Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:88–93
15:88–89Page 266
لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.
وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩
And say, "Indeed, I am the clear warner" -
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تَطْمَحْ بِنَظَرِكَ طَمُوحَ راغِبٍ ولا تَدُمْ نَظَرَكَ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا وزِينَتِها ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾
صفحة 80
أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: رِجالًا مَعَ نِسائِهِمْ، والنَّهْيُ قِيلَ لَهُ ﷺ وهو لا يَقْتَضِي المُلابَسَةَ ولا المُقارَبَةَ، وقِيلَ: هو لِأُمَّتِهِ وإنْ كانَ الخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: نُهِيَ الرَّجُلُ أنْ يَتَمَنّى مالَ صاحِبِهِ نَعَمْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ شَدِيدَ الِاحْتِياطِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّ بِإبِلٍ لِحَيٍّ يُقالُ لَهم بَنُو المُلَوِّحِ أوْ بَنُو المُصْطَلَقِ قَدْ عَنَّسَتْ في أبْوالِها وأبْعارِها مِنَ السَّمْنِ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ ومَرَّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةَ،» ويُعَدُّ نَحْوَ هَذا الفِعْلِ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ. ومِنهم مَن أيَّدَ الأوَّلَ بِهَذا وبِدَلالَةِ ظاهِرِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وحاصِلُها مَعَ ما قَبْلُ قَدْ أُوتِيتَ النِّعْمَةَ العُظْمى الَّتِي كَلُّ نِعْمَةٍ وإنْ عَظُمَتْ فَهي بِالنِّسْبَةِ إلَيْها حَقِيرَةٌ فَعَلَيْكَ أنْ تَسْتَغْنِيَ بِذَلِكَ ولا تَرْغَبَ في مَتاعِ الدُّنْيا، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»» بِناءً عَلى أنَّ «يَتَغَنَّ» مِنَ الغِنى المَقْصُورِ كَيَسْتَغْنِي ولَيْسَ مَقْصُورًا عَلى المَمْدُودِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في الخَيْلِ ««وأمّا الَّتِي هي لَهُ سَتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا»».
وعَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا أفْضَلَ مِمّا أُوتِيَ فَقَدْ صَغَّرَ عَظِيمًا وعَظَّمَ صَغِيرًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ما هو بِمَعْناهُ، وقالَ العِراقِيُّ: إنَّ الخَبَرَ مَرْوِيٌّ لَكِنْ لَمْ أقِفْ عَلى رِوايَتِهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ.
وحَكى بَعْضُهم في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أنَّهُ وافَتْ مَن بُصْرى وأذْرُعاتٍ سَبْعُ قَوافِلَ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ في يَوْمٍ واحِدٍ فِيها أنْواعٌ مِنَ البُرِّ والطِّيبِ والجَواهِرِ فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ كانَتْ لَنا لَتَقَوَّيْنا بِها ولَأنْفَقْناها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتْ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: قَدْ أعْطَيْتُكم سَبْعًا هي خَيْرٌ مِن سَبْعِ قَوافِلَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ أوْ لا يَصِحُّ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ كانُوا بِالمَدِينَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ذَلِكَ وهو كَما تَرى. نَعَمْ رَوِيَ أنَّهُ ﷺ وافى بِأذْرُعاتٍ سَبْعَ قَوافِلَ لِيَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فِيها إلَخْ وهو غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقَدْ قالُوا: إنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ سَفَرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلشّامِ، واسْتُؤْنِسَ بِخَبَرِ النُّزُولِ عَلى أنَّ النَّهْيَ مَعْنِيٌّ بِهِ سَيِّدُ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالنَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا، وكانَ ﷺ يَوَدُّ أنْ يُؤْمِنَ كُلُّ مَن بُعِثَ إلَيْهِ وشَقَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَزِيدِ شَفَقَتِهِ بَقاءُ الكَفَرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ( ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) وكَأنَّ مَرْجِعَ الجُمْلَةِ الأُولى إلى النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى أمْوالِهِمْ ومَرْجِعَ هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ المَعْنى لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ إنَّهُمُ المُتَمَتِّعُونَ بِذَلِكَ فَإنَّ التَّمَتُّعَ بِهِ لا يَكُونُ مَدارًا لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنُ المَعْنى لا تَحْزَنْ عَلى تَمَتُّعِهِمْ بِذَلِكَ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ التَّواضُعِ لَهم والرِّفْقِ بِهِمْ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَضُمَّ فَرْخَهُ إلَيْهِ بَسَطَ جَناحَيْهِ لَهُ، والجَناحانِ مِنَ ابْنِ آدَمَ جانِباهُ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ أيِ المُنْذِرُ الكاشِفُ نُزُولَ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ونِقَمِهِ المُخَوِّفَةِ بِمَن لَمْ يُؤَمِن
15:90Page 266
كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠
Just as We had revealed [scriptures] to the separators1
﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ إلَخْ عَلى أنْ
صفحة 81
يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مِن آتَيْنا مَحْذُوفٍ أيْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي إيتاءً كَإنْزالِنا أنْزَلَنا وهو في مَعْنى أنْزَلْنا عَلَيْكَ ذَلِكَ إنْزالًا كَإنْزالِنا عَلى أهْلِ الكِتابِ
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيْ قَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ حَيْثُ قالُوا عِنادًا وعَداوَةً: بَعْضُهُ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، وتَفْسِيرُ ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ المَذْكُورِينَ بِأهْلِ الكِتابِ مِمّا رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، وفي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ البُخارِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هم أهْلُ الكِتابِ جَزَّؤُوهُ أجْزاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وجاءَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: ««سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اليَهُودُ والنَّصارى قالَ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ما عِضِينَ؟ قالَ ﷺ: آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ»». أوِ اقْتَسَمُوهُ لِأنْفُسِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي وبَعْضَهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي وهَكَذا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ ويُرادَ مِنَ القُرْآنِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ أيِ المَقْرُوءُ مِن كُتُبِهِمْ أيِ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا ما قَرَؤُوا مِن كُتُبِهِمْ وحَرَّفُوهُ وأقَرُّوا بِبَعْضٍ وكَذَّبُوا بِبَعْضٍ، وحُمِلَ تَوَسُّطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إلَخْ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ عَلى إمْدادِ ما هو المُرادُ بِالكَلامِ مِنَ التَّسْلِيَةِ. وتُعِقِّبَ القَوْلُ بِهَذا التَّعَلُّقِ بِأنَّهُ جُلُّ هَذا المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ فَلَقَدْ أُوتِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وفي حَمْلِ القُرْآنِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ ما فِيهِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإنْذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي اليَهُودَ هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ بِأنْ جُعِلَ المُتَوَقَّعِ كالواقِعِ وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ العَذابَ المُنْذِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا حالَ النُّزُولِ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَلْغُو التَّشْبِيهُ، وتَنْزِيلُ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لَهُ مَوْقِعٌ جَلِيلٌ مِنَ الإعْجازِ لَكِنْ إذا صادَفَ مَقامًا يَقْتَضِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ونَظائِرِهِ، عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الِاقْتِسامِ بِاليَهُودِ بِمُجَرَّدِ اخْتِصاصِ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ شِرْكَتِهِمْ لِلنَّصارى في الِاقْتِسامِ المُتَفَرِّعِ عَلى المُوافَقَةِ والمُخالَفَةِ، وفي الِاقْتِسامِ بِمَعْنى التَّحْرِيفِ الشّامِلِ لِلْكِتابَيْنِ بَلْ تَخْصِيصُ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مِن نَتائِجِ الِاقْتِسامِ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ جَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ وهي اثْنا عَشَرَ، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصُ بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ، أرْسَلَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أيّامَ المَوْسِمِ لِيَقِفُوا عَلى مَداخِلِ طُرُقِ مَكَّةَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْقَسَمُوا عَلى هاتِيكَ المَداخِلِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذَيانِهِمْ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ وقَبْلَهُ بِآفاتٍ، ويُجْعَلُ الَّذِينَ مَنصُوبًا- بِالنَّذِيرِ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ (وكَما) مَفْعُولُهُ الثّانِي أيْ أنْذِرِ المُعِضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّئُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ وهَذَوْا مِثْلَ هَذَيانِهِمْ.
صفحة 82
وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُشارَكَةِ لِما سَبَقَ في عَدَمِ كَوْنِ العَذابِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ العَذابُ المُنْذِرُ واقِعًا ومَعْلُومًا لِلْمُنْذِرِينَ أنَّهُ لا داعِيَ إلى تَخْصِيصِ وصْفِ التَّعْضِيَةِ بِهِمْ وإخْراجِ المُقْتَسِمِينَ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في ذَلِكَ فَإنَّ وصْفَهم لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما وصَفُوا بِهِ مِنَ السَّحَرِ والشِّعْرِ والكَذِبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى وصْفِهِمْ لِلْقُرْآنِ بِذَلِكَ وهَلْ هو إلّا نَفْسُ التَّعْضِيَةِ ولا إلى إخْراجِهِمْ مِن حُكْمِ الإنْذارِ، عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ يُشَبَّهُ بِهِ عَذابُ غَيْرِهِمْ ولا مَخْصُوصًا بِهِمْ بَلْ هو عامٌّ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ وغَيْرِهِمْ، مَعَ أنَّ بَعْضَ مَن عُدَّ مِنَ المُنْذَرِينَ عَلى قَوْلٍ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والأسْوَدِ وغَيْرِهِما قَدْ هَلَكُوا قَبْلَ مَهْلِكِ أكْثَرِ المُقْتَسِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، ولا إلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِمَفْعُولِ الَّذِينَ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ والمُقْتَسِمُونَ هُمُ القاعِدُونَ في مَداخِلِ الطُّرُقِ كَما حُرِّرَ، أيِ النَّذِيرُ عَذابًا مِثْلَ العَذابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ.
وتُعِقِّبَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ مَعَ ما مَرَّ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ مِن مَقُولِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، واعْتُذِرَ لَهُ بِأنَّهُ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ أمَرْنا بِكَذا والآمِرُ المَلِكُ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ أوْ حِكايَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ ما لا يَخْفى، وأيْضًا فِيهِ إعْمالُ الوَصْفِ المَوْصُوفِ في المَفْعُولِ وهو مِمّا لا يَجُوزُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الكُوفِيَّةَ تَجَوُّزُهُ والقائِلُ بَنى الكَلامَ عَلى ذَلِكَ أوْ أنَّ المُرادَ بِالمَفْعُولِ المَفْعُولُ الغَيْرُ الصَّرِيحِ وتَقْدِيرُهُ بِعَذابٍ وهو لا يَمْنَعُ الوَصْفَ مِنَ العَمَلِ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقْتَسِمِينَ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ الرَّهْطُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، ولا إشْكالَ في التَّشْبِيهِ لِأنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ العَظِيمُ فَيَصِحُّ أنْ يَقَعَ مُشَبَّهًا بِهِ لِلْعَذابِ المُنْذِرِ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْعُولٌ أوَّلُ- لِلنَّذِيرِ- أوْ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ مِن أنْذَرَ. وتُعِقِّبَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ بَعْدَ إغْماضِ العَيْنِ عَمّا في المَفْعُولِيَّةِ مِنَ الخِلافِ أوِ الخَفاءِ أنَّهُ لا يَكُونُ لِلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولا لِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ بِالمَعْنى المَزْبُورِ في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي فائِدَةٌ لِما أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الصِّلَةِ والصِّفَةِ لِلْحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمَوْصُولِ والمَوْصُوفِ فَلا يَكُونُ هُناكَ وجْهُ شَبَهٍ يَدُورُ عَلَيْهِ تَشْبِيهُ عَذابِهِمْ بِعَذابِهِمْ خاصَّةً لِعَدَمِ اشْتِراكِهِمْ في السَّبَبِ، فَإنَّ المُعِضِينَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقاسُمِ عَلى التَّبْيِيتِ الَّذِي هو السَّبَبُ لِهَلاكِ أُولَئِكَ مَعَ أنَّ أُولَئِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّعْضِيَةِ الَّتِي هي السَّبَبُ لِهَلاكِ هَؤُلاءِ ولا عَلاقَةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ مَفْهُومًا ولا وُجُودًا تُصَحِّحُ وُقُوعَ أحَدِهِما في جانِبٍ والآخَرِ في جانِبٍ، واتِّفاقُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مُطْلَقِ الِاتِّفاقِ عَلى الشُّرُورِ المَفْهُومِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الشَّرِّ المَخْصُوصِ الَّذِي هو التَّبْيِيتُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّقاسُمِ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ لا دَلالَةَ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ عَلى ذَلِكَ وإنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِسامُ المَداخِلِ، وجَعْلُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ خَبَرَهُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ وجَلالَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ اه، وهَذا الجُعْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْرَجَها البَيْهَقِيُّ. وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ ما يَقْتَضِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ بِمَنعِ عَدَمِ اللِّياقَةِ، وبَعْضُ مَن يُسَلِّمُها يَقُولُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ مُرادًا بِهِمْ أُولَئِكَ الرَّهْطُ، ومَعْنى جَعْلَهُمُ القُرْآنَ عِضِينَ حُكْمُهم بِأنَّهُ مُفْتَرًى وتَكْذِيبُهم بِهِ والمُرادُ مِنهُ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ فَيُؤَوَّلُ إلى وصْفِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِكِتابِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِهِ والعَمَلِ بِما فِيهِ ويُوافِقُ ما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ وفي قَوْمِهِمْ: ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ آياتُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما قِيلَ بِهِ فِيما سَبَقَ، وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ هُنالِكَ التَزَمْنا كَوْنَ المَوْصُولِ مَفْعُولًا وقُلْنا: فائِدَةُ التَّعَرُّضِ لِلْعُنْوانَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الإشارَةُ إلى تَفْظِيعِ أمْرِ التَّكْذِيبِ وكَوْنُهُ في سَبَبِيَّتِهِ لِلْعَذابِ
صفحة 83
كالِاقْتِسامِ عَلى قَتْلِ النَّبِيِّ، ويُلْتَزَمُ ما يُشْعِرُ بِهِ هَذا مِن أفْظَعِيَّةِ الِاقْتِسامِ المَزْبُورِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَكْذِيبٍ ومَزِيدِ عَداوَةٍ لِلنَّبِيِّ، وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: المُصَحِّحُ لِوُقُوعِ أحَدِ العُنْوانَيْنِ في جانِبٍ والآخَرِ في جانِبٍ أنَّ التَّكْذِيبَ يَنْجَرُّ بِزَعْمِ المُكَذِّبِينَ إلى إبْطالِ أمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإطْفاءِ نُورِهِ وهو العِلَّةُ الغائِيَّةُ لِذَلِكَ والِاقْتِسامُ المَذْكُورُ كَذَلِكَ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو البَقاءِ ولَيْتَهُ لَمْ يَقُلْ: ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى نَعَّمْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى قُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا عَلى المُقْتَسِمِينَ أيْ أهْلِ الكِتابِ، ومُرادُهم عَلى ما قِيلَ أنَّ ما في ( كَما ) مَوْصُولَةٌ، والمُرادُ مِنَ المُشابَهَةِ المُسْتَفادَةِ في الكافِ المُوافَقَةُ وهي مَعَ ما في حَيِّزِها في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( قُلْ ) أيْ قُلْ هَذا القَوْلَ حالَ كَوْنِهِ كَما أنْزَلَنا عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ أيْ مُوافِقًا لِذَلِكَ، والأنْسَبُ عَلى هَذا حَمْلُ الِاقْتِسامِ عَلى التَّحْرِيفِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِما فَعَلُوا مِن تَحْرِيفِهِمْ وكِتْمانِهِمْ لِنَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ بُعْدًا لَكِنَّهُ أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: المَعْنى ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي إيتاءً مُوافِقًا لِلْإيتاءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ وأخْبَرْناهم بِهِ في كُتُبِهِمْ، وفِيهِ ما فِيهِ.
وأمّا جَعْلُها زائِدَةً والمَعْنى أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ما أنْزَلْنا فَحالُهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ بَعْدَ نَقْلِ أقْوالٍ عَقَّبَها بِما عَقَّبَها: والأقْرَبُ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ أنَّ ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ إلَخْ، وأنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابَيْنِ، وأنَّ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ اقْتِسامِهِمْ ومُحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وحَدِيثُ جَلالَةِ المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ مِن لَوائِحِ النَّظَرِ الجَلِيلِ.
والمَعْنى لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ إيتاءً مُماثِلًا لِإنْزالِ الكِتابَيْنِ عَلى أهْلِهِما، وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الإيتاءَيْنِ لا بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِما، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِأنْ يُقالَ: كَما آتَيْنا المُقْتَسِمِينَ حَسْبَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ) إلَخْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما بَيْنَ الإيتاءَيْنِ مِنَ التَّنائِي فَإنَّ الأوَّلَ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ والِامْتِنانِ فَشَتّانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في وُقُوعِهِ مُشَبَّهًا بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُسَلَّمِيتِّهِ عِنْدَهم. وتَقَدَّمَ وجُودُهُ عَلى المُشَبَّهِ زَمانًا لا لِمَزِيَّةٍ تَعُودُ إلى ذاتِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما قِيلَ في الصَّلَواتِ الإبْراهِيمِيَّةِ فَلَيْسَ في التَّشْبِيهِ إشْعارٌ بِأفْضَلِيَّةِ المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ المُشَبَّهِ فَضْلًا عَنْ إيهامِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الأوَّلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الثّانِي، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ إنْكارًا لِاتِّصافِهِمْ بِهِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِنَ الإنْزالِ المَذْكُورِ وإيذانًا بِأنَّهم كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّهِ حَسَبَ إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الِاشْتِراكِ في العِلَّةِ والِاتِّحادِ في الحَقِيقَةِ الَّتِي هي مُطْلَقُ الوَحْيِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إلَخْ لِكَمالِ اتِّصالِهِ بِما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ حالِ ما أُوتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. ولَقَدْ بَيَّنَ أوَّلًا عُلُوَّ شَأْنِهِ ورِفْعَةَ مَكانِهِ ﷺ بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُ اغْتِباطَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانِهِ واسْتِغْناءَهُ بِهِ عَمّا سِواهُ، ثُمَّ نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زَهْرَةِ الدُّنْيا وعَبَّرَ سُبْحانِهِ عَنْ إيتائِها لِأهْلِها بِالتَّمَتُّعِ المُنْبِئِ عَنْ وشْكِ زَوالِها عَنْهُمْ، ثُمَّ عَنِ الحُزْنِ لِعَدَمِ إيمانِ المُنْهَمِكِينَ فِيها، وأُمِرَ بِمُراعاةِ المُؤْمِنِينَ والِاكْتِفاءِ بِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ وبِإظْهارِ قِوامِهِ بِمُواجِبِ الرِّسالَةِ ومَراسِمِ النِّذارَةِ حَسْبَما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ ما أُوتِيَ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ. ثُمَّ رَجَعَ
صفحة 84
إلى كَيْفِيَّةِ إتْيانِهِ عَلى وجْهٍ أُدْمِجَ فِيهِ ما يُزِيحُ شُبَهَ المُنْكِرِينَ ويَسْتَنْزِلُهم مِنَ العِنادِ مِن بَيانِ مُشارَكَتِهِ لِما لا رَيْبَ لَهم في كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ اه. وهو كَلامٌ ظاهِرٌ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ.
وفِي البَحْرِ بَعْدَ نَقْلِ أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ: وهَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم أنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ فَأُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ لَكم ولِغَيْرِكم كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ أنَّكَ نَذِيرٌ لَهُمْ، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنَّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفًا لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَةِ لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنَ كَما تُنْذِرُ الكافِرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اه بِحُرُوفِهِ، وهو كَما تَرى رَكِيكٌ لَفْظًا ومَعْنًى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ وعِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ، وعِضِينَ جَمْعُ عِضَةٍ وأصْلُها عِضَوَةٌ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ بِمَعْنى جُزْءٍ فَهو مُعْتَلُّ اللّامِ مِن عَضّاهُ بِالتَّشْدِيدِ جَعَلَهُ أعْضاءً وأجْزاءً فالمَعْنى جَعَلُوا القُرْآنَ أجْزاءً.
وقِيلَ: العَضَهُ في لُغَةِ قُرَيْشٍ السِّحْرُ فَيَقُولُونَ لِلسّاحِرِ: عاضِهٌ ولِلسّاحِرَةِ عاضِهَةٌ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ، وأبُو يُعْلى في مَسْنَدِهِ ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ»». وأرادَ ﷺ السّاحِرَةَ والمُسْتَسْحِرَةَ أيِ المُسْتَعْمِلَةَ لِسِحْرِ غَيْرِها، وهو عَلى هَذا مَأْخُوذٌ مِن عَضَهْتُهُ فاللّامُ المَحْذُوفَةُ هاءٌ كَما في شَفَةٍ وشاةٍ عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَهُما شَفَهَةٌ وشاهَةٌ بِدَلِيلِ جَمْعِهِما عَلى شِفاهٍ وشِياهٍ وتَصْغِيرِهِما عَلى شُفَيْهَةٍ وشُوَيْهَةٍ.
وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ مِن عَضَهَهُ عَضَهًا وعَضِيهَةً رَماهُ بِالبُهْتانِ، قِيلَ: وأخْذُ العَضَهِ بِمَعْنى السِّحْرِ مِن هَذا لِأنَّ البُهْتانَ لا أصْلَ لَهُ والسَّحَرَ تَخْيِيلُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ مِنَ العِضاهِ وهي شَجَرَةٌ تُؤْذِي كالشَّوْكِ واخْتارَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ، وجَمْعُ السَّلامَةِ لِجَبْرِ ما حُذِفَ مِنهُ كَعَزِينَ وسِنِينَ وإلّا فَحَقُّهُ أنْ لا يَجْمَعَ جَمْعَ السَّلامَةِ المُذَكَّرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عاقِلٍ ولِتَغَيُّرِ مُفْرَدِهِ ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُلْزِمُهُ الياءَ ويَجْعَلُ الإعْرابَ عَلى النُّونِ فَيَقُولُ: عِضِينَكَ كَسِنِينَكَ وهَذِهِ اللُّغَةُ كَثِيرَةٌ في تَمِيمٍ وأسَدٍ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ تَجْزِئَةِ القُرْآنِ بِالتَّعْضِيَةِ الَّتِي هي تَفْرِيقُ الأعْضاءِ مِن ذِي الرُّوحِ المُسْتَلْزِمِ لِإزالَةِ حَياتِهِ وإبْطالِ اسْمِهِ دُونَ مُطْلَقِ التَّجْزِئَةِ والتَّفْرِيقِ اللَّذَيْنِ رُبَّما يُوجَدانِ فِيما لا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى قُبْحِ ما فَعَلُوهُ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ
15:92–93Page 267
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
About what they used to do.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ لَنَسْألَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ أصْنافَ الكَفَرَةِ مُطْلَقًا المُقْتَسِمِينَ وغَيْرَهم سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ وتَرْكٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاقْتِسامِ والتَّعْضِيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ لَنُجازِيَنَّهم عَلى ذَلِكَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لِأنَّ المُرادَ هُنا حَسْبَما أشَرْنا إلَيْهِ إثْباتُ سُؤالِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ أوِ المُجازاةِ بِناءً عَلى أنَّ السُّؤالَ مَجازٌ عَنْها وهُناكَ نَفِيُ سُؤالِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وضَعَّفَ هَذا الإمامُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَخْصِيصِ نَفْيِ سُؤالِ الِاسْتِفْهامِ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ
صفحة 85
كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِفْهامِ. وقِيلَ: المُرادُ لا سُؤالَ يَوْمَئِذٍ مِنهُ تَعالى ولا مِن غَيْرِهِ بِخِلافِ الدُّنْيا فَإنَّهُ رُبَّما سَألَ غَيْرَهُ فِيها. ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ يَأْباهُ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ في الجَمْعِ أنَّ النَّفْيَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ المَواقِفِ والإثْباتَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ آخَرَ، وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم عَوْدَ الضَّمِيرِ في ﴿لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ إلى ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ لِلْقُرْبِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى الجَمِيعِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ لِتَقَدُّمٍ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ وما لِلْعُمُومِ كَما هو الظّاهِرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَسْألُ العِبادَ كُلَّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ خَلَّتَيْنِ عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ وعَمّا أجابُوا بِهِ المُرْسَلِينَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««يُسْألُونَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»» وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، والتِّرْمِذِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، والمَعْنى عَلى ما في البَحْرِ يُسْألُونَ عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ والتَّصْدِيقِ لِمَقالِها بِالأعْمالِ، والفاءُ قِيلَ لِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها، وقِيلَ: لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ والأمْرِ فِيما سَبَقَ، وزُعِمَ أنَّها الفاءُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ وقَدْ عَلِمْتَ حالَ ذَلِكَ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences