Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:65–74
15:65Page 265
فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥
So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."
﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ شُرُوعٌ في تَرْتِيبِ مَبادِئِ النَّجاةِ أيِ اذْهَبْ بِهِمْ في اللَّيْلِ. وقَرَأ الحِجازِيّانِ بِالوَصْلِ عَلى أنَّهُ مِن سَرى لا مِن أسْرى كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهُما بِمَعْنًى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ وهو سَيْرُ اللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثَ: يُقالُ: أسْرى في السَّيْرِ أوَّلَ اللَّيْلِ وسَرى في السَّيْرِ آخِرَهُ، ورَوى صاحِبُ الإقْلِيدِ «فَسَرَ» مِن سارَ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ اليَمانِيِّ وهو عامٌّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ في السَّيْرِ بِالنَّهارِ ولَيْسَ مَقْلُوبًا مِن سَرى.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ أوْ مِن آخِرِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطَعِ لَيْلٍ بَهِيمٍ
وقِيلَ: هو بَعْدَ ما مَضى مِنهُ شَيْءٌ صالِحٌ، وفي الكَلامِ تَأْكِيدٌ أوْ تَجْرِيدٌ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ عَلى ما قِيلَ، وعَلى قِراءَةِ «سِرْ» لا شَيْءَ مِن ذَلِكَ، وسَيَأْتِي لِهَذا تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ فِرْقَةً قَرَأتْ «بِقِطَعٍ» بِفَتْحِ الطّاءِ.
﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ وكُنْ عَلى أثَرِهِمْ تَذُودُهم وتُسْرِعُ بِهِمْ وتَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِمْ، ولَعَلَّ إيثارَ الِاتِّباعِ عَلى السُّوقِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالأمْرِ كَما قِيلَ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ إذِ السُّوقُ رُبَّما يَكُونُ بِالتَّقَدُّمِ عَلى بَعْضٍ مَعَ التَّأخُّرِ عَنْ بَعْضٍ ويَلْزَمُهُ عادَةً الغَفْلَةُ عَنْ حالِ المُتَأخِّرِ، والِالتِفاتُ المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أيْ مِنكَ
صفحة 69
ومِنهم ﴿أحَدٌ﴾ فَيَرى ما وراءَهُ مَنِ الهَوْلِ ما لا يُطِيقُهُ أوْ فَيُصِيبُهُ العَذابُ فالِالتِفاتُ عَلى ظاهِرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَنْصَرِفْ أحَدُكم ولا يَتَخَلَّفْ لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ ما يُصِيبُ المُجْرِمِينَ فالِالتِفاتُ مَجازٌ لِأنَّ الِالتِفاتَ إلى الشَّيْءِ يَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ وعَدَمَ مُفارَقَتِهِ فَيَتَخَلَّفُ عِنْدَهُ، وذَكَرَ جارُ اللَّهِ أنَّهُ لَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الهَلاكَ عَلى قَوْمِهِ ونَجّاهُ وأهْلَهُ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ مُهاجِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ الِاجْتِهادِ في شُكْرِ اللَّهِ تَعالى وإدامَةِ ذِكْرِهِ وتَفْرِيغِ بالِهِ لِذَلِكَ فَأُمِرَ بِأنْ يَقْدَمَهم لِئَلّا يَشْتَغِلَ بِمَ خَلَّفَهُ قَلْبُهُ ولِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَيْهِمْ وعَلى أحْوالِهِمْ فَلا تُفَرِّطُ مِنهُمُ التِفاتَةٌ احْتِشامًا مِنهُ ولا غَيْرُها مِنَ الهَفَواتِ في تِلْكَ الحالِ المُهَوَّلَةِ المَحْذُورَةِ ولِئَلّا يَتَخَلَّفَ أحَدٌ مِنهم لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ العَذابُ ولِيَكُونَ مَسِيرُهُ مَسِيرَ الهارِبِ الَّذِي يَقْدَمُ سِرْبَهُ ويَفُوتُ بِهِ، ونُهُوا عَنِ الِالتِفاتِ لِئَلّا يَرَوْا ما يَنْزِلُ بِقَوْمِهِمْ فَيَرِقُّوا لَهم ولِيُوَطِّنُوا نُفُوسَهم عَلى المُهاجَرَةِ ويُطَيِّبُوها عَنْ مَساكِنِهِمْ ويَمْضُوا قُدُمًا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى ما وراءَهم كالَّذِي يَتَحَسَّرُ عَلى مُفارَقَةِ وطَنِهِ فَلا يَزالُ يَلْوِي لَهُ أخادِعَهُ كَما قالَ:
تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي ∗∗∗ وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أوْ جُعِلَ النَّهْيُ عَنِ الِالتِفاتِ كِنايَةً عَنْ مُواصَلَةِ السَّيْرِ وتَرْكِ التَّوانِي والتَّوَقُّفِ لِأنَّ مَن يَتَلَفَّتُ لا بُدَّ لَهُ في ذَلِكَ مِن أدْنى وقْفَةٍ اه. قالَ المُدَقِّقُ: وخُلاصَةُ ذَلِكَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ والنَّهْيِ أنْ يُهاجِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُهُ وأهْلُهُ التَّشَمُّرُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّجَرُّدُ لِشُكْرِهِ وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ إرْشادٌ إلى ما هو أدْخَلُ في الحَزْمِ لِلسَّيْرِ وأدَبِ المُسافَرَةِ وما عَلى الأمِيرِ والمَأْمُورِ فِيها وتَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ السَّفَرِ الحَقِيقِيِّ وأنَّهُ أحَقُّ بِقَطْعِ العَوائِقِ وتَقْدِيمِ العَلائِقِ وأحَقُّ وإشارَةٌ إلى أنَّ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى إخْلاصٌ فَلِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ ولَطائِفِهِ الَّتِي لا تُحْصى اه، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الفائِدَةِ المُهاجَرَةَ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ مَعَهُ التَّشَمُّرُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّجَرُّدُ لِشُكْرِهِ غَيْرُ مُتَبادِرٍ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ تَرَكَهُ بَعْضُ مُخْتَصِرِي كِتابَهُ وإنَّما لَمْ يَسْتَثْنِ سُبْحانَهُ الِامْرَأةَ عَنِ الإسْراءِ أوِ الِالتِفاتِ اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ولَيْسَ نَحْوُ ذَلِكَ بِدَعًا في التَّنْزِيلِ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قِيلَ: أيْ إلى حَيْثُ يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ تَعالى المُضِيَّ إلَيْهِ وهو الشّامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: مِصْرُ وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وقِيلَ: مَوْضِعُ نَجاةٍ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَعَدّى (امْضُوا) إلى (حَيْثُ) وتُؤْمَرُونَ إلى الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ عَلى الِاتِّساعِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا مُسَلَّمٌ في تَعْدِيَةِ تُؤْمَرُونَ إلى حَيْثُ فَإنَّ صِلَتَهُ وهي الباءُ مَحْذُوفَةٌ إذِ الأصْلُ تُؤْمَرُونَ بِهِ أيْ بِمُضِيِّهِ فَأُوصِلَ بِنَفْسِهِ وأمّا تَعْدِيَةُ (امْضُوا) إلى حَيْثُ فَلا اتِّساعَ فِيها بَلْ هي عَلى الأصْلِ لِكَوْنِهِ مِنَ الظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ إلّا أنْ يُجْعَلَ ما ذُكِرَ تَغْلِيبًا، وأُجِيبَ بِأنَّ تَعَلُّقَ (حَيْثُ) بِالفِعْلِ هُنا لَيْسَ تَعَلُّقَ الظَّرْفِيَّةِ لِيَتَّجِهَ تَعَدِّي الفِعْلِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مِنَ الظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ فَإنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ غَيْرُ صَرِيحٍ نَحْوَ سِرْتُ إلى الكُوفَةِ، وقَدْ نَصَّ النُّحاةُ عَلى أنَّهُ قَدْ يُتَصَرَّفُ فِيهِ فالمَحْذُوفُ لَيْسَ في بَلْ إلى فَلا إشْكالَ اه، والمَذْكُورُ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الأصْلَ في حَيْثُ أنْ تَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ وتَرِدُ لِلزَّمانِ قَلِيلًا عِنْدَ الأخْفَشِ كَقَوْلِهِ:
لِلْفَتى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ ∗∗∗ حَيْثُ تَهْدِي ساقُهُ قَدَّمَهُ
أرادَ حِينَ تَهْدِي، ولا تَسْتَعْمِلُ غالِبًا إلّا ظَرْفًا ونَدُرَ جَرُّها بِالباءِ في قَوْلِهِ:
كانَ مِنّا بِحَيْثُ يَفُكِّي الإزارَ وبِإلى في قَوْلِهِ:
إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها أُمُّ قَشْعَمٍ وبِفِي في قَوْلِهِ:
فَأصْبَحَ في حَيْثُ التَقَيْنا شَرِيدَهم ∗∗∗ طَلِيقٌ ومَكْتُوفُ اليَدَيْنِ ومُرْعِفُ
صفحة 70
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: تَصَرُّفُها نادِرٌ، ومِن وُقُوعِها مُجَرَّدَةً عَنِ الظَّرْفِيَّةِ قَوْلُهُ:
إنَّ حَيْثَ اسْتَقَرَّ مَن أنْتَ راعِيهِ ∗∗∗ حُمّى فِيهِ عِزَّةٌ وأمانُ
فَحَيْثُ اسْمُ إنَّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ غَلِطَ لِأنَّ كَوْنَها اسْمَ إنَّ فَرْعٌ عَنْ كَوْنِها تَكُونُ مُبْتَدَأً ولَمْ يُسْمَعْ في ذَلِكَ البَتَّةَ بَلِ اسْمُ إنَّ في البَيْتِ- حُمّى- وحَيْثُ- الخَبَرُ لِأنَّهُ ظَرْفٌ، والصَّحِيحُ أنَّها لا تَتَصَرَّفُ فَلا تَكُونُ فاعِلًا ولا مَفْعُولًا بِهِ ولا مُبْتَدَأً اه، ونَقَلَ ابْنُ هِشامٍ وُقُوعَها مَفْعُولًا بِهِ عَنِ الفارِسِيِّ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وذَكَرَ أنَّها قَدْ تُخَفَّضُ بِمِن وبِغَيْرِها وأنَّها لا تَقَعُ اسْمًا لِإنَّ خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها اسْمٌ مَوْصُولٌ، ومِمّا ذَكَرْنا يَظْهَرُ حالُ التَّصَرُّفِ فِيها، واعْتُرِضَ ما ذَكَرَهُ المُجِيبُ بِأنَّهُ وإنْ رُفِعَ بِهِ إشْكالُ التَّعَدِّي لَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهم قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الجُمَلَ المُضافَ إلَيْها لا يَعُودُ مِنها ضَمِيرٌ إلى المُضافِ، قالَ نَجْمُ الأئِمَّةِ: اعْلَمْ أنَّ الظَّرْفَ المُضافَ إلى الجُمْلَةِ لَمّا كانَ ظَرْفًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ لَمْ يَجُزْ أنْ يَعُودَ مِنَ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ إلَيْهِ فَلا يُقالُ: يَوْمَ قَدِمَ زَيْدٌ فِيهِ لِأنَّ الرَّبْطَ الَّذِي يُطْلَبُ حُصُولُهُ حَصَلَ بِإضافَةِ الظَّرْفِ إلى الجُمْلَةِ وجَعْلِهِ ظَرْفًا لِمَضْمُونِها فَيَكُونُ كَأنَّكَ قُلْتَ: يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فِيهِ اه، و«حَيْثُ» عَلى ما ذَكَرُوا تَلْزَمُ في الغالِبِ الإضافَةَ إلى الجُمْلَةِ وكَوْنُها فِعْلِيَّةً أكْثَرُ وإضافَتُها إلى مُفْرَدٍ قَلِيلَةٌ نَحْوَ:
بَيْضُ المَواضِي حَيْثُ لَيُّ العَمائِمِ وحَيْثُ سُهَيْلٌ طالِعًا، ولا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الكِسائِيِّ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ عَدَمُ إضافَتِها لَفْظًا بِأنْ تُضافَ إلى مَحْذُوفَةٍ مُعَوِّضًا عَنْها ما كَقَوْلِهِ:
إذا رَيْدَةٌ مِن حَيْثُ ما نَفَحَتْ لَهُ أيْ مِن حَيْثُ هَبَّتْ وهي هُنا مُضافَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها فَكَيْفَ يُقَدَّرُ الضَّمِيرُ في «يُؤْمَرُونَ» عائِدًا عَلَيْها، وقَدْ نَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ (حَيْثُ) لا يَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْها والَّذِي في البَحْرِ أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ مُبْهَمٌ تَعَدّى إلَيْها (امْضُوا) بِنَفْسِهِ كَما تَقُولُ: قَعَدْتُ حَيْثُ قَعَدَ زَيْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِها كَما قالَ المُجِيبُ لَيْسَ تَعَلُّقَ الظَّرْفِيَّةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَضْمِينِ فِعْلٍ صالِحٍ لِأنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ المَذْكُورُ كالحُلُولِ والتَّوَطُّنِ وغَيْرِهِما. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ (حَيْثُ) هُنا ظَرْفُ زَمانٍ أيِ امْضُوا حِينَ أُمِرْتُمْ، والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) ورُدَّ بِأنَّ الظّاهِرَ عَلى هَذا أُمِرْتُمْ دُونَ ( تُؤْمَرُونَ ) مَعَ أنَّ فِيهِ اسْتِعْمالَ (حَيْثُ) في أقَلِّ مَعْنَيَيْها وُرُودًا مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ المُضارِعَ مُسْتَعْمَلٌ في مَقامِ الماضِي عَلى المَعْنى الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا وهو يَقْتَضِي تَقَدُّمَ أمْرٍ بِالمُضِيِّ إلى مَكانٍ فَإنْ كانَ فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وإيثارُ المُضِيِّ إلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ دُونَ الوُصُولِ إلَيْهِ واللُّحُوقِ بِهِ لِلْإيذانِ بِأهَمِّيَّةِ النَّجاةِ ولِمُراعاةِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَلَفَ مِنَ الغابِرِينَ.
15:66Page 265
وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦
And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.
﴿وقَضَيْنا﴾ أيْ أوْحَيْنا ﴿إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ مَقْضِيًّا مُثْبَتًا فَقَضى مُضَمَّنَ مَعْنى أوْحى ولِذا عَدّى تَعْدِيَتَهُ، وجُعِلَ المُضَمَّنُ حالًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ أحَدَ الوَجْهَيْنِ المَشْهُورَيْنِ في التَّضْمِينِ وذَلِكَ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ كَما قالَ الأخْفَشُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِنَ الأمْرِ إذا جُعِلَ بَيانًا لِذَلِكَ لا بَدَلًا، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ ذاكَ عَلى إسْقاطِ الباءِ أيْ بِأنَّ دابِرَ إلَخْ، ولَعَلَّ المُشارَ إلَيْهِ بِذَلِكَ الأمْرِ عَلَيْهِ الأمْرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ أوْحَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ المُتَعَلِّقَ بِنَجاتِهِ ونَجاةِ آلِهِ مُلابِسًا لِبَيانِ حالِ قَوْمِهِ المُجْرِمِينَ مِن قَطْعِ دابِرِهِمْ، وهو حَسَنٌ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى «إنَّ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وخَرَجَ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ الأمْرُ؟ فَقِيلَ في جَوابِهِ: إنَّ دابِرَ إلَخْ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ في
صفحة 71
الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، قِيلَ: ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «وقُلْنا إنَّ دابِرَ» إلَخْ وهي قِراءَةُ تَفْسِيرٍ لا قُرْآنٍ لِمُخالَفَتِها لِسَوادِ المُصْحَفِ، والدّابِرُ الآخِرُ ولَيْسَ المُرادُ قَطْعَ آخِرِهِمْ بَلِ اسْتِئْصالَهم حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الصَّباحِ فَإنَّ الإفْعالَ يَكُونُ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ نَحْوَ أتْهَمَ وأنْجَدَ. وهو مِن أصْبَحَ التّامَّةِ حالٌ مِن ( هَؤُلاءِ ) وجازَ بِناءً عَلى أنَّ المُضافَ بَعْضُهُ، وقَدْ قِيلَ: بِجَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ فِيما كانَ المُضافُ كَذَلِكَ، ولَيْسَ العامِلُ مَعْنى الإضافَةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ. وكَوْنُهُ اسْمَ الإشارَةِ تَوَهُّمٌ لِأنَّ الحالَ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ صاحِبَها يَعْمَلُ فِيها، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿مَقْطُوعٌ﴾ الرّاجِعِ إلى ( دابِرَ ) وجازَ ذَلِكَ مَعَ الِاخْتِلافِ إفْرادًا وجَمْعًا رِعايَةً لِلْمَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْنى دابِرِي هَؤُلاءِ فَيَتَّفِقُ الحالُ وصاحِبُها جَمْعِيَّةً.
وقَدَّرَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ إذا كانُوا مُصْبِحِينَ كَما تَقُولُ: أنْتَ راكِبًا أحْسَنُ مِنكَ ماشِيًا. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ إنْ كانَ تَقْدِيرَ مَعْنًى فَصِيحٍ وإنْ كانَ بَيانَ إعْرابٍ فَلا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى
15:67Page 265
وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧
And the people of the city came rejoicing.1
﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما صَدَرَ مِنَ القَوْمِ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى مَكانِ الأضْيافِ مِنَ الفِعْلِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهَذا مُقَدَّمٌ وُقُوعًا عَلى العِلْمِ بِهَلاكِهِمْ كَما سَمِعْتَ والواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ العِلْمِ بِذَلِكَ وما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُحاوَرَةِ مَعَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم والإمْلاءِ لَهم والتَّرَبُّصِ بِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ المَساءَةِ وضِيقِ الذَّرْعِ مِن بابِ التَّكَتُّمِ والإمْلاءِ أيْضًا مِمّا يَأْبى عَنْهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ، والمُرادُ بِالمَدِينَةِ سَذُومُ وبِأهْلِها أُولَئِكَ القَوْمُ المُجْرِمُونَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى كَثْرَتِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ فَظاعَةِ فِعْلِهِمْ، فَإنَّ اللّائِقَ بِأهْلِ المَدِينَةِ أنْ يُكْرِمُوا الغُرَباءَ الوارِدِينَ عَلى مَدِينَتِهِمْ ويُحْسِنُوا المُعامَلَةَ مَعَهم فَهم عَدَلُوا عَنْ هَذا اللّائِقِ مَعَ مَن حَسِبُوهم غُرَباءَ وارِدِينَ إلى قَصْدِ الفاحِشَةِ إلى ما سَبَقَهم بِها أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ وجاؤُوا مَنزِلَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ مُسْتَبْشِرِينَ مَسْرُورِينَ إذْ قِيلَ لَهُمْ: إنَّ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضُيُوفًا مُرَدًا في غايَةِ الحُسْنِ والجَمالِ فَطَمِعُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ
15:68Page 265
قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨
[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.
﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ الضَّيْفُ كَما قَدَّمْنا في الأصْلِ مَصْدَرُ ضافَهُ فَيُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ولِذا صَحَّ جَعْلُهُ خَبَرًا- لِهَؤُلاءِ-، وإطْلاقُهُ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِمْ في زِيِّ الضَّيْفِ، وقِيلَ: بِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ لِذَلِكَ، والتَّأْكِيدُ لَيْسَ لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ بَلْ لِتَحْقِيقِ اتِّصالِهِمْ بِهِ وإظْهارِ اعْتِنائِهِ بِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتَشْمِيرِهِ لِمُراعاةِ حُقُوقِهِمْ وحِمايَتِهِمْ عَنِ السُّوءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ عِنْدَهم بِأنْ تَتَعَرَّضُوا لَهم بِسُوءٍ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لِي عِنْدَكم قَدْرٌ أوْ لا تَفْضَحُونِي بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي فَإنَّ مَن أُسِيءَ إلى ضَيْفِهِ فَقَدْ أُسِيءَ إلَيْهِ، يُقالُ: فَضَحْتُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، ويُقالُ: فَضَحَ الصُّبْحُ إذا تَبَيَّنَ لِلنّاسِ
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُباشَرَتِكم لِما يَسُوءُنِي ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ لا تُذِلُّونِي ولا تُهِينُونِي بِالتَّعَرُّضِ بِالسُّوءِ لِمَن أجَرْتُهم فَهو مِنَ الخِزْيِ بِمَعْنى الذُّلِّ والهَوانِ، وحَيْثُ كانَ التَّعَرُّضُ لَهم بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أكْثَرَ تَأْثِيرًا في جانِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأجْلَبَ
صفحة 72
لِلْعارِ إلَيْهِ إذِ التَّعَرُّضُ لِلْجارِ قَبْلَ العِلْمِ رُبَّما يَتَسامَحُ فِيهِ وأمّا بَعْدَ العِلْمِ والمُناصَبَةِ بِحِمايَتِهِ والذَّبِّ عَنْهُ فَذاكَ أعْظَمُ العارِ، عَبَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا يَعْتَرِيهِ مِن جِهَتِهِمْ بَعْدَ النَّهْيِ المَذْكُورِ بِسَبَبِ لُجاجِهِمْ ومُجاهَرَتِهِمْ بِمُخالَفَتِهِ بِالخِزْيِ وأمْرِهِمْ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ أيْ لا تَجْعَلُونِي أسْتَحْيِي مِنَ النّاسِ بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالسُّوءِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنَّهْيِ عَنْ نَفْسِ تِلْكَ الفاحِشَةِ قِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ لا يُفِيدُهم ذَلِكَ، وقِيلَ: رِعايَةً لِمَزِيدِ الأدَبِ مَعَ ضَيْفِهِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِما يَثْقُلُ عَلى سَمْعِهِمْ وتَنْفِرُ عَنْهُ طِباعُهم ويَرى الحُرُّ المَوْتَ ألَذَّ طَعْمًا مِنهُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِاتَّقُوا اللَّهَ أمْرُهم بِتَقْواهُ سُبْحانَهُ عَنِ ارْتِكابِ الفاحِشَةِ. وتُعِقَّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ ذَلِكَ تَوْسِيطَهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
15:70Page 265
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠
They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ أيْ عَنْ إجارَةِ أحَدٍ مِنهم وحَيْلُولَتِكَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ أوْ عَنْ ضِيافَةِ أحَدٍ مِنهُمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ولَمْ نَنْهَكَ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الغُرَباءِ بِالسُّوءِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ وُسْعِهِ ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن يُعْرِضُونَ لَهُ وكانُوا قَدْ نَهَوْهُ عَنْ تَعاطِي مِثْلِ ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: ما ذَكَرْتَ مِنَ الفَضِيحَةِ والخِزْيِ إنَّما جاءَكَ مِن قِبَلِكَ لا مِن قِبَلِنا إذْ لَوْلا تَعَرُّضُكَ لِما تَتَصَدّى لَهُ لَما اعْتَراكَ، ولَمّا رَآهم لا يُقْلِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ
15:71Page 266
قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١
[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ يَعْنِي نِساءَ القَوْمِ أوْ بَناتِهِ حَقِيقَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ (وبَناتِي) خَبَرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَتَزَوَّجُوهُنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( بَناتِي ) بَدَلًا أوْ بَيانًا والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أطْهَرُ لَكم كَما في الآيَةِ الأُخْرى، وأنْ يَكُونَ ( هَؤُلاءِ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَزَوَّجُوا بَناتِي، والمُتَبادَرُ الأوَّلُ.
﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ لَكم وما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ، وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى دُونَ ما حَرَّمَ، والوَجْهُ الأوَّلُ كَما في الكَشْفِ أوْجَهُ.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ أنْسَبُ بِالشَّكِّ، ويُفْهِمُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ تَرْجِيحَ الثّانِي قِيلَ لِتَبادُرِهِ مِنَ الفِعْلِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ المَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، وجُوِّزَ تَنْزِيلُ الوَصْفِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ فَهو خَيْرٌ لَكم أوْ فاقْضُوا ذَلِكَ
15:72Page 266
لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢
By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِعُمُرِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ وما سَمِعْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ قالَ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: هو قَسَمٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعُمْرِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ مُحْتاجٌ لِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ إلَخْ، وهو خِلافُ الأصْلِ وإنْ كانَ سِياقُ القِصَّةِ شاهِدًا لَهُ وقَرِينَةً عَلَيْهِ، فَلا يَرُدُّ ما قالَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ مِن أنَّهُ تَقْدِيرٌ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولَوِ ارْتُكِبَ مِثْلُهُ لَأُمْكِنَ إخْراجُ كُلِّ نَصٍّ عَنْ مَعْناهُ بِتَقْدِيرِ شَيْءٍ فَيَرْتَفِعُ الوُثُوقُ بِمَعانِي النَّصِّ، وأيًّا ما كانَ- فَعَمْرُكَ- مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا أيْ قَسَمِي أوْ يَمِينِي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والعَمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ البَقاءُ والحَياةُ إلّا أنَّهُمُ التَزَمُوا الفَتْحَ في القَسَمِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ فَناسَبَ التَّخْفِيفَ وإذا دَخَلَتْهُ اللّامُ التُزِمَ فِيهِ الفَتْحُ وحُذِفَ الخَبَرُ في القَسَمِ، وبِدُونِ اللّامِ يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ وهو صَرِيحٌ، وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وسُمِعَ فِيهِ دُخُولُ الباءِ وذُكِرَ الخَبَرُ
صفحة 73
قَلِيلًا، وذُكِرَ أنَّهُ إذا تَجَرَّدَ مِنَ اللّامِ لا يَتَعَيَّنُ لِلْقَسَمِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجَوْهَرِيِّ، وقالَ ابْنُ يَعِيشٍ: لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيهِ أيْضًا وجاءَ شاذًّا «عَمَلِي» وعَدُّوهُ مِنَ القَلْبِ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ:
مَعْنى ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَدِينُكَ الَّذِي تَعْمُرُ ويُفَسَّرُ بِالعِبادَةِ، وأنْشَدَ:
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
أرادَ عِبادَتَكَ اللَّهَ تَعالى فَإنَّهُ يُقالُ- عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ - عَمَرْتُ رَبِّي أيْ عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ عابِدٌ، وتَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ وهو غَرِيبٌ. وفي البَيْتِ تَوْجِيهاتٌ فَقالَ سِيبَوَيْهِ فِيهِ: الأصْلُ عَمَّرْتُكَ اللَّهِ تَعالى تَعْمِيرًا فَحُذِفَ الزَّوائِدُ مِنَ المَصْدَرِ وأُقِيمَ مَقامَ الفِعْلِ مُضافًا إلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ، ومَعْنى عَمَرْتُكَ أعْطَيْتُكَ عُمْرًا بِأنْ سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْمُرَكَ فَلَمّا ضُمِّنَ عُمْرُ مَعْنى السُّؤالِ تَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي- أعْنِي الِاسْمَ الجَلِيلَ- فَهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ، وأجازَ الأخْفَشُ رَفْعَهُ لِيَكُونَ فاعِلًا أيْ عَمَرَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَعْمِيرًا، وجَوَّزَ الرَّضِيُّ أنْ يَكُونَ- عَمْرَكَ- فِيهِ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أسْألُ اللَّهَ تَعالى عَمْرَكَ وأسْألُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أسْألُكَ بِحَقِّ تَعْمِيرِكَ اللَّهَ تَعالى أيِ اعْتِقادُكَ بَقاءَهُ وأبَدِيَّتَهُ تَعالى فَيَكُونُ انْتِصابُهُ بِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ نَحْوَ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وهو مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والِاسْمُ الجَلِيلُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ، ولا بَأْسَ بِإضافَةِ- عَمْرِ- إلَيْهِ تَعالى، وقَدْ جاءَ مُضافًا كَذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:
إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
ولَعَمْرُ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ مِنها تَبَيَّنَ نَقْصُها وكَمالُها
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَعَمْرُ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أزَلِيٌّ أبَدِيٌّ، وكَأنَّهُ تُوُهِّمَ أنَّ العُمْرَ لا يُقالُ إلّا فِيما لَهُ انْقِطاعٌ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وجاءَ في كَلامِهِمْ إضافَتُهُ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، قالَ النّابِغَةُ لَعَمْرِي وما عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ.
وكَرِهَ النَّخْعِيُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ حَلِفٌ بِحَياةِ المُقْسِمِ، ولا أعْرِفُ وجْهَ التَّخْصِيصِ فَإنَّ في ﴿لَعَمْرُكَ﴾ خِطابًا لِشَخْصٍ حَلِفًا بِحَياةِ المُخاطَبِ وحُكْمُ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مُقَرَّرٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في مَحَلِّهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما و«عَمْرُكَ» بِدُونِ لامٍ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ أيْ لَفي غِوايَتِهِمْ أوْ شِدَّةِ غُلْمَتِهِمُ الَّتِي أزالَتْ عُقُولَهم وتَمْيِيزُهم بَيْنَ خَطَئِهِمْ والصَّوابُ الَّذِي يُشارُ بِهِ إلَيْهِمْ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ النُّصْحَ، وأصْلُ العَمَهِ عَمى البَصِيرَةِ وهو مُوَرِّثٌ لِلْحَيْرَةِ وبِهَذا الِاعْتِبارِ فُسِّرَ بِذَلِكَ، والضَّمائِرُ لِأهْلِ المَدِينَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ بِناءً عَلى المَأْثُورِ في الخِطابِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقِيلَ: ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الضَّمائِرُ لِقُرَيْشٍ، واسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ لِعَدَمٍ مُناسِبَةِ السِّباقِ والسِّياقِ، ومِن هُنا قِيلَ: الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وجُمْلَةُ ( يَعْمَهُونَ ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿سَكْرَتِهِمْ﴾ والعامِلُ السَّكْرَةُ أوْ مَعْنى الإضافَةِ، ولا يَخْفاكَ حالُهُ، وقَرَأ الأشْهَبُ «سُكْرَتِهِمْ» بِضَمِّ السِّينِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «سَكَراتِهِمْ» بِالجَمْعِ، والأعْمَشُ «سُكْرِهِمْ» بِغَيْرِ تاءٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ «أنَّهُمْ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ اللّامِ، ومِثْلُهُ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «ألا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ» بِالفَتْحِ بِناءً عَلى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ إنَّما تَصْحَبُ إنِ المَكْسُورَةَ الهَمْزَةِ وكَأنَّ التَّقْدِيرَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لَعَمْرُكَ قَسَمِي عَلى أنَّهم فافْهَمْ.
صفحة 74
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يَعْنِي صَيْحَةً هائِلَةً، والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ وقالَ الإمامُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى هَذا التَّعْيِينِ فَإنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَوِيٍّ قِيلَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: الصَّيْحَةُ مِثْلُ الصّاعِقَةِ فَكُلُّ شَيْءِ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، قالَ المُدَقِّقُ: والجَمْعُ بَيْنَ- مُصْبِحِينَ ومُشْرِقِينَ- بِاعْتِبارِ الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ بِأنْ يَكُونَ ابْتِداءُ العَذابِ عِنْدَ الصُّبْحِ وانْتِهاؤُهُ عِنْدَ الشُّرُوقِ وأخْذُ الصَّيْحَةِ قَهْرُها إيّاهم وتَمَكُّنُها مِنهُمْ، ومِنهُ الأخِيذُ الأسِيرُ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: ﴿مَقْطُوعٌ﴾ بِمَعْنى يَقْطَعُ عَمّا قَرِيبٍ انْتَهى، وقِيلَ: ( مُشْرِقِينَ ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ
15:74Page 266
فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤
And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾ أيِ المَدِينَةَ كَما هو الظّاهِرُ. وجُوِّزَ رُجُوعُهُ إلى القُرى وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُها والمُرادُ بِعالِيها وجْهُ الأرْضِ وما عَلَيْهِ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعْلِ (وسافِلَها) الثّانِي لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ ﴿حِجارَةً﴾ كائِنَةً ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ وهو في المَشْهُورِ مُعَرَّبُ سَنْكَ كَلْ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ وطائِفَةٌ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ وأنَّهُ يُقالُ فِيهِ «سِجِّينٍ» بِالنُّونِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ:
ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّينًا وهو كَما تَرى. وسُئِلَ الأصْمَعِيُّ عَنْ مَعْناهُ في البَيْتِ فَقالَ: لا أُفَسِّرُهُ إذْ كُنْتُ أسْمَعُ وأنا حَدَثٌ- سِخِّينًا- بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أيْ سُخْنًا و”سِجِّينٍ“ بِالجِيمِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجِلِّ وهو الكِتابُ أيْ مِن طِينٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أسْماؤُهم أوْ كَتَبَ اللَّهُ تَعْذِيبَهم بِهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ أيْضًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences