Al-AlusiAr‑Ra'd · 13:28–30

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:28–30

13:28Page 252

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿مَن أنابَ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ فَإنْ أُرِيدَ بِالهِدايَةِ المُسْتَمِرَّةَ فالأمْرُ ظاهِرٌ لِظُهُورِ كَوْنِ الإيمانِ مُؤَدِّيًا إلَيْها وإنْ أُرِيدَ إحْداثُها فالمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا الَّذِينَ صارَ أمْرُهم إلى الإيمانِ كَما قالُوا في ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى وإلّا فالإيمانُ لا يُؤَدِّي إلى الهِدايَةِ نَفْسِها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ عَلى ذَلِكَ أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ تَسْتَقِرُّ وتَسْكُنُ ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ بِكَلامِهِ المُعْجِزِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلى ذَلِكَ شائِعٌ في الذِّكْرِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ و﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ وسَبَبُ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذَلِكَ عِلْمُهم أنْ لا آيَةَ أعْظَمَ ومِن ذَلِكَ لا يَقْتَرِحُونَ الآياتِ الَّتِي يَقْتَرِحُها غَيْرُهم والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ دَوامِ الِاطْمِئْنانِ وتَجَدُّدِهِ حَسَبَ تَجَدُّدِ المُنَزَّلِ مِنَ الذِّكْرِ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وحْدَهُ ﴿تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ . (28) . لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ مِنَ الدُّنْياوِيّاتِ وإذا أُرِيدَ سائِرُ المُعْجِزاتِ فالقَصْرُ مِن حَيْثُ أنَّها لَيْسَتْ في إفادَةِ الطُّمَأْنِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يُشاهِدْها بِمَثابَةِ القُرْآنِ المَجِيدِ فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يُشاهِدُها كُلُّ أحَدٍ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ كافَّةً وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا قُلُوبَ لَهم وأفْئِدَتَهم هَواءٌ حَيْثُ لَمْ يَطْمَئِنُّوا بِهِ ولَمْ يَعُدُّوهُ آيَةً وهو أظْهَرُ الآياتِ وأبْهَرُها وقِيلَ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ تَعالى ومَغْفِرَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ مِن خَشْيَتِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهَذا مُناسِبٌ عَلى ما في الكَشْفِ لِلْإنابَةِ إلَيْهِ تَعالى والمَصْدَرُ عَلَيْهِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ دَلائِلُهُ سُبْحانَهُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ والِاطْمِئْنانُ عَنْ قَلَقِ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ وهَذا مُناسِبٌ لِذِكْرِ الكُفْرِ ووُقُوعِهِ في مُقابَلَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِهِ تَعالى أُنْسًا بِهِ وتَبَتُّلًا إلَيْهِ سُبْحانَهُ فالمُرادُ بِالهِدايَةِ دَوامُها واسْتِمْرارُها قِيلَ: وهَذا مُناسِبٌ أيْضًا حَدِيثَ الكُفْرِ لِأنَّ الكَفَرَةَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُهم والمَصْدَرُ عَلى القَوْلَيْنِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ والوَجْهُ الأوَّلُ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِلنَّظْمِ لا سِيَّما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ والمَصْدَرُ فِيهِ بِمَعْنى المَفْعُولِ.

ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ في تَفْسِيرِ الخازِنِ أنَّ هَذا في الحَلِفِ بِاللَّهِ وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِن إذا حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ تَعالى سَكَنَ قَلْبُهُ ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ فَإنَّ الحَمْلَ عَلَيْهِ هُنا مِمّا لا يُناسِبُ المَقامَ وأمّا ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ مِن «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ

صفحة 150

وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا» فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ تَفْسِيرَ المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ بَلْ بَيانُ أنَّ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مَن أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ .. إلَخْ وهو كَذَلِكَ إذْ لا يَكادُ يَتَحَقَّقُ الِانْفِكاكُ بَيْنَ هاتِيكِ الصِّفاتِ فَلْيُتَأمَّلْ ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ وجِلَتْ مِن هَيْبَتِهِ تَعالى واسْتِعْظامِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وذَكَرَ الإمامُ في بَيانِ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِذَكَرِهِ تَعالى وُجُوهًا فَقالَ: إنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَتَأثَّرُ ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ فالأوَّلُ هو اللَّهُ تَعالى والثّانِي هو الجِسْمُ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ خاصِّيَّةٌ إلّا القَبُولَ لِلْآثارِ المُتَنافِيَةِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والثّالِثُ المَوْجُوداتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها إذا تَوَجَّهَتْ إلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ صارَتْ قابِلَةً لِلْآثارِ الفائِضَةِ عَلَيْها مِنها وإذا تَوَجَّهَتْ إلى أعْلامِ الأجْسامِ اشْتاقَتْ إلى التَّصَرُّفِ فِيها لِأنَّ عالَمَ الأرْواحِ مُدَبِّرٌ لِعالَمِ الأجْسامِ فَإذا عُرِفَ هَذا فالقَلْبُ كُلَّما تَوَجَّهَ إلى مُطالَعَةِ عالَمِ الأجْسامِ حَصَلَ فِيهِ الِاضْطِرابُ والقَلَقُ والمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ وإذا تَوَجَّهَ إلى مُطالَعَةِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وحَصَلَتْ فِيهِ الأنْوارُ الصَّمَدِيَّةُ فَهُناكَ يَكُونُ ساكِنًا مُطْمَئِنًّا وأيْضًا أنَّ القَلْبَ كُلَّما وصَلَ إلى شَيْءٍ فَإنَّهُ يَطْلُبُ الِانْتِقالَ مِنهُ إلى أمْرٍ آخَرَ أشْرَفَ مِنهُ لِأنَّهُ لا سَعادَةَ في عالَمِ الجِسْمِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ أُخْرى أمّا إذا انْتَهى إلى الِاسْتِسْعادِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأنْوارِ القُدُسِيَّةِ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى الِانْتِقالِ مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ دَرَجَةٌ أُخْرى في السَّعادَةِ أعْلى مِنهُ وأكْمَلَ وأيْضًا أنَّ الأُكْسِيرَ إذا وقَعَتْ مِنهُ ذَرَّةٌ عَلى الجِسْمِ النُّحاسِيِّ انْقَلَبَ ذَهَبًا باقِيًا عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ صابِرًا عَلى الذَّوَبانِ الحاصِلِ بِالنّارِ فَأُكْسِيرُ نُورِ اللَّهِ تَعالى إذا وقَعَ في القَلْبِ أوْلى أنْ يَقْلِبَهُ جَوْهَرًا باقِيًا صافِيًا نُورانِيًّا لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ والتَّبَدُّلَ ولِهَذِهِ الأوْجُهِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ . اهَـ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ سَبَبَ الطُّمَأْنِينَةِ نُورٌ يُفِيضُهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَلْبِ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ فَيَذْهَبُ ما فِيها مِنَ القَلَقِ والوَحْشَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ ولِلْمُناقَشَةِ فِيما ذَكَرَهُ مَجالٌ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ

13:29Page 253

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَدَلٌ مِنَ القُلُوبِ أيْ قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا والأظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الكُلِّ لِأنَّ القُلُوبَ في الأوَّلِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُطْمَئِنِّينَ وكَذَلِكَ لَوْ عُمِّمَ القَلْبُ عَلى مَعْنى أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ الأجِلّاءِ كُلُّ القُلُوبِ لَأنَّ الكُفّارَ أفْئِدَتُهم هَواءٌ وأمّا الحَمْلُ عَلى بَدَلِ البَعْضِ لِيُعَمَّمَ القَلْبُ مِن غَيْرِ المُلاحَظَةِ المَذْكُورَةِ واسْتِنْباطِ هَذا المَعْنى مِنَ البَدَلِ فَبَعِيدٌ وأمّا احْتِمالُهُ لِبَدَلِ الِاشْتِمالِ وإنِ اسْتَحْسَنَهُ الطَّيِّبِيُّ فَكَلا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدِّعائِيَّةُ عَلى التَّأْوِيلِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ أوْ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ فَطُوبى لَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ والعامِلُ فِيها الفِعْلانِ.

وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: لَعَلَّ الأشْبَهَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن أنابَ﴾ ثُمَّ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ تُفِيدُ كَيْفَ لا تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم لَهُ ولا اطْمِئْنانَ لِلْقَلْبِ بِغَيْرِهِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ هو كُلُّها و﴿طُوبى لَهُمْ﴾ خَبَرُ الأوَّلِ فَيَتِمُّ التَّقابُلُ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ﴾ وبَيْنَ جُزْأيِ التَّذْيِيلِ: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولَ الثّانِيَ

صفحة 151

خَبَرُهُ و﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ و﴿طُوبى لَهُمْ﴾ دُعاءٌ وهو كَما تَرى و﴿طُوبى﴾ قِيلَ مَصْدَرٌ مِن طابَ كَبُشْرى وزُلْفى والواوُ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الياءِ كَمُوسِرٍ ومُوقِنٍ وقَرَأ مُكَوَّزَةُ الأعْرابِيُّ ( طِيبى ) لِيُسَلِّمَ الياءَ وقالَ أبُو الحَسَنِ الهَنائِيُّ: هي جَمْعُ طَيِّبَةٍ كَما قالُوا في كَيِّسَةٍ كُوسى وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فُعْلى لَيْسَتْ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ وعَلى الأوَّلِ فَلَهم في المَعْنى المُرادِ عِباراتٌ فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ لَهم وعَنِ الضَّحّاكِ غِبْطَةٌ لَهم وعَنْ قَتادَةَ حُسْنى لَهم وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أصابُوا خَيْرًا وعَنِ النَّخَعِيِّ خَيْرٌ كَثِيرٌ لَهم وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ كَرامَةٌ لَهم وعَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلانَ دَوامُ الخَيْرِ لَهم ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى العَيْشِ الطَّيِّبِ لَهم وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ طُوبى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ وقِيلَ بِالهِنْدِيَّةِ وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها عَلَمٌ لِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ وصَحَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الجَنَّةِ فاكِهَةٌ قالَ: نَعَمْ فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى هي نِطاقُ الفِرْدَوْسِ قالَ: أيُّ شَجَرِ أرْضِنا تُشْبِهُ قالَ: لَيْسَ تُشْبِهُ شَيْئًا مِن شَجَرِ أرْضِكَ ولَكِنْ أتَيْتَ الشّامَ قالَ: لا قالَ: فَإنَّها تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشّامِ تُدْعى الجَوْزَةَ تَنْبُتُ عَلى ساقٍ واحِدٍ ثُمَّ يَنْتَشِرُ أعْلاها قالَ: ما عِظَمُ أصْلِها قالَ: لَوِ ارْتَحَلْتَ جَذَعَةً مِن إبِلِ أهْلِكَ ما أحَطْتَ بِأصْلِها حَتّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُها هَرَمًا قالَ: فَهَلْ فِيها عِنَبٌ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما عِظَمُ العُنْقُودِ مِنهُ قالَ: مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْغُرابِ الأبْقَعِ» والأخْبارُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مُنْتَشِرَةٌ جِدًّا وحِينَئِذٍ فَلا كَلامَ في جَوازِ الِابْتِداءِ بِها وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: سَلامٌ عَلَيْكَ إلّا أنَّهُ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ إلى أنَّهُ التَزَمَ فِيها الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ عِيسى الثَّقَفِيَّ قَرَأ ( وحَسُنَ مَآبٍ ) . (29) . بِالنَّصْبِ وخَرَّجَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى طُوبى وأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهي عِنْدُهُ مَصْدَرٌ مَعْمُولٌ لِمِقْدارٍ أيْ طابَ واللّامُ لِبَيانٍ كَما في سُقْيًا لَهُ ومِنهم مَن قَدَّرَ جَعَلَ طُوبى لَهم وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ التَّقْدِيرَ يا طُوبى لَهم ويا حُسْنَ مَآبٍ فَحُسْنَ مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى وهو مُضافٌ لِلضَّمِيرِ واللّامُ مُقْحَمَةٌ كَما في قَوْلِهِ:

يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضِرارُ الأقْوامِ

ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن بُؤْسَ وكَأنَّهُ قِيلَ يا طُوباهم ويا حُسْنَ مَآبِهِمْ أيْ ما أطْيَبَهم وأحْسَنَ مَآبَهم كَما تَقُولُ: يا طِيبَها لَيْلَةً أيْ ما أطْيَبَها لَيْلَةً ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأجابَ السَّفاقِسِيُّ عَنِ ابْنِ مالِكٍ بِأنَّهُ يَجُوزُ نَصْبُ ( حُسْنَ ) بِمُقَدَّرٍ أيْ ورَزَقَهم حُسْنَ مَآبٍ وهو بَعِيدٌ.

وقُرِئَ ( حُسْنَ مَآبٌ ) بِفَتْحِ النُّونِ ورَفْعِ مَآبٍ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُسْنَ فِعْلٌ ماضٍ أصْلُهُ حَسُنَ نُقِلَتْ ضَمَّةُ السِّينِ إلى الحاءِ ومِثْلُهُ جائِزٌ في فِعْلٍ إذا كانَ لِلْمَدْحِ أوِ الذَّمِّ كَما قالُوا: حُسْنَ ذا

13:30Page 253

كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المَصْحُوبِ بِالمُعْجِزَةِ الباهِرَةِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِثْلُ إرْسالِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ ﴿أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ فَيَكُونُ قَدْ شُبِّهَ إرْسالُهُ ﷺ بِإرْسال مَن قَبْلَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ كَثِيرَةٌ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلٌ عَلَيْهِمْ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وقِيلَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ .. إلَخْ أيْ كَما أنْفَذْنا ذَلِكَ أرْسَلْناكَ

صفحة 152

ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الحَوْفِيِّ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى كَما أجْرَيْنا العادَةَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ بِأنْ نُضِلَّ ونَهْدِيَ بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ كَذَلِكَ أيْضًا فَعَلْنا في هَذِهِ الأُمَّةِ وأرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَنُضِلُّ مَن نَشاءُ ونَهْدِي مَن أنابَ وقالَ أبُو البَقاءِ: التَّقْدِيرُ الأمْرُ كَذَلِكَ والحَسَنُ ما قَدَّمْناهُ وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

و( في ) بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وقِيلَ: هي عَلى ظاهِرِها وفِيها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِن جُمْلَتِهِمْ وناشِئٌ بَيْنَهم ولا تَكُونُ بِمَعْنى إلى إذْ لا حاجَةَ لِبَيانِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ يَعْنِي أرْسَلْنا إرْسالًا لَهُ شَأْنٌ وفَضْلٌ عَلى الإرْسالاتِ ثُمَّ فَسَّرَ كَيْفَ أرْسَلَهُ بِقَوْلِهِ: إلى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ أيِ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ تَقَدَّمَها أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فَهي آخِرُ الأُمَمِ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ لَمْ يَرِدْ بِهِ أنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِالمَذْكُورِ بَلْ أرادَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ المُبْهَمَ لَمّا كانَ ما بَعْدَهُ تَفْخِيمًا كانَ بَيانُهُ بِصِلَةِ ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَزُولَ الإبْهامُ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ فَيُقَدَّرُ أرْسَلْناكَ ثانِيًا ويَكُونُ قَوْلُهُ: أيْ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ إظْهارًا لِلْمَحْذُوفِ أيْضًا لا بَيانًا لِحاصِلِ الآيَةِ وهو الَّذِي آثَرَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والتَّعَلُّقُ بِالمَذْكُورِ هو الظّاهِرُ وجُمْلَةُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ .. إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأُمَّةٍ وفائِدَةُ الوَصْفِ بِذَلِكَ قِيلَ: ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَقَدُّمِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَ أنْ لا يَكُونَ أُمَّةٌ يُرْسَلُ إلَيْها بَعْدُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ ﷺ خاتَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّ المُرادَ بِكَوْنِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَجِيبًا أنَّ رِسالَتَهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ رِسالَةٍ فَهي جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ فَيَلْزَمُ أنْ لا نَسْخَ إذِ النَّسْخُ إنَّما يَكُونُ لِلتَّكْمِيلِ والكامِلُ أتَمَّ كَمالٍ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِتَكْمِيلٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ . اهَـ. ولَعَمْرِي أنَّ الِاعْتِراضَ قَوِيٌّ والبَحْثَ في غايَةِ الضَّعْفِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ إرْسالِهِ ﷺ عَجِيبًا ما ادَّعاهُ ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِنهُ أيْضًا كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمًا إذْ بَعْثُهُ مُقَرِّرٌ دِينَهُ الكامِلَ كَما بُعِثَ كَثِيرٌ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ لِتَقْرِيرِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَأْبى ما ذُكِرَ مِن جامِعِيَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولُزُومِ عَدَمِ النَّسْخِ لِذَلِكَ كَما لا يَخْفى ولَعَلَّهُ لِهَذا اخْتارَ بَعْضُهم ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقالَ: مُنَبِّهًا عَلى فائِدَةِ الوَصْفِ يَعْنِي مِثْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ أرْسَلْناكَ إلى أُمَمٍ تَقَدَّمَتْها أُمَمٌ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ إرْسالُكَ إلَيْها ﴿لِتَتْلُوَ﴾ لِتَقْرَأ ﴿عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيِ الكِتابَ العَظِيمَ الشَّأْنِ: ويُشْعِرُ بِهَذا الوَصْفِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ غَيْرَ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ وإسْنادُ الفِعْلِ في صِلَتِهِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ وكَذا الإيصالُ إلى المُخاطَبِ المُعَظَّمِ بِدَلِيلِ سابِقِهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ مِن قَبِيلِ الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِن تَرْقُّبِ النَّفْسِ إلى ما سَيَرِدُ وحُسْنِ قَبُولِها لَهُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأُمَّةِ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما رُوعِيَ في ضَمِيرِ ﴿خَلَتْ﴾ لَفْظُها.

﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أيْ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ الَّذِي أحاطَتْ بِهِمْ نِعْمَتُهُ ووَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ فَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ سُبْحانَهُ لا سِيَّما ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ وإنْزالِ القُرْآنِ الَّذِي هو مَدارُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ بَلْ قابَلُوا رَحْمَتَهُ ونِعَمَهُ بِالكُفْرِ ومُقْتَضى العَقْلِ عَكْسُ ذَلِكَ وكانَ الظّاهِرَ بِنا إلّا أنَّهُ التَفَتَ إلى الظّاهِرِ وأُوثِرَ هَذا الِاسْمُ الدّالُّ عَلى المُبالَغَةِ في الرَّحْمَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإرْسالَ ناشِئٌ مِنها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأُمَّةِ أيْضًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( أرْسَلْنا ) لا مِن ضَمِيرِ ﴿عَلَيْهِمُ﴾ إذِ الإرْسالُ لَيْسَ لِلتِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ حالَ كُفْرِهِمْ ومِنهم مَن جَوَّزَ ذَلِكَ والتِّلاوَةُ عَلَيْهِمْ حالَ الكُفْرِ لِيَقِفُوا عَلى

صفحة 153

إعْجازِهِ فَيُصَدِّقُوا بِهِ لِعِلْمِهِمْ بِأفانِينِ البَلاغَةِ ولا يُنافِي تِلاوَتَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ وجُوِّزَ في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً والضَّمِيرُ حَسْبَما عَلِمْتَ وقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ﴿أُمَّةٍ﴾ وعَلى ( أُمَمٍ ) ويَكُونُ في الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا رَأوْا كِتابَ الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ كَتَبَ فِيهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فَقالَ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا مُسَيْلَمَةَ وقِيلَ: سَمِعَ أبُو جَهْلٍ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ فَقالَ إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ فَنَزَلَتْ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا قِيلَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ فَنَزَلَتْ وضُعِّفَ كُلُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم يَكْفُرُونَ بِهَذا الِاسْمِ وإطْلاقِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والظّاهِرُ أنَّ كُفْرَهم بِمُسَمّاهُ ﴿قُلْ﴾ حِينَ كَفَرُوا بِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُوَحِّدُوهُ ﴿هُوَ﴾ أيِ الرَّحْمَنُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ ﴿رَبِّي﴾ خالِقِي ومُتَوَلِّي أمْرِي ومُبَلِّغِي إلى مَراتِبِ الكَمالِ وإيرادُ هَذا قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ لا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ سِواهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ مَنُوطٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ والجُمْلَةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ وهي خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عِنْدَ بَعْضٍ وقالَ بَعْضُ آخَرُ: إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَعى عَلى الكَفَرَةِ حالَهم وعَكْسَهم مُقْتَضى العَقْلِ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى خاصَّةِ نَفْسِهِ ووَظِيفَتِهِ مِنَ الشُّكْرِ ومَآلِ أمْرِهِ تَأْنِيبًا لَهم فَقالَ: قُلْ هو رَبِّي الَّذِي أرْسَلَنِي إلَيْكم وأيَّدَنِي بِما أيَّدَنِي ولا رَبَّ لِي سِواهُ ﴿عَلَيْهِ﴾ لا عَلى أحَدٍ سِواهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي لا سِيَّما في النُّصْرَةِ عَلَيْكم ﴿وإلَيْهِ﴾ خاصَّةً ﴿مَتابِ﴾ . (30) . أيْ مَرْجِعِي فَيُثِيبُنِي عَلى مُصابِرَتِكم ومُجاهَدَتِكم وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ اخْتِصاصُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَفْوِيضُ الأُمُورِ عاجِلًا وآجِلًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ . اهَـ. وإلى القَوْلِ بِالِاعْتِراضِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشْفِ وحَمَلَ عَلى ذَلِكَ كَلامَ الكَشّافِ حَيْثُ ذَكَرَ بَعْدَ ﴿هُوَ رَبِّي﴾ الواحِدُ المُتَعالِي عَنِ الشُّرَكاءِ فَقالَ: جَعَلَهُ فائِدَةَ الِاعْتِراضِ بِلا إلَهَ إلّا هو أيْ هَذا البَلِيغُ الرَّحْمَةِ ولا إلَهَ إلّا هو فَهو بَلِيغُ الِانْتِقامِ كَما هو بَلِيغُ الرَّحْمَةِ يَرْحَمُنِي ويَنْتَقِمُ لِي مِنكم وهو تَمْهِيدٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ولَمْ يُجْعَلْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّهُ تَعالى مُتَوَحِّدٌ بِالإلَهِيَّةِ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ المُتَوَحِّدَ بِها رَبِّي وذَلِكَ يُفِيدُهُ الِاعْتِراضُ وأمّا أنَّ المَفْهُومَ مِن كَلامِهِ أنَّهُ حالٌ ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْرى الوَصْفِ فَكَلّا إلّا أنْ يُجْعَلَ حالًا مُؤَكِّدَةً ولا يُغايِرُ الِاعْتِراضُ إذًا كَثِيرَ مُغايِرَةٍ لَكِنَّ الأوَّلَ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ. اهَـ. ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ كَلامِ الكَشّافِ بِذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ وفي كَوْنِ المَقْصُودِ أنَّ المُتَوَحِّدَ بِالإلَهِيَّةِ رَبِّي دُونَ الإخْبارِ بِأنَّهُ تَعالى مُتَوَحِّدٌ بِها عَلى ما قِيلَ تَأمَّلْ ولَعَلَّ مَبْناهُ أنَّ ما أثْبَتَهُ أوْفَقُ بِالغَرَضِ الَّذِي يُشِيرُ كَلامُهُ إلى اعْتِبارِهِ مَساقًا لِلْآيَةِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في وصْفِهِ تَعالى بِالتَّوَحُّدِ ما لا يَخْفى.

نَعَمْ قِيلَ لِلْقَوْلِ بِالِاعْتِراضِ وجْهٌ وأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ إرْسالَهُ ﷺ إلَيْهِمْ وأنَّ حالَهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ ولا يُقابِلُونَ رَحْمَتَهُ بِالشُّكْرِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ويُوَحِّدُوهُ أمَرَهُ بِالإخْبارِ بِتَخْصِيصِ تَوَكُّلِهِ واعْتِمادِهِ عَلى ذَلِكَ البَلِيغِ الرَّحْمَةِ ورُجُوعِهِ في سائِرِ أُمُورِهِ إلَيْهِ إيماءً إلى أنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ لا يَضُرُّهُ

صفحة 154

شَيْئًا وأنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً وأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ وفي ذَلِكَ مِن تَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ واسْتِنْهاضِهِمْ إلى اتِّباعِهِ ما فِيهِ إلّا أنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يَقُولَ: ﴿هُوَ رَبِّي﴾ تَوْطِئَةً لِذَلِكَ وجِيءَ بِلا إلَهَ إلّا هو اعْتِراضًا لِلتَّأْكِيدِ والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ بَعْدَ التَّأمُّلِ ومُلاحَظَةِ الأُسْلُوبِ القَوْلُ بِالِاعْتِراضِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ جُمَلَ ﴿وإلَيْهِ مَتابِ﴾ عَلى إلَيْهِ رُجُوعِي في سائِرِ أُمُورِي خِلافُ الظّاهِرِ وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ يَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَهُ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في تَفْسِيرِهِ: أيْ إلَيْهِ تَوْبَتِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ إبانَةً لِفَضْلِ التَّوْبَةِ ومِقْدارِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّها صِفَةُ الأنْبِياءِ وبَعْثًا لِلْكَفَرَةِ عَلى الرُّجُوعِ عَمّا هم عَلَيْهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ أُمِرَ بِها وهو مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ اقْتِرافِ ما يُوجِبُها مِنَ الذَّنْبِ وإنْ قَلَّ فَتَوْبَتُهم وهم عاكِفُونَ عَلى أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي مِمّا لا بُدَّ مِنهُ أصْلًا. اهَـ. وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَصْلُحُ باعِثًا لِلْإقْلاعِ عَنِ الذَّنْبِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ لَوْ كانَ الكَلامُ مَعَ غَيْرِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَعَلَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ المُنْصِفِ وقالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ في ذَلِكَ: أيْ إلَيْهِ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم وكَأنَّهُ أرادَ أيْضًا فَيَرْحَمُنِي ويَنْتَقِمُ مِنكم والِانْتِقامُ مِنَ الرَّحْمَنِ أشَدُّ كَما قِيلَ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَضَبِ الحَلِيمِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ ولَوْ كانَ المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ أيْ مَتابُنا إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم تَفْصِيلًا لِذَلِكَ ولا يَكادُ يَقُولُ بِهِ أحَدٌ مَعَ قَوْلِهِ بِكَسْرِ الباءِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ الياءَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ لا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ العَلّامَةَ اعْتَبَرَ أنَّ في الآيَةِ اكْتِفاءً عَلى ما قِيلَ: أيْ مَتابِي ومَتابُكم أوْ أنَّ الكَلامَ دالٌّ عَلَيْهِ التِزامًا وهَذا أوْلى عَلى ما قِيلَ فَتَأمَّلْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском