Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:47–57
15:47Page 264
وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٧
And We will remove whatever is in their breasts of resentment,1 [so they will be] brothers, on thrones facing each other.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ حِقْدٍ، وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ مِنَ الغِلالَةِ وهو ما يُلْبَسُ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ الشِّعارِ والدِّثارِ وتُسْتَعارُ لِلدِّرْعِ كَما يُسْتَعارُ الدِّرْعُ لَها، وقِيلَ: قِيلَ لِلْحِقْدِ غِلٌّ أخْذًا لَهُ مِنِ انْغَلَّ في كَذا وتَغَلَّلَ إذا دَخَلَ فِيهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْماءِ الجارِي بَيْنَ الشَّجَرِ غَلَلٌ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الغِلُّ فِيما يُضْمَرُ في القَلْبِ مِمّا يُذَمُّ كالحَسَدِ والحِقْدِ وغَيْرِهِما، وهَذا النَّزْعُ قِيلَ في الدُّنْيا، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرِ النَّوا قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هُوَ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ إنَّ بَنِيَ تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ فَجَعَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُسَخِّنُ يَدَهُ فَيَكْوِي بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمَذانَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ فَصاحَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ، وقالَ: فَمَن إذَنْ إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ؟ وقِيلَ: إنْ ذَلِكَ في الآخِرَةِ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ،
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ القاسِمِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ عَلى ما في صُدُورِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الشَّحْناءِ والضَّغائِنِ حَتّى إذا تَدانَوْا وتَقابَلُوا عَلى السُّرُرِ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى ما في صُدُورِهِمْ في الدُّنْيا مِن غِلٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ رُشَيْدٍ قالَ: يَنْتَهِي أهْلُ الجَنَّةِ إلى بابِ الجَنَّةِ وهم يَتَلاحَظُونَ تَلاحُظَ القِيرانِ فَإذا دَخَلُوها نَزَعَ اللَّهُ تَعالى ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الغِلِّ، وقِيلَ: فِيها قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَحِيسُ أهْلُ الجَنَّةِ بَعْدَ ما يُجَوَّزُونَ الصِّراطَ حَتّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ ظُلاماتُهم في الدُّنْيا ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولَيْسَ في قُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ غِلٌّ»».
وهَذا ونَحْوُهُ يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الإمامُ في المُتَّقِينَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ طَهَّرَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم مِن أنْ يَتَحاسَدُوا عَلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ ونَزَعَ سُبْحانَهُ مِنها كُلَّ غِلٍّ وألْقى فِيها التَّوادَّ والتَّحابَّ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في وُجُودِ الغِلِّ في صُدُورِهِمْ قَبْلَ النَّزْعِ فَتَأمَّلْ.
( إخْوانًا ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ ( في جَنّاتٍ ) وهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ إنْ جَعَلَ ( ادْخُلُوها ) حالًا مِن ذَلِكَ أيْضًا أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ( ادْخُلُوها ) وهي مُقَدَّرَةٌ إنْ كانَ النَّزْعُ في الجَنَّةِ أوْ مِن ضَمِيرِ ( آمِنِينَ ) أوِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ في ( صُدُورِهِمْ ) وجازَ لِأنَّ المُضافَ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْضًا، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ- لَإخْوانًا- أوْ حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ لِأنَّهُ في مَعْنى
صفحة 59
المُشْتَقِّ أيْ مُتَصافِّيِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مُتَقابِلِينَ ) حالًا مِنَ المُسْتَتِرِ في ( عَلى سُرُرٍ ) سَواءٌ كانَ حالًا أوْ صِفَةً، وأبُو حَيّانَ لا يَرى جَوازَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ جُزْأهُ أوْ كَجُزْئِهِ ويَخُصُّهُ فِيما إذا كانَ المُضافُ مِمّا يَعْمَلُ في المُضافِ إلَيْهِ الرَّفْعُ أوِ النَّصْبُ، وزَعَمَ أنَّ جَوازَ ذَلِكَ في الصُّورَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ. ولَمْ يَقِفْ عَلى أنَّهُ نَقَلَهُ في فَتاوِيهِ عَنِ الأخْفَشِ وجَماعَةٌ وافَقُوهُ فِيهِ، واخْتارَ كَوْنَ ( إخْوانًا ) مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ والسُّرُرُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَرِيرٍ وهو مَعْرُوفٌ وأخْذُهُ مِنَ السُّرُورِ إذْ كانَ ذَلِكَ لِأُولِي النِّعْمَةِ، وإطْلاقُهُ عَلى سَرِيرِ المَيِّتِ لِلتَّشْبِيهِ في الصُّورَةِ ولِلتَّفاؤُلِ بِالسُّرُورِ الَّذِي يَلْحَقُ المَيِّتَ بِرُجُوعِهِ إلى جِوارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وخَلاصِهِ مِن سِجْنِهِ المُشارِ إلَيْهِ بِما جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ««الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ»».
وكَلْبٌ وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ يَفْتَحُونَ الرّاءَ وكَذا كُلُّ مُضاعَفِ فَعِيلٍ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أسِرَّةٍ، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِاليَواقِيتِ والزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ، وسِعَةُ كُلٍّ كَسِعَةٍ ما بَيْنَ صَنْعاءَ إلى الجابِيَةِ. وفي كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ إشارَةٌ إلى أنَّهم في رِفْعَةٍ وكَرامَةٍ تامَّةٍ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الأسِرَّةَ تَدُورُ بِهِمْ حَيْثُما دارُوا فَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ مُتَقابِلُونَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ، فالتَّقابُلُ التَّواجُهُ وهو نَقِيضُ التَّدابُرِ، ووَصْفُهم بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى أشْرَفِ أحْوالِ الِاجْتِماعِ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى أنَّهم يَجْتَمِعُونَ ويَتَنادَمُونَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ مُتَساوِينَ في التَّواصُلِ والتَّزاوُرِ.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ إذا أرادَ أنْ يَلْقى أخاهُ المُؤْمِنَ سارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى صاحِبِهِ فَيَلْتَقِيانِ ويَتَحَدَّثانِ
15:48Page 264
لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ ٤٨
No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها﴾ أيْ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ ما إمّا بِأنْ لا يَكُونَ لَهم فِيها ما يُوجِبُهُ مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ لِحُصُولِ كُلِّ ما يَشْتَهُونَهُ مِن غَيْرِ مُزاوَلَةِ عَمَلٍ أصْلًا، وإمّا بِأنْ لا يَعْتَرِيَهم ذَلِكَ وإنْ باشَرُوا الحَرَكاتِ العَنِيفَةَ لِكَمالِ قُوَّتِهِمْ. وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ قُوَّةَ الواحِدِ مِنهم قُوَّةُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن رِجالِ الدُّنْيا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( في جَنّاتٍ ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( إخْوانًا ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُتَقابِلِينَ ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (عَلى سُرُرٍ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ) أيْ هم خالِدُونَ فِيها. فالمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وذَلِكَ لِأنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ بِالخُلُودِ، وهَذا مُتَكَرِّرٌ مَعَ ( آمِنِينَ ) إنْ أُرِيدَ مِنهُ الأمْنُ مِن زَوالِهِمْ عَنِ الجَنَّةِ وانْتِقالِهِمْ مِنها، وارْتُكِبَ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ والتَّأْكِيدِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الأمْنُ مِن زَوالِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والصِّحَّةِ لا يَتَكَرَّرُ، وبَحَثَ بَعْضُهم في لُزُومِ التَّكْرارِ بِأنَّ الأمْنَ مِنَ الشَّيْءِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ كَأمْنِ الكَفَرَةِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى مَثَلًا وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ زَوالَ أنْفُسِهِمْ بِالمَوْتِ لا الزَّوالَ عَنِ الجَنَّةِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ الثّانِيَ في غايَةِ البُعْدِ فَإنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَيِّتِ: إنَّهُ فِيها وإنْ دُفِنَ بِها كالأوَّلِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا بَشَّرَهم بِالأمْنِ مِنهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ وُقُوعِهِ
15:49–50Page 264
۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩
[O Muḥammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful,
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ ٥٠
And that it is My punishment which is the painful punishment.
﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ قِيلَ: مُطْلَقًا، وقِيلَ: الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ أيْ أخْبِرْهم ﴿أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وهَذا إجْمالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، ( وأنا ) إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ تَأْكِيدٌ أوْ فَصْلٌ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ، وأنْ وما بَعْدَها- قالَ أبُو حَيّانَ:- سادَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ﴿نَبِّئْ﴾ إنْ قُلْنا: إنَّها تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ ومَسَدٍّ واحِدٍ إنْ قُلْنا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، وفي ذِكْرِ المَغْفِرَةِ إشْعارٌ عَلى ما قِيلَ بِأنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي جَمِيعَ الذُّنُوبِ إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِها مَوْقِعٌ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَها حِينَئِذٍ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ غَيْرَ أُولَئِكَ المُتَّقِينَ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ بِأنَّهُ يَدْخُلُها وإنْ لَمْ يَتُبْ لِأنَّهُ تَعالى الغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولَهُ وجْهٌ، وفي تَوْصِيفِ ذاتِهِ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ دُونَ التَّعْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: وإنِّي أنا المُعَذِّبُ المُؤْلِمُ
صفحة 60
تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ وإنْ كانَ الألِيمُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في الحَقِيقَةِ صِفَةَ العَذابِ، وكَذا لا يَضُرُّ في ذَلِكَ الإضافَةُ لِأنَّها لا تَقْتَضِي حُصُولَ المُضافِ إلَيْهِ بِالفِعْلِ كَمّا إذا قِيلَ ضَرْبِي شَدِيدٌ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِنهُ ذاكَ شَدِيدٌ إذا وقَعَ ويَكْفِي في الإضافَةِ أدْنى مُلابَسَةٍ، ويُقَوِّي أمْرَ التَّرْجِيحِ الإتْيانُ بِالوَصْفَيْنِ بِصِيغَتِي المُبالَغَةِ، وكَذا ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحِجْرِ رَجَعَ إلَيْنا القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِمَ تُقَنِّطْ عِبادِي؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الآيَةَ».
وتَقْدِيمُ الوَعْدِ أيْضًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الخَبَرُ المَشْهُورُ.
ومَعَ هَذا كُلِّهِ في الآيَةِ ما تَخْشَعُ مِنهُ القُلُوبُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى لَما تَوَرَّعَ مِن حَرامٍ ولَوْ يَعْلَمُ قَدْرَ عَذابِهِ لَبَخَعَ نَفْسَهُ»»
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَهُ مِن رَحْمَةٍ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ»».
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ ذَكَرَ ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ البُشْرى والإهْلاكِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَفْصِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ السّابِقَةُ مِنهُما لا مِنَ الوَعِيدِ فَقَطْ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِضَيْفِ إبْراهِيمَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ وبِهَلْكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما سُمُّوا ضَيْفًا لِأنَّهم في صُورَةِ مَن كانَ يَنْزِلُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأضْيافِ وكانَ لا يَنْزِلُ بِهِ أحَدٌ إلّا أضافَهُ، وكانَ لِقَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ بابٌ لِئَلّا يَفُوتَهُ أحَدٌ، ولِذا كانَ يُكَنّى أبا الضَّيْفانِ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ كَما تَقَدَّمَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ والأفْصَحُ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعَ ولا يُؤَنَّثَ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُؤَنَّثِ فَلا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ إضْمارٍ أيْ أصْحابِ ضَيْفٍ كَما قالَهُ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ سُبْحانَهُ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «ونَبِّيهُمْ» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً
15:52Page 265
إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ ٥٢
When they entered upon him and said, "Peace." [Abraham] said, "Indeed, we are fearful [i.e., apprehensive] of you."
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ أوْ ظَرْفٌ- لِ”ضَيْفِ“- بِناءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ الآنَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ حَيْثُ كانَ التَّقْدِيرُ أصْحابَ ضَيْفٍ حَسْبَما سَمِعْتُهُ عَنِ النَّحّاسِ وغَيْرِهِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِخَبَرٍ مُضافًا إلى ( ضَيْفِ ) أيْ خَبَرِ ضَيْفِ إبْراهِيمَ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا﴾ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامًا﴾ مُقْتَطِعٌ مِن جُمْلَةٍ مَحْكِيَّةٍ بِالقَوْلِ ولَيْسَ مَنصُوبًا بِهِ أيْ سَلَّمْتُ سَلامًا مِنَ السَّلامَةِ أوْ سَلَّمْنا سَلامًا مِنَ التَّحِيَّةِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَقالُوا قَوْلًا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ فَإنَّ الوَجِلَ اضْطِرابُ النَّفْسِ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا كانَ- عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ- بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ الحَنِيذَ فَلَمْ يَأْكُلُوا مِنهُ، وكانَ العادَةُ أنَّ الضَّيْفَ إذا لَمْ يَأْكُلْ مِمّا يُقَدَّمُ لَهُ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِخَيْرٍ، وقِيلَ: كانَ
صفحة 61
عِنْدَ ابْتِداءِ دُخُولِهِمْ حَيْثُ دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ إذْنٍ وفي وقْتٍ لا يُطْرَقُ في مِثْلِهِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجابُوا حِينَئِذٍ بِما أجابُوا بِهِ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُقَرِّبَ إلَيْهِمُ الطَّعامَ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ ظاهِرٌ فِيما تَقَدَّمَ ولَعَلَّ هَذا التَّصْرِيحَ كانَ بَعْدَ الإيجاسِ.
وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ هُنا مَجازًا بِأنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَخايِلُ الخَوْفِ حَتّى صارَ كالقائِلِ المُصَرِّحِ بِهِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ هُنا تَقْرِيبَ الطَّعامِ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَما لَمْ يَذْكُرْ رَدَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ السَّلامَ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا مُفَصَّلًا في هُودٍ فَتَذَكَّرْهُ.
15:53Page 265
قَالُواْ لَا تَوۡجَلۡ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٥٣
[The angels] said, "Fear not. Indeed, we give you good tidings of a learned boy."
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ وقَرَأ الحَسَنُ «لا تُوجَلْ» بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإيجالِ، وقُرِئَ «لا تُواجِلْ» مِن واجَلَهُ بِمَعْنى أوْجَلَهُ و«لا تَأْجَلْ» بِإبْدالِ الواوِ ألِفًا كَما قالُوا: تابَةٌ في تَوْبَةٍ.
﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَجِلِ فَإنَّ المُبَشَّرَ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَ ساحَتِهِ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ كَيْفَ لا وهي بِشارَةٌ بِبَقائِهِ وبَقاءِ أهْلِهِ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ زَمانًا طَوِيلًا.
﴿بِغُلامٍ﴾ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ البِشارَةَ هُنا لِإبْراهِيمَ وفي آيَةٍ أُخْرى لِامْرَأتِهِ ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، ولَعَلَّها هُنا كَوْنُها أوْفَقَ بِإنْباءِ العَرَبِ عَمّا وقَعَ لِجَدِّهِمُ الأعْلى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ بِبِشارَةِ يَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ بِغُلامٍ عَظِيمِ القَدْرِ ﴿عَلِيمٍ﴾ ذِي عِلْمٍ كَثِيرٍ، قِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَكُونُ نَبِيًّا فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾
15:54Page 265
قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤
He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ بِذَلِكَ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ وأثَّرَ فِيَّ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ، ( وعَلى ) بِمَعْنى مَعَ مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في الضَّمِيرِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَكُونُ قَدْ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بِشارَتِهِمْ إيّاهُ مَعَ هَذِهِ الحالِ المُنافِيَةِ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ ( وعَلى ) عَلى ما سَمِعْتُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ البِشارَةُ مَعَ الحالِ المَذْكُورَةِ. وزَعَمَ بَعْضُ المُنْتَمِينَ إلى أهْلِ العِلْمِ أنَّ الأوْلى جَعْلُ ( عَلى ) بِمَعْنى في مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ لِوَجْهَيْنِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّقْدِيرِ وكَوْنِ المُصاحَبَةِ لِصِدْقِها بِأوَّلِ المَسِّ لا تُنافِي البِشارَةَ، وهو لَعَمْرِي ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ كَما لا يَخْفى عَلى إنْسانٍ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ زادَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونَ أوْ بِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَقَعُ عادَةً بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ والِاسْتِفْهامُ سُؤالٌ عَنِ الوَجْهِ والطَّرِيقَةِ أيْ تُبَشِّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِأيِّ طَرِيقَةٍ ولا طَرِيقَ لِذَلِكَ في العادَةِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ «بَشَّرْتُمُونِ» بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ «الكُبْرُ» بِضَمِّ الكافِ وسُكُونِ الباءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدِّدَةً بِدُونِ ياءٍ عَلى إدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ والِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ. وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ النُّونِ مُخَفِّفَةً، واعْتَرَضَ عَلى ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وخَرَجَ عَلى حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ كَما هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ ودَلالَةً بِإبْقاءِ نُونِ الوِقايَةِ عَلى الياءِ. وقِيلَ: حُذِفَتْ نُونُ الوِقايَةِ وكُسِرَتْ نُونُ الرَّفْعِ وحُذِفَتِ الياءُ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ وحَذْفُها كَذَلِكَ كَثِيرٌ فَصِيحٌ وقَدْ قُرِئَ بِهِ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقِلَّةِ المَئُونَةِ واحْتِمالِ عَدَمِ حَذْفِ نُونٍ في هَذِهِ القِراءَةِ بِأنْ يَكُونَ اكْتَفى بِكَسْرِ نُونِ الرَّفْعِ مِن أوَّلِ الأمْرِ خِلافَ المَنقُولِ في كُتُبِ النَّحْوِ والتَّصْرِيفِ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم.
صفحة 62
وقَرَأ الحَسَنُ كابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهُ أثْبَتَ الياءَ وباقِي السَّبْعَةِ يَقْرَؤُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وهو نُونُ الرَّفْعِ.
15:55Page 265
قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥
They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ المُحَقَّقِ لا مَحالَةَ أوْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ أوْ بِطَرِيقَةٍ هي حَقٌّ، وهو أمْرُ مَن لَهُ الأمْرُ القادِرُ عَلى خَلْقِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ أبَوَيْنِ فَكَيْفَ بِإيجادِهِ مِن شَيْخٍ وعَجُوزٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ أيِ الآيِسِينَ مِن خَرْقِ العادَةِ لَكَ فَإنَّ ظُهُورَ الخَوارِقِ عَلى يَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَثِيرٌ حَتّى لا يُعَدَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مُخالِفًا لِلْعادَةِ، وكَأنَّ مَقْصِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِعْظامُ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في ضِمْنِ التَّعَجُّبِ العادِيِّ المَبْنِيِّ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ عِبادِهِ جَلَّ وعَلا لا اسْتِبْعادَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلِ النَّبِيُّ مُطْلَقًا أجَلُّ قَدْرًا مِن ذَلِكَ، ويُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ عَلى ما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ دُونَ أنْ يَقُولُوا: مِنَ المُمْتَرِينَ ونَحْوَهُ
15:56Page 265
قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦
He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ أيْ لا يَقْنَطُ ﴿مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ أيِ الكَفَرَةُ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَعْرِفُونَ سِعَةَ رَحْمَتِهِ وكَمالَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا كَقَوْلِ ولَدِهِ يَعْقُوبَ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْيُ القُنُوطِ عَنْ نَفْسِهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ أيْ لَيْسَ بِي قُنُوطٌ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وإنَّما الَّذِي أقُولُ لِبَيانِ مُنافاةِ حالِي لِفَيَضانِ تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ عَلَيَّ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «القَنَّطِينَ» والنَّحْوِيّانِ والأعْمَشُ «يَقْنِطُ» بِكَسْرِ النُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأشْهَبُ بِضَمِّها، وهو شاذٌّ وماضِيهِ مِثْلُهُ في التَّثْلِيثِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَفْسِيرِ «الضّالِّينَ» بِما سَمِعْتَ لِما سَمِعْتُ مِنَ الآيَةِ عَلى أنَّ القُنُوطَ وهُوَ- كَما قالَ الرّاغِبُ:- اليَأْسُ مِنَ الخَيْرِ كُفْرٌ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، والشّافِعِيَّةُ عَلى أنَّ ذاكَ وكَذا الأمْنَ مِنَ المَكْرِ مِنَ الكَبائِرِ لِلْحَدِيثِ المَوْقُوفِ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ أوِ المَرْفُوعِ ««مِنَ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى»»
وقالَ الكَمالُ بْنُ أبِي شَرِيفٍ: العَطْفُ عَلى الإشْراكِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الكُفْرِ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَإنْ أُرِيدَ بِاليَأْسِ إنْكارُ سِعَةِ الرَّحْمَةِ الذُّنُوبَ وبِالأمْنِ اعْتِقادُ أنَّهُ لا مَكْرَ فَكُلٌّ مِنهُما كُفْرٌ اتِّفاقًا لِأنَّهُ رَدٌّ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ، وإنْ أُرِيدَ اسْتِعْظامُ الذُّنُوبِ واسْتِبْعادُ العَفْوِ عَنْها اسْتِبْعادًا يَدْخُلُ في حَدِّ اليَأْسِ وغَلَبَةِ الرَّجاءِ المُدْخِلِ لَهُ في حَدِّ الأمْنِ فَهو كَبِيرَةٌ اتِّفاقًا اه. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ.
15:57Page 265
قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٧
[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"
﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ أمْرُكم وشَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ كَمالَ المَقْصُودِ لَيْسَ البِشارَةُ مِن مَقالَةٍ لَهم في أثْناءِ المُحاوَرَةِ مَطْوِيَّةً هُنا، وتَوْسِيطُ ( قالَ ) بَيْنَ كَلامَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُشِيرًا إلى أنَّ هُناكَ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ، وخِطابُهُ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَعْدَ ما كانَ خِطابُهُ السّابِقُ مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِهِ بِالفاءِ ظاهِرٌ في أنَّ مَقالَتَهُمُ المَطْوِيَّةَ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً ما فُهِمَ مِنهُ ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى الِالتِجاءِ أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ كُلَّ المَقْصُودِ لَيْسَ البِشارَةُ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا ذَوِي عَدَدٍ والبِشارَةُ لا تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ ولِذَلِكَ اكْتَفى بِواحِدٍ في زَكَرِيّا ومَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا إلى أنَّهم بَشَّرُوهُ في تَضاعِيفِ الحالِ لِإزالَةِ الوَجِلِ ولَوْ كانَتْ تَمامَ المَقْصُودِ لابْتَدَءُوا بِها عَلى أنَّ فِيما ذُكِرَ بَحْثًا فَقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّعْذِيبَ كالبِشارَةِ لا يَحْتاجُ أيْضًا إلى العَدَدِ ألا يَرى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَلَبَ مَدائِنَهم بِأحَدِ جَناحَيْهِ، وأيْضًا يُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ: ولِذَلِكَ اكْتَفى إلَخْ
صفحة 63
أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكْتَفِ في بِشارَتِهِ بِواحِدٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وأمّا مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ فَإنَّما جاءَها الواحِدُ لِنَفْخِ الرُّوحِ والهِبَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وأمّا التَّبْشِيرُ فَلازِمٌ لِتِلْكَ الهِبَةِ وفي ضِمْنِها ولَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِالذّاتِ، وأيْضًا يَخْدِشُ قَوْلُهُ: ولَوْ كانَتْ تَمامَ المَقْصُودِ لابْتَدَأُوا بِها ما في قِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ قالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ .
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿لا تَوْجَلْ﴾ تَمْهِيدًا لِلْبِشارَةِ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا وُرُودَ لَهُ لِأنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ لِنَزاهَةِ شَأْنِها أوَّلُ ما أبْصَرَتْهُ مُتَمَثِّلًا عاجَلَتْهُ بِالِاسْتِعاذَةِ فَلَمْ تَدَعْهُ يَبْتَدِئُ بِالبِشارَةِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، وعَمّا تَقَدَّمَ بِأنَّ المَعْنى إنَّ العادَةَ الجارِيَةَ بَيْنَ النّاسِ ذَلِكَ فَيُرْسَلُ الواحِدُ لِلْبِشارَةِ والجَمْعُ لِغَيْرِها مِن حَرْبٍ وأخْذٍ ونَحْوَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى يُجْرِي الأُمُورَ لِلنّاسِ عَلى ما اعْتادُوهُ فَلا يَرُدُّ قِصَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ وإنْ قِيلَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ في تِلْكَ الآيَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ أيِ الجِنْسَ الصّادِقَ بِالواحِدِ مِن ذَلِكَ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وتُعِقِّبَ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ العِلْمِ مِن كَلامٍ وقَعَ في أثْناءِ المُحاوَرَةِ وطُوِيَ ذِكْرُهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ وتَوْسِيطُ ( قالَ ) والفاءُ والخِطابُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لا يَقْرَبُهُ، أمّا الأوَّلُ فَلِجَوازِ أنْ يَكُونَ لِما أنَّ هُناكَ انْتِقالًا إلى بَحْثٍ آخَرَ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وأمّا الثّانِي فَلِجَوازِ أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً عَلى مَعْنًى إذا تَحَقَّقَ هَذا فَأخْبِرُونِي ما أمْرُكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ لَهُ سِوى البُشْرى؟، وأمّا الثّالِثُ فَلِجَوازِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا بَعْدَ البِشارَةِ ولَمْ يَكُ يُحْسِنُ خِطابَهم بِذَلِكَ عِنْدَ الإنْكارِ أوِ التَّعَجُّبِ مِن بِشارَتِهِمْ، وكَذا لا يُحْسِنُ في الجَوابِ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الأذْواقِ السَّلِيمَةِ بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا يُحْسِنُ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ قَبْلَ البِشارَةِ لِما أنَّ المَقامَ هُناكَ ضَيِّقٌ مِن أنْ يُطالَ فِيهِ الكَلامُ بِنَحْوِ ذَلِكَ الخِطابِ فَتَدَبَّرْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences