Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:33–35
13:33Page 253
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ ومُهَيْمِنٌ ﴿عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ كائِنَةٍ ما كانَتْ ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ فَعَلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَفُوتُهُ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَ الجَزاءِ وهو اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ مِن أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ فَمِمّا لا يَكادُ يُعَرَّجُ عَلَيْهِ هُنا و( مَن ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ وحَسَّنَ حَذْفَهُ المُقابَلَةُ وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وإدْخالُ الفاءِ قِيلَ: لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ في ما عُلِمَ مِمّا فَعَلَ سُبْحانَهُ بِالمُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الإمْلاءِ والأخْذِ ومِن
صفحة 160
كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ لَهُ سُبْحانَهُ وكَوْنِ هِدايَةِ النّاسِ جَمِيعًا مَنُوطَةً بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا ومِن تَواتُرِ القَوارِعِ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَما لَيْسَ في عِدادِ الأشْياءِ حَتّى يُشْرِكُوهُ بِهِ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ أعْنِي تَوَهُّمَ المُماثَلَةِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُقَدَّرِ أعْنِي كَوْنَ الأمْرِ كَما ذُكِرَ لا إلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا وفي الكَشْفِ أنَّهُ ضِمْنَ هَذا التَّعْقِيبِ التَّرَقِّي في الإنْكارِ يَعْنِي لا عَجَبَ مِن إنْكارِهِمْ لِآياتِكَ الباهِرَةِ مَعَ ظُهُورِها إنَّما العَجَبُ كُلَّ العَجَبِ جَعْلُهُمُ القادِرَ عَلى إنْزالِها المُجازِيَ لَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ مَعانِيها وأمْثالِها بِقَوارِعَ تَتْرى واحِدَةٌ غِبَّ أُخْرى يُشاهِدُونَها رَأْيَ عَيْنٍ تَتَرامى بِهِمْ إلى دارِ البَوارِ وأهْوالِها كَمَن لا يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا فَضْلًا عَمَّنِ اتَّخَذَهُ رَبًّا يَرْجُو مِنهُ دَفْعًا أوْ جَلْبًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ أيْ بَعْدَ ما ذُكِرَ أقُولُ هَذا الأمْرُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيها دَلالَةٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿كَسَبَتْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً لا مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ ولا يَلْزَمُ اجْتِماعُ الأمْرَيْنِ حَتّى يَخُصَّ كُلَّ نَفْسٍ بِالمُشْرِكِينَ وأبْعَدَ مَن قالَ: إنَّها عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتُهْزِئَ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً عَلى مَعْنى أفَمَن هَذِهِ صِفاتُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ وقَدْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ لا شَرِيكًا واحِدًا وقالَ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ: المَعْنى عَلى الحالِيَّةِ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وهَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: أجَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويُحْرَمُ مِثْلِي ومِنهم مَن أجازَ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ بِمَعْنى النَّفْيِ فَهي خَبَرِيَّةٌ مَعْنًى وقَدَّرَ آخَرُونَ الخَبَرَ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجُعِلَ العَطْفُ عَلَيْهِ أيْ أفَمَن هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وظاهِرُ كَلامِهِمُ اخْتِصاصُ العَطْفِ عَلى الخَبَرِ بِهَذا التَّقْدِيرِ دُونَ تَقْدِيرِ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ قالَ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ: ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ الِاخْتِصاصِ ووَجَّهَ ذَلِكَ الفاضِلُ الشَّمْنِيُّ بِأنَّ حُصُولَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّتِي هي شَرْطُ قَبُولِ العَطْفِ بِالواوِ إنَّما هو عَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ دُونَ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ.
ويَدُلُّ عَلى الِاشْتِراطِ قَوْلُ أهْلِ المَعانِي: زَيْدٌ يَكْتُبُ ويُشْعِرُ مَقْبُولٌ دُونَ يُعْطِي ويُشْعِرُ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فَإنَّ مُرادَهم أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ نَفْيًا لِلتَّشابُهِ عَلى طَرِيقِ الإنْكارِ فَلَوْ عُطِفَ جَعَلَهم شُرَكاءَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ وعَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ الِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ والإنْكارُ فِيهِ بِمَعْنى لِمَ كانَ وعَدَمُ التَّوْحِيدِ وجَعْلُ الشُّرَكاءِ واقِعٌ مُوَبَّخٌ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ فَيَظْهَرُ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ وأمّا ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّناسُبِ فَغَفْلَةٌ لِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ تَشْبِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِهِ والشِّرْكِ تامَّةٌ وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ عَدَمُ التَّوْحِيدِ عَيْنُ الإشْراكِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَطْفِ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي عَلى ما ذَكَرَهُ فَهو مُحْتاجٌ إلى تَوْجِيهٍ آخَرَ.
واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ وفي ذَلِكَ الحَذْفِ تَعْظِيمٌ لِلْقالَةِ وتَحْقِيرٌ لِمَن زَنَّ بِتِلْكَ الحالَةِ وفي العُدُولِ عَنْ صَرِيحِ الِاسْمِ في ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ تَفْخِيمٌ فَخِيمٌ بِواسِطَةِ الإبْهامِ المُضْمَرِ في إيرادِهِ مَوْصُولًا مَعَ تَحْقِيقِ أنَّ القِيامَ كائِنٌ وهم مُحَقِّقُونَ وفي وضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى ( مَن ) تَنْصِيصٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى ذاتًا واسْمًا وتَنْبِيهٌ عَلى اخْتِصاصِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ ولَعَلَّ تَوْجِيهَ الوَضْعِ المَذْكُورِ مِمّا لا يُخْتَصُّ بِهِ تَقْدِيرٌ دُونَ تَقْدِيرٍ وخَصَّهُ بَعْضُهم فِيما يَحْتاجُ عَلَيْهِ إلى ضَمِيرِ ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تَبْكِيتٌ
صفحة 161
إثْرَ تَبْكِيتٍ أيْ سَمُّوهم مَن هم وماذا أسْماؤُهم وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن يَنْفَعُ ويَضُرُّ وهَذا مِثْلُ أنْ يُذْكَرَ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يُقالُ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ فَيُقالُ سَمِّهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى ولَكِنَّ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى التَّهْدِيدِ والمَعْنى سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِذَلِكَ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّهم في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ عاقِلٌ وقِيلَ: إنَّ التَّهْدِيدَ هَنا نَظِيرُ التَّهْدِيدِ لِمَن نُهِيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا وهو خِلافُ الظّاهِرِ وقِيلَ: المَعْنى اذْكُرُوا صِفاتِهِمْ وانْظُرُوا هَلْ فِيها ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أيْ بَلْ أتُخْبِرُونَ اللَّهَ تَعالى ﴿بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ أيْ بِشُرَكاءَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِبادَةِ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ نَفْيُها بِنَفْيِ لازِمِها عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا كانَ لا يَعْلَمُها وهو الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَهي لا حَقِيقَةَ لَها أصْلًا وتَخْصِيصُ الأرْضِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما زَعَمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ شُرَكاءُ فِيها والضَّمِيرُ المُسْتَقِرُّ في ﴿يَعْلَمُ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ لِلَّهِ تَعالى والعائِدُ عَلى ( ما ) مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العائِدُ ضَمِيرَ ﴿يَعْلَمُ﴾ والمَعْنى أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ تَعالى بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ وذُكِرَ نَفْيُ العِلْمِ في الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ مَقَرُّ الأصْنامِ فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ العُلى أحْرى وقَرَأ الحَسَنُ ( أتُنْبِئُونَهُ ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْباءِ ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ مَعْنًى مُتَحَقِّقٍ في نَفْسِ الأمْرِ كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ القَوْلِ الباطِلِ مِنهُ وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: .
أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
ويُطْلَقُ الظّاهِرُ عَلى الزّائِلِ كَما في قَوْلِهِ: .
وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها
ومَن أرادَ ذَلِكَ هُنا فَقَدْ تَكَلَّفَ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ مِن ظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرُ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى وسَمّى بِهِ الأصْنامَ آلِهَةً حَقَّةً وحاصِلُ الآيَةِ نَفْيُ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلى حَقِّيَّةِ عِبادَتِها واتِّخاذِها آلِهَةً وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( أمْ ) مُتَّصِلَةً والِانْقِطاعُ هو الظّاهِرُ ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِاحْتِجاجِ والأسالِيبِ العَجِيبَةِ ما يُنادِي بِلِسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَيَّنَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ كافِيًا في هَدْمِ قاعِدَةِ الإشْراكِ لِلتَّفَرُّعِ السّابِقِ والتَّحَقُّقِ بِالوَصْفِ اللّاحِقِ مَعَ ما ضُمِّنَ مِن زِياداتِ النُّكَتِ وكانَ إبْطالًا مِن طَرَفِ الحَقِّ وذُيِّلَ بِإبْطالِهِ مِن طَرَفِ النَّقِيضِ عَلى مَعْنى ولَيْتَهم إذْ أشْرَكُوا بِمَن لا يَجُوزُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ أشْرَكُوا مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى تَوَهُّمٍ ورُوعِيَ فِيهِ أنَّهُ لا أسْماءَ لِلشُّرَكاءِ فَضْلًا عَنِ المُسَمّى عَلى الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ ثُمَّ بُولِغَ فِيهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ السُّؤالَ عَنْ حالِها بِظُهُورِ فَسادِها وسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ مِن نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ المَعْلُومِ ثُمَّ مِنهُ بِعَدَمِ الِاسْتِئْهالِ والهَمْزَةُ المُضَمَّنَةُ فِيها تَدُلُّ عَلى التَّوْبِيخِ وتَقْرِيرِ
صفحة 162
أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُنَبِّئُوا عالِمَ السِّرِّ والخَفِيّاتِ بِما لا يَعْلَمُهُ وهَذا مُحالٌ عَلى مُحالٍ وفي جَعْلِهِ اتِّخاذَهم شُرَكاءَ ومُجادَلَتَهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نُكْتَةً سَرِيَّةً بَلْ نُكَتٌ سَرِيَّةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وقِيلَ: قَدْ بَيَّنَ الشَّمْسَ لِذِي عَيْنَيْنِ وما تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ طائِلٌ وما هو إلّا مُجَرَّدُ صَوْتٍ فارِغٍ حُقَّ لِمَن تَأمَّلَ فِيهِ حَقَّ التَّأمُّلِ أنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّهُ كَلامٌ مَصُونٌ عَنِ التَّعَمُّلِ صادِرٌ عَنْ خالِقِ القُوى والقَدْرِ تَتَضاءَلُ عَنْ بُلُوغِ طَرَفٍ مِن أسْرارِهِ أفْهامُ البَشَرِ.
وقَدْ ذَيَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ وهي كَما في الِانْتِصافِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ يُدَنْدِنُ بِها مَن هو عَنْ حِلْيَةِ الإنْصافِ عاطِلٌ هَذا ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضْرابٌ عَنِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ هَذا فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّهم زُيِّنَ لَهم ﴿مَكْرُهُمْ﴾ كَيْدُهم لِلِاسْتِلامِ بِشِرْكِهِمْ أوْ تَمْوِيهِهِمُ الأباطِيلَ فَتَكَلَّفُوا إيقاعَها في الخَيالِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوها شَيْئًا لِتَمادِيَهم في الضَّلالِ وعَلى هَذا المُرادِ مَكْرُهم بِأنْفُسِهِمْ وعَلى الأوَّلِ مَكْرُهم بِغَيْرِهِمْ وإضافَةُ مَكْرٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ وجُوِّزَ عَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ وفِيهِ بُعْدٌ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ ( بَلْ زَيَّنَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و( مَكْرَهم ) بِالنَّصْبِ ( وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ) أيْ سَبِيلِ الحَقِّ فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ أوْ ما عَداهُ كَأنَّهُ غَيْرُ سَبِيلِ وفاعِلُ الصَّدِّ إمّا مَكْرُهم ونَحْوُهُ أوِ اللَّهُ تَعالى بِخَتْمِهِ عَلى قُلُوبِهِمْ أوِ الشَّيْطانُ بِإغْوائِهِ لَهم والِاحْتِمالانِ الأخِيرانِ جارِيانِ في فاعِلِ التَّزْيِينِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( وصَدُّوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو كالأوَّلِ مِن صَدَّهُ صَدًّا فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَدَّ صُدُودًا فَلا مَفْعُولَ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( وصِدُّوا ) بِكَسْرِ الصّادِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ في المُؤْمِنِ والكَسْرُ هُنا لِابْنِ يَعْمُرَ والفِعْلُ عَلى ذَلِكَ مَجْهُولٌ نُقِلَتْ فِيهِ حَرَكَةُ العَيْنِ إلى الفاءِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الأجْوَفِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ( وصَدٌّ ) بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى مَكْرِهِمْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ . (33) . يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى ويُوصِلُهُ إلى ما فِيهِ نَجاتُهُ
13:34Page 253
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
﴿لَهم عَذابٌ﴾ شاقٌّ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ فَإنَّها إنَّما تُصِيبُهم عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كُفْرِهِمْ وأمّا وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ فَعَلى طَرِيقِ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ مِن ذَلِكَ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَذابِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن واقٍ﴾ . (34) . مِن حافِظٍ يَعْصِمُهم مِن ذَلِكَ فَمِنَ الأُولى صِلَةُ ﴿واقٍ﴾ والثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَضُرُّ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ لِأنَّ الزّائِدَ لا حُكْمَ لَهُ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) الأُولى ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وقَعَ حالًا مِن ﴿واقٍ﴾ وصِلَتُهُ مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى ما لَهم واقٍ وحافِظٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الواقِي مِن جِهَتِهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ و( مِن ) عَلى هَذا لِلتَّبْيِينِ وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ لَغْوًا مُتَعَلِّقَةً بِما في الظَّرْفِ أعْنِي لَهم مِن مَعْنى الفِعْلِ وهي لِلِابْتِداءِ والمَعْنى ما حَصَلَ لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى واقٍ مِنَ العَذابِ
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيْ نَعْتُها وصِفَتُها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ فَهو عَلى ما في البَحْرِ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ إذا وصَفْتُهُ وقَرَّبْتُهُ لِلْفَهْمِ ومِنهُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ الصِّفَةُ العُلْيا وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ تَفْسِيرَ المَثَلِ بِالصِّفَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لُغَةً ولَمْ يُوجَدْ فِيها وإنَّما مَعْناهُ الشَّبِيهُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في ثَلاثَةِ مَعانٍ: فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّشْبِيهِ في أصْلِ اللُّغَةِ وبِمَعْنى القَوْلِ
صفحة 163
السّائِرِ المَعْرُوفِ في عُرْفِ اللُّغَةِ وبِمَعْنى الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ لَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى العُرْفِيِّ بِعَلاقَةِ الغَرابَةِ لِأنَّ المَثَلَ إنَّما يَسِيرُ بَيْنَ النّاسِ لِغَرابَتِهِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَفْسِيرِهِ هُنا بِالصِّفَةِ الغَرِيبَةِ وهو حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُقَصُّ ويُتْلى عَلَيْكم صِفَةُ الجَنَّةِ ﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وقُدِّرَ مُقَدَّمًا لِطُولِ ذَيْلِ المُبْتَدَأِ ولِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعْنًى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ كَخَلْقِهِ مِن تُرابٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أوْ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مِنَ الصِّلَةِ أيِ الَّتِي وعَدَها وقِيلَ: هي الخَبَرُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: شَأْنُ زَيْدٍ يَأْتِيهِ النّاسُ ويُعَظِّمُونَهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ مَعْنًى لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الأنْهارَ في صِفَةِ الجَنَّةِ وهي فِيها لا في صِفَتِها وفِيهِ أيْضًا تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى ﴿مَثَلُ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَبِيحٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ عَلى تَأْوِيلِ أنَّها تَجْرِي فالمَعْنى مَثَلُ الجَنَّةِ جَرَيانُ الأنْهارِ أوْ أنَّ الجُمْلَةَ في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ فَلا يَعُودُ مِنها ضَمِيرٌ لِلْمُبْتَدَأِ أوِ المُرادُ بِالصِّفَةِ ما يُقالُ فِيهِ هَذا إذا وُصِفَ فَلا حاجَةَ إلى الضَّمِيرِ كَما في خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ راجِعًا إلى الجَنَّةِ لا إلى المَثَلِ وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُضافِ عَيْنُ المُضافِ إلَيْهِ وذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لَهُ ولَيْسَ نَحْوَ غُلامُ زَيْدٍ وتَعَقَّبَ كُلَّ ذَلِكَ الشِّهابُ بِأنَّهُ كَلامٌ ساقِطٌ مُتَعَسَّفٌ لِأنَّ تَأْوِيلَ الجُمْلَةِ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ سابِكٍ شاذٌّ وكَذا التَّأْوِيلُ بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالصِّفَةِ لَفْظُها المَوْصُوفُ بِهِ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو تَجَوُّزٌ عَلى تَجَوُّزٍ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ وقِياسُهُ عَلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ وأمّا عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ دُونَ المُبْتَدَأِ في مِثْلِ ذَلِكَ فَأضْعَفُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ فالحَزْمُ الإعْراضُ عَنْ هَذا الوَجْهِ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ صِفَةٌ لَهُ والمُرادُ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ قَدْ عَرَّفَنا الجَنَّةَ الَّتِي لَمْ نَرَها بِما شاهَدْناهُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا وعايَنّاهُ وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ عَلى ما في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَلى مَعْنى الصِّفَةِ ولا عَلى مَعْنى الشَّبَهِ لِأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي قَدَّرَها جُثَّةٌ ولا تَكُونُ صِفَةً ولِأنَّ الشَّبَهَ عِبارَةٌ عَنِ المُماثَلَةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو حَدَثٌ فَلا يَجُوزُ الإخْبارُ عَنْهُ بِالجَنَّةِ الجُثَّةِ ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ المَثِيلُ أوِ الشَّبِيهُ فَلا غُبارَ في الإخْبارِ وقِيلَ: إنَّ التَّشْبِيهَ هُنا تَمْثِيلِيٌّ مُنْتَزَعٌ وجْهُهُ مِن عِدَّةِ أُمُورٍ مِن أحْوالِ الجِنانِ المُشاهَدَةِ مِن جَرَيانِ أنْهارِها وغَضارَةِ أغْصانِها والتِفافِ أفْنانِها ونَحْوِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ بَيانًا لِفَضْلٍ تِلْكَ الجِنانِ وتَمْيِيزِها عَنْ هَذِهِ الجِنانِ المُشاهَدَةِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ بَيانٌ لِحالِ جِنانِ الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وأنَّ فِيما ذُكِرَ انْتِشارًا واكْتِفاءً في النَّظِيرِ بِمُجَرَّدِ جَرَيانِ الأنْهارِ وهو لا يُناسِبُ البَلاغَةَ القُرْآنِيَّةَ وهو كَما تَرى.
ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ أيْضًا إلّا أنَّ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّبَهِ مُقْحَمٌ والتَّقْدِيرُ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إلى آخِرِهِ وقَدْ عُهِدَ إقْحامُهُ بِهَذا المَعْنى ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ إقْحامَ الأسْماءِ لا يَجُوزُ ورُدَّ بِأنَّهُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ كَثَمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ولا صَدَقَةَ إلّا عَنْ ظَهْرِ غِنى إلى غَيْرِ ذَلِكَ والأوْلى بَعْدَ القِيلِ والقالِ الوَجْهُ الأوَّلُ فَإنَّهُ سالِمٌ مِنَ التَّكَلُّفِ مَعَ ما فِيهِ مَنِ الإيجازِ والإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الأكْلِ ما يُؤْكَلُ فِيها ومَعْنى دَوامِهِ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: إنَّ لَذَّتَهُ دائِمَةٌ لا تُزادُ بِجُوعٍ ولا تُمَلُّ بِشِبَعٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ
صفحة 164
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأكْلَ بِالثَّمَرَةِ فَقِيلَ: وجْهُهُ أنَّهُ لَيْسَ في جَنَّةِ الدُّنْيا غَيْرُهُ وإنْ كانَ في المَوْعُودَةِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأطْعِمَةِ واسْتُظْهِرَ أنَّ ذَلِكَ لِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَنَّةِ والأطْعِمَةُ لا يُقالُ فِيها أُكُلُ الجَنَّةِ وفِيهِ تَرَدُّدٌ والظِّلُّ في الأصْلِ ضِدَّ الضِّحِّ وهو عِنْدَ الرّاغِبِ أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ فَإنَّهُ يُقالُ: ظِلُّ اللَّيْلِ ولا يُقالُ فَيْؤُهُ ويُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الشَّمْسُ ظِلٌّ ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا لِما زالَتْ عَنْهُ وفي القامُوسِ هو الضِّحُّ والفَيْءُ أوْ هو بِالغَداةِ والفَيْءُ بِالعَشِيِّ جَمْعُهُ ظِلالٌ وظُلُولٌ وأظْلالٌ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنِ العِزَّةِ والمَنَعَةِ وعَنِ الرَّفاهَةِ والمَشْهُورُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالمَعْنى الأوَّلِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ وأُكُلُها كَذَلِكَ أيْ دائِمٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ومَعْنى دَوامِهِ أنَّهُ لا يُنْسَخُ كَما يُنْسَخُ في الدُّنْيا بِالشَّمْسِ إذْ لا شَمْسَ هُناكَ عَلى الشّائِعِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ أوْ لِأنَّها لا تَأْثِيرَ لَها عَلى ما قِيلَ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِالظِّلِّ العِزَّةُ أوِ الرَّفاهَةُ وأنْ يُرادُ المَعْنى الأوَّلُ ويُجْعَلَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ دَوامِ الرّاحَةِ وأكْفَرَ خارِجَةُ بْنُ مُعَصَّبٍ كَما رَوى عَنْهُ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ القائِلَ بِعَدَمِ دَوامِ الجَنَّةِ كَما يُحْكى عَنْ جَهَنَّمَ وأتْباعِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ وبِها اسْتَدَلَّ القاضِي عَلى أنَّها لَمْ تُخْلَقْ بَعْدَ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَوَجَبَ أنْ يَفْنى ويَنْقَطِعَ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ لَكِنَّ أُكُلَها لا يَنْقَطِعُ ولا يَفْنى لِلْآيَةِ المَذْكُورَةِ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً بَعْدُ ثُمَّ قالَ: ولا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الآنَ جِنانٌ كَثِيرَةٌ في السَّماءِ يَتَمَتَّعُ بِها مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأنْبِياءِ والشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ إنَّما تُخْلَقُ بَعْدَ الإعادَةِ وأجابَ الإمامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ دَلِيلَهُ مُرَكَّبٌ مِن شَيْئَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فَإذا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في أحَدِ هَذَيْنِ العَمُودَيْنِ سَقَطَ الدَّلِيلُ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ أحَدَهُما بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ . اهَـ.
ويُرَدُّ عَلى الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ إذِ الشَّيْءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ المَوْجُودُ مُطْلَقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ) والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ يَصِيرُ هالِكًا بَعْدَ وُجُودِهِ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: لَوْ وُجِدَتِ الجَنَّةُ في وقْتٍ لَوَجَبَ هَلاكُ أُكُلِها تَحْقِيقًا لِلْعُمُومِ لَكِنَّ هَلاكَهُ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فَوُجُودُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ باطِلٌ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْءِ المَوْجُودِ في الدُّنْيا فَإنَّها دارُ الفَناءِ دُونَ المَوْجُودِ في الآخِرَةِ فَإنَّها دارُ البَقاءِ وهَذا كافٍ في عَدَمِ اشْتِراكِ الإلْزامِ وفِيهِ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ مَعْنى الشَّيْءِ هو المَوْجُودُ في الدُّنْيا فَهو ظاهِرُ البُطْلانِ وإنَّ أُرِيدَ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالهَلاكِ وهو إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا لِأنَّها دارُ الفَناءِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَنَحْنُ نُخَصِّصُهُ بِغَيْرِ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.
وأجابَ غَيْرُ الإمامِ بِأنَّ المُرادَ هو الدَّوامُ العُرْفِيُّ وهو عَدَمُ طَرَيانِ العَدَمِ زَمانًا يُقَيَّدُ بِهِ وهَذا لا يُنافِي طَرَيانَ العَدَمِ عَلَيْهِ وانْقِطاعَهُ لَحْظَةً عَلى أنَّ الهَلاكَ لا يَسْتَلْزِمُ الفَناءَ بَلْ يَكْفِي فِيهِ الخُرُوجُ عَنِ الِانْتِفاعِ المَقْصُودِ ولَوْ سُلِّمَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ فَهو هالِكٌ في حَدِّ ذاتِهِ بِمَعْنى أنَّ الوُجُودَ الإمْكانِيَّ بِالنَّظَرِ إلى الوُجُودِ الواجِبِيِّ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ وقِيلَ: في الجَوابِ أيْضًا: إنَّ المُرادَ بِالدَّوامِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ أعْنِي عَدَمَ طَرَيانِ العَدَمِ مُطْلَقًا والمُرادُ بِدَوامِ الأكْلِ دَوامُ النَّوْعِ وبِالهَلاكِ هَلاكُ الأشْخاصِ ويَجُوزُ أنْ لا يَنْقَطِعَ النَّوْعُ أصْلًا مَعَ هَلاكِ الأشْخاصِ بِأنْ يَكُونَ هَلاكُ كُلِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأكْلِ بَعْدَ وُجُودِ مِثْلِهِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَطْرَأُ عَلَيْها العَدَمُ ولَوْ لَحْظَةً وأمّا عَلى ما قِيلَ: مِن جَرَيانِهِ عَلَيْها لَحْظَةً
صفحة 165
فَلا يَتِمُّ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ انْقِطاعُ النَّوْعِ قَطْعًا كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( مِثالُ الجَنَّةِ ) وفي اللَّوامِحِ عَنِ السُّلَمِيِّ ( أمْثالُ الجَنَّةِ ) أيْ صِفاتُها ﴿تِلْكَ﴾ الجَنَّةُ المَنعُوتَةُ بِما ذُكِرَ ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ أيْ مَآلُهم ومُنْتَهى أمْرِهِمْ ﴿وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ . (35) . لا غَيْرَ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَعْرِيفُ الخَبَرِ وحَمْلُ الِاتِّقاءِ عَلى اتِّقاءِ الكُفْرِ والمَعاصِي لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَرْغِيبٍ وعَلَيْهِ يَكُونُ العُصاةُ مَسْكُوتًا عَنْهم وقَدْ يُحْمَلُ عَلى اتِّقاءِ الكُفْرِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ فَيَدْخُلُ العُصاةُ في الَّذِينَ اتَّقَوْا لِأنَّ عاقِبَتَهُمُ الجَنَّةُ وإنْ عُذِّبُوا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences