Al-AlusiAl‑Hijr · 15:29

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:29

15:29Page 263

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٢٩

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."

﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَعَلْتُ فِيهِ ما يَصِيرُ بِهِ مُسْتَوِيًا مُعْتَدِلًا مُسْتَعِدًّا لِفَيَضانِ الرُّوحِ وقِيلَ: صَوَّرْتُهُ بِالصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ في العُرْفِ إجْراءُ الرِّيحِ مِنَ الفَمِ أوْ غَيْرِهِ في تَجْوِيفِ جِسْمٍ صالِحٍ لِإمْساكِها والِامْتِلاءِ بِها، والمُرادُ هُنا تَمْثِيلُ إفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها ولَيْسَ هُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةً.

وقالَ حُجَّةَ الإسْلامِ: عُبِّرَ بِالنَّفْخِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِعالِ فَتِيلَةِ القابِلِ مِنَ الطِّينِ الَّذِي تَعاقَبَتْ عَلَيْهِ الأطْوارُ حَتّى اعْتَدَلَ واسْتَوى واسْتَعَدَّ اسْتِعْدادًا تامًّا بِنُورِ الرُّوحِ كَما يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِعالِ الحَطَبِ القابِلِ

صفحة 37

مَثَلًا بِالنّارِ عَنْ نَتِيجَتِهِ ومُسَبِّبِهِ وهو ذَلِكَ الِاشْتِعالُ. وقَدْ يُكَنّى بِالسَّبَبِ عَنِ الفِعْلِ المُسْتَفادِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ المُسْتَفادُ عَلى صُورَةِ الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِنهُ. ثُمَّ هَذا الرُّوحُ عِنْدَهُ وكَذا عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ لَيْسَ بِجِسْمٍ يَحِلُّ البَدَنُ حُلُولَ الماءِ في الإناءِ مَثَلًا، ولا هو عَرَضٌ يَحِلُّ القَلْبَ أوِ الدِّماغَ حُلُولَ السَّوادِ في الأسْوَدِ والعِلْمِ في العالِمِ بَلْ هو جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ لَيْسَ داخِلَ البَدَنِ ولا خارِجَهُ ولا مُتَّصِلًا بِهِ ولا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، ولَهم عَلى ذَلِكَ عِدَّةُ أدِلَّةٍ.

الدَّلِيلُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ يُمْكِنُهُ إدْراكُ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ وذَلِكَ بِارْتِسامِ صُوَرِ المُدْرَكاتِ في المُدْرَكِ فَمَحَلُّ تِلْكَ الصُّوَرِ إنْ كانَ جِسْمًا فَإمّا أنْ يَحُلَّ غَيْرَ مُنْقَسِمٍ أوْ مُنْقَسِمًا، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ مِنَ الجِسْمِ طَرَفٌ نُقَطِيٌّ والنُّقْطَةُ تَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلصُّوَرِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّها مِمّا لا يَعْقِلُ حُصُولُ المَزاجِ لَها حَتّى يَخْتَلِفَ حالُ اسْتِعْدادِها في القابِلِيَّةِ وعَدَمِها بَلْ إنْ كانَتْ قابِلَةً لِلصُّوَرِ المَذْكُورَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَبُولُ حاصِلًا أبَدًا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المَقْبُولُ حاصِلًا أبَدًا لِما أنَّ المَبادِئَ الفَعّالَةَ المُفارِقَةَ عامَّةُ الفَيْضِ فَلا يَتَخَصَّصُ إلّا لِاخْتِلافِ أحْوالِ القَوابِلِ فَلَوْ كانَ القابِلُ تامَّ الِاسْتِعْدادِ لَكانَ المَقْبُولُ واجِبَ الحُصُولِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ جَمِيعُ الأجْسامِ ذَواتَ النُّقَطِ عاقِلَةً، ويَجِبُ أيْضًا أنْ يَبْقى البَدَنُ بَعْدَ المَوْتِ عاقِلًا لِبَقاءِ مَحَلِّ الصُّوَرِ عَلى اسْتِعْدادِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، والثّانِي أيْضًا مُحالٌ لِأنَّ الحالَ في المُنْقَسِمِ مُنْقَسِمٌ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الصُّورَةُ مُنْقَسِمَةً أبَدًا وذَلِكَ مُحالٌ لِوُجُوهٍ مُقَرَّرَةٍ فِيما بَيْنَهم.

الدَّلِيلُ الثّانِي: ما عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ وزَعَمَ أنَّهُ أجَلُّ ما عِنْدَهُ في هَذا البابِ وهو أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَعْقِلَ ذَواتَنا وكُلُّ مَن عَقَلَ ذاتًا فَلَهُ ماهِيَّةُ ذَلِكَ الذّاتِ فَإذًا لَنا ماهِيَّةُ ذاتِنا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ تَعَقُّلُنا لِذاتِنا لِأجْلِ صُورَةٍ أُخْرى مُساوِيَةٍ لَها تَحْصُلُ فِيها وإمّا أنْ لا يَكُونَ بَلْ لِأجْلِ أنَّ نَفْسَها حاضِرَةٌ لَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى الجَمْعِ بَيْنَ المِثْلَيْنِ فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وكُلُّ ما ذاتَهُ حاصِلٌ لِذاتِهِ كانَ قائِمًا بِذاتِهِ، فَإذَنِ القُوَّةُ العاقِلَةُ وهي الرُّوحُ والنَّفْسُ النّاطِقَةُ قائِمَةً بِنَفْسِها، وكُلُّ جِسْمٍ أوْ جُسْمانِيٍّ فَإنَّهُ غَيْرُ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، وأكْثَرَ تَلامِذَتُهُ مِنَ الِاعْتِراضاتِ وأجابَ عَنْها.

الدَّلِيلُ الثّالِثُ: ما عَوَّلَ عَلَيْهِ أفْلاطُونُ وهو أنّا نَتَخَيَّلُ صُوَرًا لا وُجُودَ لَها في الخارِجِ ونُمَيِّزُ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها فَهَذِهِ الصُّوَرُ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ ومَحَلُّها يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جُسْمانِيًّا فَإنَّ جُمْلَةَ بَدَنِنا بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمُورِ المُتَخَيَّلَةِ لَنا قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ الصُّوَرُ العَظِيمَةُ عَلى المَقادِيرِ الصَّغِيرَةِ؟ ولَيْسَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ تِلْكَ الصُّوَرِ مُنْطَبِعَةٌ في أبْدانِنا وبَعْضَها في الهَواءِ المُحِيطِ بِنا إذِ الهَواءُ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ أبْدانِنا ولا آلَةَ لِنُفُوسِنا في أفْعالِها أيْضًا وهو ظاهِرٌ، فَإذَنْ مَحَلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ شَيْءٌ غَيْرُ جُسْمانِيٍّ وذَلِكَ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ.

الدَّلِيلُ الرّابِعُ: لَوْ كانَ مَحَلُّ الإدْراكاتِ شَيْئًا جُسْمانِيًّا لَصَحَّ أنْ يَقُومَ بِبَعْضِ ذَلِكَ الجِسْمِ عِلْمٌ وبِالبَعْضِ الآخَرِ جَهْلٌ فَيَكُونُ الشَّيْءُ الواحِدُ عالِمًا جاهِلًا بِشَيْءٍ واحِدٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ.

الدَّلِيلُ الخامِسُ: أنَّ الرُّوحَ لَوْ كانَ مُنْطَبِعًا في جِسْمٍ مِثْلِ قَلْبٍ أوْ دِماغٍ لَكانَ إمّا أنْ يَعْقِلَ دائِمًا ذَلِكَ الجِسْمَ أوْ لا يَعْقِلَهُ كَذَلِكَ أوْ يَعْقِلَهُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ والأقْسامُ باطِلَةٌ فالقَوْلُ بِانْطِباعِهِ باطِلٌ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ تَعَقُّلَ الرُّوحِ لِذَلِكَ الجِسْمِ إمّا أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ الآلَةَ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ أوْ لِأنَّ صُورَةً أُخْرى مِن تِلْكَ الآلَةِ تَحْصُلُ لَهُ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فالرُّوحُ إنْ أمْكَنَهُ إدْراكُ تِلْكَ الآلَةِ وإدْراكُ نَفْسِ مُقارَنَتِها لَهُ فَما دامَتِ الآلَةُ مُقارَنَةً وجَبَ

صفحة 38

أنْ يَعْقِلَها الرُّوحُ فَيَكُونَ دائِمَ الإدْراكِ لِتِلْكَ الآلَةِ وإنِ امْتَنَعَ عَلى الرُّوحِ إدْراكُ الآلَةِ وجَبَ أنْ لا يُدْرِكَها أبَدًا فَظاهِرُ أنَّهُ لَوْ كانَ تَعَقُّلُ الرُّوحِ لِتِلْكَ الآلَةِ لِأجْلِ المُقارَنَةِ لَوَجَبَ أنْ يَعْقِلَها دائِمًا أوْ لا يَعْقِلَها كَذَلِكَ وكِلا القِسْمَيْنِ باطِلٌ، وأمّا إنْ كانَ تَعَقُّلُهُ لَها لِأجْلِ حُصُولِ صُورَةٍ أُخْرى مِنها فالرُّوحُ إنْ كانَتْ في تِلْكَ الآلَةِ والصُّورَةُ الثّانِيَةُ حاصِلَةٌ فِيهِ يَكُونُ الصُّورَةُ الثّانِيَةُ لِلْآلَةِ حالَةً أيْضًا في الآلَةِ لِأنَّ الحالَّ في الحالِّ في الشَّيْءِ حالٌّ في ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ المِثْلَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الرُّوحُ في تِلْكَ الحالَّةِ بَلْ مُجَرَّدَةً فَذَلِكَ المَطْلُوبُ واسْتُدِلَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا.

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ في المَباحِثِ مِنَ الأدِلَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ دَلِيلًا مِنها ما ذَكَرَ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ جَرْحًا وتَعْدِيلًا وعَوَّلَ في إثْباتِ هَذا المَطْلَبِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: والَّذِي نُعَوِّلُ عَلَيْهِ أنْ نَقُولَ: إنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ الَّذِي كانَ قَبْلُ فَهَوِيَّتُهُ إمّا أنْ تَكُونَ جِسْمًا وإمّا أنْ تَكُونَ قائِمَةً بِالجِسْمِ وإمّا أنْ لا تَكُونُ شَيْئًا مِنَ الأمْرَيْنِ والأوَّلِ بِالباطِلِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عالِمًا بِهَوِيَّتِهِ عِنْدَ ذُهُولِهِ عَنْ جُمْلَةِ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الأبْعاضَ الجُسْمانِيَّةَ دائِمَةُ التَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ لِأنَّ الأسْبابَ المُحالَّةَ مِنَ الحَرارَةِ الخارِجِيَّةِ والدّاخِلِيَّةِ والحَرَكاتِ النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ مِمّا لا تَخْتَصُّ بِجُزْءٍ دُونَ جُزْءٍ والبَدَنُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ المُرَكَّبَةِ وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ مِثْلَ اللَّحْمِ والعَظْمِ فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ اللَّحْمِ مِثْلَ الآخَرِ في الِاسْتِعْدادِ لِلتَّحَلُّلِ فَإذا كانَتِ الأجْزاءُ كُلُّها مُتَساوِيَةً في ذَلِكَ كانَتْ نِسْبَةُ المُحَلَّلاتِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ كَنِسْبَتِهِ إلى الجَزاءِ الآخَرِ فَلَمْ يَكُنْ عُرُوضُ التَّحَلُّلِ لِبَعْضٍ أوْلى مِن عُرُوضِهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ فَثَبَتَ أنَّ هُوِيَّةَ الإنْسانِ لَيْسَتْ جِسْمًا ولَيْسَتْ أيْضًا قائِمَةً بِالجِسْمِ لِأنَّ القائِمَ بِهِ يَجِبُ أنْ يَتَبَدَّلَ عِنْدَ تَبَدُّلِهِ لِاسْتِحالَةِ انْتِقالِ الأعْراضِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا قَبْلُ، ولَمّا كانَ هَذا العِلْمُ مِنَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ عَلِمْنا أنَّ هُوِيَّةَ الإنْسانِ لَيْسَتْ جِسْمًا ولا مُحْتاجَةً إلَيْهِ فَهو جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ وهو المَطْلُوبُ. ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِسائِرِ الحَيَواناتِ هَذا الجَوْهَرُ لِأنّا وإنْ عَرَفْنا أنَّها تَعْلَمُ هُوِيّاتِ أنْفُسَها لَكِنْ لا نَعْرِفُ أنَّها تَعْلَمُ مِن أنْفُسِها أنَّها هي الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلُ ويُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ أيْضًا عَلى هَذا المَطْلَبِ بِأنّا قَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ المُدْرَكَ بِجَمِيعِ أصْنافِ الإدْراكاتِ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ شَيْءٌ واحِدٌ في الإنْسانِ فَنَقُولُ: ذَلِكَ المُدْرَكُ إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا أوْ قائِمًا بِهِ ولا، والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّ الجِسْمَ مِن حَيْثُ هو جِسْمٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُدْرَكًا، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ إمّا أنْ تَكُونَ قائِمَةً بِجَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ أوْ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَكانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ مُبْصِرًا سامِعًا مُتَخَيِّلًا مُتَفَكِّرًا عاقِلًا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وبَطَلَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الأعْضاءِ قامَتْ بِهِ القُوَّةُ المُدْرَكَةُ لِجَمِيعِ هَذِهِ المُدْرَكاتِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في البَدَنِ عُضْوٌ واحِدٌ سامِعٌ مُبْصِرٌ مُتَخَيِّلٌ مُتَفَكِّرٌ عاقِلٌ ولَسْنا نَجْدُ ذَلِكَ فِينا، وبِهَذا ظَهَرَ أيْضًا فَسادُ ما قِيلَ: لَعَلَّ القُوَّةَ المُدْرَكَةَ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ قائِمَةٌ بِجِسْمٍ لَطِيفٍ مَحْصُورٍ في بَعْضِ الأعْضاءِ لِظُهُورِ أنّا لا نَجْدُ مِن أبْدانِنا مَوْضِعًا مُشْتَمِلًا عَلى هَذا الجِسْمِ اللَّطِيفِ السّامِعِ المُبْصِرِ المُتَخَيِّلِ المُتَفَكِّرِ العاقِلِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّكم لا تَعْرِفُونَ هَذا المَوْضِعَ لَكِنْ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ لِأنّا نَقُولُ: إنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنّا السّامِعُونَ المُبْصِرُونَ المُتَخَيِّلُونَ العاقِلُونَ فَلَوْ كانَ بَعْضُ الأجْسامِ سَواءٌ كانَ جُزْءًا مِنَ البَدَنِ أوْ مَحْصُورًا في جُزْءٍ مِنهُ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ هَذِهِ المُدْرَكاتِ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَتُنا وهُوِيَّتُنا إلّا ذَلِكَ الجِسْمَ فَلَوْ لَمْ نَعْرِفْهُ لَكُنّا لا نَعْرِفُ حَقِيقَةَ أنْفُسِنا وذَلِكَ باطِلٌ فَثَبَتَ أنَّ المَوْصُوفَ بِالقُوَّةِ المُدْرَكَةِ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ لَيْسَ جِسْمًا أصْلًا ولا قائِمًا بِهِ

صفحة 39

فَهُوَ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ وهو المَطْلُوبُ، وذَكَرَ هَؤُلاءِ الذّاهِبُونَ إلى التَّجَرُّدِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالبَدَنِ كَتَعَلُّقِ العاشِقِ عِشْقًا جَبَلِيًّا إلْهامِيًّا بِالمَعْشُوقِ حَتّى أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ ما دامَ البَدَنُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ بَلْ تَعَلُّقُ الرُّوحِ أقْوى مِن هَذا التَّعَلُّقِ بِكَثِيرٍ وهو تَعَلُّقُ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى في الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ تَجْرِي مَجْرى الأصْلِ والمادَّةِ أوْ لِلتَّشْرِيفِ، وسُئِلَ حُجَّةُ الإسْلامِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: لَوْ نَطَقَتِ الشَّمْسُ وقالَتْ: أفْضْتُ عَلى الأرْضِ مِن نُورِي يَكُونُ ذَلِكَ صِدْقًا ويَكُونُ مَعْنى النِّسْبَةِ أنَّ النُّورَ الحاصِلَ لِلْأرْضِ مِن جِنْسِ نُورِ الشَّمْسِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وإنْ كانَ في غايَةٍ مِنَ الضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وقَدْ عَرَفْتُ أنَّ الرُّوحَ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ والمَكانِ وفي قُوَّتِهِ العِلْمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وذَلِكَ مُضاهاةٌ ومُناسَبَةٌ ولِذَلِكَ خُصَّ بِالإضافَةِ وهَذِهِ المُضاهاةُ لَيْسَتْ لِلْجُسْمانِيّاتِ أصْلًا، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ في تَنْزِيهِ الرُّوحِ عَنِ المَكانِ وصْفًا لَهُ بِصِفَةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَقَدَّسَتْ صِفاتُهُ بَلْ بِأخَصِّ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ التَّمَيُّزِ فَقَدْ قالُوا: كَما يَسْتَحِيلُ اجْتِماعُ جِسْمَيْنِ في مَكانٍ واحِدٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَجْتَمِعَ اثْنانِ لا في مَكانٍ لِأنَّهُ إنَّما اسْتَحالَ اجْتِماعُ جِسْمَيْنِ في مَكانٍ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَمَعا لَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ فَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ اثْنانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لَيْسَ في مَكانٍ لَمْ يَحْصُلِ التَّمَيُّزُ والفَرْقُ بَيْنَهُما ولِذا قالُوا: لا يَجْتَمِعُ سِوادانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ حَتّى قِيلَ المِثْلانِ كالضِّدَّيْنِ لِأنّا نَقُولُ: التَّمَيُّزُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ بِالمَكانِ بَلْ يَكُونُ بِهِ لِجِسْمَيْنِ في مَكانَيْنِ وبِالزَّمانِ كَسِوادَيْنِ في جَوْهَرٍ واحِدٍ في زَمانَيْنِ وبِالحَدِّ والحَقِيقَةِ كالأعْراضِ المُخْتَلِفَةِ في مَحَلٍّ واحِدٍ مِثْلِ الطَّعْمِ واللَّوْمِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ في جِسْمٍ واحِدٍ فَإنَّ تَمَيُّزَ كُلٍّ مِنها عَنِ الآخَرِ بِذاتِهِ لا بِمَكانٍ ولا زَمانٍ ومِثْلُ ذَلِكَ العِلْمُ والإرادَةُ والقُدْرَةُ فَإنَّ تَمَيُّزَ كُلٍّ أيْضًا بِذاتِهِ وإنْ كانَ الجَمِيعُ لِشَيْءٍ واحِدٍ فَإذا تُصُوِّرَ أعْراضٌ مُخْتَلِفَةُ الحَقائِقِ في مَحَلٍّ واحِدٍ فَبِأنْ يُتَصَوَّرَ أشْياءَ مُخْتَلِفَةَ الحَقائِقِ بِذَواتِها في غَيْرِ مَكانٍ أوْلى، وكَوْنُ الوُجُودِ لا في مَكانٍ أخَصَّ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ في حَيِّزِ المَنعِ بَلِ الأخَصُّ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قَيُّومٌ أيْ قائِمٌ بِذاتِهِ وكُلُّ ما سِواهُ قائِمٌ بِهِ وأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى مَوْجُودٌ بِذاتِهِ وكُلُّ ما سِواهُ تَعالى مَوْجُودٌ لا بِذاتِهِ بَلْ لَيْسَ لِلْأشْياءِ مِن ذَواتِها إلّا العَدَمُ وإنَّما لَها الوُجُودُ مِن غَيْرِها عَلى سَبِيلِ العارِيَةِ والوُجُودُ لَهُ سُبْحانَهُ ذاتِيٌّ غَيْرُ مُسْتَعارٍ فالقَيُّومِيَّةُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ انْتَهى.

وهَذا الَّذِي قالُوهُ مِن تَجَرُّدِ الرُّوحِ خِلافُ ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ. قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّؤُوفِ المَناوِيُّ: قَدْ خاضَ سائِرُ الفِرَقِ غَمْرَةَ الكَلامِ في الرُّوحِ فَما ظَفِرُوا بِطائِلٍ ولا رَجَعُوا بِنائِلٍ وفِيها أكْثَرُ مِن ألْفِ قَوْلٍ ولَيْسَ فِيها- عَلى ما قالَ ابْنُ جَماعَةٍ - قَوْلٌ صَحِيحٌ بَلْ كُلُّها قِياساتٌ وتَجَلِّياتٌ عَقْلِيَّةٌ، وجُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّها جِسْمٌ لَطِيفٌ يُخالِفُ الأجْسامَ بِالماهِيَّةِ والصِّفَةِ مُتَصَرِّفٌ في البَدَنِ حالٌّ فِيهِ حُلُولَ الزَّيْتِ في الزَّيْتُونِ والنّارِ في الفَحْمِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأنا وأنْتَ.

وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، وقالَ اللَّقّانِيُّ: جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّها جِسْمٌ مُخالِفٌ بِالماهِيَّةِ لِلْجِسْمِ الَّذِي تَتَوَلَّدُ مِنهُ الأعْضاءُ نُورانِيٌّ عُلْوِيٌّ خَفِيفٌ حَيٌّ لِذاتِهِ نافِذٌ في جَوْهَرِ الأعْضاءِ سارَ فِيهِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَبَدُّلٌ ولا انْحِلالٌ بَقاؤُهُ في الأعْضاءِ حَياةٌ وانْفِصالُهُ عَنْها إلى عالَمِ الأرْواحِ مَوْتٌ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإنْسانَ هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ ورُوحَهُ عَرَضٌ قائِمٌ بِهِ وعَزاهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُعاصِرِينَ إلى جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ وجَعَلَهُ وامْتِناعَ اتِّحادِ القابِلِ والفاعِلِ دَلِيلًا عَلى إبْطالِ كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِهِ، وقَدْ رَدَّ الإمامُ في التَّفْسِيرِ ذَلِكَ الزَّعْمَ وارْتَضى ما نَقَلْناهُ عَنِ الجُمْهُورِ فَقالَ: إنَّهم قالُوا لا يَجُوزُ أنَّ يَكُونَ الإنْسانُ

صفحة 40

عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ لِأنَّ أجْزاءَهُ أبَدًا في الذُّبُولِ والنُّمُوِّ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والِاسْتِكْمالِ والذَّوَبانِ ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ مِن حَيْثُ هُوَ- هُوَ- أمْرٌ باقٍ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ وغَيْرُ الباقِي غَيْرُ الباقِي فالمُشارُ إلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ بُقُولِهِ أنا وجَبَ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِهَذا الهَيْكَلِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ في أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِأنا أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ والأقْوالُ فِيهِ كَثِيرَةٌ إلى أنَّ أسَدَّها تَحْصِيلًا وتَلْخِيصًا أنَّها أجْزاءٌ جُسْمانِيَّةٌ سارِيَةٌ في هَذا الهَيْكَلِ سَرَيانَ الماءِ في الوَرْدِ والدُّهْنِ في السِّمْسِمِ ثُمَّ إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنهم قالُوا إنَّ الأجْسامَ الَّتِي هي باقِيَةٌ مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ مُخالِفَةٌ بِالماهِيَّةِ لِما تَرَكَّبَ مِنهُ الهَيْكَلُ وهي حَيَّةٌ لِذاتِها مُدْرَكَةٌ لِذاتِها نُورانِيَّةٌ لِذاتِها فَإذا خالَطَتْ ذَلِكَ وصارَتْ سارِيَةً فِيهِ صارَ مُسْتَنِيرًا بِنُورِها مُتَحَرِّكًا بِتَحْرِيكِها ثُمَّ إنَّهُ أبَدًا في الذَّوَبانِ والتَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ وتِلْكَ الأجْزاءُ لِمُخالَفَتِها لَهُ بِالماهِيَّةِ باقِيَةٌ بِحالِها وإذا فَسَدَ انْفَصَلَتْ عَنْهُ إلى عالَمِ القُدْسِ إنْ كانَتْ سَعِيدَةً أوْ عالَمِ الآفاتِ إنْ كانَتْ شَقِيَّةً اه، ومِنهُ يُعْلَمُ بُطْلانُ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَجَرُّدِ الرُّوحِ بِإبْطالِ كَوْنِ الإنْسانِ عِبارَةً عَنِ الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ صاحِبِ الهَياكِلِ حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ شارِحِهِ الجَلالُ حَيْثُ قالَ في الهَيْكَلِ الثّانِي: أنْتَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أبَدًا وما جُزْءٌ مِن أجْزاءِ بَدَنِكَ إلّا تَنْساهُ أحْيانًا ولا يُدْرَكُ الكُلُّ إلّا بِأجْزائِهِ فَلَوْ كُنْتَ أنْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ ما كانَ يَسْتَمِرُّ شُعُورُكَ بِذاتِكَ مَعَ نِسْيانِها فَأنْتَ وراءَ هَذا البَدَنِ وقالَ الجَلالُ: فَلا تَكُونُ النَّفْسُ جِسْمًا أصْلًا لِأنَّ غايَةَ ذَلِكَ إثْباتُ النَّفْسِ وراءَ هَذا البَدَنِ لا إثْباتُ أنَّها مَعَ ذَلِكَ مُجَرَّدَةٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ جِسْمًا لَطِيفًا كَما عَلِمْتَ. وزَعَمَ القاضِي أنَّ مَذْهَبَ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ وأنَّها هي الحَياةُ واخْتارَهُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ ولَمْ يُبالِ بِلُزُومِ قِيامِ العَرَضِ بِالعَرَضِ. واعْتَرَضَ هَذا الزّاعِمُ القَوْلَ بِالجِسْمِيَّةِ بِأنَّها لَوْ كانَتْ جِسْمًا لَجازَ عَلَيْها الحَرَكَةُ والسُّكُونُ كَسائِرِ الأجْسامِ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ كُلُّها أرْواحًا ولَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلرُّوحِ رُوحٌ أُخْرى لا إلى نِهايَةٍ، وفِيهِ أنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذُكِرَ أنْ لَوْ كانَ الجِسْمُ إنَّما كانَ رُوحًا لِكَوْنِهِ جِسْمًا ولَيْسَ فَلَيْسَ فَإنَّهُ إنَّما كانَ رُوحًا لِمَعْنًى خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ القائِلَ بِالجِسْمِيَّةِ يَقُولُ: إنَّهُ حَيٌّ لِذاتِهِ فَلا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ الجِسْمِ عِنْدَهُ عَلاقَةٌ بِحَسَبِ بُخارٍ لَطِيفٍ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ، وعَرَّفَهُ في الهَياكِلِ بِأنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ يَتَوَلَّدُ مِن لَطائِفِ الأخْلاطِ ويَنْبَعِثُ مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ ويَنْبَثُّ في البَدَنِ بَعْدَ أنْ يَكْتَسِبَ السُّلْطانَ النُّورِيَّ مِنَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ ولَوْلا لُطْفُهُ لَما سَرى وهو مَطِيَّةُ تَصَرُّفاتِ النَّفْسِ ومَتى انْقَطَعَ انْقَطَعَ تَصَرُّفُها، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ اعْتِدالُ مَزاجِ دَمِ القَلْبِ والأمْرُ في ذَلِكَ سَهَلٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الرُّوحَ تُطْلَقُ عَلى الرُّوحِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّها جِسْمٌ لَطِيفٌ سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ وهو غَيْرُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ وعَلى أمْرٍ رَبّانِيٍّ شَرِيفٍ لَهُ إشْراقٌ عَلى ذَلِكَ الجِسْمِ اللَّطِيفِ ولَعَلَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ حَياةِ الرُّوحِ بِالمَعْنى الأوَّلِ وإدْراكِها ونُورانِيَّتِها ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الأمْرِيِّ وهو المُرادُ مِنَ الرُّوحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآيَةَ، ويُطْلِقُونَ كَثِيرًا عَلى الرُّوحِ بِالمَعْنى الأوَّلِ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ وعَلَيْها بِالمَعْنى الثّانِي النَّفْسَ النّاطِقَةَ والَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ لَيْسَ جِسْمًا ولا جُسْمانِيًّا ولا مُتَّصِلًا ولا مُنْفَصِلًا ولا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ وأنَّهُ نُورٌ مِن أنْوارِ اللَّهِ تَعالى القائِمَةِ لا في أيْنَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَشْرِقُهُ وإلَيْهِ سُبْحانُهُ مَغْرِبُهُ هو الرُّوحُ بِهَذا الإطْلاقِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ حُدُوثَها هَلْ هو قَبْلَ الأبْدانِ أوْ بَعْدَها فَقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: الحَقُّ أنَّ الأرْواحَ حَدَثَتْ عِنْدَ اسْتِعْدادِ الجَسَدِ لِلْقَبُولِ كَما حَدَثَتِ الصُّورَةُ في

صفحة 41

المِرْآةِ بِحُدُوثِ الصِّقالَةِ وإنْ كانَ ذُو الصُّورَةِ سابِقَ الوُجُودِ عَلى الصَّقِيلِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ أرِسْطُو ومُتَّبِّعُوهُ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ فَإمّا أنْ تَكُونَ واحِدَةً أوْ كَثِيرَةً وعَلى الأوَّلِ إمّا أنْ تَتَكَثَّرَ عِنْدَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ أوْ لا فَإنْ لَمْ تَتَكَثَّرْ كانَتِ الرُّوحُ الواحِدَةُ رُوحًا لِكُلِّ بَدَنٍ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ ما عَلِمَهُ إنْسانٌ عَلِمَهُ الكُلُّ وما جَهِلَهُ جَهِلَهُ وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ تَكَثَّرَتْ لَزِمَ انْقِسامُ ما لَيْسَ لَهُ حَجْمٌ وهو أيْضًا مُحالٌ، وعَلى الثّانِي لا بُدَّ أنْ يَمْتازَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَنْ صاحِبَتِها إمّا بِالماهِيَّةِ أوْ لَوازِمِها أوْ عَوارِضِها، والأوَّلانِ مُحالانِ لِأنَّ الأرْواحَ مُتَّحِدَةٌ بِالنَّوْعِ والواحِدُ بِالنَّوْعِ يَتَساوى جَمِيعُ أفْرادِهِ بِالذّاتِيّاتِ ولَوازِمِها، وأمّا العَوارِضُ فَحُدُوثُها إنَّما هو بِسَبَبِ المادَّةِ وهي هُنا البَدَنُ فَقَبْلَهُ لا مادَّةَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هُناكَ عَوارِضُ مُخْتَلِفَةٌ وبَعْدَ أنْ ساقَ حُجَّةُ الإسْلامِ الدَّلِيلَ عَلى هَذا الطَّرْزِ قِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ في خَبَرِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسامِ بِألْفَيِّ عامٍ»»؟ وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنا أوَّلُ الأنْبِياءِ خَلْقًا وآخِرُهم بَعْثًا وكُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ»»

فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: نَعَمْ هَذا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى تَقَدُّمِ وُجُودِ الرُّوحِ عَلى الجَسَدِ ولَكِنَّ أمْرَ الظَّواهِرِ هَيِّنٌ لِسِعَةِ بابِ التَّأْوِيلِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ البُرْهانَ القاطِعَ لا يُدْرَأُ بِالظّاهِرِ بَلْ يُؤَوَّلُ لَهُ الظّاهِرُ كَما في ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ البُرْهانُ القَطْعِيُّ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: لَعَلَّ المُرادَ مِنَ الأرْواحِ في الخَبَرِ الأوَّلِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبِالأجْسادِ أجْسادُ العالَمِ مِنَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والسَّماواتِ ونَحْوِها، وإذا تَفَكَّرْتَ في عِظَمِ هَذِهِ الأجْسادِ لَمْ تَكَدْ تَسْتَحْضِرُ أجْسادَ الآدَمِيِّينَ ولَمْ تَفْهَمْها مِن مُطْلَقِ لَفْظِ الأجْسادِ، ونِسْبَةُ أرْواحِ البَشَرِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَنِسْبَةِ أجْسادِهِمْ إلى أجْسادِ العالَمِ ولَوِ انْفَتَحَ عَلَيْكَ بابُ مَعْرِفَةِ أرْواحِ المَلائِكَةِ لَرَأيْتَ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ كَسِراجٍ اقْتُبِسَ مِن نارٍ عَظِيمَةٍ طَبَّقَتِ العالَمَ وتِلْكَ النّارُ هي الرُّوحُ الأخِيرَةُ مِن أرْواحِ المَلائِكَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا أوَّلُ الأنْبِياءِ خَلْقًا»» فالخَلْقُ فِيهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ دُونَ الإيجادِ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا مَوْجُودًا ولَكِنَّ الغاياتِ سابِقَةٌ في التَّقْدِيرِ ولاحِقَةٌ في الوُجُودِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ الحَكِيمِ: أوَّلُ الفِكْرِ آخِرُ العَمَلِ، فالدّارُ الكامِلَةُ أوَّلُ الأشْياءِ في حَقِّ المُهَنْدِسِ مَثَلًا تَقْدِيرًا وآخِرُها وجُودًا وما يَتَقَدَّمُ عَلى وُجُودِها مِن ضَرْبِ اللَّبَنِ ونَحْوِهِ وسِيلَةٌ إلَيْها ومَقْصُودٌ لِأجْلِها، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن فِطْرَةِ الآدَمِيِّينَ إدْراكَهم لِسَعادَةِ القُرْبِ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ ولَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ إلّا بِتَعْرِيفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَتِ النُّبُوَّةُ مَقْصُودَةً والمَقْصُودُ كَمالُها وغايَتُها لا أوَّلُها وتَمْهِيدُ أوَّلِها وسِيلَةٌ إلى ذَلِكَ وكَمالُها بِهِ ﷺ فَلِذَلِكَ كانَ أوَّلًا في التَّقْدِيرِ وآخِرًا في الوُجُودِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ»» إشارَةٌ إلى هَذا أيْضًا وإنَّهُ لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ خَلْقَ آدَمَ إلّا لِيَنْتَزِعَ الصّافِيَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ولَمْ يَزَلْ يَسْتَصْفِي تَدْرِيجًا إلى أنْ بَلَغَ كَمالَ الصَّفاءِ، ولا يُفْهَمُ هَذا إلّا بِأنْ يُعْلَمَ أنَّ لِلدّارِ مَثَلًا وُجُودَيْنِ وُجُودًا في ذِهْنِ المُهَنْدِسِ حَتّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلى صُورَتِها ووُجُودًا خارِجَ الذِّهْنِ مُسَبَّبًا عَنِ الوُجُودِ الأوَّلِ فَهو سابِقٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ.

وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَدِّرُ أوَّلًا ثُمَّ يُوجِدُ عَلى وفْقِ التَّقْدِيرِ ثانِيًا والتَّقْدِيرُ يُرْسَمُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما يُرْسَمُ تَقْدِيرُ المُهَنْدِسِ أوَّلًا في لَوْحٍ أوْ قِرْطاسٍ فَتَصِيرُ الدّارُ مَوْجُودَةً بِكَمالِ صُورَتِها نَوْعًا مِنَ الوُجُودِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْوُجُودِ الحَقِيقِيِّ، وكَما أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تُرْتَسَمُ في لَوْحِ المُهَنْدِسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ والقَلَمُ يَجْرِي عَلى وفْقِ العِلْمِ بَلِ العِلْمُ يُجْرِيهِ كَذَلِكَ تَقْرِيرُ صُورَةِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ تُرْتَسَمُ أوَّلًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِواسِطَةِ القَلَمِ الإلَهِيِّ والقَلَمُ يَجْرِي

صفحة 42

عَلى وفْقِ العِلْمِ السّابِقِ الأزَلِيِّ، واللَّوْحُ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ قابِلٍ لِنَقْشِ الصُّوَرِ، والقَلَمُ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ مِنهُ تَفِيضُ الصُّوَرُ عَلى اللَّوْحِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِما أنْ يَكُونا جِسْمَيْنِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَلَمُ اللَّهِ تَعالى ولَوْحُهُ لائِقَيْنِ لِأُصْبُعِهِ ويَدِهِ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما يَلِيقُ بِذاتِهِ الإلَهِيَّةِ ويُقَدَّسُ عَنْ حَقِيقَةِ الجِسْمِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُما جَوْهَرانِ رَوْحانِيّانِ أحَدُهُما مُتَعَلَّمٌ وهو اللَّوْحُ والآخَرُ مُعَلِّمٌ وهو القَلَمُ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ فَإذا فَهِمْتَ مَعْنَيَيِ الوُجُودِ فَقَدْ كانَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلُ بِالمَعْنى الأوَّلِ مِنهُما دُونَ المَعْنى الثّانِي اه.

واعْتُرِضَ عَلى الِاسْتِدْلالِ مِن وُجُوهٍ مِنها ما هو جارٍ عَلى رَأْيِ الفَلاسِفَةِ المُسْتَدِلِّينَ بِذَلِكَ أيْضًا ومِنها ما لا اخْتِصاصَ لَهُ بِرَأْيِهِمْ. الأوَّلُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ قَبْلَ الأبْدانِ واحِدَةً ثُمَّ تَكَثَّرَتْ ولا يُقالُ: الكُلُّ لَوْ كانَ واحِدًا وكانَ قابِلًا لِلِانْقِسامِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ وحْدَتُهُ اتِّصالِيَّةً فَيَكُونَ جِسْمًا لِأنّا نَقُولُ: مُسَلَّمٌ أنَّ كُلَّ ما وحْدَتُهُ اتِّصالِيَّةٌ فَإنَّهُ واحِدٌ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ ولا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ فَوَحْدَتُهُ اتِّصالِيَّةٌ لِأنَّ المُوجِبَةَ الكُلِّيَّةَ لا تَنْعَكِسُ كَنَفْسِها.

الثّانِي سَلَّمْنا أنَّها كانَتْ مُتَكَثِّرَةً لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَصَّ كُلٌّ بِصِفَةٍ مُمَيَّزَةٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّمَيُّزُ لِلِاخْتِصاصِ بِأمْرٍ ما لَكانَ ذَلِكَ الأمْرُ أيْضًا مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ فَإمّا أنْ يَكُونَ تَمَيُّزُهُ بِما بِهِ تَمَيُّزُهُ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أوْ بِثالِثٍ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ولِأنَّ التَّمَيُّزَ لا يَخْتَصُّ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلّا بَعْدَ تَمَيُّزِهِ فَلَوْ كانَ تَمَيُّزُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ بِاخْتِصاصِهِ بِشَيْءٍ لَزِمَ الدَّوْرُ. الثّالِثُ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُمَيِّزٍ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِذاتِيٍّ، وبَيانُهُ ما بَيَّنُوهُ مِنَ اخْتِلافِ النُّفُوسِ بِالنَّوْعِ. الرّابِعُ سَلَّمْنا أنَّها لا تَتَمَيَّزُ بِشَيْءٍ مِنَ الذّاتِيّاتِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَمَيَّزَ بِالعَوارِضِ قَوْلُكُمْ: إنَّ حُدُوثَها بِسَبَبِ المادَّةِ وهي هُنا البَدَنُ ولا بَدَنَ فَنَقُولُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ بَدَنٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ وقَبْلَهُ آخَرُ وهَكَذا ولا مُخَلِّصَ مِن هَذا إلّا بِإبْطالِ التَّناسُخِ فَتُوقَفُ حُجَّةُ إثْباتِ حُدُوثِ الأرْواحِ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ مَعَ أنَّ الحُكَماءَ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى الحُدُوثِ حَيْثُ قالُوا بَعْدَ الفَراغِ مِن دَلِيلِهِ: إذا ثَبَتَ حُدُوثُ النَّفْسِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِحُدُوثِها سَبَبٌ وذَلِكَ هو حُدُوثُ البَدَنِ فَإذا حَدَثَ البَدَنُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسٌ عَلى سَبِيلِ التَّناسُخِ وثَبَتَ أنَّ حُدُوثَ النَّفْسِ سَبَبٌ لِأنْ يَحْدُثَ عَنِ المَبادِئِ المُفارِقَةِ نَفْسٌ أُخْرى فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ اجْتِماعُ نَفْسَيْنِ في بَدَنٍ فَيَجِيءُ الدَّوْرُ. الخامِسُ سَلَّمْنا عَدَمَ تَعَلُّقِها بِبَدَنٍ قَبْلُ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِعارِضٍ بِاعْتِبارِهِ كانَتْ مُتَمَيِّزَةً ثُمَّ يَكُونُ كُلُّ عارِضٍ بِسَبَبٍ عارِضٍ آخَرَ لا إلى أوَّلٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском