Al-AlusiIbrahim · 14:30–32

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:30–32

14:30Page 259

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠

And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

﴿وجَعَلُوا﴾ عُطِفَ عَلى ( أحَلُّوا ) أوْ ما عُطِفَ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وحُكْمِ التَّعْجِيبِ أيْ جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ وحُكْمِهِمْ لِلَّهِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو الواحِدُ القَهّارُ أنْدادًا أمْثالًا في التَّسْمِيَةِ أوْ في العِبادَةِ وقالَ الرّاغِبُ: نِدُّ الشَّيْءِ مُشارِكُهُ في جَوْهَرِهِ وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ المُماثَلَةِ فَإنَّ المَثَلَ يُقالُ في أيِّ مُشارَكَةٍ كانَتْ فَكُلُّ نِدٍّ مِثْلٌ ولَيْسَ كُلُّ مِثْلٍ نِدًّا ولَعَلَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ هُنا ما أشَرْنا إلَيْهِ.

﴿لِيُضِلُّوا﴾ قَوْمَهم الَّذِينَ يُشايِعُونَهم حَسْبَما ضَلُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ القَوِيمِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ وقِيلَ: مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنْ يَذْكُرَ كُفْرانَهم نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ كُفْرانَهم بِذاتِهِ سُبْحانَهُ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ثُمَّ إضْلالَهم لِقَوْمِهِمُ المُؤَدِّي إلى إحْلالِهِمْ دارَ البَوارِ ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ لِتَثْنِيَةِ التَّعْجِيبِ وتَكْرِيرِهِ والإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الهِناتِ يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ ولَوْ سِيقَ النَّظْمُ عَلى نَسَقِ الوُجُودِ لَرُبَّما فُهِمُ التَّعْجِيبُ مِنَ المَجْمُوعِ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الجَلِيلِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ ( لِيَضِلُّوا ) بِفَتْحِ الياءِ والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في القِراءَتَيْنِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الإضْلالُ أوِ الضَّلالُ نَتِيجَةً لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ شُبِّهَ بِالغَرَضِ والعِلَّةِ الباعِثَةِ فاسْتُعْمِلَ لَهُ حَرْفُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ كَوْنَ الضَّلالِ نَتِيجَةً لِلْجَعْلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْدادًا غَيْرُ ظاهِرٍ إذْ هو مُتَّحِدٌ مَعَهُ أوْ لازِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا أنْ يُرادَ الحُكْمُ بِهِ أوْ دَوامُهُ ورُدَّ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ لا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ضَلالٌ بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهُ اهْتِداءٌ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلى اعْتِقادِهِمْ ضِدُّهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّتِيجَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّيْءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مِن لَوازِمِهِ أوَّلًا وفِيهِ تَأمُّلٌ ﴿قُلْ﴾ لِأُولَئِكَ الضُّلّالِ المُتَعَجَّبِ مِنهم ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَبْدِيلُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرًا واسْتِتْباعُ النّاسِ في الضَّلالِ وجَعْلُ ذَلِكَ مُتَمَتَّعًا بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمُشْتَهَياتِ المَعْرُوفَةِ لِتَلَذُّذِهِمْ بِهِ كَتَلَذُّذِهِمْ بِها وفي التَّعْبِيرِ بِالأمْرِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إيذانٌ بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ بِالتَّمَتُّعِ بِما هم عَلَيْهِ وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يُرِيدُونَهُ مَأْمُورُونَ بِهِ قَدْ أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يَسَعُهم أنْ يُخالِفُوهُ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ أمْرًا دُونَهُ وهو آمِرُ الشَّهْوَةِ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . (30) . جَوابُ شَرْطٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: والمَعْنى إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الشَّهْوَةِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ مَجازًا عَنِ التَّخْلِيَةِ والخِذْلانِ وأنَّ ذَلِكَ الآمِرَ مُتَسَخِّطٌ إلى غايَةٍ ومِثالُهُ أنْ تَرى الرَّجُلَ قَدْ عَزَمَ عَلى أمْرٍ وعِنْدَكَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ خَطَأٌ وأنَّهُ يُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ فَتُبالِغُ في نُصْحِهِ واسْتِنْزالِهِ

صفحة 220

عَنْ رَأْيِهِ فَإذا لَمْ تَرَ مِنهُ إلّا الإباءَ والتَّصْمِيمَ حَرَدْتَ عَلَيْهِ وقُلْتُ: أنْتَ وشَأْنَكَ فافْعَلْ ما شِئْتَ فَلا تُرِيدُ بِهَذا حَقِيقَةَ الأمْرِ ولَكِنَّكَ كَأنَّكَ تَقُولُ: فَإذا قَدْ أبَيْتَ قَبُولَ النَّصِيحَةِ فَأنْتَ أهْلٌ لِيُقالَ لَكَ افْعَلْ ما شِئْتَ وتُبْعَثَ عَلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ إذا فَعَلْتَ صِحَّةَ رَأْيِ النّاصِحِ وفَسادَ رَأْيِكَ. انْتَهى.

قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ الوَجْهَيْنِ مُشْتَرِكانِ في إفادَةِ التَّهْدِيدِ لَكِنَّ الأداءَ إلَيْهِ مُخْتَلِفٌ والأوَّلُ نَظِيرُ ما إذا أطاعَ أحَدُ عَبِيدِكَ بَعْضَ مَن تَنْتَقِمُ طَرِيقَتَهُ فَتَقُولُ: أطِعْ فُلانًا وهَذا صَحِيحٌ صَدَرَ مِنَ المَنقُومِ أمْرٌ ومِنَ العَبْدِ طاعَةٌ أوْ كانَ مِنهُ مُوافَقَةٌ لِبَعْضِ ما يَهْواهُ والقَسَمُ الأخِيرُ هو ما نَحْنُ فِيهِ والثّانِي ظاهِرٌ. انْتَهى.

وظاهِرُ هَذا أنَّ التَّهْدِيدَ عَلى الوَجْهَيْنِ مَفْهُومٌ مِن صِيغَةِ الأمْرِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ وعَلى الثّانِي مِنَ الأمْرِ وما في حَيِّزِ الفاءِ تَعْلِيلٌ لَهُ ولَعَلَّ النَّظَرَ الدَّقِيقَ قاضٍ بِما أفْتى بِهِ ظاهِرُ ما في الكَشْفِ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ هَذا كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِمَرِيضٍ يَأْمُرُهُ بِالِاحْتِماءِ فَلا يَحْتَمِي: كَلْ ما تُرِيدُ فَإنَّ مَصِيرَكَ إلى المَوْتِ فَإنَّ المَقْصُودَ كَما قالَ صاحِبُ الفَرائِدِ التَّهْدِيدُ لِيَرْتَدِعَ ويَقْبَلَ ما يَقُولُ.

وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ ما قَرَّرَ في المِثالِ هو المُرادُ مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ في ﴿تَمَتَّعُوا﴾ إيذانًا بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ .. إلَخْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ ظاهِرٌ في الوَجْهِ الثّانِي فافْهَمْ والمَصِيرُ مَصْدَرُ صارَ التّامَّةِ بِمَعْنى رَجَعَ وهو اسْمُ إنَّ و﴿إلى النّارِ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( مَصِيرَ ) وهو مِن صارَ بِمَعْنى انْتَقَلَ ولِذا عُدِّيَ بِإلى لِأنَّهُ يَدْعُو إلى القَوْلِ بِحَذْفِ خَبَرِ إنَّ وحَذْفُهُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قَلِيلٌ والكَثِيرُ فِيما إذا كانَ الِاسْمُ نَكِرَةً والخَبَرُ جارٌّ ومَجْرُورٌ والحَوْفِيُّ جَوَّزَ هَذا التَّعَلُّقَ فالخَبَرُ عِنْدَهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ واقِعٌ أوْ كائِنٌ لا مَحالَةَ.

14:31Page 259

قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١

[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ وأشارَ إلى انْهِماكِهِمْ في اللَّذَّةِ الفانِيَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ خُلَّصَ عِبادِهِ بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وخَصَّهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى رَفْعًا لَهم وتَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ المُوفُونَ بِحُقُوقِها وتَرَكَ العَطْفَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْإيذانِ بِتَبايُنِ حالِهِما تَهْدِيدًا وغَيْرَهُ ومَقُولُ القَوْلِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ والمازِنِيُّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿يُقِيمُوا﴾ أيْ قُلْ لَهم: أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا.

﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ والفِعْلُ المَذْكُورُ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ ( قُلْ ) عِنْدَهم وأوْرَدَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أقِيمُوا وأنْفِقُوا» أنْ يَفْعَلُوا ورُدَّ بِأنَّ المَقُولَ لَهُمُ الخُلَّصُ وهم مَتى أُمِرُوا امْتَثَلُوا ومِن هُنا قالُوا: إنَّ في ذَلِكَ إيذانًا بِكَمالِ مُطاوَعَتِهِمْ وغايَةِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ ويَشُدُّ عَضُدَ ذَلِكَ حَذْفُ المَقُولِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّهم يَفْعَلُونَ مِن غَيْرِ أمْرٍ عَلى أنَّ مَبْنِيَّ الإيرادِ عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في السَّبَبِيَّةِ التّامَّةِ وقَدْ مُنِعَ وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ( قُلْ ) بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ والجَزْمُ في جَوابِ ذَلِكَ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ.

وحُكِيَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ وعُزِيَ لِلْمُبَرِّدِ أنَّ الجَزْمَ في جَوابِ الأمْرِ المَقُولِ المَحْذُوفِ وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا بُدَّ أنْ يُخالِفَ فِعْلَ الشَّرْطِ إمّا في الفِعْلِ أوْ في الفاعِلِ أوْ فِيهِما فَإذا اتَّحَدا لا يَصِحُّ كَقَوْلِكَ: قُمْ تَقُمْ إذِ التَّقْدِيرُ هُنا إنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا والثّانِي أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ والفِعْلَ المَذْكُورَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ قَرِيبٌ وأمّا الثّانِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: قُلْ لِعَبْدِكَ أطِعْنِي يُطِعْكَ وإنْ كانَ لِلْغَيْبَةِ بَعْدَ المُواجَهَةِ بِاعْتِبارِ حِكايَةِ الحالِ

صفحة 221

وعَنْ أبِي عَلِيٍّ وجَماعَةٍ أنَّ ﴿يُقِيمُوا﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ وهو مَقُولُ القَوْلِ ورُدَّ بِحَذْفِ النُّونِ وهي في مِثْلِ ذَلِكَ لا تُحْذَفُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ إذِ المُرادُ مِنهُ آمِنُوا والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ عَلى حَذْفِ النُّونِ كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِّداءِ عَلى الضَّمِّ في نَحْوِ يا زَيْدُ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ وما لَمْ يُبَيَّنْ إنَّما لُوحِظَ فِيهِ لَفْظِهِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَقُولَ القَوْلِ وهو مَجْزُومٌ بِلامِ أمْرٍ مُقَدَّرَةٍ أيْ لِيُقِيمُوا ويُنْفِقُوا عَلى حَدِّ قَوْلِ الأعْشى: .

مُحَمَّدٌ تُفِدْ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إضْمارَ الجازِمِ أضْعَفُ مِن إضْمارِ الجارِّ إلّا أنَّ تَقَدُّمَ ( قُلْ ) نائِبٌ مَنابَهُ كَما أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ في أمْرِ المُخاطَبِ يَنُوبُ مَنابَ ذَلِكَ والشَّيْءُ إذا كَثُرَ في مَوْضِعٍ أوْ تَأكَّدَ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ جازَ حَذْفُهُ مِنهُ حَذْفُ الجارِّ مِن أنّى إذا كانَتْ بِمَعْنى مِن أيْنَ وبِما ذَكَرْنا مِنَ النِّيابَةِ فارِقٌ ما هُنا ما في البَيْتِ فَلا يَضُرُّنا تَصْرِيحُهم فِيهِ بِكَوْنِ الحَذْفِ ضَرُورَةً وعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّهُ جَعَلَ حَذْفَ هَذِهِ اللّامِ عَلى أضْرُبٍ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ ومُتَوَسِّطٍ فالكَثِيرُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ قَوْلٌ بِصِيغَةِ الأمْرِ كَما في الآيَةِ والمُتَوَسِّطُ ما تَقَدَّمَهُ قَوْلٌ غَيْرُ أمْرٍ كَقَوْلِهِ: .

قُلْتُ لِبَوّابٍ لَدَيْهِ دارُها ∗∗∗ تِيذَنْ فَإنِّي حَمُها وجارُها

والقَلِيلُ ما سِوى ذَلِكَ وظاهِرُ كَلامِ الكَشْفِ اخْتِيارُ هَذا الوَجْهِ حَيْثُ قالَ المُدَقِّقُ فِيهِ: والمَعْنى عَلى هَذا أظْهَرُ لِكَثْرَةِ ما يَلْزَمُ مِنَ الإضْمارِ وأنَّ تَقْيِيدَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ﴾ إلى ﴿ولا خِلالٌ﴾ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ طائِلٍ إنَّما المُناسِبُ تَقْيِيدُ الأمْرِ بِهِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ مَقُولَ القَوْلِ ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ .. إلَخْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّفْكِيكِ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ ﴿يُقِيمُوا﴾ مَجْزُومًا في جَوابِ الأمْرِ لِأنَّ قَوْلَ ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ .. إلَخْ لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا هَذا والمُرادُ بِالصَّلاةِ قِيلَ ما يَعُمُّ كُلَّ صَلاةٍ فَرْضًا كانَتْ أوْ تَطَوُّعًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها بِالصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ زَكاةَ المالِ إنَّما فُرِضَتْ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ صَدَقَةِ الفِطْرِ وأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ والآيَتَيْنِ لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْداهُنَّ عِنْدَ بَعْضٍ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذا المَأْمُورُ بِهِ في الآيَةِ مَأْمُورًا بِهِ مِن قَبْلُ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ مَأْمُورًا بِهِ فالأمْرُ لِلدَّوامِ فَتَحَقَّقْ ذَلِكَ ولا تَغْفُلْ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لَكِنْ مِنَ الأمْرِ المُقَدَّرِ أوْ مِنَ الفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكِسائِيُّ ومَن مَعَهُ عَلى ما قِيلَ والأصْلُ إنْفاقُ سِرٍّ وإنْفاقُ عَلانِيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْتَصَبَ انْتِصابَهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ إنْفاقًا سِرًّا وإنْفاقًا عَلانِيَةً فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مُنْتَصِبَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ إمّا عَلى التَّأْوِيلِ بِالمُشْتَقِّ أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ أوْ ذَوِي سِرٍّ وعَلانِيَةٍ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ نَفَقَةِ السِّرِّ ونَفَقَةِ العَلانِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ فِيهِ ما يَتَلافى بِهِ تَقْصِيرَهُ أوْ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ والمَقْصُودُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ نَفْيُ عَقْدِ المُعاوَضَةِ بِالمَرَّةِ وتَخْصِيصُ البَيْعِ بِالذِّكْرِ لِلْإيجازِ مَعَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العَقْدِ إذِ انْتِفاءُ البَيْعِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ الشِّراءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وانْتِفاؤُهُ رُبَّما يُتَصَوَّرُ مَعَ تَحَقُّقِ الإيجابِ مِنَ البائِعِ. انْتَهى. وقِيلَ: إنَّ البَيْعَ كَما يُسْتَعْمَلُ في إعْطاءِ المُثَمَّنِ وأخْذِ الثَّمَنِ وهو المَعْنى الشّائِعُ يُسْتَعْمَلُ في إعْطاءِ الثَّمَنِ وأخْذِ المُثَمَّنِ وهو مَعْنى الشِّراءِ وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى

صفحة 222

عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَبِيعَنَّ أحَدُكم عَلى بَيْعِ أخِيهِ» ولا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ هُنا فَإنَّ قُلْنا بِجَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ مُطْلَقًا كَما قالَ بِهِ الشّافِعِيَّةُ أوْ في النَّفْيِ كَما قالَ بِهِ ابْنُ الهُمامِ فَذاكَ وإلّا احْتَجْنا إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا مُعاوَضَةَ فِيهِ ﴿ولا خِلالٌ﴾ . (31) . أيْ مُخالَّةٌ فَهو كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ مَصْدَرُ خالَلْتُهُ كالخِلالِ وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ خَلِيلٍ كَأخِلّاءَ وأخِلَّةٍ والمُرادُ واحِدٌ وهو نَفْيُ أنْ يَكُونَ هُناكَ خَلِيلٌ يُنْتَفَعُ بِهِ بِأنْ يَشْفَعَ لَهُ أوْ يُسامِحَهُ بِما يُفْتَدى بِهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا انْتِفاعَ فِيهِ لِما لَهِجُوا بِتَعاطِيهِ مِنَ البَيْعِ والمُخالَفَةِ ولا انْتِفاعَ بِذَلِكَ وإنَّما الِانْتِفاعُ والِارْتِفاقُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَعَلى الأوَّلِ المَنفِيُّ البَيْعُ والخِلالُ في الآخِرَةِ وعَلى هَذا المُرادِ نَفْيُ البَيْعِ والخِلالِ اللَّذَيْنِ كانا في الدُّنْيا بِمَعْنى نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِما و﴿فِيهِ﴾ ظَرْفٌ لِلِانْتِفاعِ المُقَدَّرِ حَسْبَما أشَرْنا إلَيْهِ ولا يُشْكِلُ ما هُنا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ حَيْثُ أثْبَتَ فِيهِ المُخالَفَةَ وعَدَمَ العَداوَةِ بَيْنَ المُتَّقِينَ لِأنَّ المُرادَ هُنا عَلى ما قِيلَ نَفْيُ المُخالَفَةِ النّافِعَةِ بِذاتِها في تَدارُكِ ما فاتَ ولَمْ يَذْكُرْ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّ المُتَّقِينَ يَتَدارَكُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما فاتَ.

وقِيلَ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: إنَّ المُرادَ لا مُخالَّةَ بِسَبَبِ مَيْلِ الطَّبْعِ ورَغْبَةِ النَّفْسِ وتِلْكَ المُخالَّةُ الواقِعَةُ بَيْنَ المُتَّقِينَ في اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الإثْباتِ لا يَلْزَمُهُ النَّفْيُ وإنَّ سُلِّمَ لُزُومُهُ فَنَفْيُ العَداوَةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ المُخالَّةُ وهو كَما تَرى ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ الإثْباتَ والنَّفْيَ بِحَسَبِ المَواطِنِ والظَّرْفُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ المُقَدَّرِ وعَلَّقَهُ بِالفِعْلِ المَذْكُورُ مَن رَأى رَأْيَ الكِسائِيِّ ومَن مَعَهُ بَلْ وبَعْضُ مَن رَأى غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ وتَذْكِيرُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الأمْرِ مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا مِن فِقْدانِ الشَّفاعَةِ وما يُتَدارَكُ بِها لِتَقْصِيرِ مُعارَضَةٍ وتَبَرُّعًا وانْقِطاعُ آثارِ البَيْعِ والخِلالِ الواقِعَيْنِ في الدُّنْيا وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِهِما مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الإتْيانِ بِما تَبْقى عَوائِدُهُ وتَدُومُ فَوائِدُهُ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن حَيْثُ أنَّ ادِّخارَ المالِ وتَرْكَ إنْفاقِهِ إنَّما يَقَعُ غالِبًا لِلتِّجاراتِ والمُهاداةِ فَحَيْثُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَلا وجْهَ لِادِّخارِهِ إلى وقْتِ المَوْتِ وتَخْصِيصُ أمْرِ الإنْفاقِ بِذَلِكَ التَّأْكِيدِ لِمَيْلِ النُّفُوسِ إلى المالِ وكَوْنِها مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ والضِّنَةِ بِهِ وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيْضًا مِن حَيْثُ أنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما لا يَكُونُ لِلِاشْتِغالِ بِالبِياعاتِ والمُخالَلاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ بُعْدَهُ لَفْظًا بِناءً عَلى تَعَلُّقِ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهَيْنِ في الآيَةِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ واقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيها عَلى الوَجْهِ الثّانِي وكَلامُهُ في تَقْرِيرِهِ ظاهِرٌ في أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ حَسْبَما بَيَّنَهُ في الكَشْفِ وفِيهِ في تَقْرِيرِ الحاصِلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ أيْ لا انْتِفاعَ بِهِما كِنايَةً عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يُقابِلُهُما وهو ما أُنْفِقَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَهو حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُنْفِقُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يَنْتَفِعُ بِإنْفاقِهِمُ المُنْفِقُونَ لَهُ ولا يَنْفَعُ النَّدَمُ لِمَن أمْسَكَ والعُدُولُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِيُفِيدَ الحَصْرَ وإنَّ ذَلِكَ وحْدَهُ هو المُنْتَفَعُ بِهِ ولِيُفِيدَ المُضادَّةَ بَيْنَ ما يَنْفَعُ عاجِلِيًّا وما يَنْفَعُ آجِلِيًّا وذُكِرَ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ أنَّ المَعْنى مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فاتَكم مِنَ الإنْفاقِ لِأنَّهُ لا بَيْعٌ حَتّى تَبْتاعُوا ما تُنْفِقُونَهُ ولا خُلَّةٌ حَتّى يُسامِحَكم أخِلّاؤُكم بِهِ وبَيَّنَ المُدَقِّقُ وجْهَ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ بِمَوْضِعِهِ مَعَ صِحَّةِ جَرَيانِهِما جَمِيعًا في

صفحة 223

كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ بِأنَّ الأوَّلَ خِطابٌ عامٌّ فَكانَ الحَثُّ فِيهِ عَلى الإنْفاقِ مُطْلَقًا وتَصْوِيرُ أنَّ الإنْفاقَ نَفْسَهُ هو المَطْلُوبُ فَلْيُغْتَنَمْ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يَفُوتُ فِيهِ ولا يُدْرِكُهُ الطّالِبُ هو المُوافِقُ لِمُقْتَضى المَقامِ وأنَّ الثّانِيَ لَمّا اخْتُصَّ بِالخُلَّصِ كانَ المُوافِقُ لِلْمَقامِ تَحْرِيضَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ لِيَدُومُوا عَلَيْهِ فَقِيلَ: دُومُوا عَلَيْهِ وتَمَسَّكُوا بِهِ تَغْتَبِطُوا يَوْمَ لا يَنْفَعُ إلّا مَن دامَ عَلَيْهِ ولَوْ قِيلَ: دُومُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَفُوتَكم ولا تُدْرِكُوهُ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الوَكادَةِ لِأنَّ الأوَّلَ بِالحَثِّ عَلى طَلَبِ أصْلِ الفِعْلِ أشْبَهُ والثّانِيَ بِطَلَبِ الدَّوامِ فَتَفَطَّنْ لَهُ. اهَـ. ولا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ ( لا بَيْعَ فِيها ولا خِلالَ ) بِفَتْحِ الِاسْمَيْنِ تَنْصِيصًا عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْيِ ودَلالَةُ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارٍ خِطابِيٍّ هو عَلى ما قِيلَ وُقُوعُهُ في جَوابِ هَلْ فِيهِ بِيعٌ أوْ خِلالٌ

14:32Page 259

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢

It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ الكافِرِينَ لِنِعَمِهِ وأمْرَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ الطّاعَةِ شُكْرًا لَها شَرَعَ جَلَّ وعَلا في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ الأنامِ المُثابِرَةِ عَلى الشُّكْرِ والطّاعَةِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ والمِنَنِ الجِسامِ حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ المُخِلِّينَ أتَمَّ إخْلالٍ بِها فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .. إلَخْ وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أطالَ الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ بِذَلِكَ خَتَمَ الوَصْفَ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ ما قالَ لِظُهُورِ اعْتِبارِ المَذْكُوراتِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ نِعَمًا لا دَلائِلَ والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ السُّلْطانِ والمُرادُ خَلْقُ السَّماواتِ وما فِيها مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأرْضِ وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ السَّحابِ ﴿ماءً﴾ أيْ نَوْعًا مِنهُ وهو المَطَرُ وسُمِّيَ السَّحابُ سَماءً لِعُلُوِّهِ وُكُلُّ ماعَلاكَ سَماءٌ وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ الفَلَكُ المَعْلُومُ فَإنَّ المَطَرَ مِنهُ يَتَبَدّى إلى السَّحابِ ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ وعَلَيْهِ الكَثِيرُ مِنَ المُحَدِّثِينَ لِظَواهِرِ الأخْبارِ.

واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ لِأنَّ الإنْسانَ رُبَّما كانَ واقِفًا عَلى قِمَّةِ جَبَلٍ عالٍ ويَرى السَّحابَ أسْفَلَ مِنهُ فَإذا نَزَلَ رَآهُ ماطِرًا ثُمَّ قالَ: وإذا كانَ هَذا أمْرًا مُشاهَدًا بِالبَصَرِ كانَ النِّزاعُ فِيهِ باطِلًا وأوَّلَ بَعْضُهُمُ الظَّواهِرَ لِذَلِكَ بِأنَّ مَعْنى نُزُولِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ نُزُولُهُ بِأسْبابٍ ناشِئَةٍ مِنها وأيًّا ما كانَ فَـ ( مِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( أنْزَلَ ) وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً لِنُزُولِهِ أوْ لِتَشْرِيفِهِ كَما في قَوْلِكَ: إعْطاءُ السُّلْطانِ مِن خَزائِنِهِ مالًا أوْ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو بِمَعْنى المَرْزُوقِ مُرادًا بِهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ فَيَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( أخْرَجَ ) و﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ وتَقَدُّمُ ( مِنَ ) البَيانِيَّةِ عَلى ما تُبَيِّنُهُ قَدْ أجازَهُ الكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ المانِعَ لِذَلِكَ كَوْنَ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿رِزْقًا﴾ مَفْعُولُ ( أخْرَجَ ) أيْضًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِن ) بِمَعْنى بَعْضٍ مَفْعُولَ ( أخْرَجَ ) و﴿رِزْقًا﴾ بِمَعْنى مَرْزُوقًا حالًا مِنهُ فَهو بَيانٌ لِلْمُرادِ مِن بَعْضِ الثَّمَراتِ لِأنَّ مِنها ما يُنْتَفَعُ بِهِ فَهو رِزْقٌ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿رِزْقًا﴾ باقِيًا عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ أخْرَجَ بِهِ ذَلِكَ لِأجْلِ الرِّزْقِ والِانْتِفاعِ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأخْرَجَ لِأنَّ أخْرَجَ بَعْضَ الثَّمَراتِ في مَعْنى رِزْقٍ فَيَكُونُ في مَعْنى قَعَدْتُ جُلُوسًا عَلى المَشْهُورِ وقِيلَ: ( مِن ) زائِدَةٌ ولا يَرى جَوازَ ذَلِكَ هُنا إلّا الأخْفَشَ و﴿لَكُمْ﴾

صفحة 224

صِفَةٌ لَرِزْقًا إنْ أُرِيدَ بِهِ المَرْزُوقُ ومَفْعُولٌ بِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.

ومَعْنى كَوْنِ الإخْراجِ بِسَبَبِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيهِ قُوَّةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ في ذَلِكَ حَسْبَما جَرَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ مَعَ غِناهُ الذّاتِيِّ سُبْحانَهُ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ في الإخْراجِ وهَذا هو رَأْيُ السَّلَفِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الأشْعَرِيُّ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ وزَعَمَ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ أخْرَجَ عِنْدَهُ والتَزَمُوا هَذا التَّأْوِيلَ في أُلُوفٍ مِنَ المَواضِعِ وضَلَّلُوا القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في بَعْضِ الأشْياءِ قُوَّةً مُؤَثِّرَةً في شَيْءٍ ما حَتّى قالُوا: إنَّهم إلى الكُفْرِ أقْرَبُ مِنهم إلى الإيمانِ وأُولَئِكَ عِنْدِي أقْرَبُ إلى الجُنُونِ وسَفاهَةِ الرَّأْيِ و﴿الثَّمَراتِ﴾ يُرادُ بِها ما يُرادُ مِن جَمْعِ الكَثْرَةِ لِأنَّ صِيَغَ الجُمُوعِ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْضِعَ بَعْضٍ أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ جَماعَةُ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أكَلْتُ ثَمَرَةَ بُسْتانِ فُلانٍ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَنْفَعُكَ تَذَكُّرُهُ في هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ السُّفُنَ بِأنْ أقْدَرَكم عَلى صَنْعَتِها واسْتِعْمالِها بِما ألْهَمَكم كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ وقِيلَ: بِأنْ جَعَلَها لا تَرْسُبُ في الماءِ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ ﴿بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ الَّتِي بِها نِيطَ كُلُّ شَيْءٍ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُزاوَلَةِ الأعْمالِ واسْتِعْمالِ الآلاتِ كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ ويَنْدَرِجُ في تَسْخِيرِ الفُلْكِ كَما في البَحْرِ تَسْخِيرُهُ وكَذا تَسْخِيرُ الرِّياحِ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ . (32) . جَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم حَيْثُ تَشْرَبُونَ مِنها وتَتَّخِذُونَ جَداوِلَ تَسْقُونَ بِها زُرُوعَكم وجَنّاتِكم وما أشْبَهَ ذَلِكَ هَذا إذا أُرِيدَ بِالأنْهارِ المِياهُ العَظِيمَةُ الجارِيَةُ في المَجارِي المَخْصُوصَةِ وأمّا إذا أُرِيدَ بِها نَفْسُ المَجارِي فَتَسْخِيرُها تَيْسِيرُها لَهم لِتَجْرِيَ فِيها المِياهُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском