Al-AlusiAl‑Hijr · 15:13–17

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:13–17

15:13Page 262

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلذِّكْرِ أيْضًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أيْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِهِ، وهي إمّا مُقَدَّرَةٌ وإمّا مُقارَنَةٌ عَلى مَعْنى أنَّ الإلْقاءَ وقَعَ بَعْدَهُ الكُفْرُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ فَهُما في زَمانٍ واحِدٍ عُرْفًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالَ في الكَشْفِ: وهو الأوْجَهُ لِأنَّ في طَرِيقَةِ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ لا سِيَّما في هَذا المَقامِ ما يُجِلُّ مَوْقِعَ الكَلامِ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ قَدْ جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ لِلِاسْتِهْزاءِ المَفْهُومِ مِن ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَتَتَعَيَّنُ البَيانِيَّةُ إلّا أنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ (بِهِ) لَهُ أيْضًا عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ أيْ يَسْلُكُ الِاسْتِهْزاءُ في قُلُوبِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِمُلابَسَةِ الِاسْتِهْزاءِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى جَوازِ إرْجاعِ الضَّمِيرَيْنِ إلى الِاسْتِهْزاءِ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وكَذا الفاضِلُ الجَلْبِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُغْنِي عَنْ رَدِّهِ. وذَهَبَ البَيْضاوِيُّ إلى كَوْنِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلِاسْتِهْزاءِ وضَمِيرِ (بِهِ) لِلذِّكْرِ، وتَفْرِيقُ الضَّمائِرِ المُتَعاقِبَةِ عَلى الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ إذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِبِدَعٍ في القُرْآنِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا كَوْنُ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ ( المُجْرِمِينَ ) ولا يَتَعَيَّنُ كَوْنُها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِيَتَعَيَّنَ رُجُوعُهُ لِلذِّكْرِ، وذُكِرَ أنَّ عَوْدَهُ عَلى الِاسْتِهْزاءِ لا يُنافِي كَوْنَها مُفَسِّرَةً بَلْ يُقَوِّيهِ إذْ عَدَمُ الإيمانِ بِالذِّكْرِ أنْسَبُ بِتَمَكُّنِ الِاسْتِهْزاءِ في قُلُوبِهِمْ، وجَعْلُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى يُوجِدُ الباطِلَ في قُلُوبِهِمْ فَفِيها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ قَبِيحٌ فَلا يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ، وكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ظَنَّ أنَّ ما فَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَعْلِ الضَّمِيرَيْنِ لِلذِّكْرِ كانَ رِعايَةً لِمَذْهَبِهِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يُصِبِ المَحَزَّ وغَفَلَ عَنْ قَوْلِهِمُ: الدَّلِيلُ إذا طَرَقَهُ الِاحْتِمالُ بَطَلَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ.

وفِي الكَشْفِ بَعْدَ كَلامٍ أنَّ رَجْعَ الضَّمِيرِ إلى الِاسْتِهْزاءِ أوِ الكُفْرِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ لا يُنْكِرُهُ أهْلُ الِاعْتِزالِ إلّا كَإنْكارِ سَلْكِ الذِّكْرِ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ والتَّأْوِيلِ كالتَّأْوِيلِ، وكَأنَّهم غَفَلُوا عَمّا ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ في الشُّعَراءِ حَيْثُ أجابَ عَنْ سُؤالِ إسْنادِ سَلْكِ الذِّكْرِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ إلى نَفْسِهِ جَلَّ وعَلا بِأنَّ المُرادَ تَمَكُّنُهُ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ كَشَيْءٍ جُبِلُوا عَلَيْهِ ولُخِّصَ المَعْنى هاهُنا بِأنَّهُ تَعالى يُلْقِيهِ في قُلُوبِهِمْ مُكَذَّبًا لا أنَّ التَّكْذِيبَ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ.

نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ والحَسَنِ تَفْسِيرَ ضَمِيرِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ إلى الشِّرْكِ، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هم كَما قالَ اللَّهُ تَعالى هو أضَلَّهم ومَنَعَهُمُ الإيمانَ لَكِنَّ هَذا أمْرٌ وما نَحْنُ فِيهِ آخَرُ، واعْتَرَضَ بَعْضُهم رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى ( الذِّكْرَ ) بِأنَّ نُونَ العَظَمَةِ لا تُناسِبُ ذَلِكَ فَإنَّها إنَّما تَحْسُنُ إذا كانَ فِعْلُ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ فِعْلًا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ قَوِيٌّ ولَيْسَ كَذَلِكَ هُنا فَإنَّهُ تَدافَعَ وتَنازَعَ فِيهِ. وأجابَ بِأنَّ المَقامَ إذا كانَ لِلتَّوْبِيخِ يَحْسُنُ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ العَظَمَةُ بِاعْتِبارِ القَهْرِ والغَلَبَةِ فَقَدْ تَكُونُ بِاعْتِبارِ اللُّطْفِ والإحْسانِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ بِقَوْلِهِ: لا يَخْفى أنَّهُ بِاعْتِبارِ القَهْرِ والغَلَبَةِ يَقْتَضِي أنْ يُؤَثِّرَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ

صفحة 19

بِهِ، وكَذا بِاعْتِبارِ اللُّطْفِ والإحْسانِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ سَلْكُهُ في قُلُوبِهِمْ إنْعامًا عَلَيْهِمْ فَأيُّ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ بِما يَقْتَضِي الغَضَبَ فَلا وجْهَ لِما ذُكِرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ سَلْكَ ذَلِكَ وتَمْكِينَهُ في قُلُوبِهِمْ مُكَذَّبًا بِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَكَوْنُ الإسْنادِ بِاعْتِبارِ القَهْرِ والغَلَبَةِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، والأثَرُ الظّاهِرُ القَوِيُّ لِذَلِكَ بَقاؤُهم عَلى الكُفْرِ والإصْرارِ عَلى الضَّلالِ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ، ولا يَخْفى ما في ( كَذَلِكَ ) مِمّا يُناسِبُ نُونَ العَظَمَةِ أيْضًا وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ (وقَدْ خَلَتْ) مَضَتْ ﴿سُنَّةُ﴾ طَرِيقَةُ ﴿الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ عادَةُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ عَلى أنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لا عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى فِي، والمُرادُ بِتِلْكَ العادَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ لِلِاسْتِهْزاءِ الخُذْلانُ وسَلْكُ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ أنْ قَدْ مَضَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأوَّلِينَ مِمَّنْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ يَخْذُلَهم ويَسْلُكَ الكُفْرَ والِاسْتِهْزاءَ في قُلُوبِهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لِلذِّكْرِ الإهْلاكُ، وعَلى هَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ أيْ مَضَتْ طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي سَنَّها اللَّهُ تَعالى في إهْلاكِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا بِرُسُلِهِمْ والمُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ، وذَكَرَ أنَّهُ وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وادَّعى الإمامُ أنَّهُ الألْيَقُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ وبَيَّنَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ قائِلًا: إنَّ التَّعْرِيفَ في ( المُجْرِمِينَ ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ المُكَذِّبُونَ مِن قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ بَعْدَ أنْ مَثَّلَ ذَلِكَ السَّلْكَ الَّذِي سَلَكْناهُ في قُلُوبِ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ الماضِينَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ فَلَكَ أُسْوَةٌ بِالرُّسُلِ الماضِيَةِ مَعَ أُمَمِهِمُ المُكَذِّبَةِ، ولَسْتُ بِأوْحَدِيٍّ في ذَلِكَ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ، والمَقامُ يَقْتَضِي التَّقْرِيرَ والتَّأْكِيدَ فَيَكُونُ في هَذا مَزِيدُ تَسْلِيَةٍ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والوَعِيدُ بِعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لِإهْلاكِ الأُمَمِ ذِكْرٌ، وإيثارُ ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ اه. وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ مَغْزى الزَّمَخْشَرِيِّ، وقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ حَيْثُ قالَ: أرادَ أنَّ مَوْقِعَ ( قَدْ خَلَتْ ) إلى آخِرِهِ مَوْقِعَ الغايَةِ في الشُّعَراءِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى هُنالِكَ: ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ . فَإنَّهم لَمّا شُبِّهُوا بِهِمْ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ وقَدْ هَلَكَ مَن قَبْلَهم ولَمْ يُؤْمِنُوا فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ شَدِيدُ المُلاءَمَةِ، وأمّا أنَّ الوَعِيدَ بَعِيدٌ لِعَدَمِ سَبْقِ ذِكْرٍ لِإهْلاكِ الأُمَمِ فَفِيهِ أنَّ لَفْظَ السُّنَّةِ مُضافًا إلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْباءِ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدَ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وقَدْ صَرَّحَ أيْضًا بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافِيَّةٌ جِيءَ بِها تَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، ثُمَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ المُرادِ بِالسُّنَّةِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَدْ خَلَتْ وقائِعُ اللَّهِ تَعالى فِيمَن خَلا مِنَ الأُمَمِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ سُنَّتُهم في التَّكْذِيبِ، ولَعَلَّ الإضافَةَ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِها.

15:14Page 262

وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ المُعانِدِينَ ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ ظاهِرُهُ بابًا ما لا بابًا مِن أبْوابِها المَعْهُودَةِ كَما قِيلَ: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ البابِ ﴿يَعْرُجُونَ﴾ يَصْعَدُونَ حَسْبَما نُيَسِّرُهُ لَهم فَيَرَوْنَ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والعَجائِبِ طُولَ نَهارِهِمْ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَهُ كَما يُفِيدُهُ- ظَلُّوا- لِأنَّهُ يُقالُ ظَلَّ يَعْمَلُ كَذا وإذا فَعَلَهُ في النَّهارِ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّخْصِ ظِلٌّ، وجُوِّزَ في البَحْرِ كَوْنُ ظَلَّ بِمَعْنى صارَ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُقْتَرِحِينَ، وهو الظّاهِرُ المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجَبائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لِلْمَلائِكَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا

صفحة 20

أيْ فَظَلَّ المَلائِكَةُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا إتْيانَهم يَعْرُجُونَ في ذَلِكَ البابِ وهم يَرَوْنَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ «يَعْرِجُونَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ في العُرُوجِ بِمَعْنى الصُّعُودِ

15:15Page 262

لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

﴿لَقالُوا﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ وتَفادِيهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ أيْ سُدَّتْ ومُنِعَتْ مِنَ الإبْصارِ حَقِيقَةً وما نَراهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ،ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ فَهو مِنَ السَّكْرِ بِالفَتْحِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: بِالكَسْرِ السَّدُّ والحَبْسُ، وقالَ ابْنُ السَّيِّدِ: السَّكْرُ بِالفَتْحِ سَدُّ البابِ والنَّهْرِ وبِالكَسْرِ السَّدُّ نَفْسُهُ ويُجْمَعُ عَلى سُكُورٍ، قالَ الرَّفّاءُ:

غِناؤُنا فِيهِ ألْحانُ السُّكُورِ إذا قَلَّ الغِناءُ ورَنّاتُ النَّواعِيرِ

ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ «سُكِرَتْ أبْصارُنا» بِتَخْفِيفِ الكافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ سَكِرَ المُخَفَّفَ المُتَعَدِّي اشْتُهِرَ في مَعْنى السَّدِّ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ المُرادَ حُيِّرَتْ فَهو مِنَ السُّكْرِ بِالضَّمِّ ضِدَّ الصَّحْوِ، وفَسَّرُوهُ بِأنَّهُ حالَةٌ تَعْرِضُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في الشَّرابِ وقَدْ يَعْتَرِي مِنَ الغَضَبِ والعِشْقِ، ولِذا قالَ الشّاعِرُ:

سَكْرانُ سُكْرَ هَوًى وسُكْرَ مُدامَةٍ ∗∗∗ أنّى يُفِيقُ فَتًى بِهِ سَكْرانُ

والتَّشْدِيدُ في ذَلِكَ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ سَكِرَ كَفَرِحَ لازِمٌ في الأشْهُرِ وقَدْ حُكِيَ تَعَدِّيهِ فَيَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ، وأرادُوا بِذَلِكَ أنَّهُ فَسَدَتْ أبْصارُنا واعْتَراها خَلَلٌ في إحْساسِها كَما يَعْتَرِي عَقْلَ السَّكْرانِ ذَلِكَ فَيَخْتَلُّ إدْراكُهُ فَفي الكَلامِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ وكَذا عَلى الأوَّلِ عِنْدَ بَعْضٍ ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ «سَكِرَتْ» بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ مُخَفَّفَةً مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لِأنَّ الثُّلاثِيَّ اللّازِمَ مَشْهُورٌ فِيهِ ولِأنَّ سَكَرَ بِمَعْنى سَدَّ المَعْرُوفُ فِيهِ فَتْحُ الكافِ.

واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى سَكَنَتْ عَنْ إبْصارِ الحَقائِقِ مِن سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكِرُ سَكْرًا إذا رَكَدَتْ ويُقالُ: لَيْلَةٌ ساكِرَةٌ لا رِيحَ فِيها والتَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ ولَهم أقْوالٌ أُخَرُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ وحُمِلَتْ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ عَلى التَّفْسِيرِ سُحِرَتْ أبْصارُنا ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ سائِرِ الآياتِ الباهِرَةِ، والظّاهِرُ عَلى ما قالَ القُطْبُ إنَّهم أرادُوا أوَّلًا سُكِّرَتْ أبْصارُنا لا عُقُولُنا فَنَحْنُ وإنْ تَخَيَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ بِأبْصارِنا لَكِنْ نَعْلَمُ بِعُقُولِنا أنَّ الحالَ بِخِلافٍ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنِ الحَصْرِ في الإبْصارِ وقالُوا: بَلْ تَجاوَزَ ذَلِكَ إلى عُقُولِنا، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَصْرَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا تَسْكِيرًا فَأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ ( إنَّما ) تُفِيدُ الحَصْرَ في المَذْكُورِ آخِرًا وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى ما تَقَدَّمَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ المَقْصُودِ عَلى المَقْصُورِ عَلَيْهِ لازِمٌ وخِلافُهُ مُمْتَنِعٌ، وقَدْ قالَ المُحَقِّقَ في شَرْحِ التَّخْلِيصِ إنَّهُ يَجُوزُ إذا كانَ نَفْسُ التَّقْدِيمِ يُفِيدُ الحَصْرَ كَما في قَوْلِنا: إنَّما زِيدًا ضَرَبْتُ فَإنَّهُ لِقَصْرِ الضَّرْبِ عَلى زَيْدٍ، وقالَ أبُو الطَّيِّبِ:

صِفاتُهُ لَمْ تَزِدْهُ مَعْرِفَةً ∗∗∗ لَكِنَّها لَذَّةٌ ذَكَرْناها

أيْ ما ذَكَرْناها إلّا لَذَّةً إلّا أنَّ هَذا لا يَنْفَعُ فِيما نَحْنُ فِيهِ. نَعَمْ نُقِلَ عَنْ عَرُوسِ الأفْراحِ أنَّ حُكْمَ أهْلِ المَعانِي غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإنَّ قَوْلَكَ: إنَّما قُمْتُ مَعْناهُ لَمْ يَقَعْ إلّا القِيامُ فَهو لِحَصْرِ الفِعْلِ ولَيْسَ بِآخَرَ ولَوْ قُصِدَ حَصْرُ الفاعِلِ لانْفَصَلَ، ثُمَّ أوْرَدَ عِدَّةَ أمْثِلَةٍ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ تَدُلُّ عَلى ما ذَكَرُوهُ في المَسْألَةِ، فالظّاهِرُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لا يَرى ما قالُوهُ مُطَّرِدًا وهم قَدْ غَفَلُوا عَنْ مُرادِهِ هُنا قالَهُ الشِّهابُ، وما نَقَلَهُ عَنْ عَرُوسِ الأفْراحِ في إنَّما قُمْتُ مِن أنَّهُ

صفحة 21

لِحَصْرِ الفِعْلِ ولَوْ كانَ لِحَصْرِ الفاعِلِ لانْفَصَلَ يُخالِفُهُ ما في شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ مِن أنَّهُ إذا أُرِيدَ حَصْرُ الفِعْلِ في الفاعِلِ المُضْمِرِ فَإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الفِعْلِ شَيْءٌ مِن مُتَعَلِّقاتِهِ وجَبَ انْفِصالُ الفاعِلِ وتَأْخِيرُهُ كَما في قَوْلِكَ: إنَّما ضَرَبَ اليَوْمَ أنا، وكَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارُ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحِسابِهِمْ أنا أوْ مِثْلِي

وإنْ لَمْ يُذْكَرِ احْتَمَلَ الوُجُوبُ طَرْدًا لِلْبابِ وعَدَمُهُ بِأنْ يَجُوزَ الِانْفِصالُ نَظَرًا إلى المَعْنى والِاتِّصالِ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ إذْ لا فاصِلَ لَفْظِيًّا اه فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ إنَّما قُمْتُ لِحَصْرِ الفاعِلِ وإنْ لَمْ يَجِبِ الِانْفِصالُ لَكِنِ اخْتارَ السَّعْدُ في شَرْحِهِ وُجُوبَ الِانْفِصالِ مُطْلَقًا وحَكَمَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَعْنى إنَّما أقُولُ ما أنا إلّا أقُومُ كَما نَقَلَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ. وأبُو حَيّانَ مَعَ طائِفَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ النُّحاةِ أنْكَرُوا إفادَةَ إنَّما لِلْحَصْرِ أصْلًا ولَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لَكِنَّهم قالُوا: إنَّها قَدْ تَأْتِي لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ. ووَجَّهَ الشِّهابُ الإضْرابَ بَعْدَ أنْ قالَ هو جَعْلُ الأوَّلِ في حُكْمِ المَسْكُوتِ عَنْهُ دُونَ النَّفْيِ ويَحْتَمِلُ الثّانِي بِأنَّهُ إضْرابٌ لِأنَّ هَذا لَيْسَ بِواقِعٍ في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ بِطَرِيقِ السِّحْرِ أوْ هو بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ مِنَ الِاسْتِمْرارِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ أيْ مَسْحُورَيِّتُنا لا تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الحالَةِ بَلْ نَحْنُ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْها في كُلِّ ما يُرِينا مِنَ الآياتِ، هَذا وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن وصْفِهِمْ بِالعِنادِ وتُواطُئِهِمْ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والفَسادِ ما لا يَخْفى، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ الأُولى، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في المُرادِ مِنها وجْهًا بَعِيدًا جِدًّا فِيما أرى فَقالَ: المُرادُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى المُكَذِّبِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَكَ القُرْآنَ في قُلُوبِهِمْ وأدْخَلَهُ في سُوَيْدائِها كَما سَلَكَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَكَذَّبَ بِهِ هَؤُلاءِ وصَدَّقَ بِهِ هَؤُلاءِ كُلٌّ عَلى عِلْمٍ وفَهْمٍ لِيَهْلَكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةِ ولِئَلّا يَكُونَ لِلْكَفّارِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ بِأنَّهم ما فَهِمُوا وجْهَ الإعْجازِ كَما فَهِمَها مَن آمَنَ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى- وهم في مُهْلَةٍ وإمْكانٍ- أنَّهم ما كَفَرُوا إلّا عَلى عِلْمٍ مُعانِدِينَ باغِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ أيْ هَؤُلاءِ فَهِمُوا القُرْآنَ وعَلِمُوا وُجُوهَ إعْجازِهِ ووَلَجَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ووَقَرَ ولَكِنَّهم قَوْمٌ سَجِيَّتُهُمُ العِنادُ وسَمْتُهُمُ اللِّدادُ حَتّى لَوْ سَلَكَ بِهِمْ أوْضَحَ السُّبُلِ وأدْعاها إلى الإيمانِ لَقالُوا بَعْدَ الإيضاحِ العَظِيمِ: إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا وسُحِرْنا وما هَذِهِ إلّا خَيالاتٌ لا حَقائِقَ تَحْتَها فَأسْجَلَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم لا عُذْرَ لَهم بِالتَّكْذِيبِ مِن عَدَمِ سَماعٍ ووَعْيٍ ووُصُولٍ إلى القُلُوبِ وفَهْمٍ كَما فَهِمَ غَيْرُهم مِنَ المُصَدِّقِينَ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا لَهم ولَيْسَ بِهِمْ إلّا العِنادُ والإصْرارُ لا غَيْرَ اه فَلْيُتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ،

15:16Page 263

وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦

And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وكانَتْ مُفَرَّعَةً عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ دَلائِلَهُ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ إلَخْ وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ وغَيْرُهُ في وجْهِ الرَّبْطِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ رَأوُا الآيَةَ المَطْلُوبَةَ في السَّماءِ لَعانَدُوا وبَقَوْا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قالَ: وإنَّ في السَّماءِ لَعِبْرًا مَنصُوبَةً غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُورَةِ وكُفْرُهم بِها وإعْراضُهم عَنْها إصْرارٌ مِنهم وعُتُوٌّ اهـ والظّاهِرُ أنَّ الجَعْلَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإبْداعِ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ وبُرُوجًا مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ وهو لُغَةُ القَصْرِ والحِصْنِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا عَطِيَّةُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ:

صفحة 22

جَعَلْنا قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وأخْرَجَ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ الكَواكِبُ العِظامُ.

وفِي البَحْرِ عَنْهُ الكَواكِبُ السَّيّارَةُ ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها الكَواكِبُ مِن غَيْرِ قَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ المَشْهُورَةِ وهي سِتَّةٌ شَمالِيَّةٌ ثَلاثَةٌ رَبِيعِيَّةٌ وثَلاثَةٌ صَيْفِيَّةٌ وأوَّلُها الحَمَلُ وسِتَّةٌ جَنُوبِيَّةٌ ثَلاثَةٌ خَرِيفِيَّةٌ وثَلاثَةٌ شِتائِيَّةٌ وأوَّلُها المِيزانُ وطُولُ كُلِّ بُرْجٍ عِنْدَهم ل دَرَجَةً وعَرْضُهُ قِفْ دَرَجَةً ص مِنها في جِهَةِ الشَّمالِ ومِثْلُها في جِهَةِ الجَنُوبِ وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كالحِصْنِ أوِ القَصْرِ لِلْكَوْكَبِ الحالِّ فِيها وهي في الحَقِيقَةِ أجْزاءُ الفَلَكِ الأعْظَمِ وهو المُحَدَّدُ المُسَمّى بِلِسانِهِمُ الفَلَكُ الأطْلَسُ وفَلَكُ الأفْلاكِ وبِلِسانِ الشَّرْعِ بِعَكْسِهِ ولِهَذا يُسَمِّي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ الفَلَكَ الأطْلَسَ بِفَلَكِ البُرُوجِ والمَشْهُورُ تَسْمِيَةُ الفَلَكِ الثّامِنِ وهو فَلَكُ الثَّوابِتِ بِهِ لِاعْتِبارِهِمُ الِانْقِسامَ فِيهِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِظُهُورٍ ما تَتَعَيَّنُ بِهِ الأجْزاءُ مِنَ الصُّوَرِ فِيهِ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنها مُنْتَقِلًا عَمّا عَيَّنَهُ إلى آخَرَ مِنها لِثُبُوتِ الحَرَكَةِ الذّاتِيَّةِ لِلثَّوابِتِ عَلى خِلافِ التَّوالِي وإنْ لَمْ يُثْبِتْها لَها لِعَدَمِ الإحْساسِ بِها قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ كَما لَمْ يُثْبِتِ الأكْثَرُونَ حَرَكَتَها عَلى نَفْسِها وأثْبَتَها الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ المُسَمّاةَ بِالأسْماءِ المَعْلُومَةِ تُوُهِّمَتْ عَلى المِنطَقَةِ وما يَقْرُبُ مِنها مِنَ الجانِبَيْنِ مِن كَواكِبَ ثابِتَةٍ تُنَظِّمُها خُطُوطٌ مَوْهُومَةٌ وقَعَتْ وقْتَ القِسْمَةِ في تِلْكَ الأقْسامِ ونُقِلَ ذَلِكَ في الكِفايَةِ عَنْ عامَّةِ المُنَجِّمِينَ وأنَّهم إنَّما تَوَهَّمُوا لِكُلِّ قِسْمِ صُورَةً لِيَحْصُلَ التَّفْهِيمُ والتَّعْلِيمُ بِأنْ يُقالَ: الدَّبَرانُ مَثَلًا عَيْنُ الأسَدِ.

وتُعِقِّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ عِنْدِي لِأنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ لَوْ كانَتْ وهْمِيَّةً لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ في أمْثالِها مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قالَ بَطْلَيْمُوسُ في الثَّمَرَةِ الصُّوَرُ الَّتِي في عالَمِ التَّرْكِيبِ مُطِيعَةٌ لِلصُّوَرِ الفَلَكِيَّةِ إذْ هي في ذَواتِها عَلى تِلْكَ الصُّوَرِ فَأدْرَكَتْها الأوْهامُ عَلى ما هي عَلَيْهِ وفِيهِ بَحْثٌ ثُمَّ هَذِهِ البُرُوجُ مُخْتَلِفَةُ الآثارِ والخَواصِّ بَلْ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن كُلٍّ مِنها وإنْ كانَ أقَلَّ مِن عاشِرَةٍ بَلْ أقَلَّ الأقَلِّ آثارٌ تُخالِفُ آثارَ الجُزْءِ الآخَرِ وكُلُّ ذَلِكَ آثارُ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في بَعْضِ كُتُبِهِ أنَّ آثارَ النُّجُومِ وأحْكامَها مُفاضَةٌ عَلَيْها مِن تِلْكَ البُرُوجِ المُعْتَبَرَةِ في المُحَدَّدِ.

وفِي الفَصْلِ الثّالِثِ مِنَ البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ والثَّلاثِمِائَةِ مِن فُتُوحاتِهِ ما مِنهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَمَ الفَلَكَ الأطْلَسَ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا سَمّاها بُرُوجًا وأسْكَنَ كُلَّ بُرْجٍ مِنها مَلَكًا وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ أئِمَّةُ العالَمِ وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنهم ثَلاثِينَ خِزانَةً تَحْتَوِي كُلٌّ مِنها عَلى عُلُومٍ شَتّى يَهَبُونَ مِنها لِلنّازِلِ بِهِمْ قَدْرَ ما تُعْطِيهِ رُتْبَتُهُ وهي الخَزائِنُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها:

﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ وتُسَمّى عِنْدَ أهْلِ التَّعالِيمِ بِدَرَجاتِ الفَلَكِ والنّازِلُونَ بِها هُمُ الجَوارِي والمَنازِلُ وعِيُوقاتُها مِنَ الثَّوابِتِ والعُلُومُ الحاصِلَةُ مِن تِلْكَ الخَزائِنِ الإلَهِيَّةِ هي ما يَظْهَرُ في عامِّ الأرْكانِ مِنَ التَّأْثِيراتِ بَلْ ما يَظْهَرُ في مُقَعَّرِ فَلَكِ الثَّوابِتِ إلى الأرْضِ إلى آخِرِ ما قالَ، وقَدْ أطالَ قُدِّسَ سِرُّهُ الكَلامَ في هَذا البابِ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ المُحَدِّثِينَ نَقَلَةِ الدِّينِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، ثُمَّ إنَّ في اخْتِلافِ خَواصِّ البُرُوجِ حَسْبَما تَشْهَدُ بِهِ التَّجْرِبَةُ مَعَ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن بَساطَةِ السَّماءِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ جَلَّ جَلالُهُ.

﴿وزَيَّنّاها﴾ أيِ السَّماءَ بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ السَّيّاراتِ وغَيْرِها وهي كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ تَعالى. نَعَمِ المَرْصُودُ مِنها ألْفٌ ونَيِّفٌ وعِشْرُونَ رَتَّبُوها عَلى سِتِّ مَراتِبَ وسَمُّوها أقْدارًا مُتَزايِدَةً سُدْسًا حَتّى

صفحة 23

كانَ قُطْرُ ما في القَدْرِ الأوَّلِ سِتَّةَ أمْثالِ ما في القَدْرِ السّادِسِ وجَعَلُوا كُلَّ قَدْرٍ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ وما دُونُ السّادِسِ لَمْ يُثْبِتُوهُ في المَراتِبِ بَلْ إنْ كانَ كَقِطْعَةِ السَّحابِ يُسَمُّونَهُ سَحابِيًّا وإلّا فَمُظْلِمًا، وذُكِرَ في الكِفايَةِ أنَّ ما كانَ مِنها في القَدْرِ الأوَّلِ فَجِرْمُهُ مِائَةٌ وسِتَّةٌ وخَمْسُونَ مَرَّةً ونِصْفُ عُشْرِ الأرْضِ. وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أصْغَرَ النُّجُومِ كالجَبَلِ العَظِيمِ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِلْبُرُوجِ لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها والأقْرَبُ في اللَّفْظِ، والجُمْهُورُ عَلى ما ذَكَرْنا حَذَرًا مِنَ انْتِشارِ الضَّمِيرِ ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ بِأبْصارِهِمْ إلَيْها كَما قالَهُ بَعْضُهم لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلتَّزْيِينِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّزْيِينِ تَرْتِيبُها عَلى نِظامٍ بَدِيعٍ مُسْتَتْبَعًا لِلْآثارِ الحَسَنَةِ فَيُرادُ بِالنّاظِرِينَ المُتَفَكِّرُونَ المُسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَةٍ مُقَدِّرُها وحِكْمَةٍ مُدَبِّرُها جَلَّ شَأْنُهُ

15:17Page 263

وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧

And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]

﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ مَطْرُودٍ عَنِ الخَيْراتِ، ويُطْلَقُ الرَّجْمُ عَلى الرَّمْيِ بِالرِّجامِ وهي الحِجارَةُ، فالمُرادُ بِالرَّجِيمِ المَرْمِيُّ بِالنُّجُومِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الإهْلاكِ والقَتْلِ الشَّنِيعِ، والمُرادُ بِحِفْظِها مِنَ الشَّيْطانِ إمّا مَنعُهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها عَلى الإطْلاقِ والوُقُوفُ عَلى ما فِيها في الجُمْلَةِ فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском