Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:20–26
15:20Page 263
وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠
And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.1
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ وغَيْرِها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ البَقاءُ وهي بِياءٍ صَرِيحَةٍ. وقَرَأ الأعْرَجُ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ بِالهَمْزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ تَرْكُهُ لِأنَّ الياءَ في ذَلِكَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، والقِياسُ في مِثْلِهِ أنْ لا يُبْدَلَ هَمْزَةً وإنَّما يُبْدَلُ إذا كانَ زائِدًا كَياءِ شَمائِلَ وخَبائِثَ. لَكِنْ لَمّا كانَ الياءُ هُنا مُشابِهًا لِلْياءِ هُناكَ في وُقُوعِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ زائِدَةٍ في الجَمْعِ عُومِلَ مُعامَلَتَهُ عَلى خِلافِ القِياسِ ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعايِشَ أيْ وجَعَلْنا لَكم مَن لَسْتُمْ بِرازِقِيهِ مِنَ العِيالِ والمَمالِيكِ والخَدَمِ والدَّوابِّ وما أشْبَهَها عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وذَكَرَهَمْ بِهَذا العُنْوانِ لِرَدِّ حُسْبانِ بَعْضِ الجَهَلَةِ أنَّهم يَرْتَزِقُونَ مِنهم أوْ لِتَحْقِيقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْزُقُهم وإيّاهم مَعَ ما في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ الِامْتِنانِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَحَلِّ ( لَكم ) وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ ويُونُسُ والأخْفَشُ. وصَحَّحَهُ أبُو حَيّانَ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وإنْ لَمْ يَعُدِ الجارُّ، والمَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ سَواءٌ أيْ وجَعَلَنا لَكم مُعايِشَ ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ ( مَن ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ وأعَشْنا مَن لَسْتُمْ إلَخْ أيْ أُمَمًا غَيْرَكم لِأنَّ المَعْنى أعَشْناكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ جَعْلَنا لَهُ فِيها مَعايِشَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ أجازُوا ضَرَبْتُ زَيْدًا وعَمْرٌو بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ وعَمْرٌو ضَرَبْتُهُ فَحُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِـ (مَن لَسْتُمْ) إلَخِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وعَنْ مَنصُورٍ الوَحْشُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ ذاكَ والطَّيْرُ- فَمَن- عَلى هَذِهِ الأقْوالِ لِما لا يَعْقِلُ
15:21Page 263
وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١
And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ﴾ (إنْ) نافِيَةٌ
صفحة 30
(ومِن) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ (وشَيْءٍ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ما شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ قُصُورٌ. وزَعَمَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ أنَّ الشَّيْءَ هُنا المَطَرُ خاصَّةً.
﴿إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ (وخَزائِنُهُ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى أنَّهُ فاعِلُهُ لِاعْتِمادِهِ أوْ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ ولا تُفْتَحُ وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأمْوالِ لا غَيْرَ غُلِبَتْ- عَلى ما قِيلَ- في العُرْفِ عَلى ما لِلْمُلُوكِ والسَّلاطِينِ مِن خَزائِنِ أرْزاقِ النّاسِ، شُبِّهَتْ مَقْدُوراتُهُ تَعالى الغائِبَةُ لِلْحُصْرِ المُنْدَرِجَةُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ في كَوْنِها مَسْتُورَةً عَنْ عُلُومِ العالَمِينَ ومَصُونَةً عَنْ وُصُولِ أيْدِيهِمْ مَعَ وُفُورِ رَغْبَتِهِمْ فِيها وكَوْنِها مُتَهَيِّئَةً مُتَأتِّيَةً لِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ بِحَيْثُ مَتى تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِوُجُودِها وُجِدَتْ بِلا تَأخُّرٍ بِنَفائِسِ الأمْوالِ المَخْزُونَةِ في الخَزائِنِ السُّلْطانِيَّةِ فَذِكْرُ الخَزائِنِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ اقْتِدارَهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإيجادَهُ لِما يَشاءُ بِالخَزائِنِ المُودَعَةِ فِيها الأشْياءُ المُعَدَّةُ لِأنْ يَخْرُجَ مِنها ما شاءَ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والمُرادُ ما مِن شَيْءٍ إلّا ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وقِيلَ: الأنْسَبُ أنَّهُ مَثَلٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّ مَعْلُومٍ، ووَجْهُهُ- عَلى ما قِيلَ- أنَّهُ يَبْقى (شَيْءٍ) عَلى عُمُومِهِ لِشُمُولِهِ الواجِبَ والمُمْكِنَ بِخِلافِ القُدْرَةِ ولِأنَّ (عِنْدَ) أنْسَبُ بِالعِلْمِ لِأنَّ المَقْدُورَ لَيْسَ عِنْدَهُ إلّا بَعْدَ الوُجُودِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ المَقْدُوراتِ في خَزّانِ القُدْرَةِ لَيْسَ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ بَلِ الوُجُودِ العِلْمِيِّ، وقالَ قَوْمٌ: الخَزائِنُ عَلى حَقِيقَتِها وهي الأماكِنُ الَّتِي تُحْفَظُ فِيها الأشْياءُ وإنَّ لِلرِّيحِ مَكانًا ولِلْمَطَرِ مَكانًا ولِكُلِّ مَكانٍ حَفَظَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُمْكِنُ مَعَ تَعْمِيمِ الشَّيْءِ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ أيْ نُوجِدُ ما نُكَوِّنُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ مُلْتَبِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلّا مُلْتَبِسًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَشِيئَةُ التّابِعَةُ لَها مِن بَيْنِ المَقْدُوراتِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ فَإنَّ تَخْصِيصَ كُلِّ شَيْءٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ وقَدْرٍ مُعَيَّنٍ ووَقْتٍ مَحْدُودٍ دُونَ ما عَدا ذَلِكَ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الأشْكالِ وصِحَّةِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن حِكْمَةٍ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِما اخْتَصَّ بِهِ.
وهَذا لِبَيانِ سِرِّ عَدَمِ تَكَوُّنِ الأشْياءِ عَلى وجْهِ الكَثْرَةِ حَسْبَما هو في الخَزائِنِ، وهو إمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ إلى آخِرِهِ أوْ حالٍ مِمّا سَبَقَ أيْ عِنْدَنا خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ، والحالُ أنّا ما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ إلى آخِرِهِ، فالأوَّلُ لِبَيانِ سِعَةِ القُدْرَةِ، والثّانِي لِبَيانِ بالِغِ الحِكْمَةِ قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «وما نُرْسِلُهُ إلّا» إلى آخِرِهِ، وهي عَلى ما في البَحْرِ قِراءَةُ تَفْسِيرٍ لِمُخالَفَتِها لِسَوادِ المُصْحَفِ، والأوْلى في التَّفْسِيرِ ما ذَكَرْنا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ إيجادِ ذَلِكَ وإنْشائِهِ بِالتَّنْزِيلِ لِما أنَّهُ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ إلى العالَمِ السُّفْلِيِّ وقِيلَ: لِما أنَّ فِيهِ إخْراجَ الشَّيْءِ مِمّا تَمِيلُ إلَيْهِ ذاتُهُ مِنَ العَدَمِ إلى ما لا تَمِيلُ إلَيْهِ ذاتُهُ مِنَ الوُجُودِ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ وكَأنَّ مَن حَمَلَ الشَّيْءَ عَلى المَطَرِ غَرَّهُ ظاهِرُ التَّنْزِيلِ فارْتَكَبَ خِلافَ ظاهِرِهِ جِدًّا، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عُبِّرَ عَنْهُ بِالتَّنْزِيلِ، وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُ القائِلِينَ بِشَيْئِيَّةِ المَعْدُومِ عَلى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ بَيَّنَ وجْهَهُ والجَوابَ عَنْهُ الإمامُ ونَحْنُ مَعَ القائِلِينَ بِالشَّيْئِيَّةِ
15:22Page 263
وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢
And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ عَطْفٌ عَلى (جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ وتَرْشِيحِ ما لَحِقَ، واللَّواقِحُ جَمْعُ
صفحة 31
لاقِحٍ بِمَعْنى حامِلٍ يُقالُ: ناقَةٌ لاقِحٌ أيْ حامِلٌ، ووَصْفُ الرِّياحِ بِذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، شُبِّهَتِ الرِّيحُ الَّتِي بِالسَّحابِ الماطِرِ بِالنّاقَةِ الحامِلِ لِأنَّها حامِلَةٌ لِذَلِكَ السَّحابِ أوْ لِلْماءِ الَّذِي فِيهِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها جَمْعُ لاقِحٍ عَلى النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ أيْ ذاتَ لَقاحٍ وحَمْلٍ، وذَهَبَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، ويُقالُ لِضِدِّها رِيحٌ عَقِيمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿لَواقِحَ﴾ أيْ مَلاقِحَ جَمْعَ مُلَقِّحَةٍ كالطَّوائِحِ في قَوْلِهِ:
لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارَعَ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيِ المَطاوِحُ جَمْعُ مُطِيحَةٍ، وهو مِن ألْقَحَ الفَحْلُ النّاقَةَ إذا ألْقى ماءَهُ فِيها لِتَحْمَلَ، والمُرادُ مُلَقِّحاتٌ لِلسَّحابِ أوِ الشَّجَرِ فَيَكُونُ قَدِ اسْتُعِيرَ اللَّقْحُ لِصَبِّ المَطَرِ في السَّحابِ أوِ الشَّجَرِ، وإسْنادُهُ إلَيْها عَلى الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وعَلى الثّانِي مَجازٌ إذِ المُلْقى في الشَّجَرِ السَّحابُ لا الرِّيحُ والرِّياحُ اللَّواقِحُ هي رِيحُ الجَنُوبِ كَما رَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ قَتادَةَ مَرْفُوعًا، ورَوى الدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَيُمْطِرُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ «وأرْسَلَنا الرِّيحَ» بِالإفْرادِ عَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ فَتَكُونُ في مَعْنى الجَمْعِ فَلِذا صَحَّ جَعْلُ ﴿لَواقِحَ﴾ حالًا مِنها وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: أهْلَكَ النّاسُ الدِّينارَ الصُّفْرَ والدِّرْهَمَ البِيضَ، ولا تُخالِفُ هَذِهِ القِراءَةُ ما قالُوهُ في حَدِيثِ ««اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»» مِن أنَّ الرِّياحَ تُسْتَعْمَلُ لِلْخَيْرِ والرِّيحَ لِلشَّرِّ لِما قالَ الشِّهابُ مِن أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الوَضْعِ وإنَّما هو مِنَ الِاسْتِعْمالِ وهو أمْرٌ أغْلَبِيٌّ لا كُلِّيٌّ فَقَدِ اسْتُعْمِلَتِ الرِّيحُ في الخَيْرِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى الإطْلاقِ بِأنْ لا يَكُونَ مَعَهُ قَرِينَةٌ كالصِّفَةِ والحالِ، وأمّا كَوْنُ المُرادِ بِالخَيْرِ الدُّعاءَ بِطُولِ العُمْرِ لِيَرى رِياحًا كَثِيرَةً فَلا وجْهَ لَهُ.
﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ بَعْدَ ما أنْشَأْنا بِتِلْكَ الرِّياحِ سَحابًا ماطِرًا ماءً ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ جَعَلْناهُ لَكم سَقْيًا تَسْقُونَ بِهِ مَزارِعَكم ومَواشِيَكم وهو عَلى ما قِيلَ أبْلَغُ مِن سَقَيْناكم لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَعْلِ الماءِ مُعَدًّا لَهم يَنْتَفِعُونَ بِهِ مَتّى شاؤُوا، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ أسْقى وسَقى غَيْرُ واحِدٍ فَقَدْ قالَ الأزْهَرِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ ما كانَ مِن بُطُونِ الأنْعامِ أوْ مِنَ السَّماءِ أوْ مِن نَهْرٍ جارٍ أسْقَيْتُهُ أيْ جَعَلْتُ شُرْبًا لَهُ وجَعَلْتُ لَهُ مِنهُ مَسْقًى فَإذا كانَ لِلشَّفَةِ قالُوا سَقى ولَمْ يَقُولُوا أسْقى، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ حَتّى رُوِيَ وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا جَعَلْتُهُ شُرْبًا لَهُ، ورُبَّما اسْتَعْمَلُوا سَقى بِلا هَمْزَةٍ كَأسْقى كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ يَصِفُ سَحابًا:
أقُولُ وصَوْتُهُ مِنِّي بَعِيدُ ∗∗∗ يَحُطُّ اللَّثَّ مِن قُلَلِ الجِبالِ
سَقى قَوْمِي بَنِي نَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ
فَإنَّهُ لا يُرِيدُ بِسَقى قَوْمِي ما يَرْوِي عُطاشَهم ولَكِنْ يُرِيدُ رِزْقَهم سَقْيًا لِبِلادِهِمْ يُخَصِّبُونَ بِها وبَعِيدٌ أنْ يَسْألَ لِقَوْمِهِ ما يَرْوِي ولِغَيْرِهِمْ ما يُخَصِّبُونَ بِهِ، ولا يَرُدُّ عَلى قَوْلِ الأزْهَرِيِّ أنَّهُ لا يُقالُ أسْقى في سَقْيا الشَّفَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ يُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهُ
قالَ الإمامُ: لِأنَّهُ أرادَ بِأسْقِيهِ أدْعُو لَهُ بِالسُّقْيا ولا يُقالُ في ذَلِكَ كَما قالَ أبُو عُبَيْدٍ سِوى أسْقى، هَذا وقَدْ جاءَ الضَّمِيرُ هُنا مُتَّصِلًا بَعْدَ ضَمِيرٍ مَنصُوبٍ مُتَّصِلٍ أعْرَفَ مِنهُ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ ذَلِكَ وُجُوبُ الِاتِّصالِ.
﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ نَفى سُبْحانَهُ عَنْهم ما أثْبَتَهُ لِجَنابِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ كَأنَّهُ
صفحة 32
قِيلَ: نَحْنُ القادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وخَزْنِهِ في السَّحابِ وإنْزالِهِ، وما أنْتُمْ عَلى ذَلِكَ بِقادِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ نَفِيُ حِفْظِهِ أيْ وما أنْتُمْ لَهُ بِحافِظِينَ في مَجارِيهِ عَنْ أنْ يَغُورَ فَلا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وعَنْ سُفْيانَ أنَّ المَعْنى وما أنْتُمْ لَهُ بِمانِعِينَ لِإنْزالِهِ مِنَ السَّماءِ
15:23Page 263
وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣
And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها ﴿ونُمِيتُ﴾ بِإزالَتِها عَنْها فالحَياةُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ وهي كَما قِيلَ صِفَةٌ تَقْتَضِي الحِسَّ والحَرَكَةَ الإرادِيَّةَ والمَوْتُ زَوالُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَضادُّ الحَياةَ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وقَدْ يُعَمَّمُ الإحْياءُ والإماتَةُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ مِثْلَ أنْ يُقالَ: المُرادُ إعْطاءُ قُوَّةِ النَّماءِ وسَلْبُها، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلْحَصْرِ، وهو إمّا تَوْكِيدٌ لِلْأوَّلِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ والمَجْمُوعُ خَبَرٌ لِإنّا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ والثّانِي أنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، وتُعِقِّبَ ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ الثّانِي غَلَطٌ فَإنَّهُ ورَدَ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ ودُخُولُهُ عَلى المُضارِعِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الجُرْجانِيُّ وبَعْضُ النُّحاةِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ولَعَلَّ ذَلِكَ المُجَوَّزُ مِمَّنْ يَرى هَذا الرَّأْيَ والعَجَبَ مِن أبِي البَقاءِ فَإنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ هُنا وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ كَما نَقَلَهُ في المُغْنِي.
﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيِ الباقُونَ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ قاطِبَةً المالِكُونَ لِلْمُلْكِ عِنْدَ انْقِضاءِ زَمانِ المُلْكِ المَجازِيِّ، الحاكِمُونَ في الكُلِّ أوَّلًا وآخِرًا أوْ لَيْسَ لِأحَدٍ إلّا التَّصَرُّفُ الصُّورِيُّ والمُلْكُ المَجازِيُّ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ بِوارِثٍ لِلْمُتَقَدِّمِ كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ، وتَفْسِيرُ الوارِثِ بِالباقِي مَرْوِيٌّ عَنْ سُفْيانَ وغَيْرِهِ، وفُسِّرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««اللَّهُمَّ مَتِّعْنا بِأسْماعِنا وأبْصارِنا وقُوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا»».
وهُوَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ
15:24Page 263
وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤
And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾ مَن ماتَ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ المُسْتَقْدِمِينَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ والمُسْتَأْخِرِينَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ المُسْتَقْدِمِينَ مَن مَضى مِنَ الأُمَمِ (والمُسْتَأْخِرِينَ) أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَن تَأخَّرَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا وهو مِنَ المُناسَبَةِ بِمَكانٍ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: مَن سَبَقَ إلى الطّاعَةِ ومَن تَأخَّرَ فِيها، ورُوِيَ عَنْ مُعْتَمِرٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ الآيَةَ في القِتالِ فَحَدَّثْتُ أبِي فَقالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ، فَعَلى هَذا أخْذُ الجِهادِ في عُمُومِ الطّاعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها كَمالُ مُناسَبَةٍ، والمُرادُ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِهَؤُلاءِ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِأحْوالِهِمْ، والآيَةُ لِبَيانِ كَمالِ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْها دَلِيلٌ عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ أنَّ القادِرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا بُدَّ مِن عِلْمِهِ بِما يَصْنَعُهُ وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّأْكِيدِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ. وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصْلِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَسْناءُ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ،» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم في الصُّفُوفِ في الصَّلاةِ ولَمْ يَذْكُرْ مِن حَدِيثِ المَرْأةِ شَيْئًا، قالالتِّرْمِذِيُّ: هَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: «حَرَّضَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى
صفحة 33
عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ وكانَ بَنُو عَذِرَةَ دُورَهم قاصِيَةً عَنِ المَسْجِدِ فَقالُوا: نَبِيعُ دُورَنا ونَشْتَرِي دُورًا قَرِيبَةً مِنَ المَسْجِدِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ،» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ:
الأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ أيْ عَلِمْنا مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ في الوِلادَةِ والمَوْتِ والإسْلامِ وصُفُوفِ الصَّلاةِ وغَيْرِ ذَلِكَ
15:25Page 263
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥
And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ قِيلَ لِلْحَصْرِ أيْ هو سُبْحانَهُ يَحْشُرُهم لا غَيْرَ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ في مِثْلِ ذَلِكَ يَكُونُ الفِعْلُ مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ والنِّزاعِ في الفاعِلِ وهاهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فالوَجْهُ جَعْلُهُ لِإفادَةِ التَّقْوى. وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا في القَصْرِ الحَقِيقِيِّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهُ عَلى ما سَبَقَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ، وفي الِالتِفاتِ والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشْعارٌ بِعِلَّتِهِ، وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَلالَةٌ عَلى اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ «يَحْشِرُهُمْ» بِكَسْرِ الشِّينِ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ بالِغُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ. والحِكْمَةُ عِنْدَهم عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ والإتْيانُ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي ﴿عَلِيمٌ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ وصْفِ الحِكْمَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضائِها لِلْحَشْرِ والجَزاءِ، وقَدْ نَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ
15:26Page 263
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦
And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ بِأنْ خَلَقْنا أصْلَهُ وأوَّلَ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ خَلْقًا بَدِيعًا مُنْطَوِيًا عَلى خَلْقِ سائِرِ أفْرادِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا.
﴿مِن صَلْصالٍ﴾ أيْ طِينٍ يابِسٍ يُصَلْصِلُ أيْ يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ونَقَلَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ونَقَلَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ أنَّهُ قالَ: هو الطِّينُ المَخْلُوطُ بِالرَّمْلِ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ الطِّينُ المُرَقَّقُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنهُ الفَخّارُ، وفي أُخْرى نَحْوُ الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مِن صَلْصَلَ إذْ أُنْتِنَ تَضْعِيفُ صَلَّ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَ إذا أُنْتِنَ وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُضَعَّفِ مَصْدَرٌ يُفْتَحُ أوَّلُهُ ويُكْسَرُ كالزِّلْزالِ ووَزْنُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ فَعِلالٌ، وقالَ الفَرّاءُ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ فَعْفَعَ كُرِّرَتِ الفاءُ والعَيْنُ ولا لامَ، وغَلَطُهم في الدُّرِّ المَصُونِ لِأنَّ أقَلَّ الأُصُولِ ثَلاثَةٌ فاءٌ وعَيْنٌ ولامٌ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ: فَعْفَلٌ ونُسِبَ أيْضًا إلى الفَرّاءِ بَلْ قِيلَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، وعَنْ بَعْضٍ آخَرَ مِنَ الكُوفِيِّينَ أنَّ وزْنَهُ فَعَّلٌ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والأصْلُ صَلَّلَ مَثَلًا فَلَمّا اجْتَمَعَ ثَلاثَةُ أمْثالٍ أُبْدِلَ الثّانِي مِن جِنْسِ الفاءِ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذا الخِلافَ بِما إذا لَمْ يَخْتَلَّ المَعْنى بِسُقُوطِ الثّالِثِ كَلَمْلَمَ وكَبْكَبَ فَإنَّكَ تَقُولُ لَمَّ وكَبَّ فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى بِسُقُوطِهِ نَحْوَ سَمْسَمَ فَلا خِلافَ في أصالَةِ الجَمِيعِ، وقالَ اليَمَنِيُّ: لَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ الأصْلَ صَلَّلَ أنَّهُ زِيدَ فِيهِ صادٌ بَلْ هو رُباعِيٌّ كَزَلْزَلَ والِاشْتِراكُ في أصْلِ المَعْنى لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنهُ إذِ الدَّلِيلُ دالٌّ عَلى أنَّ الفاءَ لا تُزادُ لَكِنَّ زِيادَةَ الحَرْفِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّ (صَلْصالَ) بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ كالقِضاضِ بِمَعْنى المُقَضْقَضِ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَصْفِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
﴿مِن حَمَإٍ﴾ مِن طِينٍ تَغَيَّرَ واسْوَدَّ مِن مُجاوَرَةِ الماءِ ويُقالُ لِلْواحِدَةِ حَمْأةٌ، قالَ اللَّيْثُ: بِتَحْرِيكِ المِيمِ ووَهِمَ في ذَلِكَ وقالُوا: لا نَعْرِفُ الحَمْأةَ في كَلامِ العَرَبِ إلّا ساكِنَةَ المِيمِ وعَلى هَذا أبُو عُبَيْدَةَ والأكْثَرُونَ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِصَلْصالٍ كَما هو السُّنَّةُ الشّائِعَةُ في الجارِّ والمَجْرُورِ بَعْدَ النَّكِرَةِ أيْ مِن صَلْصالٍ كائِنٍ مِن حَمَإ، وقالَ الحَوْفِيُّ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ بِإعادَةِ الجارِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ خَلَقْناهُ مِن حَمَإٍ ﴿مَسْنُونٍ﴾
صفحة 34
أيْ مُصَوَّرٍ مِن سَنَةِ الوَجْهِ وهي صُورَتُهُ، وأنْشَدَ لِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ عَمِّهِ حَمْزَةَ يُمْدَحُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
أغَرُّ كَأنَّ البَدْرَ سَنَةُ وجْهِهِ جَلا الغَيْمَ عَنْهُ ضَوْؤُهُ فَتَبَدَّدا
وأنْشَدَ غَيْرُهُ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ:
تُرِيكَ سَنَةَ وجْهِ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدْبُ
أوْ مَصْبُوبٌ مِن سَنَّ الماءَ صَبَّهُ ويُقالُ شَنَّ بِالشِّينِ أيْضًا أيْ مُفَرَّغٌ عَلى هَيْئَةِ الإنْسانِ كَما تُفَرَّغُ الصُّوَرُ مِنَ الجَواهِرِ المُذابَةِ في القَوالِبِ، وقالَ قَتادَةُ ومَعْمَرٌ: المَسْنُونُ المُنْتِنُ، قِيلَ: وهو مِن سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ إذا حَكَكْتَهُ بِهِ فالَّذِي يَسِيلُ بَيْنَهُما سَنِينٌ ولا يَكُونُ إلّا مُنْتِنًا، وقِيلَ: هو مِن سَنَنْتُ الحَدِيدَةَ عَلى المِسَنِّ إذا غَيَّرْتَها بِالتَّحْدِيدِ، وأصْلُهُ الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: هو عَلى سَنَنٍ واحِدٍ وهو صِفَةُ الحَمَإ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِصَلْصالٍ ولا ضَيْرَ في تَقَدُّمِ الصِّفَةِ الغَيْرِ الصَّرِيحَةِ عَلى الصَّرِيحَةِ، فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: إذا وُصِفَتِ النَّكِرَةُ بِمُفْرَدٍ أوْ ظَرْفٍ أوْ جُمْلَةٍ قُدِّمَ المُفْرَدُ في الأغْلَبِ ولَيْسَ بِواجِبٍ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نُكْتَةٍ لا سِيَّما في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَعْدِلُ عَنِ الأصْلِ لِغَيْرِ مُقْتَضٍ، ولَعَلَّ النُّكْتَةَ هاهُنا مُناسِبَةُ المُقَدَّمِ لِما قَبْلَهُ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مِن جِنْسِ المادَّةِ، وقِيلَ: إنَّما أُخِّرَتِ الصِّفَةُ الصَّرِيحَةُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ابْتِداءَ مَسْنُونِيَّتِهِ لَيْسَ في حالِ كَوْنِهِ صَلْصالًا بَلْ في حالِ كَوْنِهِ حَمَأً كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَغَ الحَمَأ فَصَوَّرَ مِن ذَلِكَ تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَوَّتَ ثُمَّ غَيَّرَهُ طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ حَتّى نَفَخَ فِيهِ مِن رَوْحِهِ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وقِيلَ: المَسْنُونُ المَنسُوبُ أيْ نُسِبَ إلَيْهِ ذُرِّيَّتُهُ وهو كَما تَرى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences