Al-AlusiAl‑Hijr · 15:4–8

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:4–8

15:4Page 262

وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ ٤

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى بِالخَسْفِ بِها وبِأهْلِها الكافِرِينَ كَما فَعَلَ بِبَعْضِها أوْ بِإخْلائِها عَنْ أهْلِها بَعْدَ إهْلاكِهِمْ كَما فَعَلَ بِآخَرِينَ ﴿إلا ولَها﴾ في ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿كِتابٌ﴾ أجْلٌ مُقَدَّرٌ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ ﴿مَعْلُومٌ﴾ لا يُنْسى ولا يُغْفَلُ عَنْهُ حَتّى يُتَصَوَّرَ التَّخَلُّفُ عَنْهُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وهَذا شَرَعَ في بَيانِ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ. ( وكِتابٌ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( قَرْيَةٍ ) ولا يَلْزَمُ تَقَدُّمَها لِكَوْنِ صاحِبِها نَكِرَةً لِأنَّها واقِعَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ وهو مُسَوِّغٌ لِمَجِيءِ الحالِ لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ لا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ بِكَلِمَةِ ( مِن ) والمَعْنى ما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ أنْ يَكُونَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ لا نُهْلِكُها قَبْلَ بُلُوغِهِ ولا نَغْفُلُ عَنْهُ لِيُمْكِنَ مُخالَفَتُهُ، أوْ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ والجُمْلَةُ كَما هي حالٌ أيْضًا أيْ ما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا وقَدْ كانَ لَها في حَقِّ إهْلاكِها أجْلٌ مُقَدَّرٌ لا يُغْفَلُ عَنْهُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ- لِقَرْيَةٍ- والقِياسُ أنْ لا يَتَوَسَّطَ الواوُ بَيْنَهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ وإنَّما تَوَسَّطَتْ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ كَما يُقالُ في الحالِ: جاءَنِي زَيْدٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وجاءَنِي وعَلَيْهِ ثَوْبٌ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَهُ مِنَ النُّحاةِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما بَعْدَ إلّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً، وقَدْ صَرَّحَ الأخْفَشُ والفارِسِيُّ بِمَنعِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ: إنَّ جَعْلَ ما بَعْدَ إلّا صِفَةً لِما قَبْلَها مَذْهَبٌ لَمْ يُعْرَفْ لِبَصْرِيٍّ ولا كُوفِيٍّ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وأبْطَلَ القَوْلَ بِأنَّ الواوَ تَوَسَّطَتْ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ.

ونُقِلَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ أنَّ هَذِهِ الواوَ هي الَّتِي تُعْطِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها في اللَّفْظِ هي في الزَّمَنِ قَبْلَ الحالَةِ الَّتِي قَبْلَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ واعْتَذَرَ السَّكّاكِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ سَهْوٌ ولا عَيْبَ فِيهِ، ولَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ وانْتَصَرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ فَقالَ: قَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى مِنهم في هَذا الكِتابِ فَلا سَهْوَ كَما اعْتَذَرَ صاحِبُ المِفْتاحِ، وإذا ثَبَتَ إقْحامُ الواوِ كَما عَلَيْهِ الكُوفِيُّونَ والقِياسُ لا يَدْفَعُهُ لِثُبُوتِهِ في الحالِ وفِيما أُضْمِرَ بَعْدَهُ الجارُّ في نَحْوٍ بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا وكَمْ وكَمْ، وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعارَةَ شائِعَةٌ في الواوِ نَوْعِيَّةً بَلْ جِنْسِيَّةً فَلا نَعْتَبِرُ النَّقْلَ الخُصُوصِيَّ ولا يَكُونُ مِن إثْباتِ اللُّغَةِ بِالقِياسِ لِثُبُوتِ النَّقْلِ عَنْ نَحارِيرِ الكُوفَةِ واعْتِضادِهِ بِالقِياسِ، والمَعْنى ولا يَبْعُدُ مِن صاحِبِ المَعانِي تَرْجِيحُ المَذْهَبِ الكُوفِيِّ إذا اقْتَضاهُ المَقامُ كَما رَجَّحُوا المَذْهَبَ التَّمِيمِيَّ عَلى الحِجازِيِّ في بابِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهُ، ولا خَفاءَ أنَّ المَعْنى عَلى الوَصْفِ أبْلَغُ وأنَّ هَذا الوَصْفَ ألْصَقُ بِالمَوْصُوفِ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ لِأنَّهُ لازِمٌ عَقْلِيٌّ وذَلِكَ عادِيٌّ جَرى عَلَيْهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى اه. وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ وناهِيكَ بِهِ مِن مُقْتَدًى.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المَوْصُوفَ لَيْسَ القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ وإنَّما هو قَرْيَةٌ مُقَدَّرَةٌ وقَعَتْ بَدَلًا مِنَ المَذْكُورَةِ عَلى

صفحة 11

المُخْتارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ كَوْنِ الصِّفَةِ لَها أيْ ما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى إلّا قَرْيَةً لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فَإنَّ ﴿لا يُسْمِنُ﴾ إلَخْ صِفَةٌ لَكِنْ لا لِلطَّعامِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى انْحِصارِ طَعامِهِمُ الَّذِي لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ في الضَّرِيعِ، ولَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ بَلْ لِلطَّعامِ المُقَدَّرِ بَعْدَ ( إلّا ) أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا طَعامٌ لا يُسْمِنُ إلَخْ فَلَيْسَ هُناكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِإلّا، وأمّا تَوْسِيطُ الواوِ وإنْ كانَ القِياسُ عَدَمَهُ فَلِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاتِّصالِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في أمْرِ التَّوْسِيطِ بِما يَدْفَعُ عَنْهُ القالَ والقِيلَ، وما ذَكَرَهُ مِن تَقْدِيرِ المَوْصُوفِ بَعْدَ- إلّا- يَدْفَعُ حَدِيثَ الفَصْلِ لَكِنْ نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ قالَ بَعْدَ مَنعِ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بَإلّا: ونَحْوَ ما جاءَنِي رَجُلٌ إلّا راكِبٌ تَقْدِيرُهُ إلّا رَجُلٌ راكِبٌ، وفِيهِ قُبْحٌ لِجَعْلِكَ الصِّفَةَ كالِاسْمِ، ولَعَلَّ الجَوابَ عَنْ هَذا سَهْلٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (إلّا لَها) بِإسْقاطِ الواوِ، وهو عَلى ما قِيلَ يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِزِيادَتِها،

15:5Page 262

مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٥

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

ولِما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأُمَمَ المُهْلَكَةَ كانَ لِكُلٍّ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ لَهم كِتابٌ لا يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ ولا التَّأخُّرُ عَنْهُ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ وغَيْرِهِمْ- فَمِن- مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّبْعِيضِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿أجَلَها﴾ المَكْتُوبُ في كِتابِها أيْ لا يَجِيءُ هَلاكُها قَبْلَ مَجِيءِ كِتابِها أوْ لا تَمْضِي أُمَّةٌ قَبْلَ مُضِيِّ أجَلِها، فَإنَّ السَّبْقَ كَما نَقَلَ الإمامُ عَنِ الخَلِيلِ إذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانِي فَمَعْناهُ المُجاوَزَةُ والتَّخْلِيفُ فَإذا قُلْتَ: سَبَقَ زَيْدٌ عَمْرًا فَمَعْناهُ أنَّهُ جاوَزَهُ وخَلَّفَهُ وراءَهُ وأنَّ عَمْرًا قَصْرًا عَنْهُ ولَمْ يَبْلُغْهُ وإذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانِهِ كانَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، فَإذا قُلْتَ سَبَقَ فُلانٌ عامَ كَذا كانَ مَعْناهُ مَضى قَبْلَ إتْيانِهِ ولَمْ يَبْلُغْهُ والسِّرُّ في ذَلِكَ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الزَّمانَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ والتَّوَجُّهُ فَما سَبَقَهُ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ، وأمّا الزَّمانِيُّ فَإنَّما يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ والتَّوَجُّهُ إلى ما سَيَأْتِي مِنَ الزَّمانِ فالسّابِقُ ما تَقَدَّمَ إلى المَقْصِدِ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الأجَلِ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ السَّبْقِ كَما أنَّ إيرادَهُ بِعُنْوانِ الكِتابِ بِاعْتِبارِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الإهْلاكِ ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ وما يَتَأخَّرُونَ.

وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ بَعْدَ ما ذُكِرَ نَفْيُ الإهْلاكِ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ دَوامِهِما فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والباقِيَةِ، ولَهُ نَظائِرُ في كِتابِ الكَرِيمِ وإسْنادُهُما إلى الأُمَّةِ بَعْدَ إسْنادِ الإهْلاكِ إلى القَرْيَةِ لِما أنَّ السَّبْقَ والِاسْتِئْخارَ حالُ الأُمَّةِ بِدُونِ القَرْيَةِ مَعَ ما في الأُمَّةِ مِنَ العُمُومِ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ، وتَأْخِيرُ عَدَمِ سَبْقِهِمْ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ المُبالِغَةِ في بَيانِ تَحَقُّقِ عَذابِهِمْ إمّا بِاعْتِبارِ تَقَدُّمِ السَّبْقِ في الوُجُودِ وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، وأوْرَدَ الفِعْلَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ رِعايَةً لِمَعْنى ( أُمَّةٍ ) مَعَ التَّغْلِيبِ كَما رُوعِيَ لَفْظُها أوَّلًا مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ ولِهَذا حُذِفَ الجارُّ والمَجْرُورُ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما سَبَقَ ولِذا فُصِلَتْ، والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ الوِدادَةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ إنَّما هو لِتَأْخِيرِ أجَلِهِمُ المُقَدِّرِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِ بَعْضِ مَن يَخْرُجُ مِنهم قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ فَإنَّما هو مَيِّتٌ بِأجَلِهِ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الإمامُ.

15:6Page 262

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1

﴿وقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِهِمْ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ

صفحة 12

المُتَضَمِّنُ لِلْكُفْرِ بِهِ وبَيانِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهُمْ، والقائِلُ أهْلُ مَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، والنَّضِرِ بْنِ الحَرْثِ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ ﷺ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أيِ القُرْآنُ، وخاطَبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ لا يَعْتَقِدُونَ نُزُولَ شَيْءٍ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا وإشْعارًا بِعِلَّةِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنُونَ يا مَن يَدَّعِي مِثْلَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الخارِقِ لِلْعادَةِ إنَّكَ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّعْوى مُتَحَقِّقٌ جُنُونُكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَسْمَعُ مِنهُ كَلامًا يَسْتَبْعِدُهُ: أنْتَ مَجْنُونٌ، وقِيلَ: حُكْمُهم هَذا لِما يَظْهَرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شِبْهِ الغَشْيِ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِالقُرْآنِ، والأوَّلُ عَلى ما قِيلَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَقُولَ الجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ دُونَ النِّداءِ أمّا هو فَمِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَبْرِئَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رَدٌّ لِإنْكارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى هَذا رَدٌّ لِما عَنَوْهُ في ضِمْنِ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ لَكِنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ الكُلِّ كَلامَهم. وقَدْ سَبَقَهم إلى نَظِيرِهِ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِقَوْلِهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى نائِبِ الفاعِلِ كَما قِيلَ لِأنَّ إنْكارَهم مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ النّازِلِ ذِكْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ النّازِلِ مِنهُ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ الإنْكارَ هُناكَ مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وإيرادُ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِإيهامِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ أوْ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِ لا إلى إسْنادِهِ إلى الفاعِلِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَ عَلَيْهِ الذَّكَرُ بِتَخْفِيفِ ( نُزِّلَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ورُفِعَ ( الذِّكْرُ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقُرِئَ «يا أيُّها الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ». قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ القِراءَةُ تَفْسِيرًا لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ

15:7Page 262

لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ كَلِمَةُ (لَوْما) كَـ”لَوْلا“ تُسْتَعْمَلُ في أحَدِ مَعْنَيَيْنِ امْتِناعُ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ والتَّخْفِيضُ وعِنْدَ إرادَةِ الثّانِي مِنها لا يَلِيها إلّا فِعْلٌ ظاهِرٌ أوْ مُضْمَرٌ وعِنْدَ إرادَةِ الأوَّلِ لا يَلِيها إلّا اسْمٌ ظاهِرٌ أوْ مُقَدَّرٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:

لَوْما الحَياءُ ولَوْما الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المِيمَ في (لَوْما) بَدَلٌ مِنَ اللّامِ في لَوْلا، ومِثْلُهُ اسْتَوْلى واسْتَوْمى وخالَلْتُهُ وخالَمْتُهُ فَهو خِلِّي وخِلْمِي أيْ صَدِيقِي. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ لَوْ تُرَكَّبُ مَعَ لا وما لِمَعْنَيَيْنِ وهَلْ لا تُرَكَّبُ إلّا مَعَ لا وحْدَها لِلتَّحْضِيضِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ فِيهِما البَساطَةَ وأنَّ المِيمَ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ اللّامِ، وقالَ المالِقِيُّ: إنَّ (لَوْ ما) لا تَرِدُ إلّا لِلتَّحْضِيضِ وهو مَحْجُوجٌ بِالبَيْتِ السّابِقِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ هُنا التَّحْضِيضُ أيْ هَلّا تَأْتِينا ﴿بِالمَلائِكَةِ﴾ يَشْهَدُونَ لَكَ ويُعَضِّدُونَكَ في الإنْذارِ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ أوْ يُعاقِبُونَ عَلى تَكْذِيبِكَ كَما كانَتْ تَأْتِي الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ لِرُسُلِهِمْ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواكَ إنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ وكَذا احْتِياجَكَ إلَيْهِ في تَمْشِيَةِ أمْرِكَ إذْ لا نُصَدِّقُكَ في ذَلِكَ الأمْرِ الخَطِيرِ بِدُونِهِ أوْ إنْ كُنْتَ مِن

صفحة 13

جُمْلَةِ تِلْكَ الرُّسُلِ الصّادِقِينَ الَّذِينَ عُذِّبَتْ أُمَمُهُمُ المُكَذِّبَةُ لَهُمْ

15:8Page 262

مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨

We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.

﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ التَّنْزِيلِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ والأخَوَيْنِ وابْنِ مُصَرِّفٍ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ (تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ النُّونِ والزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «المَلائِكَةُ» عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وباقِي السَّبْعَةِ «تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ» بِفَتْحِ التّاءِ والزّايِ عَلى أنَّ الأصْلَ «تَتَنَزَّلُ» بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا ورَفْعَ ”المَلائِكَةُ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وإبْقاءُ الفِعْلِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى مِن جَعْلِهِ بِمَعْنى تَنْزِلُ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «ما نَزَلَ» ماضِيًا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ورَفْعَ ”المَلائِكَةُ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ. والبَيْضاوِيُّ بَنى تَفْسِيرَهُ عَلى أنَّ الفِعْلَ يَنْزِلُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى (والمَلائِكَةَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُهُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِذَلِكَ أحَدٌ مِنَ العَشْرَةِ بَلْ لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ القِراءَةُ في الشَّواذِّ وهو خِلافُ ما سَلَكَهُ في تَفْسِيرِهِ، ولَعَلَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْ سَها. وهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ مِنهُ سُبْحانَهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ جَوابًا لَهم عَنْ مَقالَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ ورَدًّا لِاقْتِراحِهِمُ الباطِلِ الصّادِرِ عَنْ مَحْضِ التَّعَصُّبِ والعِنادِ، ولِشِدَّةِ اسْتِدْعاءِ ذَلِكَ لِلْجَوابِ قُدِّمَ رَدُّهُ عَلى ما هو جَوابٌ عَنْ أوَّلِها أعْنِي

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском