Al-AlusiIbrahim · 14:15–20

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:15–20

14:15Page 257

وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥

And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى أعْدائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفَتاحَةِ أيِ الحُكُومَةِ أيِ اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ تَعالى وطَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ والضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ والعَطْفُ عَلى ( أوْحى ) ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ ( واسْتَفْتِحُوا ) بِكَسْرِ التّاءِ أمْرًا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْطُوفًا عَلى ( لَيُهْلِكَنَّ ) فَهو داخِلٌ تَحْتَ المُوحى والواوُ مِنَ الحِكايَةِ دُونَ المَحْكِيِّ وقِيلَ: ما قَبْلَهُ لِإنْشاءِ الوَعْدِ فَلا يَلْزَمُ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ مَعَ أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِهِمْ تَجْوِيزُهُ وأُخِّرَ عَلى القِراءَتَيْنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أوْ ( أوْحى إلَيْهِمْ ) عَلى ما في الكَشْفِ

صفحة 201

دَلالَةً عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا داعِينَ إلى أنْ تَحَقُّقِ المَوْعُودِ مِن إهْلاكِ الظّالِمِينَ وذَلِكَ لِأنَّ ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ وعْدٌ وإنَّما حَقِيقَةُ الإجابَةِ حِينَ الإهْلاكِ ولَيْسَ مِن تَفْوِيضِ التَّرْتِيبِ إلى ذِهْنِ السّامِعِ في شَيْءٍ ولا ذَلِكَ مِن مَقامِهِ كَما تُوُهِّمَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ والعَطْفُ حِينَئِذٍ عَلى ( قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أيْ قالُوا ذَلِكَ واسْتَفْتَحُوا عَلى نَحْوِ ما قالَ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم ولَمْ يُعالَجُوا بِالعُقُوبَةِ ظَنُّوا أنْ ما قِيلَ لَهم باطِلٌ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومُكَذِّبِيهِمْ لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنَّ يَنْصُرَ المُحِقَّ ويُهْلِكَ المُبْطِلَ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى ( أوْحى ) عَلى هَذا أيْضًا بَلْ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضٍ أنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُطْلَقًا وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى احْتِمالٌ آخَرُ في الضَّمِيرِ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

﴿وخابَ﴾ أيْ خَسِرَ وهَلَكَ ﴿كُلُّ جَبّارٍ﴾ مُتَكَبِّرٍ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ وقالَ الرّاغِبُ: الجَبّارُ في صِفَةِ الإنْسانِ يُقالُ لِمَن يَجْبُرُ نَقِيصَتَهُ بِادِّعاءِ مَنزِلَةٍ مِنَ التَّعالِي لا يَسْتَحِقُّها ولا يُقالُ إلّا عَلى طَرِيقِ الذَّمِّ ﴿عَنِيدٍ﴾ . (15) . مُعانِدٍ لِلْحَقِّ مُباهٍ بِما عِنْدَهُ وجاءَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَثِيرًا كَخَلِيطٍ بِمَعْنى مُخالِطٍ ورَضِيعٍ بِمَعْنى مُراضِعٍ وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ اشْتِقاقَ ذَلِكَ مِنَ العِنْدِ وهو النّاحِيَةُ ولِذا قالَ مُجاهِدٌ: العَنِيدُ مُجانِبُ الحَقِّ قِيلَ: والوَصْفُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى ذَمِّهِ بِاعْتِبارِ الخُلُقِ النَّفْسانِيِّ والثّانِي إلى ذَمِّهِ بِاعْتِبارِ الأثَرِ الصّادِرِ عَنْ ذَلِكَ الخُلُقِ وهو كَوْنُهُ مُجانِبًا مُنْحَرِفًا عَنِ الحَقِّ وفي الكَلامِ إيجازُ الحَذْفِ بِحَذْفِ الفاءِ الفَصِيحَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيِ اسْتَفْتَحُوا فَفُتِحَ لَهم وظَفِرُوا بِما سَألُوا وأفْلَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ وهم قَوْمُهُمُ المُعانِدُونَ فالخَيْبَةُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الحِرْمانِ دُونَ الحِرْمانِ عَنِ المَطْلُوبِ أوْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ هَذا إذا كانَ ضَمِيرُ ( اسْتَفْتَحُوا ) لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأمّا إذا كانَ لِلْكُفّارِ فالعَطْفُ كَما في البَحْرِ عَلى ( اسْتَفْتَحُوا ) أيِ اسْتَفْتَحَ الكُفّارُ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وخابُوا ولَمْ يُفْلِحُوا وإنَّما وُضِعَ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجَبُّرِ والعِنادِ لا أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ ولَمْ تُصِبْهُمُ الخَيْبَةُ ويَقَدَّرُ إذا كانَ الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولِلْكَفَرَةِ اسْتَفْتَحُوا جَمِيعًا فَنُصِرَ الرُّسُلُ وخابَ كُلُّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ والخَيْبَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ بِمَعْنى الحِرْمانِ مِنَ الطَّلَبِ وفي إسْنادِ الخَيْبَةِ إلى كُلٍّ مِنهم ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ

14:16Page 257

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦

Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2

﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِ وبَيْنَ يَدَيْهِ كَما قالَ الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ وقُطْرُبٌ وجَماعَةٌ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: .

ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا نَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ

ومَعْنى كَوْنِها قُدّامَهُ أنَّهُ مُرْصَدٌ لَها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها ومَبْعُوثٌ إلَيْها وقِيلَ: المُرادُ مِن خَلْفِ حَياتِهِ وبَعْدِها ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: .

حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ

وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ واسْتِعْمالُ وراءَ في هَذا وذاكَ بِناءً عَلى أنَّها مِنَ الأضْدادِ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ

صفحة 202

والأزْهَرِيِّ فَهي مِنَ المُشْتَرَكاتِ اللَّفْظِيَّةِ عِنْدَهُما وقالَ جَماعَةٌ: إنَّها مِنَ المُشْتَرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ فَهي مَوْضُوعَةٌ لِأمْرٍ عامٍّ صادِقٍ عَلى القُدّامِ والخَلْفِ وهو ما تَوارى عَنْكَ وقَدْ تُفَسَّرُ بِالزَّمانِ مَجازًا فَيُقالُ: الأمْرُ مِن ورائِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ سَيَأْتِيكَ في المُسْتَقْبَلِ مِن أوْقاتِكَ ﴿ويُسْقى﴾ قِيلَ عُطِفَ عَلى مُتَعَلِّقِ ﴿مِن ورائِهِ﴾ المُقَدَّرِ والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ جَوابًا عَنْ سُؤالِ سائِلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ إذَنْ فَقِيلَ: يَلْقى فِيها ما يَلْقى ويُسْقى ﴿مِن ماءٍ﴾ مَخْصُوصٍ لا كالمِياهِ المَعْهُودَةِ ﴿صَدِيدٍ﴾ . (16) . قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي وعَنْ عِكْرِمَةَ هو الدَّمُ والقَيْحُ وأعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ بَيانٍ لِماءٍ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى وجَوازُ عَطْفِ البَيانِ في النَّكِراتِ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والفارِسِيُّ والبَصْرِيُّونَ لا يَرَوْنَهُ وعَلى مَذْهَبِهِمْ هو بَدَلٌ مِن ﴿ماءٍ﴾ إنِ اعْتُبِرَ جامِدًا أوْ نَعْتٌ إنِ اعْتُبِرَ فِيهِ الِاشْتِقاقُ مِنَ الصَّدِّ أيِ المَنعُ مِنَ الشُّرْبِ كَأنَّهُ ذَلِكَ الماءُ لِمَزِيدِ قُبْحِهِ مانِعٌ عَنْ شُرْبِهِ وفي البَحْرِ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدُودٌ عَنْهُ أيْ لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ وإلى كَوْنِهِ نَعْتًا ذَهَبَ الحَوْفِيُّ وكَذا ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: وذَلِكَ كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ حَدِيدٌ وإطْلاقُ الماءِ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بَدَلُهُ وقالَ بَعْضُهم: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ مُفِيدِ التَّشْبِيهِ كَما تَقُولُ مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ والتَّقْدِيرُ مِثْلُ صَدِيدٍ وعَلى هَذا فَإطْلاقُ الماءِ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وبِالجُمْلَةِ تَخْصِيصُ السَّقْيِ مِن هَذا الماءِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عَذابِها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أشَدِّ أنْواعِهِ

14:17Page 257

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ جَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ صِفَةً لِماءٍ أوْ حالًا مِنهُ أوِ اسْتِئْنافًا.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿يُسْقى﴾ والِاسْتِئْنافُ أظْهَرُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ بِهِ فَقِيلَ: يَتَجَرَّعُهُ أيْ يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِغَلَبَةِ العَطَشِ واسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلَيْهِ ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ لا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَضْلًا عَنِ الإساغَةِ بَلْ يَغَصُّ بِهِ فَيَشْرَبُهُ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي جُرْعَةٌ غِبَّ جُرْعَةٍ فَيَطُولُ عَذابُهُ تارَةً بِالحَرارَةِ والعَطَشِ وأُخْرى بِشُرْبِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ فَإنَّ السَّوْغَ انْحِدارُ الماءِ انْحِدارُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ وقَبُولُ نَفْسٍ ونَفْيُهُ لا يُفِيدُ نَفْيَ ما ذُكِرَ جَمِيعًا وقِيلَ: تَفَعَّلَ مُطاوِعُ فَعَّلَ يُقالُ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ وقِيلَ: إنَّهُ مُوافِقٌ لِلْمُجَرَّدِ أيْ جَرَعَهُ كَما تَقُولُ عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ وقِيلَ: الإساغَةُ الإدْخالُ في الجَوْفِ والمَعْنى لا يُقارِبُ أنْ يُدْخِلَهُ في جَوْفِهِ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ ما قارَبُوا قَبْلَ الذَّبْحِ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإساغَةِ لِما أنَّها المَعْهُودَةُ في الأشْرِبَةِ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ فَإذا أُدْنِي مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ» يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ ويُسِيغُهُ بِضَمِّ الياءِ لِأنَّهُ يُقالُ: ساغَ الشَّرابَ وأساغَهُ غَيْرَهُ وهو الفَصِيحُ وإنْ ورَدَ ثَلاثِيُّهِ مُتَعَدِّيًا أيْضًا عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ وجُمْلَةُ ( لا يَكادُ ) إلى آخِرِهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ أوْ مِنهُما جَمِيعًا ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ وأنْواعِ العَذابِ فالكَلامُ عَلى المَجازِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيٍّ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ والمُرادُ أنَّهُ يُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن

صفحة 203

كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وإطْلاقُ المَكانِ عَلى الأعْضاءِ مَجازٌ والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإتْيانَ في الآخِرَةِ.

وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا سَمّاها مَوْتًا لِشِدَّتِها ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ وما يَلْقى فِيها ﴿وما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ مِن مَجِيءِ أسْبابِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيَسْتَرِيحُ مِمّا غَشِيَهُ مِن أصْنافِ المُوبِقاتِ ﴿ومِن ورائِهِ﴾ أيْ مِن بَيْنِ يَدَيْ مَن حَكَمَ عَلَيْهِ بِما مَرَّ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . (17) . يَسْتَقْبِلُ كُلَّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ وأشَقَّ مِمّا كانَ قَبْلَهُ وقِيلَ: في وراءَ هُنا نَحْوَ ما قِيلَ فِيما تَقَدَّمَ أمامَهُ وذَكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةَ لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الخِفَّةِ بِحَسَبِ الِاعْتِيادِ كَما في عَذابِ الدُّنْيا وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ورائِهِ﴾ يَعُودُ عَلى العَذابِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ والمُرادُ بِهَذا العَذابِ قِيلَ: الخُلُودُ في النّارِ وعَلَيْهِ الطَّبَرْسِيُّ وقالَ الفُضَيْلُ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ هَذا وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ إلى هُنا مُنْقَطِعَةً عَنْ قِصَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نازِلَةً في أهْلِ مَكَّةَ طَلَبُوا الفَتْحَ الَّذِي هو المَطَرُ في سِنِينِهِمُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَيَّبَ سُبْحانَهُ رَجاءَهم ولَمْ يَسْقِهِمْ ووَعَدَهم أنَّ يَسْنِيَهم في جَهَنَّمَ بَدَلَ سُقْياهم صَدِيدَ أهْلِ النّارِ والواوُ عَلى هَذا قِيلَ: لِلِاسْتِئْنافِ وقِيلَ: لِلْعَطْفِ إمّا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ أوْ عَلى خَبَرِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِقُرْبِهِ لَفْظًا ومَعْنًى والوَجْهُ الأوَّلُ لِبَعْدِ العَهْدِ وعَدَمِ قَرِينَةِ تَخْصِيصِ الِاسْتِفْتاحِ بِالِاسْتِمْطارِ لِأنَّ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَتَناوَلُ أهْلَ مَكَّةَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ القِصَّةِ أنْ يَعْتَبِرُوا

14:18Page 257

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكم صِفَتُهُمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَثَلِهِمْ ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ وتَعَقَّبَهُ الحَوْفِيُّ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ عَمّا يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ ولَيْسَتْ نَفْسَهُ في المَعْنى لِتَسْتَغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ لَيْسَ المَعْنى مِثْلُهم هَذِهِ الجُمْلَةُ وأجابَ عَنْهُ السَّمِينُ بِالتِزامِ أنَّها نَفْسُهُ لِأنَّ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ في تَأْوِيلِ ما يُقالُ فِيهِمْ ويُوصَفُونَ بِهِ إذا وُصِفُوا فَلا حاجَةَ إلى الرّابِطِ كَما في قَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَصُونٌ ومالُهُ مَبْذُولٌ قِيلَ: ولا يَخْفى حُسْنُهُ إلّا أنَّ المَثَلَ عَلَيْهِ بِمَعْنى الصِّفَةِ والمُرادُ بِالصِّفَةِ اللَّفْظُ المَوْصُوفُ بِهِ كَما يُقالُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ أيِ اللَّفْظُ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ هو هَذا وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا عَلى مَجازٍ لَكِنَّهُ يُغْتَفَرُ لِأنَّ الأوَّلَ مُلْحَقٌ بِالحَقِيقَةِ لِشُهْرَتِهِ ولَيْسَ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ لِأنَّ المُضافَ ذُكِرَ تَوْطِئَةً لَهُ فَإنَّ ذَلِكَ أضْعُفْ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما عَلِمْتَ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى أنَّ ﴿مَثَلُ﴾ مُقْحَمٌ وتَقَدَّمَ عَلَيْهِ ولَهُ وقالَ الحَوْفِيُّ: هو مُبْتَدَأٌ و﴿كَرَمادٍ﴾ خَبَرُهُ وأعْمالُهم بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَما في قَوْلِهِ: .

ما لِلْجِمالِ مَشْيُها وئِيدًا أجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أمْ حَدِيدا

وفِيهِ خَفاءٌ ولَعَلَّهُ اعْتُبِرَ المُضافَ إلَيْهِ وفي الكَشّافِ جَوازُ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ ( مَثَلُ أعْمالِهِمْ ) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَثَلُ أعْمالِهِمْ كَرَمادٍ قالَ في الكَشْفِ: وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ وذَلِكَ لِأنَّ مَثَلَهم ومَثَلَ أعْمالِهِمْ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ وفِيهِ تَفْخِيمٌ. اهَـ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا بَدَلُ اشْتِمالٍ

صفحة 204

لِأنَّ مَثَلَ أعْمالِهِمْ كَوْنُها كَرَمادٍ ومَثَلَهم كَوْنُ أعْمالِهِمْ كَرَمادٍ فَلا اتِّحادَ لَكِنَّ الأوَّلَ سَبَبٌ لِلثّانِي فَتَأمَّلْ والرَّمادُ مَعْرُوفٌ وعَرَّفَهُ ابْنُ عِيسى بِأنَّهُ جِسْمٌ يَسْحَقُهُ الإحْراقُ سَحْقَ الغُبارِ ويُجْمَعُ عَلى رُمُدٍ في الكَثْرَةِ وأرْمُدٌ في القِلَّةِ وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلاءَ قالُوا أرْمِداءَ كَذا في البَحْرِ وذَكَرَ في القامُوسِ أنَّ الأرْمِداءَ كالأرْبِعاءِ الرَّمادُ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ جَمْعٌ والمُرادُ بِأعْمالِهِمْ ما هو مِن بابِ المَكارِمِ كَصِلَةِ الأرْحامِ وعِتْقِ الرِّقابِ وفِداءِ الأسارى وقِرى الأضْيافِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: ما فَعَلُوهُ لِأصْنامِهِمْ مِنَ القُرْبِ بِزَعْمِهِمْ وقِيلَ: ما يَعُمُّ هَذا وذاكَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وجِيءَ بِالجُمْلَةِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِما يُقالُ: ما بالُ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها حَتّى آلَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ المَآلِ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّها كَرَمادٍ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ فاشْتَدَّ بِمَعْنى عَدا والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الشِّدَّةِ بِمَعْنى القُوَّةِ أيْ قَوِيَتْ بِمُلابَسَةِ حَمْلِهِ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ العَصْفُ اشْتِدادُ الرِّيحِ وُصِفَ بِهِ زَمانُ هُبُوبِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ كَنَهارِهِ صائِمٌ ولَيْلِهِ قائِمٌ لِلْمُبالَغَةِ وقالَ الهَرَوِيُّ: التَّقْدِيرُ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فَحُذِفَ الرِّيحُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ كَما في قَوْلِهِ:

إذْ جاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كاسِفُ

والتَّنْوِينُ عَلى هَذا عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وضَعْفُ هَذا القَوْلُ ظاهِرٌ وقِيلَ: إنَّ ﴿عاصِفٍ﴾ صِفَةُ الرِّيحِ إلّا أنَّهُ جُرَّ عَلى الجِوارِ وفِيهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ وصْفُ الرِّيحَ بِهِ لِاخْتِلافِهِما تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ( الرِّياحُ ) عَلى الجَمْعِ وبِهِ يَشْتَدُّ فَسادُ الوَصْفِيَّةِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ عَنِ الحَسَنِ ( في يَوْمِ عاصِفٍ ) عَلى الإضافَةِ وذَلِكَ عِنْدَ أبِي حَيّانَ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ والتَّقْدِيرُ في يَوْمِ رِيحٍ عاصِفٍ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَذْفٍ عِنْدَ مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ في الدُّنْيا مِن تِلْكَ الأعْمالِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ما أيْ لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ أوْ تَخْفِيفِ عَذابٍ.

ويُؤَيِّدُ التَّعْمِيمُ ما ورَدَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنَ جُدْعانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ المِسْكِينَ هَلْ ذَلِكَ نافِعُهُ قالَ: لا يَنْفَعُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ رَبِّي اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لا يَقْدِرُونَ مِن ثَوابِ ما كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ما والأوَّلُ أوْلى وقُدِّمَ المُتَعَلِّقُ الأوَّلُ لِلايَقْدِرُونَ عَلى الثّانِي وعَكْسُ في البَقَرَةِ لِأهَمِّيَّةِ كُلٍّ في آيَتِهِ وذَلِكَ ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ وحاصِلُ التَّمْثِيلِ تَشْبِيهُ أعْمالِهِمْ في حُبُوطِها وذَهابِها هَباءً مَنثُورًا لِابْتِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِهِ وكَوْنِها لِوَجْهِهِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ وفَرَّقَتْهُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ فَذْلَكَةُ ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِنهُ قِيلَ: والِاكْتِفاءُ بِبَيانِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الأثَرِ لِأعْمالِهِمْ لِلْأصْنامِ مَعَ أنَّ لَها عُقُوباتٍ لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّها شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ دَلالَةً واضِحَةً مِن ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ . (18) . عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ غَيْرَ بَعِيدٍ.

14:19Page 258

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩

Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهِ أُمَّتْهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ وقِيلَ: خِطابُ الكُلِّ واحِدٌ مِنَ الكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ مُلْتَبِسَةً بِالحِكْمَةِ والوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَحِقُّ

صفحة 205

أنْ يُخْلَقَ عَلَيْهِ وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( ألَمْ تَرْ ) بِسُكُونِ الرّاءِ ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ قالَ أبُو حَيّانَ: وتَوْجِيهٌ آخَرُ وهو أنَّ ( تَرى ) حَذَفَتِ العَرَبُ ألِفَها في قَوْلِهِمْ: قامَ القَوْمُ ولَوْ تَرَ ما زَيْدٌ كَما حُذِفَتْ ياءُ لا أُبالِي وقالُوا لا أُبالِ فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ تُخُيِّلَ أنَّ الرّاءَ هي آخِرُ الكَلِمَةِ فَسَكَنَتْ لِلْجازِمِ كَما قالُوا في لا أُبالِ لَمْ أُبَلْ تَخَيَّلُوا اللّامَ آخِرَ الكَلِمَةِ والمَشْهُورُ التَّوْجِيهُ الأوَّلُ وقَرَأ الأخَوانِ ( خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ والإضافَةِ وجَرِّ الأرْضِ.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يَعْدِمْكم أيُّها النّاسُ كَما قالَهُ جَماعَةٌ أوْ أيُّها الكَفَرَةُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالمَرَّةِ ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . (19) . أيْ بِخَلْقٍ بَدَلَكم خَلْقًا مُسْتَأْنَفًا لا عِلاقَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهم والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الآدَمِيِّينَ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ أوْ مِن غَيْرِهِ أوْرَدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ خَلْقَهُ السَّماواتِ والأرْضَ إرْشادًا إلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ مِثْلِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ كانَ عَلى إعْدامِ المُخاطَبِينَ وخَلْقِ آخَرِينَ بَدَلَهم أقْدَرَ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ:

14:20Page 258

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ٢٠

And that is not difficult for Allāh.

﴿وما ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ إذْهابِكم والإتْيانِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مَكانَكم ﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . (20) . بِمُتَعَذَّرٍ أوْ مُتَعَسَّرٍ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ بِذاتِهِ لا بِاسْتِعانَةٍ وواسِطَةٍ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما في الكَشّافِ بَيانٌ لِإبْعادِهِمْ في الضَّلالِ وعَظِيمِ خَطْبِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى لِوُضُوحِ آياتِهِ الشّاهِدَةِ لَهُ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ وأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُرْجى ثَوابُهُ ويُخْشى عِقابُهُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском