهُ وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً فَإذا جَحَدُوها ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها كانَ ذَلِكَ مَوْضِعًا لِلتَّعَجُّبِ والإنْكارِ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: ما أعْظَمَ عِنادَكم وما أشَدَّ تَصْمِيمَكم عَلى الكُفْرِ ونَحْوِهِ إلّا أنَّهُ وضَعَ هَذا مَوْضِعَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُتَعَجِّبَ مِنهُ يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ﴾ .. إلَخْ أيْ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيمَن يَشاءُ الضَّلالَ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى تَحْصِيلِهِ ويَدَعُهُ مُنْهَمِكًا فِيهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَنْجَحُ فِيهِ اللُّطْفُ ولا يَنْفَعُهُ الإرْشادُ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ كَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم في المُكابَرَةِ والعِنادِ وشَدَّةِ الشَّكِيمَةِ والغُلُوِّ في الفَسادِ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاهْتِداءِ ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ.

﴿ويَهْدِي إلَيْهِ﴾ أيْ إلى جانِبِهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ إلى دِينِهِ وشَرْعِهِ سُبْحانَهُ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلَيْهِ لا دَلالَةَ مُطْلَقَةً إلى ما يُوصِلُ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُهْتَدِينَ وفِيهِ مِن تَشْرِيفِهِمْ ما لا يُوصَفُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿مَن أنابَ﴾ . (27) . أيْ أقْبَلَ إلى الحَقِّ وتَأمَّلَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِن دَلائِلِهِ الواضِحَةِ وحَقِيقَةُ الإنابَةِ الرُّجُوعُ إلى نَوْبَةِ الخَيْرِ وإيثارُها في الصِّلَةِ عَلى إيرادِ المَشِيئَةِ كَما في الصِّلَةِ الأُولى عَلى ما قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الدّاعِي إلى الهِدايَةِ بَلْ إلى مَشِيئَتِها والإشْعارِ بِما دَعا إلى المَشِيئَةِ الأُولى مِنَ المُكابَرَةِ وفِيهِ حَثٌّ لِلْكَفَرَةِ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلْإيماءِ إلى اسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ السّابِقَةِ كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ المَشِيئَةِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُكابَرَتِهِمْ والآيَةُ صَرِيحَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في نِسْبَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ فَقالَ

صفحة 149

أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المَعْنى يُضِلُّ مَن يَشاءُ عَنْ ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلى كُفْرِهِ فَلَسْتُمْ مِمَّنْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعالى إلى ما يَسْألُ لِاسْتِحْقاقِكُمُ العَذابَ والضَّلالَ عَنِ الثَّوابِ ويَهْدِي إلى جَنَّتِهِ مَن تابَ وآمَنَ ثُمَّ قالَ: وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الهُدى هو الثَّوابُ مِن حَيْثُ عُلِّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن أنابَ﴾ والهُدى الَّذِي يَفْعَلُهُ سُبْحانَهُ بِالمُؤْمِنِ هو الثَّوابُ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى إيمانِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عَنِ الثَّوابِ لا عَنِ الدِّينِ بِالكُفْرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن خالَفَنا. اهَـ. ولا يَخْفى ما فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском