Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:7–9
14:7Page 256
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧
And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ داخِلٌ في مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وهو مَعْطُوفٌ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكم واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكم أيْ آذَنَ إيذانًا بَلِيغًا وأعْلَمَ إعْلامًا لا يَبْقى مَعَهُ شُبْهَةٌ لِما في صِيغَةِ التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ المَحْمُولِ في حَقِّهِ تَعالى لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى غايَتِهِ الَّتِي هي الكَمالُ وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ فَإنَّ هَذا التَّأذُّنَ أيْضًا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ الباعِثَيْنِ إلى ما يَنالُونَ بِهِ خَيْرىِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( وإذْ قالَ رَبُّكم ) .
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ ما خَوَّلْتُكم مِن نِعْمَةِ الإنْجاءِ مِن إهْلاكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وقابَلْتُمُوهُ بِالإيمانِ أوْ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ أوِ الإخْلاصِ فِيهِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ أيْ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ فَإنَّ زِيادَةَ النِّعْمَةِ ظاهِرَةٌ في سَبْقِ نِعْمَةٍ أُخْرى وقِيلَ: يُفْهَمُ ذَلِكَ أيْضًا مِن لَفْظِ الشُّكْرِ فَإنَّهُ دالٌّ عَلى سَبْقِ النِّعَمِ فَلَيْسَ الزِّيادَةُ لِمُجَرَّدِ الإحْداثِ والظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ إنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ في الدُّنْيا وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَئِنْ وحَّدْتُمْ وأطَعْتُمْ
صفحة 191
لَأزِيدَنَّكم في الثَّوابِ وعَنِ الحَسَنِ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّ المَعْنى لَئِنْ شَكَرْتُمُ إنْعامِيَ لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ الِاعْتِرافُ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ مَعَ تَعْظِيمِهِ وبَيانُ زِيادَةِ النِّعَمِ بِهِ أنَّ النِّعَمَ مِنها رُوحانِيَّةٌ ومِنها جُسْمانِيَّةٌ والشّاكِرُ يَكُونُ أبَدًا في مُطالَعَةِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأنْواعِ فَضْلِهِ وكَرَمِهِ وذَلِكَ يُوجِبُ تَأكُّدَ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى المُحْسَنَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ومَقامُ المَحَبَّةِ أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ ثُمَّ قَدْ يَتَرَقّى العَبْدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى أنْ يَكُونَ حُبُّهُ لِلْمُنْعِمِ شاغِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى النِّعْمَةِ وهَذِهِ أعْلى وأغْلى فَثَبَتَ مِن هَذا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ زِيادَةَ النِّعَمِ الرُّوحانِيَّةِ وكَوْنُهُ مُوجِبًا لِزِيادَةِ النِّعَمِ الجُسْمانِيَّةِ فَلِلِاسْتِقْراءِ الدّالِّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ اشْتِغالُهُ بِالشُّكْرِ أكْثَرَ كانَ وُصُولُ النِّعَمِ إلَيْهِ أكْثَرَ وهو كَما تَرى ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ذَلِكَ وغَمَطْتُمُوهُ ولَمْ تَشْكُرُوهُ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ وقِيلَ: المُرادُ بِالكُفْرِ ما يُقابِلُ الإيمانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَئِنْ أشْرَكْتُمْ ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ . (7) . فَعَسى يُصِيبُكم مِنهُ ما يُصِيبُكم ومِن عادَةِ الكِرامِ غالِبًا التَّصْرِيحُ بِالوَعْدِ والتَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ فَما ظَنُّكَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ فَلِذا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: إنَّ عَذابِي لَكم لَأُعَذِّبَنَّكم كَما قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ تَعْلِيلًا لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ أيْ لَأُعَذِّبَنَّكم وبَيَّنَ الإمامُ وجْهَ كَوْنِ كُفْرانِ النِّعَمِ سَبَبًا لِلْعَذابِ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الكُفْرانُ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والجاهِلُ بِذَلِكَ جاهِلٌ بِاللَّهِ تَعالى والجَهْلُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العَذابِ والآيَةُ مِمّا اجْتَمَعَ فِيها القَسَمُ والشَّرْطُ فالجَوابُ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيْهِما والجُمْلَةُ إمّا مَفْعُولٌ لِتَأذَّنَ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ أوْ مَفْعُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ سادٌّ مَعْمُولُهُ مَسَدَّهُ أيْ قائِلًا لَئِنْ شَكَرْتُمْ .. إلَخْ وهَذانَ مَذْهَبانِ مَشْهُورانِ لِلْكُوفِيَّةِ والبَصْرِيَّةِ في أمْثالِ ذَلِكَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ وهو مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ السُّنِّيُّونَ والمُعْتَزِلَةُ إلّا أنَّ الأوَّلِينَ عَلى وُجُوبِهِ شَرْعًا والآخَرِينَ عَلى وُجُوبِهِ عَقْلًا وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِمْ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ وقَدْ هَدَّ أرْكانَهُ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَكَدْ يَتِمُّ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ في هَذا المَقامِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ
14:8Page 256
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨
And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy."
﴿وقالَ مُوسى﴾ لَهم: ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ نِعَمَهُ سُبْحانَهُ ولَمْ تَشْكُرُوها ﴿أنْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ومَن في الأرْضِ مِنَ النّاسِ وقِيلَ مِنَ الخَلائِقِ ﴿جَمِيعًا﴾ لَمْ يَتَضَرَّرْ هو سُبْحانَهُ وإنَّما يَتَضَرَّرُ مَن يَكْفُرُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم وشُكْرِهِمْ ﴿حَمِيدٌ﴾ . (8) . مُسْتَوْجِبٌ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ تَعالى لِكَثْرَةِ ما يُوجِبُهُ مِن أيادِيهِ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ أوْ مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ ناطِقَةٌ بِحَمْدِهِ والحَمْدُ حَيْثُ كانَ بِمُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وغَيْرِها مِنَ الفَضائِلِ كانَ أدَلَّ عَلى كَمالِهِ جَلَّ وعَلا وهو تَعْلِيلٌ لِما حُذِفَ مِن جَوابِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِنَعْمائِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ صَرِيحًا وضَمَّنَهُ بِذِكْرِ ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ وأمَرَهم ثانِيًا بِذِكْرِ ما جَرى مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالزِّيادَةِ عَلى الشُّكْرِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ عَلى الكُفْرِ وحَقَّقَ لَهم مَضْمُونَ ذَلِكَ وحَذَّرَهم مِن عِنْدِ نَفْسِهِ عَنِ الكُفْرانِ ثالِثًا
14:9Page 256
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩
Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and ʿAad and Thamūd and those after them? No one knows them [i.e., their number] but Allāh. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths1 and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."
لِما رَأى مِنهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ شَرَعَ في التَّرْهِيبِ بِتَذْكِيرِ ما جَرى عَلى الأُمَمِ الدّارِجَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ لِيَتَدَبَّرُوا ما أصابَ كُلَّ واحِدٍ مِن حِزْبَيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَيَتِمُّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقْصُودُهُ مِنهم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ
صفحة 192
السَّلامُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ .. إلَخْ عَلى أنَّهُ كالبَيانِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في الجَوابِ مِن عَوْدِ ضَرَرِ الكُفْرانِ عَلى الكافِرِ دُونَهُ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: هو مِن كَلامِهِ تَعالى جِيءَ تَتِمَّةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ .. إلَخْ وبَيانًا لِشِدَّةِ عَذابِهِ ونُقِلَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَرِضٌ في البَيْنِ وهو كَما تَرى وقِيلَ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ تَعالى مُخاطِبًا بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما ذَكَرَ إرْسالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقُرْآنِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ مِن قَصَصِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أُمَّتِهِ ولَعَلَّ تَخْصِيصَ تَذْكِيرِهِمْ بِما أصابَ أُولَئِكَ المَعْدُودِينَ مَعَ قُرْبِ غَيْرِهِمُ إلَيْهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إهْلاكَهُ تَعالى لِلظّالِمِينَ ونَصْرَهُ المُؤْمِنِينَ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ.
﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ ﴿وعادٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ ﴿وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ عُطِفَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ أوِ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ اعْتِراضٌ والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ إنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى ومَعْنى الِاعْتِراضِ عَلى الأوَّلِ ألَمْ يَأْتِكم أنْباءُ الجَمِّ الغَفِيرِ الَّذِي لا يُحْصى كَثْرَةً فَتَعْتَبِرُوا بِها إنَّ في ذَلِكَ لَمُعْتَبِرًا وعَلى الثّانِي هو تَرِقٍّ ومَعْناهُ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ هَؤُلاءِ ومَن لا يُحْصى عَدَدُهم كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعِ التَّفْصِيلَ فَإنَّهُ لا مَطْمَعَ في الحَصْرِ وفِيهِ لُطْفٌ لِإيهامِ الجَمْعِ بَيْنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ولِذا جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوَّلَ الوَجْهَيْنِ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كَذِبَ النَّسّابُونَ يَعْنِي أنَّهم يَدَّعُونَ عِلْمَ الأنْسابِ وقَدْ نَفى اللَّهُ تَعالى عِلْمَها عَنِ العِبادِ أظْهَرَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ تَرْجِيحَ الطَّيِّبِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ بِما رَجَّحَهُ بِهِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ: واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ القَوْلَ بِالِاعْتِراضِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ جُزْأيْنِ يَطْلُبُ أحَدُهُما الآخَرُ وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ومَنَعَ بِأنَّ بَيْنَ المُعْتَرِضِ بَيْنَهُما ارْتِباطًا يَطْلُبُ بِهِ أحَدُهُما الآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدَّرُوا الِاعْتِراضَ يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها فَلَيْسَ ما ذُكِرَ مُخالِفًا لِكَلامِ النُّحاةِ ولَوْ سُلِّمَ أنَّها لَيْسَتْ بِحالِيَّةٍ فَما ذَكَرُوهُ هُنا عَلى مُصْطَلَحِ أهْلِ المَعانِي وهم لا يَشْتَرِطُونُ الشَّرْطَ المَذْكُورَ حَتّى جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الِاعْتِراضُ في آخِرِ الكَلامِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي مَعَ أنَّ الجُمْلَةَ الآتِيَةَ مُفَسِّرَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الأُولى فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِها مَعْنًى واشْتِراطُ الِارْتِباطِ الأعْرابِيِّ عِنْدَ النُّحاةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْضًا فَتَأمَّلْ وجَعَلَ أبُو البَقاءِ جُمْلَةَ ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ المَوْصُولِ عَلى ما قَبْلُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ وجُوِّزَ الِاسْتِئْنافُ ولَعَلَّهُ أرادَ بِذَلِكَ الضَّمِيرَ المُسْتَقِرَّ في الجارِّ والمَجْرُورِ لا الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِالإضافَةِ لِفَقْدِ شَرْطِ مَجِيءِ الحالِ مِنهُ وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً كَوْنُ تِلْكَ الجُمْلَةِ خَبَرًا وكَوْنُها حالًا والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ والكَثِيرُ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ فَبَيَّنَ كُلُّ رَسُولٍ مِنهم لِأُمَّتِهِ طَرِيقَ الحَقِّ وهَداهم إلَيْهِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ أيْ أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ ﴿وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ عَلى زَعْمِكم وهي البَيِّناتُ الَّتِي أظْهَرُوها حُجَّةً عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِمْ.
صفحة 193
ومُرادُهم بِالكُفْرِ بِها الكُفْرُ بِدَلالَتِها عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِمْ أوِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ وحاصِلُهُ أنَّهم أشارُوا إلى جَوابِهِمْ هَذا كَأنَّهم قالُوا: هَذا جَوابُنا لَكم لَيْسَ عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ وهَذا كَما يَقَعُ في كَلامِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّ هَذا هو الجَوابُ ثُمَّ يُقَرِّرُونَهُ أوْ يُقَرِّرُونَهُ ثُمَّ يُشِيرُونَ بِأيْدِيهِمْ إلى أنَّ هَذا هو الجَوابُ فَضَمِيرُ ( أيْدِيَهم، وأفْواهِهِمْ ) إلى الكُفّارِ والأيْدِي عَلى حَقِيقَتِها والرَّدُّ مَجازٌ عَنِ الإشارَةِ وهي تَحْتَمِلُ المُقارَنَةَ والتَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ وقالَ أبُو صالِحٍ: المُرادُ أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ يَكُفُّوا ويَسْكُتُوا عَنْ كَلامِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: اسْكُتُوا فَلا يَنْفَعُكُمُ الإكْثارُ ونَحْنُ مُصِرُّونَ عَنِ الكُفْرِ لا نُقْلِعَ عَنْهُ.
فَكَمْ أنا لا أُصْغِي وأنْتَ تُطِيلُ.
فالضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ أيْضًا وسائِرُ ما في النَّظْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ المُرادَ أنَّهم عَضُّوا أيْدِيَهم غَيْظًا مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ مِن رُؤْيَةِ الرُّسُلِ وسَماعِ كَلامِهِمْ فالضَّمِيرانِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ واليَدُ والفَمُ عَلى حَقِيقَتِهِما والرَّدُّ كِنايَةً عَنِ العَضِّ ولا يُنافِي الحَقِيقَةَ كَوْنُ المَعْضُوضِ الأنامِلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ فَإنَّ مَن عَضَّ مَوْضِعًا مِنَ اليَدِ يُقالُ حَقِيقَةً إنَّهُ عَضَّ اليَدَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ تَعَجُّبًا مِمّا جاءَ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذا كَما يَضَعُ مَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ يَدَهُ عَلى فِيهِ فالضَّمِيرانِ وسائِرُ ما في النَّظْمِ كَما في القَوْلِ الثّانِي وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ في ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ إلى الكُفّارِ وفي ﴿أفْواهِهِمْ﴾ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنَّهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنِ اسْكُتُوا والآخَرُ أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَنعًا لَهم مِنَ الكَلامِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والكَلامُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً بِأنْ يُرادَ بِرَدِّ أيْدِي القَوْمِ إلى أفْواهِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَدَمُ قَبُولِ كَلامِهِمْ واسْتِماعِهِ مُشَبَّهًا بِوَضْعِ اليَدِ عَلى فَمِ المُتَكَلِّمِ لِإسْكاتِهِ وظاهِرُ ما في البَحْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ حَقِيقَةٌ حَيْثُ قالَ: إنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الرَّدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والنَّيْلِ مِنهم وأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ لِلْكُفّارِ وضَمِيرُ ﴿أفْواهِهِمْ﴾ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والأيْدِي جَمْعُ يَدٍ بِمَعْنى النِّعْمَةِ أيْ رَدُّوا نِعَمَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّتِي هي أجَلُّ النِّعَمِ مِن مَواعِظِهِمْ ونَصائِحِهِمْ وما أُوِحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ في أفْواهِهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مَثَلًا لِرَدِّها وتَكْذِيبِها بِأنْ يُشَبَّهَ رَدُّ الكُفّارِ ذَلِكَ بِرَدِّ الكَلامِ الخارِجِ مِنَ الفَمِ فَقِيلَ: رَدُّوا أيْدِيَهم أيْ مَواعِظَهم في أفْواهِهِمْ والمُرادُ عَدَمُ قَبُولِها وقِيلَ: المُرادُ بِالأيْدِي النِّعَمُ والضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا لَكِنَّ الضَّمِيرَ الثّانِيَ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى كَذَّبُوا ما جاءُوا بِأفْواهِهِمْ أيْ تَكْذِيبًا لا مُسْتَنَدَ لَهُ وفي بِمَعْنى الباءِ وقَدْ أثْبَتَ الفَرّاءُ مَجِيئَها بِمَعْناها وأنْشَدَ: .
وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سُنْبُسَ لَسْتُ أرْغَبُ
وضُعِّفَ حَمْلُ الأيْدِي عَلى النِّعَمِ بِأنَّ مَجِيئَها بِمَعْنى ذَلِكَ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى أنْكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ وإنْ كانَ الصَّحِيحُ خِلافَهُ والمَعْرُوفُ في ذَلِكَ الأيادِي كَما في قَوْلِهِ: .
صفحة 194
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتْ
وبِأنَّ الرَّدَّ والأفْواهَ يُناسِبُ إرادَةَ الجارِحَةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ والكَلامُ ضَرْبُ مَثَلٍ أيْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يُجِيبُوا والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا سَكَتَ عَنِ الجَوابِ وأمْسَكَ رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ ومِثْلُهُ عَنِ الأخْفَشِ.
وتَعَقَّبَهُ القُتْبِيُّ بِأنّا لَمْ نَسْمَعْ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَقُولُ رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ في فِيهِ إذا سَكَتَ وتَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ وفِيهِ أنَّهُما سَمِعا ذَلِكَ ومَن سَمِعَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَسْمَعْ قالَ أبُو حَيّانَ: وعَلى ما ذَكَراهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ كَأنَّ المُمْسِكَ عَنِ الجَوابِ السّاكِتِ عَنْهُ وضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ ورَدَّهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهم قَدْ أجابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ إلى آخِرِهِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُ القائِلِ أنَّهم أمْسَكُوا وسَكَتُوا عَنِ الجَوابِ المَرْضِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَجِيءُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ وهو الِاعْتِرافُ والتَّصْدِيقُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَجَوَّزَ في الأيْدِي ويُرادُ مِنها ما يَشْمَلُ أنْواعَ المُدافَعَةِ والمَعْنى رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ أيْ إلى ما قالُوا بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ وحاصِلُهُ أنَّهم لَمْ يَجِدُوا ما يَدْفَعُونَ بِهِ كَلامَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى التَّكْذِيبِ المَحْضِ وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي إذْ هي مَوْضِعُ أشَدِّ المُدافَعَةِ والمُرادَّةِ.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم جَعَلُوا أيْدِيَهم في مَحَلِّ ألْسِنَتِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهم آذَوُا الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِألْسِنَتِهِمْ نَحْوَ الإيذاءِ بِالأيْدِي والَّذِي يُطابِقُ المَقامَ وتَشْهَدُ لَهُ بَلاغَةُ التَّنْزِيلِ هو الوَجْهُ الأوَّلُ ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ الوَجْهُ القَوِيُّ لِأنَّهم لَمّا حاوَلُوا الإنْكارَ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلَّ الإنْكارِ جَمَعُوا في الإنْكارِ بَيْنَ الفِعْلِ والقَوْلِ ولِذا أتى بِالفاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمْ يُمْهِلُوا بَلْ عَقَّبُوا دَعْوَتَهم بِالتَّكْذِيبِ وصَدَّرُوا الجُمْلَةَ بِإنَّ ويَلِي ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ الوَجْهُ الثّانِي ولا يَخْفى ما في أكْثَرِ الوُجُوهِ الباقِيَةِ فَتَأمَّلْ ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ﴾ عَظِيمٍ ﴿مِمّا تَدْعُونَنا﴾ إلَيْهِ مَنِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وبِهَذا وتَفْسِيرِ ( ما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) بِما ذُكِرَ أوَّلًا يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ جَزْمِهِمْ بِالكُفْرِ وشَكِّهِمْ هَذا وقِيلَ في دَفْعِ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ مُتَعَلِّقِي الكُفْرِ والشَّكِّ واحِدًا: إنَّ الواوَ بِمَعْنى أوْ أيْ أحَدُ الأمْرَيْنِ لازِمٌ وهو إنّا كَفَرْنا جَزْمًا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ فَإنْ لَمْ نَجْزِمْ فَلا أقَلَّ مِن أنْ نَكُونَ شاكِّينَ فِيهِ وأيًّا ما كانَ فَلا سَبِيلَ إلى الإقْرارِ والتَّصْدِيقِ وقِيلَ: إنَّ الكُفْرَ عَدَمُ الإيمانِ عَمَّنْ هو مِن شَأْنِهِ فَكَفَرْنا بِمَعْنى لَمْ نُصَدِّقْ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وذَلِكَ لا يُنافِي الشَّكَّ وفي البَحْرِ أنَّهم بادَرُوا أوَّلًا إلى الكُفْرِ وهو التَّكْذِيبُ المَحْضُ ثُمَّ أخْبَرُوا أنَّهم في شَكٍّ وهو التَّرَدُّدُ كَأنَّهم نَظَرُوا بَعْضَ نَظَرٍ اقْتَضى أنِ انْتَقَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ المَحْضِ إلى التَّرَدُّدِ أوْ هُما قَوْلانِ مِن طائِفَتَيْنِ طائِفَةٌ بادَرَتْ بِالتَّكْذِيبِ والكُفْرِ وأُخْرى شَكَّتْ والشَّكُّ في مِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُفْرٌ وهَذا أوْلى مِن قَرِينِهِ وقَرَأ طَلْحَةُ ( مِمّا تَدْعُونا ) بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الضَّمِيرِ كَما تُدْغَمُ في نُونِ الوِقايَةِ في نَحْوِ أتُحاجُّونِّي.
﴿مُرِيبٍ﴾ . (9) . أيْ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ مِن أرابَنِي بِمَعْنى أوْقَعَنِي في رِيبَةٍ أوْ ذِي رِيبَةٍ مِن أرابَ صارَ ذا رِيبَةٍ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وعَدَمُ اطْمِئْنانِها بِالشَّيْءِ وهو صِفَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences