Al-AlusiAl‑Hijr · 15:38–43

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:38–43

15:38Page 264

إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٣٨

Until the Day of the time well-known."

﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

ووَصْفُهُ بِالمَعْلُومِ إمّا عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ أوْ عَلى مَعْنًى مَعْلُومٌ حالُهُ وأنَّهُ يُصْعَقُ فِيهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أُعْطِيَ مَسْؤُولَهُ كَمَلًا ولَيْسَ إلّا البَقاءُ إلى وقْتِ النَّفْخَةِ الأوْلى وهو آخِرُ أيّامِ التَّكْلِيفِ والوَقْتُ المَشارِفُ لِلشَّيْءِ المُتَّصِلِ بِهِ مَحْدُودٌ مِنهُ فَأوَّلُ يَوْمِ الدِّينِ وأوَّلُ يَوْمِ البَعْثِ كَأنَّهُ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ بِأنَّ المَلْعُونَ عالِمٌ فَلا يَسْألُ ما يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُجابُ إلَيْهِ وبِأنَّ ما في الأعْرافِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الغايَةِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى الإجابَةِ واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّهُ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبِينٌ وكَوْنُهُ عَلى غالِبِ الظَّنِّ لا يُجْدِي في مِثْلِهِ، وعَلى الثّانِي بِأنَّ تَرْكَ الغايَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَتَرْكِ الفاءِ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ هاهُنا وفي سُورَةِ ص فَإنَّ إيرادَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُتَعَدِّدَةٍ غَيْرُ عَزِيزٍ في الكِتابِ العَزِيزِ. ومِنَ النّاسِ القائِلِينَ بِالمُغايَرَةِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ اليَوْمُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ انْقِضاءَ أجَلِهِ وهو يَوْمُ خُرُوجِ الدّابَّةِ فَإنَّها هي الَّتِي تَقْتُلُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا نَقْلَ هَذا القَوْلِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ، وأغْرَبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ هَلَكَ في بَعْضِ غَزَواتِهِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرْنا قَبْلُ أنَّ هَذا مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ بِظاهِرِهِ أصْلًا، والمَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ

صفحة 49

يَمُوتُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وبَيْنَها وبَيْنَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَقُومُ فِيها الخَلْقُ لِرَبِّ العالَمِينَ أرْبَعُونَ سَنَةً، ونُقِلَ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ قالَ: قَدِّمْتُ المَدِينَةَ أُرِيدُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإذا أنا بِحَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ وكَعْبُ الأحْبارِ فِيها يُحَدِّثُ وهو يَقُولُ: لَمّا حَضَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الوَفاةُ قالَ: يا رَبِّ سَيَشْمَتُ بِي عَدُوِّي إبْلِيسُ إذا رَآنِي مَيِّتًا وهو مُنْتَظَرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَأُجِيبَ أنْ يا آدَمُ إنَّكَ سَتَرِدُ إلى الجَنَّةِ ويُؤَخَّرُ اللَّعِينُ إلى النَّظْرَةِ لِيَذُوقَ ألَمَ المَوْتِ بِعَدَدِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ثُمَّ قالَ لِمَلَكِ المَوْتِ: صِفْ لِي كَيْفَ تُذِيقُهُ المَوْتَ؟ فَلَمّا وصَفَهُ قالَ: يا رَبِّ حَسْبِي فَضَجَّ النّاسُ وقالُوا: يا أبا إسْحاقَ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَأبى وألَحُّوا فَقالَ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَلَكِ المَوْتِ عُقَيْبَ النَّفْخَةِ الأُولى قَدْ جُعِلَتْ فِيكَ قُوَّةُ أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرَضِينَ السَّبْعِ وإنِّي اليَوْمَ ألْبَسْتُكَ أثْوابَ السُّخْطِ والغَضَبِ كُلَّها فابْرُزْ بِغَضَبِي وسَطْوَتِي عَلى رَجِيمِي إبْلِيسَ فَأذِقْهُ المَوْتَ واحْمِلْ عَلَيْهِ فِيهِ مَرارَةَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أضْعافًا مُضاعَفَةً ولْيَكُنْ مَعَكَ مِنَ الزَّبانِيَةِ سَبْعُونَ ألْفًا قَدِ امْتَلَئُوا غَيْظًا وغَضَبًا ولْيَكُنْ مَعَ كُلٍّ مِنهم سِلْسِلَةٌ مِن سَلاسِلِ جَهَنَّمَ وغَلٍّ مِن أغْلالِها وانْزِعْ رُوحَهُ المُنْتِنَ بِسَبْعِينَ ألْفِ كُلّابٍ مِن كَلالِيبِها ونادِ مالِكًا لِيَفْتَحَ أبْوابَ النِّيرانِ فَيَنْزِلُ المَلَكُ بِصُورَةٍ لَوْ نَظَرَ إلَيْها أهْلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ لَماتُوا بَغْتَةً مِن هَوْلِها فَيَنْتَهِي إلى إبْلِيسَ فَيَقُولُ: قِفْ لِي يا خَبِيثُ لِأُذِيقَنَّكَ المَوْتَ كَمْ مِن عُمُرٍ أدْرَكْتَ وقَرْنٍ أضْلَلْتَ وهَذا هو الوَقْتُ المَعْلُومُ قالَ: فَيَهْرُبُ اللَّعِينُ إلى المَشْرِقِ فَإذا هو بِمَلَكِ المَوْتِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَيَهْرُبُ إلى المَغْرِبِ فَإذا هو بِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَيَغُوصُ البِحارَ فَيُثِيرُ مِنها البُخارَ فَلا تَقْبَلُهُ فَلا يَزالُ يَهْرُبُ في الأرْضِ ولا مَحِيصَ لَهُ ولا مَلاذَ ثُمَّ يَقُومُ في وسَطِ الدُّنْيا عِنْدَ قَبْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَتَمَرَّغُ في التُّرابِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ومِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ حَتّى إذا كانَ في المَوْضِعِ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ نَصَبَتْ لَهُ الزَّبانِيَةُ الكَلالِيبَ وصارَتِ الأرْضُ كالجَمْرَةِ احْتَوَشَتْهُ الزَّبانِيَةُ وطَعَنُوهُ بِالكَلالِيبِ فَيَبْقى في النَّزْعِ والعَذابِ إلى حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى، ويُقالُ: آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ اطَّلِعا اليَوْمَ عَلى عَدُوِّكُما يَذُوقُ المَوْتَ فَيَطَّلِعانِ فَيَنْظُرانِ إلى ما هو فِيهِ مِن شِدَّةِ العَذابِ فَيَقُولانِ رَبَّنا أتْمَمْتَ عَلَيْنا نِعْمَتَكَ، وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ حِينَ لا يَجِدُ مَفَرًّا يَأْتِي قَبْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ ويُنادِي يا آدَمُ أنْتَ أصْلُ بَلِيَّتِي فَيُقالُ لَهُ: يا إبْلِيسُ اسْجُدِ الآنَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَرْتَفِعُ عَنْكَ ما تَرى فَيَقُولُ: كَلا لَمْ أسْجُدْ لَهُ حَيًّا فَكَيْفَ أسْجُدُ لَهُ مَيِّتًا، وهَذا إنْ صَحَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعِينَ مِنَ العِنادِ بِمَكانٍ لا تَصِلُ إلى غايَتِهِ الأذْهانُ.

15:39Page 264

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩

[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them [i.e., mankind] on earth, and I will mislead them all

﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ ﴿لأُزَيِّنَنَّ﴾ أيْ أقْسَمَ لَأُزَيِّنَنَّ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِذُرِّيَّتِهِ وهو مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ أيْضًا: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ ومَفْعُولُ ﴿لأُزَيِّنَنَّ﴾ مَحْذُوفٌ أيِ المَعاصِي ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ هَذا الجِرْمُ المَدْحُوُّ وكَأنَّ اللَّعِينَ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنِّي أقْدِرُ عَلى الِاحْتِيالِ لِآدَمَ والتَّزْيِينِ لَهُ الأكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ في السَّماءِ فَأنا عَلى التَّزْيِينِ لِذُرِّيَّتِهِ في الأرْضِ أقْدِرُ، ويَجُوزُ أنَّهُ أرادَ بِالأرْضِ الدُّنْيا لِأنَّها مَحَلُّ مَتاعِها ودارِها، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا المَعْنى عُرْفِيٌّ لِلْأرْضِ وأنَّها إنَّما ذُكِرَتْ بِهَذا اللَّفْظِ تَحْقِيرًا لَها، ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ عَلى ما قِيلَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لِلتَّزْيِينِ مَحَلًّا يَقْوى قَبُولُهُ أيْ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ المَعاصِيَ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الغُرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يُرادُ بِها هَذا المَعْنى ويَنْزِلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ثُمَّ يُعَدّى بِفِي، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّها مُسْتَقَرُّ التَّزْيِينِ وأنَّهُ تَمَكُّنُ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

صفحة 50

فَإنْ تَعْتَذِرْ بِالمَحَلِّ مِن ذِي ضُرُوعِها إلى الضَّيْفِ يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي

والمَعْنى لَأُحَسِّنَنَّ الدُّنْيا وأُزَيِّنَنَّها لَهم حَتّى يَشْتَغِلُوا بِها عَنِ الآخِرَةِ، وجُوِّزَ جَعْلُ الباءِ لِلْقَسَمِ و«ما» مَصْدَرِيَّةٌ أيْضًا أيْ أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ، وإقْسامُهُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى المُفَسَّرَةِ بِسُلْطانِهِ وقَهْرِهِ لا يُنافِي إقْسامَهُ بِهَذا فَإنَّهُ فَرْعٌ مِن فُرُوعِها وأثَرٌ مِن آثارِها فَلَعَلَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِهَذا وأُخْرى بِذاكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبِيَّةَ أوْلى لِأنَّهُ وقَعَ في مَكانٍ آخَرَ ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ والحَمْلُ عَلى مُحاوَرَتَيْنِ لا مُوجِبَ لَهُ ولِأنَّ القَسَمَ بِالإغْواءِ غَيْرُ مُتَعارَفٍ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَحْتَمِلُ القَسَمِيَّةَ أيْضًا، وقَدْ صَرَّحَ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ القَسَمَ بِالعِزَّةِ والجَلالِ يَمِينٌ شَرْعًا فالآيَةُ عَلى الزّاعِمِ لا لَهُ. نَعَمْ إنَّ دَعْواهُ عَدَمَ تَعارُفِ القَسَمِ بِالإغْواءِ مُسَلَّمَةٌ وهو عِنْدِي يَكْفِي لِأوْلَوِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ ولِعَدَمِ التَّعارُفِ مَعَ عَدَمِ الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ لا يُعَدُّ القَسَمُ بِها يَمِينًا شَرْعًا فَإنَّ القائِلِينَ بِانْعِقادِ القَسَمِ بِصِفَةٍ لَهُ تَعالى يَشْتَرِطُونَ أنْ تُشْعِرَ بِتَعْظِيمٍ ويُتَعارَفَ مِثْلُها، وفي نِسْبَةِ الإغْواءِ إلَيْهِ تَعالى بِلا إنْكارٍ مِنهُ سُبْحانَهُ قَوْلٌ بِأنَّ الشَّرَّ كالخَيْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأوَّلَ المُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ وقالُوا: المُرادُ النِّسْبَةُ إلى الغَيِّ كَفَسَّقْتُهُ نَسَبْتُهُ إلى الفِسْقِ لا فَعَلْتُهُ أوْ أنَّ المُرادَ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا حَسَنًا أفْضى بِهِ لِخُبْثِهِ إلى الغَيِّ حَيْثُ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالسُّجُودِ فَأبى واسْتَكْبَرَ أوْ أضَلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وتَرَكَ هِدايَتَهُ واللُّطْفَ بِهِ واعْتَذَرُوا عَنْ إنْظارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مَعَ أنَّهُ مُفْضٍ إلى الإغْواءِ القَبِيحِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويَصِيرُونَ إلى النّارِ أُنْظِرَ أمْ لَمْ يُنْظَرْ وأنَّ في إنْظارِهِ تَعْرِيضًا لِمَن خالَفَهُ لِاسْتِحْقاقِ مَزِيدِ الثَّوابِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في إنْظارِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وتَمْكِينِهِ مِنَ الإغْواءِ وتَسْلِيطِهِ عَلى أكْثَرِ بَنِي آدَمَ ما يَأْبى القَوْلُ بِوُجُوبِ رِعايَةِ الأصْلَحِ المَشْهُورِ عَنِ المُعْتَزِلَةِ، وأيْضًا مَن زَعَمَ أنَّ حَكِيمًا أوْ غَيْرَهُ يَحْصُرُ قَوْمًا في دارٍ ويُرْسِلُ فِيها النّارَ العَظِيمَةَ والأفاعِيَ القاتِلَةَ الكَثِيرَةَ ولَمْ يُرِدْ أذى أحَدٍ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ بِالإحْراقِ أوِ اللَّسْعِ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الفِطْرَةِ البَشَرِيَّةِ.

فَحِينَئِذٍ الَّذِي تَحْكُمُ بِهِ الفِطْرَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ بِالإنْظارِ إضْلالَ بَعْضِ النّاسِ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وتَمَسُّكُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ في تَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: (ولَأُغْوِيَنَّهُمْ) حَيْثُ أفادَ أنَّ الإغْواءَ فِعْلُهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلى اللَّهِ تَعالى، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِهِ هُنا الحَمْلُ عَلى الغَوايَةِ لا إيجادُها وتَأْوِيلُ اللّاحِقِ لِلسّابِقِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، وبِالجُمْلَةِ ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ فَلا يَصْلُحُ ذَلِكَ مُتَمَسَّكًا لَهم ﴿أجْمَعِينَ﴾ أيْ كُلَّهم فَهو لِمُجَرَّدِ الإحاطَةِ هُنا.

15:40Page 264

إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠

Except, among them, Your chosen servants."

﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وهو قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ ونافِعٍ والحَسَنِ والأعْرَجِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ وطَهَّرْتَهم مِن كُلِّ ما يُنافِي ذَلِكَ، وكانَ الظّاهِرُ وإنَّ مِنهم مَن لا أُغْوِيهِ مَثَلًا، وعَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذَكَرَ لِكَوْنِ الإخْلاصِ والتَّمَحُّضِ لِلَّهِ تَعالى يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ مُسَبِّبِهِ ولازِمِهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ وفِيهِ إثْباتُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ فَهو مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا العَمَلَ لَكَ ولَمْ يُشْرِكُوا مَعَكَ فِيهِ أحَدًا.

15:41Page 264

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٤١

[Allāh] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

﴿قالَ﴾ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ﴾ أيْ حَقٌّ لا بُدَّ أنْ أُراعِيَهُ ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ لا انْحِرافَ فِيهِ فَلا يَعْدِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، والإشارَةُ إلى ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ وهو تَخَلُّصُ المُخْلِصِينَ مِن إغْوائِهِ وكَلِمَةُ (عَلَيَّ) تُسْتَعْمَلُ لِلْوُجُوبِ والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ بِهِ حَقِيقَةً لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الإصْلاحِ عَلَيْهِ تَعالى، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ ذَلِكَ وإنْ

صفحة 51

كانَ تَفَضُّلًا مِنهُ سُبْحانَهُ إلّا أنَّهُ شُبِّهَ بِالحَقِّ الواجِبِ لِتَأكُّدِ ثُبُوتِهِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ بِمُقْتَضى وعْدِهِ جَلَّ وعَلا فَجِيءَ- بِعَلَيَّ- لِذَلِكَ أوْ إلى ما تَضَمَّنَهُ ( المُخْلِصِينَ ) بِالكَسْرِ مِنَ الإخْلاصِ عَلى مَعْنى أنَّهُ طَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الوُصُولِ إلَيَّ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ وضَلالٍ وهو عَلى نَحْوِ طَرِيقُكَ عَلَيَّ إذا انْتَهى المُرُورُ عَلَيْهِ، وإيثارُ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ عَلى حَرْفِ الِانْتِهاءِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِقامَةِ والشَّهادَةِ بِاسْتِعْلاءِ مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ فَهو أدَلُّ عَلى التَّمَكُّنِ مِنَ الوُصُولِ، وهو تَمْثِيلٌ فَلا اسْتِعْلاءَ لِشَيْءٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَيْسَتْ ( عَلَيَّ ) فِيهِ بِمَعْنى إلَيَّ. نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَها بِها، وأخْرَجَ عَنْ زِيادِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُما قَرَآ «هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» وقالا: «عَلَيَّ» هي إلَيَّ وبِمَنزِلَتِها والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِيَمُرَّ مُقَدَّرًا (وصِراطٌ) مُتَضَمِّنٌ لَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: الإشارَةُ إلى انْقِسامِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ أيْ ذَلِكَ الِانْقِسامِ إلى غاوٍ وغَيْرِهِ أمْرٌ مَصِيرُهُ إلَيَّ ولَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: طَرِيقُكَ في هَذا الأمْرِ عَلى فُلانٍ عَلى مَعْنى إلَيْهِ يَصِيرُ النَّظَرُ في أمْرِكَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ هَذا تَهْدِيدٌ لِلْعَيْنِ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ افْعَلْ ما شِئْتَ فَطَرِيقُكَ عَلَيَّ أيْ لا تَفُوتُنِي، ومِثْلُهُ عَلى ما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ والمُشارُ عَلى هَذا إلَيْهِ ما أقْسَمَ مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَيْهِ، وأظْهَرُ هَذِهِ الأوْجُهِ عَلى ما قِيلَ هو الأوَّلُ، واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَها إلى الإخْلاصِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّ الإشارَةَ لِما وقَعَ في عِبارَةِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ إلَخْ، ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ أظْهَرَ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وإبْراهِيمُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ سَيْرَيْنِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ وأبُو شَرَفٍ مَوْلى كِنْدَةَ ويَعْقُوبُ، وخَلْقٌ كَثِيرٌ «عَلَيٌّ مُسْتَقِيمٌ» بِرَفْعِ «عَلَيٌّ» وتَنْوِينُهُ أيْ عالٍ لِارْتِفاعِ شَأْنِهِ

15:42Page 264

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٤٢

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ تَسَلُّطٌ وتَصَرُّفٌ بِالإغْواءِ والمُرادُ بِالعِبادِ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالمُخْلَصِينَ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ، والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ واخْتارَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ الِاسْتِثْناءِ في الإسْراءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعِبادِ العُمُومُ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ والكَلامُ كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ولِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ، وتَغْيِيرُ الوَضْعِ لِتَعْظِيمِ المُخْلَصِينَ بِجَعْلِهِمْ هُمُ الباقِينَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ لِمَن جَوَّزَ اسْتِثْناءَ الأكْثَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ والسِّيرافِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيَّةِ، واخْتارَهُ ابْنُ خَرُوفٍ والشُّلُوبِينَ وابْنُ مالِكٍ وأجازَ هَؤُلاءِ أيْضًا اسْتِثْناءَ النِّصْفِ، وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيَّةِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ كَوْنُ المُسْتَثْنى قَدْرَ نِصْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ أوْ أكْثَرَ ويَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ واخْتارَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ والآمِدِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وذَهَبَ البَعْضُ الآخَرُ مِن عُلَماءِ البَلَدَيْنِ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَخْرَجُ النِّصْفَ فَما دُونَهُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ، واتَّفَقَ النَّحْوِيُّونَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وكَذا الأُصُولِيُّونَ عِنْدَ الإمامِ. والآمِدِيُّ خِلافًا لِما اقْتَضاهُ نَقْلُ القَرافِيِّ عَنِ المَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، ومِنَ الغَرِيبِ نَقَلَ ابْنُ مالِكٍ عَنِ الفَرّاءِ جَوازَ لَهُ عَلى ألْفٍ إلّا ألْفَيْنِ، وقِيلَ: إنْ كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ عَدَدًا صَرِيحًا يَمْتَنِعُ فِيهِ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ والأكْثَرِ وإنْ كانَ غَيْرَ صَرِيحٍ لا يَمْتَنِعانِ، وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ في الأُصُولِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ قالَ: المُسْتَقْرَأُ مِن كَلامِ العَرَبِ إنَّما هو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ وجَمِيعُ ما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى خِلافِهِ مُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ تَدْفَعُ مَعَ ما تَقَدَّمَ

صفحة 52

قَوْلَ مَن شَرَطَ الأقَلَّ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ لِأنَّ اسْتِثْناءَ الغاوِينَ هُنا يَسْتَلْزِمُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ المُخْلَصِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن جِنْسِ العِبادِ، واسْتِثْناءُ المُخْلَصِينَ هُناكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ الغاوِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ المُخْلَصِينَ والغاوِينَ أقَلَّ مِن نَفْسِهِ وهو كَما تَرى.

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ هُنا جِنْسُ العِبادِ الشّامِلُ لِلْمُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يُكَلَّفَ ولا شَكَّ أنَّ الغاوِينَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ وهُمُ المُخْلَصُونَ ومَن ماتَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ والمُسْتَثْنى مِنهُ هُناكَ المُكَلَّفُونَ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُعْقَلُ حَمْلُهم عَلى الغَوايَةِ والضَّلالِ إذْ غَيْرُ المُكَلَّفِ لا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِذَلِكَ والمُخْلَصُونَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ أيْضًا ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الكَثْرَةَ والقِلَّةَ الِادِّعائِيَّتَيْنِ تَكْفِيانِ لِصِحَّةِ الشَّرْطِ فَقَدْ ذَكَرَ السَّكّاكِيُّ في آخِرِ قِسْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَذا لا تَقُولُ لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفٌ إلّا تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ إلّا وأنْتَ تُنْزِلُ ذَلِكَ الواحِدَ مَنزِلَةَ الألْفِ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ الخِطابِيَّةِ مَعَ أنَّهُ مِمَّنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ المُسْتَثْنى أقَلَّ مِنَ الباقِي اه، وظاهِرُ كَلامِ الأُصُولِيِّينَ يُنافِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الجِنْسِ أيْضًا ويَكُونُ الكَلامُ تَكْذِيبًا لِلْمَلْعُونِ فِيما أوْهَمَ أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى مَن لَيْسَ بِمُخْلَصٍ مِن عِبادِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ مُنْتَهى قُدْرَتِهِ أنْ يَغُرَّهم ولا يَقْدِرَ عَلى جَبْرِهِمْ عَلى اتِّباعِهِ كَما قالَ:

﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ .

فَحاصِلُ المَعْنى أنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وقَهْرٌ بَلْ أطاعُوكَ في الإغْواءِ واتَّبَعُوكَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ ولا يَضُرُّ في الِانْقِطاعِ دُخُولُ الغاوِينَ في العِبادِ بِناءً عَلى ما قالُوا مِن أنَّ المُعْتَبَرَ في الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ الحُكْمُ، ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَصْدِيقًا لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في صَرِيحِ الِاسْتِثْناءِ وتَكْذِيبًا في جَعْلِ الإخْلاصِ عِلَّةً لِلْخَلاصِ حَسْبَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ فَإنَّ الصِّبْيانَ والمَجانِينَ خَلَصُوا مِن إغْوائِهِ مَعَ فَقْدِ هَذِهِ العِلَّةِ.

(ومِن) عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ لِبَيانِ الجِنْسِ أيِ الَّذِينَ هُمُ الغاوُونَ. واسْتَدَلَّ الجَبائِيُّ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى العِبادِ عَلى رَدِّ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الشَّيْطانَ يُمْكِنُهُ صَرْعُ النّاسِ وإزالَةُ عُقُولِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في إنْكارِ المُعْتَزِلَةِ تَخَبُّطَ الشَّيْطانِ والرَّدُّ عَلَيْهِمْ

15:43Page 264

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٣

And indeed, Hell is the promised place for them all.

﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ الضَّمِيرُ لِمَنِ اتَّبَعَ أوْ لِلْغاوِينَ ورُجِّحَ الثّانِي بِالقُرْبِ وظُهُورِ مُلاءَمَتِهِ لِلضَّمِيرِ، والأوَّلُ بِأنَّ اعْتِبارَهُ أُدْخِلَ في الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِهِ مَعَ أنَّ الثّانِي جِيءَ بِهِ لِبَيانِهِ (وأجْمَعِينَ) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ ويُجْعَلَ عَلى هَذا المَوْعِدِ مَصْدَرًا مِيمِيًّا لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وهو كَوْنُ المُضافِ مِمّا يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ فَإنَّهُمُ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ أوْ كَوْنُ المُضافِ جُزْءَ المُضافِ إلَيْهِ أوْ كَجُزْئِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ لِيَتَّحِدَ عامِلُ الحالِ وصاحِبُها حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا لَكِنْ يُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ قَبْلَهُ لِأنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ عَيْنَ المَوْعِدِ بَلْ مَحَلَّهُ فَيُقَدَّرُ مَحَلُّ وعْدِهِمْ أوْ مَكانَهُ، ولَيْسَ بِتَأْوِيلِ اسْمِ المَفْعُولِ كَما وُهِمَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْعِدُ اسْمَ مَكانٍ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ إلّا أنَّ في جَوازِ الحالِيَّةِ بَحْثًا لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ كَما حُقِّقَ في النَّحْوِ، وكَوْنُ العامِلِ مَعْنى الإضافَةِ وهو الِاخْتِصاصُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجارُّ لِلْمُضافِ إلَيْهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تَنْصِبُ الحالَ، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ جَهَنَّمَ مَوْعِدًا لَهم مِنَ التَّهَكُّمِ والِاسْتِعارَةِ فَكَأنَّهم كانُوا عَلى مِيعادٍ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ ما أُعِدَّ لَهم فِيها مِمّا لا يُوصَفُ في الفَظاعَةِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском